مرادي المعيل في نادي السرد

صبيحة شبر
2015 / 6 / 9

مرادي المعيل في نادي السرد

احتفى نادي السرد في اتحاد الأدباء ،بالمجموعة القصصية ( مرادي المعيل) لمؤلفها الدكتور سلمان كيوش، أدار جلسة الاحتفاء الروائي محمد علوان جبر الذي تساءل عن امكانية الكاتب في تطويع اللغة، وأجاب عن تساؤله انه من النادر فعل ذلك ، ولكن التربوي والقاص الدكتور سلمان كيوش فعل ذلك، وعبر عن الحياة المترجرجة في الهور، وقد كُتبت قصص كثيرة عن الهور بقلم فهد الأسدي وعبد الأمير والمجر، وأشار مدير الجلسة ان المحتفى به تربوي ودكتور في علم النفس، ترجم عددا من الكتب ، وكتب مجموعة من القصص..
قال الدكتور سلمان كيوش انه سعيد ان يحتفى به هذا اليوم وقال ان مجموعته القصصية جاءت نتيجة معاناة ، وان المنتج السردي تجلي للاوعي، ويجد الدكتور كيوش ان المنتج السردي موزع بين محورين من الخصائص ، والخصائص الذاتية لا تنفصل عن الخصائص العامة، وأشار المحتفى به الى انه يكتب القصة منذ عام 1986 ، وان الخاصية الأولى من الخصائص العامة :هي الفترة الزمنية التي يتشكل فيها الوعي، وان اولى تشكيلات الوعي لديه كانت مع صفارات الانذار وأزيز الرصاص ، وانه لابد ان يترك ذلك أثره على الكتابة، وان الكبار لا تكون آثار الحروب واضحة عليهم، وبين المحتفى به ان الخاصية الثانية هي القهر السياسي ، وان أعتى نظام دكتاتوري مر على البشرية كان هنا، ولا بد ان هذا الظلم والاستبداد يترك أثره على الوعي ، وبين الدكتور كيوش ان الخاصية الثالثة هي الانتماء ، ونحن من جيل توزع بين انتمائين ، احدهما جنوبي ارتحل الى بغداد ،، ووضح المحتفى به ان هويته بين الانتماء الجنوبي الفلاحي والانتماء الى بغداد، وأضاف الدكتور كيوش انه كانت تصدر منه كلمات تدل على انتمائه الجنوبي ، وان هذا التأرجح وضبابية الانتماء لم تمر بسلام، وهناك خاصية اللهجة وخاصية القناعات، وان الدكتور كيوش يجد نفسه أحيانا منحازا الى قناعاته الجنوبية، والتي تصطدم احيانا بقناعاته المدينية..
وأشار المحتفى به الى الخصائص الخاصة والتي من أولها الفقر ، ولم يتحسس الدكتور كيوش وجوده الا بعد 2006 حين تم تعيينه في الدولة ، وقبض أول راتب، استطاع به ان يعيش براحة، والخاصية الثانية السكن في مدينة الثورة والتي ارتدى بها جلدا معينا ، وحين يخرج منها يقلع الجلد، وكان القاص كيوش طالبا في الجامعة المستنصرية، يجد حرجا كبيرا، حين يختلط بالجنس الآخر، وقد استطاع القاص ان يحسم النزاع، فمن يضمن ان اللهجة البغدادية أفضل اللهجات الأخرى ، وأدرك ان التراث العراقي والمنجز الشعري غالبا ما يقترب من اللهجة الجنوبية، والخاصية الأخرى هي شغف المحتفى به بالأهوار، الذي يتجلى فيه الكثير مما لا نجده في بقعة أخرى، فالإحساس بالطمأنينة، وبيئة الأهوار لا تثقل على أهلها، فالإنسان المدقع يمكن ان يبقى على قيد الحياة، وبإمكانه ان يمد يديه الى اقرب مكان، ويقيم أوده، وأبسط شيء ان يستل غصن البردى والقصب ، والكثير من النباتات تنمو بكثرة ، وبإمكانها ان تبقي الانسان على قيد الحياة، وهناك حميمية وابتعاد عن كل آلة، وكل آلة تعوض عن جهد الانسان تجعل المكان ليس بكرا، وسيلة النقل هي المشحوف، الأكل من نبات الأرض والقليل جدا من الأشياء يتم استيرادها، وحين يضطر ابن الاهوار الى مغادرة المكان، تكون العملية شاقة، وهناك الكثير من أبناء الأهوار يعتقدون ان الكرة الأرضية ماء وقصب..
وبين القاص كيوش ان ابطال المجموعة مأزومون جميعا، وقد ظهر ذلك في سلوكهم، والمجموعة توزعت في محورين : الأول يدور في فضاء الأهوار، والقصص الأخرى تبدو انها ليست في الأهوار، لكن أبطالها مشدودون اليه من ناحية الوعي والحالة النفسية..
قال الناقد علي الفواز ان الاحتفاء اليوم للدكتور ومجموعته وبالمكان، الذي اقترحه الدكتور في مجموعته المميزة، وبين الناقد الفواز انه قرأ كثيرا من ادب المياه، عند ناجح المعموري وفهد الأسدي، لكنه انشدّ لمجموعة سلمان كيوش لمستوين، الأول الدقة في التعاطي مع عالم الأهوار بكل ما يعني من علاقات، وعلى المستوى الفني، فالدكتور كيوش اقترح بناء فنيا تتوازن فيه الشخصيات، والزمان يبدو عائما، والمياه تقطع الانسان عن الزمن، وهناك زمن نفسي، ووضح الناقد الفواز ان الشخصية في المجموعة تبدو ضحية لشيء ما، وبقدر ما ان البيئة اشباعية فان هناك خوفا متجذرا في داخل الشخصية، وبطلها يأخذ حبوب الكآبة، ويعاني من أزمات، وعلاجه لا يتوزع الا في داخل المدينة، وان البطل موزع بين المدينة والريف، وأشار الناقد علي الفواز ان القاص يحاول ان يعتم على السبب ،الذي ادى الى ان يكون البطل ضحية، فهل هو ضحية السياسة ام الفقر؟ وبين الناقد الفواز ان شخصيات المجموعة ظلت تفتقر الى الوضوح، وقد أسبغت دقة القاص على المكان روحا جعلت الشخصية تبدو ضحية، وشخصية ( حميّد) التي وردت في الأغنية وفي الميثولوجيا، والذي منحه القاص شحنات كبيرة، لم تألفه القصة العراقية، وبين الناقد علي الفواز ان القاص كيوش قدم لنا قصا يختلف عن كل القصص التي كتبت عن المياه. ورسم شخصيات تعاني من خلل عميق، ولا يؤمن لها الاشباع، وتساءل الفواز لماذا شخصية الهور تعاني من الأزمة، وقد بدأت الأهوار منذ السبعينات تعاني من الظلم، وقد أجاد الدكتور كيوش في مجموعته وجعلنا نندهش للذة الغريبة التي منحنا اياها..
قرأ الناقد حسن كريم عاتي عددا من الورقات النقدية عن المجموعة، فهو يرى ان الدكتور كيوش تأخر كثيرا في تقديم مجموعته، وكانت اعماله تخضع كثيرا لفحص أصدقائه، وكان سلمان يختبيء تحت خجله، وحاول جهد الامكان ان يحقق حضورا عن طريق الترجمة، ومجموعته متميزة وان كانت متأخرة..
قرأ الناقد حسن كريم عاتي ورقة كاظم حسوني الذي قال انه ما ان فرغ من قراءة مرادي المعيل حتى قال ان هذه القصص الجميلة لا يمكن ان تأتي الا عن طريق قلم سلمان، وهذا النسيج الزاخر هو مزيج لسلمان كيوش وان قصص ( مرادي المعيل ) من الكتب التي تترك تأثيرها في ذهن القارئ، فالقاص يمتلك قدرة في صياغة الحدث، تبدو اشد من الواقع، ويصنع عوالم مرتبطة بالدهشة، عبر تعلقه بالأهوار وهذا شأن الفنان الذي يصنع من الخيال أشياء محسوسة، وقصصه قادرة على اللعب بلب القارئ، وهو يمزج بين الحقيقي والوهمي.
قرأ الروائي أسعد اللامي ورقة الناقد محسن حنيص الذي قال ان القسوة محور الأدب ، وهي الامتداد لما يعرف بالمأساة، وسلمان كيوش يقترب من هذا العالم، والقسوة تطبع جميع النصوص في المجموعة، وكل هذا ذهب مع رحيل الأم وبقاء الاخوة، وحين تتعالى تأوهات الشبق في زوجات الاخوة، كانت فطيم تعاني من كتم صرخاتها ، فالقسوة شامخة في هموم رجل الهور، ولغة المجموعة بعيدة عن الوعظ والارشاد، ويمضي محسن حنيص الى ان سلمان يجرنا الى الزمن الحاضر، الى أحد المخطوفين الذي يرسم على جسده هوية القتلة، ويطلب منهم ان يواصلوا حياتهم، كما يبدي سلمان قدرته على اعلان عنصر المباغتة، في قصة ( حميد) يصعب اختزال القسوة، ينتصر الحب ، لكنه سرعان ما ينهار امام الفاجعة، كما تبدو القسوة من رائحة جسد مليكة التي تنبعث منها رائحة جسد حمار ، بعد أسبوع من نفوقه..
قال الاعلامي توفيق التميمي انه جمعته مع القاص كيوش تجربة حياة وكتابة ، وكان شرفا للتميمي ان يكتب له الدكتور كيوش مقدمة لكتابه، وأضاف التميمي انه يجب على المثقف ان يتمكن أن يقرأ الواقع بشكل جيد، والقاص كيوش فاعل ثقافي خدم المشهد الثقافي، تتطابق حياته مع كتاباته، عمل في مشروع استجلاء فكرة الشفافية التي يجهلها الكثير من الكتاب والقاصين ،، ولقد خطا الدكتور خطوات كبيرة في مضمار القص، وسلمان يمتلك اخلاقية سامية ، وقد تعلم التميمي منه الكثير..
قال الأستاذ سعد السوداني انه يمكن ان نتحدث عن الدوافع التي تدفع انسانا الى سلوك معين، والنص القصصي يمكن ان يكون معقولا بالقدر الذي يمكن فهمه، وما الذي يدفع شخصيات مرادي المعيل الى ان تسلك طريقا معينا، وقد اعطى القاص تحليلا لكل شخصية من شخصيات المجموعة.
قال الأستاذ عبد شاكر ان نصوص المجموعة رائعة، سكب فيها القاص كيوش خلاصة أوجاعه، اقتربت نصوصه من الشعر، وكشفت عن مبدع عراقي، وسلمان مولع بالجنوب، وهو قاص لا يشق له غبار، نقرأ له بمتعة ، جمله تقترب من التشكيل، أكثر من انتمائها الى الأدب، نصوصه تأخذ بتلابيب القارئ، وقد صنع الكاتب كيوش من قلمه مشحوفا كبيرا، وسافر مع قارئيه، وشكل كل حرف له متعة، وزع كيوش انسانيته على أبطال قصصه بالتساوي ، وقال ان الأهوار ليس مكانا للرعب والخيانة، وهو كاتب حصيف يبين صفات أهل الجنوب البسطاء والعاطفيين حتى النخاع ، والقاص كيوش سيد للحروف ونحات للجمل، في نصوصه ميزة لا يمتلكها الا الكبار، وقد وظف المكان في قصصه ، وتبدو بعض القصص وكأنها مطروقة..
يرى المسرحي عبد السادة جبار ان هناك هوة بدأت تتسع بين القارئ والمبدع ، وان القارئ يحتضر في العراق، وسلمان كيوش أقام جسرا بينه وبين القاريء، أرخ للمكان والحيوان الأليف والمشاعر الحقيقية ، التي لم تتمكن الوثائق المكتوبة ان تؤرخ لها، وسرد لنا القاص كيوش، تاريخا من الغرائبية والفانتازيا والمآسي ، سرد تلك الحكايات مصورا تفاصيلها ، في خيال خصب ، وصور التكيف الهجين بين المدنية والريفية، وصور العلاقات بين صور العشق المتكون بين التلفاز والسينما، سرده خاطب العقل ، وهو يؤرخ لحوادث وأمكنة، ويحيي أمكنة وصورا أصابها الاهمال، ويطرح أسئلة : هل نجد ارضا معطاء يعيش عليها حميد، ويدعو المؤلف ان تحقق ( فطيم ) حلمها.
الدكتورة ناهدة البدري اشارت ان الطالب الذي اشرفت على رسالته في الدكتوراه هو سلمان كيوش، وبينت انها تراه جريئا الى أخر حدود الجرأة ، في اختياره موضوع الدكتوراه، واصراره للتقديم لها، وقد منحها كيوش الكثير من الفرح حين كانت مشرفة على رسالته ، وهو مترجم بارع وابدت الدكتورة ناهدة فخرها به، وتمنت ان يحقق النجاح الذي يأمله..

صبيحة شبر