مُثُل افلاطون و مُثُل اليوم

الطيب عبد السلام
2015 / 6 / 9

العيش في المتخيل
يرى افلاطون ان العالم المادي ما هو الا تجلي لعالم المثل الموجود سلفاً، و أن المعنى سابق للشئ لذلك فأن كل ما نراه اليوم من اشياء و افعال هي موجودة سلفاً في عالم المثل.

هذا الامر يقود في فهمي الى التقليل من قيمة الحواس في ادراك الاشياء و اعطائها دوراً في البحث و الاستقصاء و الاستنتاج و المشاركة في قرار ماهية الشئ بل انها مجرد سواقي صغيرة تنهل من الاشياء لتصب في بحر المثل الموضوعة و المقررة سلفاً.
هذه النظرة الافلاطونية للوعي الانساني هي في فهمي نظرة غاية في المثالية و غاية في النظرة اليوتوبية للاشياء بأعتبار ان الموجود في اليد يكدح لمجاراة ما هو موجود عنه سلفاً في العقل.
لذلك فقرار الماهيات المسبقة لدى افلاطون وضع غطاءً ابيضاً على الحواس لصالح الانفتاح العقلي الاعلى الذي تحيا فيه تلك الاشياء بصورتها الحقة المجردة.

سنصمت بعد افلاطون لالف عام اغلقت فيها فيها عصور الخرافة و الظلام المسيحية تطور التجربة البشرية، لنعود مرةً اخرى الى اولى استيقاظات العقل الانساني من قيد التصور الميتافيزيقي الذي عطل البشرية عن مواصلة مسيرتها في تحليل العلاقة بين العقل و الاداة،بين المثل و الحياة.

اعاد جاليليو العالِم التجريبي الاعتبار مرة اخرى للحواس حينما اثبت بمنظاره حقيقة دوران الارض حول الشمس لا العكس لتخرج الحقيقة مرة اخرى من جدران الكنس و مثل القسس الى يد اليد و عين العين و سمع السمع،و ليضاعف العالم الحديث هذه القدرات عبر التقنية الحديثة فتضاعف بمساعدة من هندسة المواد قدرات الحواس البشرية اضعافاً مضاعفة مما هو عليه منظار جاليليو.
و كانت هذه التجربة الجليلة لجاليلو بمثابة نزع الحجر الاساس من بنيان الكنيسة في ادعاء الحقيقة فتهاوت بقية الاشياء هشة كشجرةٍ قديمة ماتت اوراقها منذ زمن من دون ان يجروء اي هواءٍ على الاقتراب منها، فلما اقتربت نسمة هينة اسمها الشك تهاوى كل شئ.

لكننا و مع استفحال التقنية في عصرنا الحديث نشهد عودةً محمومة لعالم المثل و اعادة ارباك للعلاقة الازلية بين ما نتخيل و نتمنى و بينما هو ماثل بين ايدينا.
و أن كانت المثل الافلاطونية هي حالة من القطيعة الميتافيزيقية مع الواقع فأننا اليوم مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعية و خروج التقنية من حقل الانتاج الاداتي الى حقل الاجتماع قد بدأنا في العودة رويداً رويداً الى ما نشتهي و نتمنى من مثل خاصة بنا متجاوزة لالام الواقع و خساراته.
فتحولت الحياة البشرية الاجتماعية الى حياة "تقنو اجتماعية" فتولت الالات و دوائرها الكهربايئة مهمة التعبير الاجتماعي عنا و اصبح العالم المتسع الرحيب اشبه ب "الغيتوهات المغلقة" ينكفئ بداخلها اشخاص امام حواسيب يشعرون عبرها و يضحكون عبرها و يتألمون منها.
صاحب هذا الامر ثورةً انتاجية موازية وضعت مكان اليد البشرية يداً الية لتكتفي اليد البشرية بالتحريك لتلك الايدي الالية "ألاتمتة".

و لم يتوقف الامر عند هذا الحد بل انسحب الانسان من الادارة المباشرة لهذه الالة "الاتمته" ليقوم بابتكار برامج حسابية و رياضية "حوسبة" تجعل من امر ادارة هذه الالات امراً بيدها هي نفسها عبر الاوامر التي وضعها لها سلفاً في "برنامجها التشغيلي"، ليصبح التحكم بهذه الايدي الالية العملاقة خاضعاً لهذا الجهاز الصغير الموضوع في راحة اليد، و ليصبح البشري محض متفرج على ما يجري امامه، وليعود مرةً اخرى الى غرفته مغلقاً عليه بابها ليرى عبر حاسبه الصغير هذا ما يجري في الخارج بدقة بعد أن ارسلَ اقماره الصناعية الى مئات الكيلومترات خارج الارض لترى نيابة عنه ما يقع على بعد امتار من غرفته.

و بالربط بين الحياة الاجتماعية الجديدة التي بتنا نتفاعل فيها بايقونات مطبوخة سلفاً سنعرف تماماً ان الحياة الحقة و الحقيقة المطلقة عادت من الخارج الى الداخل،عادت من الواقع الى الٌمثل.

لكن هل هذا الجنوح نحو العيش في عالم متخيل هو امر سئ او يجب لوم الانسان عليه؟؟
للاجابة عن هذا السوأل سأخرج قليلاً من عالم الفلسفة الى عالم الشعر الذي هو المرأة الالطف للفلسفة، و هو التعبير الشفيف عما يؤرقها و لكن بلغة اكثر انسانية و تواصلية منها لغة ذاتية.
الحالة الشاعرية هي لحظة تسامي عن الواقع المعاش و جنوح لافكار جمالية يكذبها الواقع، الغابةُ في فهمه المتخيل المكان الغاص بالاسئلة و بالمغامرات و بالاصوات الملهمة بينما هي في الواقع هي وحشة مدقعة.
و لعلي انمذج هذا بتجربةِ ذاتية لي مع الجبل،فالجبل الذي كنتُ اشرفُ منه في حالته اليوتوبية و استقيت منه المعاني و القيم الشعرية ليس هو ذاته الجبل الذي صعدتهُ ذات مساء و اصابني الملل من البقاء في هذا المكانِ المرتفع الصامت،ذلك بأنني في تخيلي ملكتهُ ذاتاً ناسياً انه في واقعه محض ظاهرة جيولوجية.

أن الانسان في ظني يلحُ باضطراد على مطابقة الواقع مع الخيال، و هذا الالحاح هو الذي يعذبه لكون واقعه مخالفُ لتخيله،و هذا عائد في فهمي لتمايز كلا العالمين،و ربما يستطيع العلم الانساني و التجريبي فيما بعد تقديم رداً اكثر اقناعاً و اعقد لهذا الحل البديهي الذي اجبتُ به.

في ظني ان علينا المفاضلة بين الحياة في العالم اليوتوبي المتخيل،العالم الرحبُ المطلق او التقيد بظروف المادةِ و الانخراط في جر ساقيتها طيلة العمر،لأن اي محاولة مستميته لجر هذا الى ذاك او ذاك الى هذا محكوم عليها بالفشل للأختلاف الجوهري في طبيعةِ كلا العالمين، مهما حاولت التقنية ردم هذه المسافة و تجسيرها فأنها تظل ابيةً و عصية، و لعلها من سخريات الواقع ان يصل بنا هذا التقدم ان يجعلنا مجاذيباً للالة و لعالمنا الذي نشتهي و نتمنى كالمجاذيبِ متسخي الملابس في الطرقات اذ أن لكلا الشخصين ذات الانتماء الحالم لواقع اخر.

و الجوهر في اليوتوبيا هو جوهر المطلق الذي تزدادُ شهيته للمزيد كلما منحناه ما يريد،بعكس الحاجات المادية المرتبطة بالطبيعة الفسيلوجية للجسد الانساني و طاقاته المحدودة.
ربما هو السوأل الازلي بين المطلق و المحدود متجلياً في لاهوتٍ تقني جديد يحاول باضطراد ردم الهوة التي سرعان ما تتسع بأكبر مما سددناها.

قبل خمسين عاماً من اليوم كان حلمنا هو المشي على القمر، و بعد ان هللنا و فاضت دموعنا بالمشي عليه هالنا اتساعُ الكون و ازداد نحيبنا و الحاحنا على المشي على بقية الكواكب بل و الخروج من المجموعةِ الشمسيةِ نفسها!!
ما اشبهنا بالولد العاق البار في أن لنفسه، الولدُ الذي الح على والده المادي على اخذه الى السوق لشراء قلم، و بعد لائ و كدح للوالدِ المسكين اشترى له القلم ليجد ان ولدهُ بات يفكرُ في شراء حاسبةٍ الية.
هذا هو بالضبط ما قصدتهُ في هذه الخاطرة،ان الالاه الذي اعدمناه قبلَ قرنين من الأن عدنا لنخلق الاهاً اشرس منه، الاهاً مستحيلاً لا ترضيه الاناشيد و التراتيل و القرابين بل الالات و الماكينات التي ايضاً هي تفشلُ باضطراد في ارضائيه لأنه ليس في الخارج بل بداخل هذا الكائن الالهي الجميل المسمى انساناً.

و انا انهي هذه الخاطرة ينتابني لومُ داخلي طويل بأني لم اُعبر عن تمام ما اتخيل بما اقول،ذلك لأن المُتخيل الفلسفي هو ابعدُ بكثيرٍ عن اي مقولةٍ تحاولُ تجسيده.

****************
احالات.
راجع مقالنا "خمس دقائق في عالم الواقع..مقال في العزلة الجديدة".
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=469469

9/6/2105
الغرفة العلوية