ولكنها مريم

ميلاد سليمان
2015 / 6 / 9

مريم، 23 سنة، خريجة تجارة عين شمس، شغالة تيلي سيلز، في شركة مقاولات مشهورة في شارع مكرم عبيد، وردية بالليل، معاد شغلها من 5: 12، وأهلها اضطروا يوافقوا على شغلها وتأخيرها لحد الوقت دا، لأن المرتب كان فعلا مغري، دا غير العمولة طبعًا.
يوم الأحد الماضي، بعد أما مريم خلصت شغلها، وراحت تتمشى لأول الشارع عشان تركب عربيات صلاح سالم / رمسيس، في طريق عودتها إلى منزلها، لاحظت أن فيه على أول الشارع سيارة راكنة على جنب الطريق، وشنطتها مفتوحة، والعجلة الاحتياطي (الجَنْط) محطوط على الأرض من خارجها، ومحدش واقف عند السيارة دي أو بداخلها، تجاهلت الموضوع وكملت سيرها في طريقها، ولكن فوجئت بشخصين هجما عليها من الخلف، وخدوا موبيلها من إيدها، وغطوا وجهها بكيس إسود كبير، وقيدا حركتها بربط يديها خلف ظهرها، وحدفوها في شنطة العربية!!، واتحركت العربية مسرعة، ومريم عمالة تصرخ وتستنجد بأي حد وتخبط بإيديها ورجليها يمكن حد يسمعها، لكن للأسف، الشارع كان فاضي جدًا ما يتسمعش فيه صريخ ابن 48 ساعة.

السيارة بتمشي بسرعة، وهي ولا عارفة هيودوها فين، ولا سامعة صوت للرجلين اللي في العربية قدام، والدنيا ظلمة جدًا بسبب الكيس القماش الموضوع على وجهها، حتى الموبيل أخدوه منها، كان زمانها دلوقتي بتحاول تكتب "تويتايا" أو "بوسط" عن اختطافها، أو تتصل بأي حد يجي يساعدها، ولكن دلوقتي هي متروكة لرحمة خاطفيها التي تشك في وجودها، ولخيالها السينمائي الخصب اللي هيفضل يودي ويجيب كثير؛ احتمالات وافتراضات وتساؤلات بلا اجابة، يا ترى هيطلبوا فدية من أهلها.. المبلغ هيكون كام!؟.. وأهلها الغلابة مش هيقدورا يدفعوا حاجة أصلا!!. يا ترى هيقطعوا جسمها ويبيعوها كأعضاء منفصلة وقطع غيار بني آدمين لمستشفى صهيوني.. يا ترى هيبيعوها للخلايجة تبقى ملكة يمين وجارية لسيدها الكفيل زي فيلم Taken الجزء الأول والثاني.. يا ترى ممكن يكونوا سفاحين ويقتلوها ويقطعوها بشكل بشع ويرموها في النيل زي مسلسل Dexter أو يحطوها في برميل فيه سائل حمضي يذوبها ولا يتبقى لها أي أثر زي ما كان بيعمل "والتر وايت" في مسلسل Breaking Bad.. ولكن أكبر خوف سيطر عليها إنهم يكونوا هايجانين وعاوزين يغتصبوها وهي ضعيفة مرهقة بعد يوم عمل طويل ومش هتقدر تقاوم، خاصة إنهم شخصين وأقوى منها أكيد، بالتالي الاحتمالات إنه ممكن يقضوها تبادل جنسي في المدخل الأمامي بشياكة وجنتلة، أو الاثنين يمارسوا معاها في نفس ذات الوقت أمامي وخلفاوي وهنا هيتكرر الكابوس، لأن أخر مرة جربت فيها السكس الخلفاوي مع صاحبها اتعورت من ورا وفضلت 3 أيام بعدها مش عارفة تقعد على بعضها أو تستخدم الحمام بشكل طبيعي، رغم إنه كثر خيره كان جايب "ديوريكس جيل" وزيت جونسون مُرطب وحتى التفافه ما بخلش بيها.

حاولت تشتت ذهنها عن الأوهام والخيالات المريضة دي، وتركز في الأصوات اللي بتعدي السيارة من جانبها يمكن تحدد هي فين أو قريبة منين؛ "المترووو... حد نازل مترو يا حضرااات.. رمسيس... رمسيس" سمعت صبي مكيروباص بيقول الجملة دي، فعرفت إنهم وصلوا لمحطة الدمرداش، لأن دي أول محطة مترو وإنت راجع من مدينة نصر لو السيارة مشيت في صلاح سالم مثلا، ولكن بعدها رجعت وفكرت وقالت يمكن تكون محطة مترو العباسية أو أرض المعارض تبع الخط الثالث، التخمين مش في محله خالص. حاولت تفتكر أي آيات في القرآن حفظاها أو قصايد وأبيات شعر ترددها مع نفسها أو تفتكر أي موقف جميل ينسيبها المصيبة اللي هي فيها، وتتخيل صاحبها الشهم الشجاع ولهفته عليها أنها لحد دلوقتي ما اتصلتش بيه، زي كل يوم، أما بيونسها وهي في المواصلات راجعة البيت، أو ممكن يكون بيتصل فعلًا والناس اللي خطفوها مش بيردوا على موبيلها أو قفلوا موبيلها خالص!!؟. غرقت في بير الإحباط وإستسلمت لليأس من تاني، ولكن اتسرب لمناخيرها رائحة طعمية سخنة وبطاطس وعجة، وسمعت صوت مكيروباص بيقول "بولاق/ ناهيا/ بولاق" ففهمت على طول إنهم دلوقتي على ناصية شارع شهاب تقاطع جامعة الدول، وبالتحديد قدام مطعم جاد، قلبها اطمن انها في مكان لو رموها فيه هتعرف تروح البيت أو على الأقل لو هربت منهم هتعرف تلاقي اللي يساعدها.

دخلت السيارة في جراج إحدى العمارات، بشارع جامعة الدول، وبعدها تم فتح الشنطة، فحاولت مريم ظان تخبط بساقيها في الهواء أو تصرخ، ولكن قام احد الرجلين بشد أجزاء مسدس ووضعه على رأسها بين عينيها من فوق الكيس، ثم همس في أذنها قائلا "لو حابة تفضلي عايشة.. إمشي معانا وانت ساكته... لو فاهمة كلام.. هزي دماغك"، قامت هزت دماغها بالموافقة ونزلت مشيت معاهم وطلعت في الاصانصير، وهي مش عارفة مودينها على فين، وفجأة وقف الأصانصير وخرجوا منه، ورن أحد الرجلين جرس باب شقة، فتم فتح الباب دون تبادل أي حديث، بالتالي لم تعرف مريم شخصية من قام بفتح الباب، مشيا معها الرجلين بضعة خطوات، وكل منهما يمسكها من ذراع، ووقفا بجوارها، ثم قام أحدهما برفع الغطاء عن رأسها، وقام الآخر بفك قيود يديها، وفجأة رأت مريم كل أصحابها موجودين في الشقة أمامها: زمايل العمل، زمايل الجامعة، جيرانها من المنطقة، وفي أحد الجوانب يقف والدها ووالدتها يشربان عصير البطيخ، وأغلب البنات ترتدين ملابس ملونة مبهجة، وكل بنت تمسك عصا رفيعة ترفعها إلى وجهها تنتهي بشكل شنب أو شفاة حمراء أو ماسك يغطي العينين فقط، ورأت أمامها حبيبها يرتدي بدلة جميلة وينحني على ركبته، وهو ممسكًا بخاتم يبرز من علبة قطيفة، يرفعها إلى وجهها وهو مبتسم إبتسامة هي الأولى من نوعها على الإطلاق!!.

من هول الصدمة العصبية، صرخت مريم وأخدت المسدس بسرعة من الرجل على يمينها ووضعته في فمها واطلقت الرصاص!!، ولكن لم تخرج رصاصة، فالمسدس كان هو كمان مقلب كالحادثة والخطف والليلة كلها، المسدس مجرد "ولاعة" أخرجت شعلة لهب لسعت جزء من لسانها، لتمضي معهم باقي الحفلة، مجبرة على السكوت غير قادرة على الكلام، بالتالي إكتفت بالشخر من أنفها ورفع صباعها الأوسط في وجه الجميع!!.