المسيحية كم اراها

رفعت عوض الله
2015 / 6 / 6

المسيحية كما اراها
وُلد المسيح منذ أكثر من الفي عام في مدينة صغيرة لا شان لها " بيت لحم " ... علي ان العجيب والمدهش انه لم يُولد في بيت أو كوخ كسائر المواليد ،ولكنه ويا للعجب وُلد في مكان مخصص للانعام ،وفقا لرواية الأنجيل .

عاش المسيح حياة البسطاء والفقراء اليهود ،ولما تجاوز مرحلة الطفولة كان يُكثر من تواجده بالمجمع المحلي يسمع تعاليم ووعظ معلمي الناموس والشريعة .. وخلال سني نضجه الأولي حاز معرفة شاملة وعميقة بتعاليم موسي والانبياء،وكافة التقاليد والطقوس اليهودية ..فلما أكتمل نضجه العقلي والروحي والنفسي اندمج في المجتمع اليهودي مشاركا عامة الناس في المدن والقري افراحهم ،وأحزانهم .. وكان كلما يجتمع بالناس يشرع في إنارة عقولهم ،ووضع مفاهيم جديدة ... فالدين ليس طقوسا وشكليات وقرابين ولكنه هو الحق ومحبة الله والرحمة بالناس .. والطهارة والنجاسة ليست مجرد نظافة واغتسال ولكنها تكمن فيما يخرج من القلب من أفكار ونيات شريرة ضارة بالنفس والآخرين .. والمحبة ليست للاهل والاصدقاء ولكنها للاعداء ايضا .. والقريب ليس أبن أهلي وقومي وعشيرتي ولكنه كل إنسان آخر .. والله ليس إلها لشعب بعينه ولكنه إله وراعي للكل فهو يشرق بشمسه علي الابرار والاشرار.. وفي معرفة الحق تكمن الحرية الحقيقية " تعرفون الحق والحق يحرركم "... وابناء أبراهيم ليسوا أبناؤه جسديا ولكن من يفعلون ويسلكون فعل وسلوك أبراهيم ... وملكوت الله في باطن وقلب الإنسان "ها ملكوت الله في داخلكم "وليس مكانا آخرويا فيه يُجازي الإنسان عن فعله الطيب .. وان الله روح تتجاوب معه أرواح البشر في العبادة الروحية وليست .مجرد العبادة الطقسية ... وان الله معني ومهتم بنا كأبناء له ،ويريد لنا ان نحيا حياة طيبة أقتصاديا ،وأجيماعيا ،وروحيا "أنظروا إلي طيور السماء:أنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلي مخازن ،وابوكم السماوي يقوتها ألستم أنتم بالحري افضل منها ؟" ... الحياة الابدية ليست مجرد حياة آخروية تبدا بعد الموت ولكنها تبدأ هنا علي الارض والان وتمتد إلي ما بعد الموت " وهذه هي الحياة الابدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ،ويسوع المسيح الذي أرسلته " .... ولكن تحت ضغط الظروف التاريخية التي مرت بها المسيحية والمسيحيون عبر التاريخ أثرت ، فتغيرت وجهة التعليم المسيحي علي نحو أظن أنه لم يكن المراد والمقصد من تعليم المسيح ...

في القرون الاولي أصطدمت المسيحية الوليدة بالامبراطورية الرومانية ذات القوة المفرطة ، فأعمل الاباطرة أضطهادا وتعذيبا للمسيحيين ،فكان عزاء المسيحيين في التعويض الإلهي بعد الموت لحث المعذبين علي الاحتمال والصبر .. وبعد سقوط روما في القرن الخامس الميلادي بيد القبائل الجرمانية الهمجية التي دمرت وففككت كل مؤسسات ومرافق الحضارة أنذاك ...لم يبقي موجودا سوي الكنيسة التي تأثرت رؤيتها بما لحق روما و حضارتها من دمار شامل فأولت وفسرت تعاليم المسيح والانجيل ،فرات ان وجودنا علي الارض وجود عرضي ومؤقت لذا علي المسيحيين الاستعداد للحياة الابدية مع الرب بعد الموت والأنصراف للعبادة ،واهمال شئوون الحياة الاجتماعية ،والفكرية ،والاقتصادية .

وفي المشرق تعرضت المسيحية للأستئصال بعد الغزو العربي في القرن السابع الميلادي ،فانكفأ المسيحيون الشرقيون وانطوا علي انفسهم ،وخرجوا من نطاق المجال العام .ووجهت الكنيسة عقولهم و ارواحهم الي الحياة الابدية التي فيها العوض عن بؤس وشقاء الواقع المعيش " غريب انا ونزيل لا تخفي عن وصياك "

أزعم ان مجمل هذه الظروف التاريخية جعلت أنظار المسيحيين تتعلق بما بعد الموت ،لذا نجد أن الوعظ والتعليم المسيحي في كنائسنا المختلفة يدور علي فكرة أننا كمسيحيين غرباء في الارض ،وان وطننا الحقيقي هو في السماء "مع المسيح ذاك أفضل جدا ." وأننا ننتمي الي ملكوت السموات او ملكوت الله الذي يبدأ لحظة رحيلنا عن الحياة الأرضية . من هنا فمهمة الكنيسة هي أعداد المؤمن لعالم ما بعد الموت والأنصراف عن الواقع ،وقبول النقص والظلم الذي فيه والذي يقع علينا، فقد وُهب لنا أن لا نؤمن فقط ولكن نتألم أيضا .. ولكن هل حقا ملكوت الله ملكوت آخروي أم إنه محايث للإنسان فيبدا هنا علي الأرض والان " ها ملكوت الله في قلوبكم " فملكوت الله هو حال وليس مكان ،ومعني ان المسيحي يحيا ملكوت الله او يحيا في ملكوت الله انه يتجرد من أنانيته ويسمو علي شهواته ويخرج من الانا االضيقة ومصالحها الزمنية الزائلة فيحيا حياة الفضيلة والمحبة والتعفف وأنكار الذات وتقديم الآخرين علي نفسه وكل القيم التي تدعو إليها المسيحية .. وأذا كان المسيحي مدعوا لأن يعيش ويحقق ملكوت الله وهو هنا علي الارض فهذه الدعوة تتضمن الا يقف موقفا سلبيا من العالم الذي فيه نعيش ،واذا كان هذا العالم يعج بالنقص والشر والألم والظلم فنحن مدعوون للمساهمة في تغيير هذا العالم البائس وتخفيف حدة الشقاء المنتشر فيه .. يقول الأنجيل عن المسيح أنه كان يجول يصنع خيرا،وانه كان يشفي المرضي ويأمر بأطعام الجموع التي جاعت وهي تمشي وراءه وتسمع تعاليمه ،وانه كان يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم ،وانه كان يثور ضد من دنس الهيكل وحوله الي سوق تجاري ،وانه كان ينقد رجال الدين في عصره نقدا شديدا مبينا جوهر وظيفتهم الذي اهملوه واهتموا بالرسميات والشكليات .. لذا علينا ان نعيد النظر في مضمون التعليم الكنسي والوعظ المقدم للناس وان نعود للحياة والمجتمع لكي نبث قيم المسيحية الجميلة ونجعل حياتنا وحياة الآخرين أقل تعاسة وأكثر سعادة وان تمتزج تعاليم المسيح بحياة الناس وألا نفصل ما بين الشأن الاجتماعي والسياسي والروحي لأن الانسان كيان واحد متعدد الأوجه ،وقول المسيح عن انه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان لم ينكر قيمة الأقتصاد ولكنه أراد ان يقول ان الخبز وحده ليس كافيا .. هناك شخصيات نجحت في فهم المسيحية فهما أري أنه فهم حقيقي مثل مارتن لوثر كينج القس الزنجي الامريكي الذي وظف تعاليم الأنجيل ومبادئ المسيحية في النضال المرير الذي أوقف حياته علية لكي ينال الأمريكيون السود حقوقهم الانسانية في المساواة مع مواطنيهم الامريكين البيض وأن يقضي علي التفرقة العنصرية البغيضة والتي تتناقض مع المسيحية ،ونجح الرجل في مسعاه .. كان يمكن للقس لوثر ان يكتفي بالوعظ ويسلم بالامر الواقع ويطلب من رعيته الصبر علي ألم التفرقة العنصرية البغيضة ،لأن العوض والعزاء في السماء مع المسيح ولكنه أنطلاقا من فهم عميق للمسيحية ناضل قانونيا اي ناضل نضال المسيحي الذي لا يستخدم العنف من أجل إقرار حقوق الزنوج بامريكا ..هذا ما يجب ان نعلمه للناس في كنائسنا لأن المسيحية دعو ة للحياة وليست دعوة للموت والزهد والانصراف عن الدنيا .لنعش ملكوت الله هنا والأن .


رفعت عوض الله
كاتب وباحث