خطوات بأتجاهِ ما بعد الحداثة

الطيب عبد السلام
2015 / 6 / 5

ثمة ادانة مبدائية المحها لامعة في اعين قراء هذه الخاطرة الفلسفية و هي ادانة انا نفسي اراها تجاه نفسي بعيني،و لكن العقل الذي نحتكم اليه لا يلقي بالاً لمشاعرنا او عواطفنا بقدر ما هو مهموم بالبحث و التشكيك المستمر في نتائج بحثه و تقديم بحوث جديدة مطورة لنتائجه الاولى.

مر العقل البشري بثلاث مراحل اساسية معروفة و مفهومة هي العقل التقديسي "لا اجتهاد مع النص" و عقل لاهوتي تاؤيلي "أن هذا القرأن حمال اوجه" و عقل نقدي رافض لابوية النص و سلطويته، و العقل النقدي كخلاصة نهائية للالم الطويل للبشرية من جراء النص و مع اراء جاليليو و كوبر نيكس حول دوران الارض حول الشمس تحول الى عقل نقدي تجريبي،و هذه التجريبية في ظني هي اولى لحظات التورط الجديدة في فكرة "تقديس المعمل" و تقديس "النص الرياضي" و النظر الى كل ما خلا ذلك على انه "تهويمات" و امور "غير علمية" و بالتالي اجراء قتل مبكر
و وأد لاي طريق اخر يمكن للعقل النقدي ان يسلكه خارج جدران المعبد الجديد المسمى معملاً.

ان العقل النقدي هو عقل اداتي تجريبي علموي،فتحول الفعل التجريبي بين يوم و ليلة الى تعريف نهائي و الوجه الوحيد لذلك العقل،فأنقلب السحر على الساحر،لأن العقل التجريبي الذي على ضوئيه حرر العقل النقدي الشعور الالتجائي لدى الانسان من نمطية الطقوس و قداستها،تحول هو نفسه الى طقس نهائي للعقل النقدي مفرزاً لاهوتاً جديداً و انغلاقاً جديداً امام العقل بمصادرة كامل طاقاته و مصادرتها و طقسنتها في رموز رياضية و معادلات فيزيائية، لا تسمح لاي عقل أخر بمحاولة ابداء تعريفات اخرى للعقل، بل جعلت من بقية العقول كالقطط الضالة على هامش الحياة.

هذا المأزق الذي تنبه اليه فلاسفة كبار على رأسهم "كانط" ذو اللغة العسيرة و الصعبة و الفلسفة المحتاجة لعقل يفكر بموازاة ما يقوله كانط،اي عقل يفكر بما كان يفكر فيه كانط لحظة كتابته لكتاب "نقد العقل العملي" و ليس التفكير باللغة للوصول الى مغزى المقولة الكانطية،بل التفكير بكانط للوصول الى مغزى اللغة.

على اية حال فأن الدين الرياضي الجديد الذي انتجه العلم التجريبي بالرغم من النجاحات الباهرة التي قدمها لنا طيلة ثلاثميئة عام من تمكنه من ممارسة مهامه الا انه الغى امكانات اخرى للاستفادة من هذا العقل الذي تخبرنا الابحاث العلمية بأننا لا نستخدم غير 6% فقط من امكانياته.
اذا كيف نستفيد من هذه الطاقات الجبارة المخبؤؤة به و نحررها؟؟
أن اولى خطوات هذا التحرير هي توجيه النقد الصريح الى تقديس العقل التجريبي الحديث بغرض اتاحة الفرصة الوسعى للعقول الاخرى و الطرق الحبيسة الاخرى لضمان اكبر فرصة لاستثمار الطاقة الجبارة لدى الانسان التي لا يمكنه عقله التجريبي سوى الاستفادة الدنيا منها.

أننا لا ندعو ابداً لاعادة الماضي او اساطير العصور المظلمة الى الحياة مجددا،لكننا ندعو الى عدم السقوط في فخ كنيسة جديدة اسمها المعمل.

و لكن يبدو أن البشرية لا تريد التعلم من مأزقها القديم الذي دخلته حينما قدست العقل العاطل و كنائسه و هاهي تتجه باغواء غريب نحو تقديس العقل النقدي و معامله.
بين ليلة و ضحاها صرنا مهووسين بايجاد تفسير "علمي" لكل حادث من حوادث حياتنا و العلم المعني هنا هنا العلم التجريبي و حسب!! فأن وقعت في الحب فأنك وقعت فيه لأن غدة ما افرزت هرموناً ما تولدت عنه رغبة ما، ناهيك عن علم النفس الذي بات يبحثُ في المعمل و كتالوج السموم عن اي الم نفسي او انهيار عصبي!!

ما هذا اللون الفسفوري الجديد الذي نتجه لطلاء حياتنا به؟؟ ما هذا الدين العلماني الجديد الذي نسعى عبره لتفسير ابسط انفعلاتنا وصولاً الى اعقدها؟؟
هل استبدلنا اللحى و العباءات و العمائم و الصلبان ب"افرولات العلماء البيضاء"؟؟

اليس ثمة من سبل اخرى لتفجير المعارف المخبؤؤة و اختصار المسافات المهولة بدلاً عن هذه الطريقة التجريبية السلحفائية التي نسيرُ بها حزو النعل بالنعل باسلافنا العلماء الذين دخلوا المعامل؟
الا يمكن احداث ثورة علموية جديدة للوصول الى الاجرام البعيدة و للسفر عبر الزمن؟؟

أن مسافة الذكاء التي تفصلنا عن ابن عمومتنا الشيمبانزي هي محض" 2%" و الفرق واضح بين ما حققه قريبنا الشيمبانزي من تطور حضاري و ما حققناه نحن بفضل هذه "2%" !!
ربما و لا بد ان ثمة اعين اخرى تحدق بنا و لا شك هي فاعلة ذات يوم يفوق معدل ذكائها الانسان بذات "2%" و تخيلوا كيف ترانا!! و تضحك من تقافزنا بين فروع الغابات الاسمنتية للوصول الى اماكن عملنا بينما هي قادرة في ثواني من الانتقال الى المكان الذي تريده عبر الانتقال الجزيئ الذي ما زالت معاملنا بكل جبروتها تتهجى اللكتروناته بروتوناً بروتوناً.
يقول انيستاين ان العلم التجريبي يأخذك من "اي" الى "بي" بينما يأخذك الخيال من "اي" الى "زت"

لقد أن الاوان لتحرير العقل النقدي من قدسية التجريب!! أن الاوان لحدوث ثورة لاهوتية في هذا العلم التجريبي و هذا هو عنوان خاطرتنا القادمة".

أنني لا شك واثق من ان ثمة طرق اخرى!!طرق نادرة يسلكها القلة قادرة على قطع المسافات بصورة اسرع من العمل العلمي التجريبي، وحتى تجد هذه الطرق بيئتها المناسبة لظهورها لأبد من احداث هزات عنيفة داخل دين التجريب الجديد الذي اؤمن انا شخصياً به من دون ان اصادر او اجعل ايماني ذاك عائقاً عن التفكير و التنبوء بأنبلاج عصرٍ جديد للعقل ينظر فيه الى الطرق التجريبية على انها محض "ميثيلوجيا" و "خرافات" قديمة ساعدت اسلافهم في القليل و اعمتهم عن الكثير.
و حتى ندرك تلك المرحلة الجديدة للعقل البشري لا بد من العبور بمفازة لاهوتِ العقل التجريبي ذلك اللاهوت القادر على النظر الى المعادلات العلمية بشئ من التاؤيلية و العمل الفكري المصاحب بما يبئ لعقلنا الخارق المرتقب لحظة رفضه لمعادلات التجريبِ الرياضية.