خيبة أمينة النقاش

محمود محمد ياسين
2015 / 6 / 4

أوردت السيدة أمينة النقاش (الأهالى- 29 مايو 2015) تعليقاً حول خطاب رئيس حزب الامة السودانى الصادق المهدى للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتاريخ 18 مايوالذي طلب فيه من السيسي العفو عن قادة الاخوان المسلمين المحكوم عليهم مؤخرا بالإعدام. رأت النقاش أن المهدى أخطا العنوان فقد كان عليه مخاطبة الاخوان لانهم هم من يتسبب فى الأزمة التى تمر بها مصر. والعرض أدناه يشمل تعليقاً على تعليق الكاتبة.

إن خطاب المهدى لا جديد فيه وهو تعبير عن موقفه من جماعة يلتقى معها فكرياً إذ أن كليهما من نفس الجنس (genre) والتفاوت بينهما وخاصة على صعيد المواقف السياسية تفاوتاً فى الدرجة. وتعليق النقاش وإنزعاجها إزاء خطاب الصادق المهدى أتى فى إطار الهجوم على جماعة الاخوان وتحميلهم مسؤولية الازمة السياسية الطاحنة التى تعيشها مصر؛ ولكن الكاتبة قدمت الصراع السياسى المصرى فى صورة متناهية السذاجة السياسية : قوى إرهابية معتوهة ليس لها الكفاءة التى تؤهلها للحكم تحارب نظاما سياسيا حاكما لمحت الى إنه يعمل من أجل الإستقرار والتنمية الإقتصادية! إن التمادى فى الثبات على وصف حركة الاخوان المسلمين بالإرهاب والتخلف ولا أكثر يعتبر فشلاً سياسياً يعجز عن التحديد الصريح للمضمون الإجتماعى لحركة الأخوان المسلمين وبالتالى تفسير الدينامية السياسية المعقدة العاملة فى مصر.

ومن الأشياء التى لا تصدق عيناك وانت تقرأها لأول مرة ما ذكرته النقاش من أن عيوب الاخوان عيوباً خلقية ولدوا بها، ولم تتكشف للناس كاملة إلا بعد أن جربوا حكمهم، ولكن هذا ما كتبته هذه الكاتبة. هل يعقل فى ممارسة العمل السياسى وصف الخصوم بأن عيوبهم خلقية أو أنهم متخلفون.

خلال الاربعة عقود الماضية ظلت الدينامية السياسية فى مصر تتسم بالصراع بين كتلتين هما الجيش ( يمتلك على أكثر من 40% من الاصول الإقتصادية فى البلاد) والاخوان المسلمين؛ والكتلتان تنتميان لطبقة واحدة هى الطبقة الرأسمالية التابعة (الكمبرادور) تشاركتا النشاط السياسى حتى بعد زوال حكم مبارك فى فترة حكم المجلس العسكري، ويلتقيا فى معاداة الحركة الشعبية وقمع حركتها السياسية التقدمية والمطلبية، والصراع بينهما تفاقم فى الفترة التى اعقبت صعود الأخوان المسلمين للسلطة السياسية وهى فترة تميزت بالإحتجاجات والإضرابات العمالية والفئوية.

حسم الجيش الصراع لصالحه بإنتزاع السلطة من سيطرة الاخوان عن طريق الإنقلاب العسكرى مستغلاً إنتفاضة 30 يونيو. ضحى الجيش بشريكه القوى الذى لفظته جماهير 30 يونيو وإستاثر بالحكم وخلق دينامية سياسية جديدة تحت شعار مواجهة الإرهاب.

قمع الإنقلابيون الحراك المطلبى للشعب ومحوا كل اثر لثورة ياناير بإيداع الشباب الذى كان فى قيادتها السجون وإسدال الستار على شعارها ” عيش.. حرية..عدالة اجتماعية“، وأعادوا التوجهات السياسية للحكم السابق لإنتفاضة ياناير المعادية للشعب بصورة أكثر وحشية. ولم يحدث فى تاريخ مصر الحديث أن تعرض الشعب للقتل وقمع حركته المطلبية لمثل ما يتعرض له تحت ظل السلطة الإنقلابية الحالية: حالة طوارئ بقوانين جديده، سياسات التقشف برفع الاسعار والضرائب وزيادة الرسوم على بعض الخدمات، إنحياز الحكومة الصارخ لصالح أصحاب رأس المال على حساب الملايين الفقيرة، الإفراط فى التبعية السياسية والإقتصادية التى اخذت بعداً تصاعدياً.

إن محاكمات الأخوان هى جزء من الصراع بين جنرالات الجيش والاخوان وهو صراع يمثل أحد ملامح الازمة المصرية ويدور حول السلطة السياسية ولكنه بعيد عن القضايا الملحة التى تواجه المصريين؛ وأياً كانت نتائجه فلن تخرج عن المحافظة على الوضع القديم.

إن النقاش تتناول خيارات الشعب على نحو خاطئ بحصرها بين الجيش ودعاة الإسلام السياسى، وهو الخط السياسى لحزب التجمع ورئيسه رفعت السعيد الذى أصبح ذيلاً للنظام الإنقلابى المستبد مدافعاً عنه بشكل فاضح تماماً كما كان حاله مع حكم مبارك، وهكذا فإن حزب التجمع يمثل الحالة النموذجية لإنحطاط البرجوازية الصغيرة عندما تقف فى الجانب الخطأ من التاريخ (ولا يسارية ولا يحزنون !).