لماذا ارتد الأتراك ؟؟

الطيب عبد السلام
2015 / 6 / 4

يعتبر النموذج العلماني الاتاتوركي الثوري احد هم ملامح تجليات العقل النقدي في الحياة السياسية و بالتالي الحياة المجتمعية.
فأتاتورك الذي حول تركيا من "الخلافة العثمانية" الى جمهورية ،اي بمعني سياسي تحويل نمط حكم تقليدي الى نمط جمهوري حداثي تستمد فيه التشريعات من دستور انساني علموي،نجح في وقت بكير في الانتباه الى أن النمط الديني في الحكم هو نمط بئيس بالي لا فائدة ترجى منه و عبر بتركيا من مصير شبيه في الشرق الاوسط الى مستقبل مستنير مع الدول الاوروبية.

هذه الرؤية السباقة لعصره و للعصور التي بعده في جعل وطنه من "رجل مريض" يرعى اغناماً مزاجية الطباع شديدة البؤس و الفاقة، الى جمهورية علمانية حديثة تنافس جمهوريات اوروبا جميعاً لما سقطت الأن بين يدي ذئاب الاسلام السياسي و كهنته؟؟
لنفهم ذلك علينا العودة السريعة للنبش في التاريخ الاوروبي خلال العشرين قرنا التي تلت ميلاد المسيح لأن مصيراً شبيهاً نمرُ به نحن اليوم بعد خمسة عشر قرناً من الهجرة المحمدية.

في قرنيها الاولين قوبلت المسيحية بالرفض في مستويين، هما مستوى اليهودية الذي ولدت فيه و حاولت النهوض و الخروج بالنص اليهودي التوراتي من القلق الذي يعتريه تجاه طباع "يهوه" متقلب المزاج الذي يسخط تارة و يحزنُ تارةً و يصارعُ يعقوب تارةً حتى الصباح ليحوذ منه يعقوب اعترافاً بنبوته.
جاءت المسيحية لتضرب مثلاً يوتوبياً تجريدياً سماوياً للأه، و تخلصهُ من تشويش النص التوراتي و استجابة للنبؤة التوراتية حول ظهور المسيا "المخلص" الذي سيقودهم و ينتصر بهم على بقية الامم.
رفض كهنة اليهود نبؤتهُ و اتهموهُ بالتجديف و قدموهُ في البواكير الى السلطة الرومانية التي صلبته
بناءً على طلب الكهنة اليهود.

صودمت المسيحية في قرنها الثاني على يد علماء و فلاسفة و فناني و موسيقيو المدن اليونانية القديمة او كما تسميهم الاسفار المسيحية "بالوثنيين"، نكل بهم و عذبوا عذاباً شديداً على ايديهم الى أن جاء الربع الاول من القرن الثالث و تحول قسطنطين بناء على تأثيرِ والدتهِ الى المسيحية و بالتالي تحول كامل الجمهورية الرومانية الى المسيحية و انقلاب ماكينة القمع تجاه الفلاسفة و المفكرين و الموسيقين و الرياضين لتتوج بمقتل العالمة هيباتيا و تغط اوروبا في قرون ظلامها.
و بعد هجعةِ الف عام تدخل اوروبا عصر الاستكشافات الجديدة في قرنها الخامس عشر و تطلق عنان سفنها لاكتشاف العالم بحثاً عن طرق تجارية و عن موارد، واكب ذلك ظهور المذهب البروتستانتي الذي حرر النص من احادية التاؤيل و فتحهُ على القراءات المتعددة و تحريره من القداسة.

هذه المرحلة التي دشنها مارتن لوثر في فتح المسيحية على عقلانيةٍ جديدة او ما اسميه "لبرلة الدين" هي المرحلة الاهم التي انطلقت منها اوروبا صوبَ العقل النقدي الا معترف بسلطة النص.
هذه المرحلة الاصلاحية التي جعلت من الدين اخفَ ثقلاً و اقلَ معاداة للعقل البشري و مصادرةً لحرياته و قراراته هي في ظني الارضية الاهم التي جعلت قدمي اوربا تثبتان على الارض قبل تحليقها المهيب نحو العلمانية و العقلانية.
و هذا هو عينه ما لم يفعلهُ اتاتورك الذي حلقَ مباشرة صوبَ العقلانيةِ و العلمانية من دون المرور باي اصلاح ديني او تفكيك للاجابات الدينية المترسخة في النفوس منذ الازال و استبدلها مباشرةً بنصوص علموية هي في حالة قطيعة كلية مع النصوص القديمة و لا يوجد اي جسرٍ يصلهما.

بانعدامِ هذا الجسر من "اللاهوت" كان من السهل الرجوع و النكوص الى الوراء متى ما زالت السلطة الجبرية الاتاتوركية القامعة و التي قتلت جبل الجليد المسمى بالدين من دون ان تنسفه من الداخل عبر اصلاحه و اعادة بنيانه وفق القيم العصرية و الحداثية التي لا شك انه ببنيته القديمة يتقاطعُ معها.
لذا ظلت التساؤلات في عقلِ المواطنِ التركي قائمة، و اصبح ينظر الاجابات المقدمة اليه في مناهج التعليم على انها اجابات جبرية بيدٍ قابضة لا تدخل له في التفكيرِ في اجابتها،و بزوالِ تلك السلطة كان من الطبيعي ان ينكص ادراجه باتجاه الدين و يستثمر ذلك النكوص الاسلاميون بقيادة اردوغان
و يصعدوا عبر هذا النكوص الى السلطة.

السبب الثاني هو أنه مهما بلغت استنارة العسكر و حداثيتهم فأنهم لن يكونوا مثل الحكومةِ المدنية المكونة من التكنوقراط و المثقفين و ليس الضباط و المدججين.
نمط العمل في الجيش يختلف تماماً عن نمط ادارة مؤسسة مدنية كالحكومة لاسباب معروفة اهمها دوغمائية العسكر و انسدادهم الذهني عن التفكير خارج صندوق "الاوامر" و "علم و ينفذ".

اضف الى ذلك الفساد الذي تسلل الى المؤسسة الحاكمة من النخبة العسكرية و انعدام وجود جهة ضغط رقابية تستطيع الاحاطة بالمؤسسات الخدمية و الانتاجية، و استثمر الضباط و العسكر هذا الامر تذرعاً بحماية العلمانية التركية من قوى الظلام السياسي، بهذه الذريعة قتلوا و نكلوا بالمعارضين ايما تنكيل،لأن عقلية العسكر تنظر الى اي فعل اختلاف على انه انشقاق و تمرد عسكري يجب قصفه بالمدافع و مسحه عن ظهرِ البسيطة، بعدمِ ادراكهم لمعطيات العصر سقطوا و سلموها للاسلاميين بعد ان حولوا تركيا الى فاشية عسكرية قابضة، و لم يعوا أن عليهم يقعُ عبْ المسير في المشوار الاتاتوركي و ايصال الشعب الى نضجٍ معرفي يحصنهُ من تسليمِ السلطة الى احزاب تستغلُ مشاعرهُ الدينية او انتماءتهُ العرقية.

سقط المشروع الاتاتوركي على يد اردوغان و هو يزيح صورتهُ عن القصر ليضع مكانه محمد الفاتح امعاناً في النكوص لايام الخلافةِ العثمانية الاستعمارية البائدة.
سقطت صورةُ اتاتورك بعد أن احدثت نقلة جوهرية في الحياة التركية لن يستطيع احقد الظلاميين و الرجعيين مهما حاول تحطيمها او الارتداد بها الى الوراء.
سقطت الاتاتوركية بعد ان انارت عقول الشعب رغماً عنه و جعلتهُ مواطناَ اصيلاً في القارةِ الاوروبيةِ المستنيرة و فرداً معولماً في كافة جوانب حياتهِ، فرداً تركياً في المقام الاول يعتز بتركيته و حداثتهِ و علمنته و نقول ختاماً :
ارتدَ الاتراك..و لن ترتدَ تركيا