نظرات جديدة في الميتافيزيقيا

الطيب عبد السلام
2015 / 6 / 3

ما يجمع اي جماعة مؤمنة بطوطم او تابوه معين هو العاطفة الجياشة المشتركة،الفرق كما هو معروف بين الطوطم و التابوه هو أن الطوطم يتجه لاضفاء قيمة تقديسية الى كينونة لا واعية معينة و هو الحيوان و أتجراء مضيفاً اليها الصخور و الاحجار، بينما التابوه هو الاتجاه لتقديس الاسلاف
على اية حال فأن ما يجمع اي جماعة تدين بالولاء للطوطم او التابوه هو الشعور العاطفي الجياش المشترك بين افراد هذه الجماعة،هذا الشعور المشترك و المتفق عليه هو الذي يسعى لايجاد و ابتكار طقوس اوحادية للتقرب الى ذلك الطوطم او التابوه،هذا التعريف الثيولوجي الاحادي أنما هو التعبير الشكلي لتلك العاطفة المشتركة الواحدة.
و هذا يفسر الطبيعة الواحدة لكل الاديان لأنها ببساطة شديدة تعبير احادي عن عاطفة احادية،هذا التعبير الاحادي هو البوابة الاولى للتعبير عن ذلك الشعور التقديسي الملازم للأنسان و الشعور الولائي لقيمة اكبر و اقوى منه،الحوجة الملحة للابوة و للتهرب من المسؤؤلية الجسيمة تجاه فكرة "الغابة" الموحشة التي وجد الانسان نفسه معزولاً بداخلها،فتولد فيه شعور الالتجاء و التعزي بما يفوقه ، أذ أن استيقاظة وعيه بذاته و بهذه الصورة الجلية بقدر ما نقله و فتح بصيرته بقدر ما اخافه.
من هنا نخلص الى نتيجة واضحة ممرحلة الى نقطتين، هي أن ثمة شعور ملح بالالتجاء و الحوجة هذا الشعور تمت بلورته و تحجيمه في طقوس شعائرية معينة متفق عليها كتعبير نهائي عن ذلك الشعور.
هنا نتوقف عند نقطة هي غاية في الدقة و هي فكرة ان ذلك الشعور تحول من مشعور به بالفطرة البشرية الى مشعور به حتمي وفقاً للطقوس الشعائرية،هذا التحتيم الطقوسى صادر الشعور الاساس في نقطتين هما :
1/عدم اتاحة الفرصة للذات البشرية في تجريب ذلك الشعور و أحساسه.
2/التعبير عن ذلك الشعور في طقوس تعبدية و شكلية محددة.
بطبيعة الحال ادى هذا الحال الى تحول التعبير عن الحوجة الى حوجة التعبير،فصار الالحاح على التعبيراشدُ من الالحاح على استثارة تلك العاطفة و الحوجة لتخرج من ذاتها اساساً بغريزتها الذاتية.
هذه المصادرة المريرة في ظني هي التي اودت بالدين امام العقل النقدي المنبثق لتحرير ذلك الشعور الكامن في الذات البشرية للأتصال بما يفوقها و بما لا تدركه من عوالم و معارف.
هذا التحرير الذي اسداه العقل النقدي للشعور الغريزي من قوالب الطقوس النهائية الجاهزة هو الذي ادى لظهور تعبيرات اكثر تنوعاً و استجابة لتعزية الغريزة البشرية الابوية في الاتصال بما يفوقها من معارف و عوالم بل و حتى مشاعر، هذا الامر سنوضحه من خلال ذكر بعض تلك الامثلة.
الموسيقى،ذلك التعبير الراقي و الأسر لما يمور في الذات البشرية من حوجة للاتصال و التواصل مع العطف الابوي و الكرم الالتجائي،هذه الموسيقى المستمدة لجملها الموسيقية مما يألفه الانسان و يعرفه في غابته الاولى التي خرج منها، هي المحاكاة البشرية لاصوات الطبيعة الغابة،هي الصوت المعزي له في حال فرحه و حزنه، و هي في ظني ابلغ التعابير المنمازة بانميازها و تعددها و لا انغلاقها على طقس نهائي و محدد،بل هي متعددة و متنوعة و متجددة ايما تجدد،هذه الموسيقى و ما ينتج عنها من رقص مخطط له او غير مخطط هي احدى تجليات توغل العقل النقدي تجاه الشعور الالتجائي لدى الانسان و فك اسره من القولبة الطقوسية الجبرية.
اخذنا الموسيقى كتمثيل مختار لبقية الفنون الاخرى لأنها الاقراب لما اردنا قوله،في ظني أن توجيه تلك الغريزة الالتجائية بما يرهف العقل النقدي و يدعمه و يلهمه،هو المؤدي لحدوث نهضات اجتماعية و بشرية كبرى عبر جعل الغريزة خادما للعقل و ليس العكس كما حدث في قرون الظلام.
لكن هذا يفتح امامنا استنتاج واضح و وحيد و هي أن الاديان برمتها ما هي الا التعبير المنظم عن الشعور الغريزي بالالتجاء الى اب موفور القدرة و الفعل،اب يطمئن وعي الانسان المجروح و الخائف ازاء فكرة الحياة و معطياتها القاسية التي تسير عكس مصلحته و تجاه فكرة الفناء الحتمي و الانعدام الكلي والغياب الابدي التي لا شك يرفضها غريزيا اي كائن حي،هذا الرفض الغريزي ايضا وفقا للتحليل الفرويدي هو البيوفيليا التي تقابلها غريزة النيكروفيليا المتحدثة عن رغبة المادة في العودة الى حيوات اسبق.
النقطة الاهم التي ان بصدد تبيانها و هي ضرورة تقديم تطمينات لذلك الانسان بأن العقل العلماني النقدي لن يسعى الى مصادرة تلك الغريزة البته، بل هو يسعى لهز الارض تحت المصادرة لذلك الشعور في طقوس ثقافية احادية و جبرية تمنع ذلك الشعور من ابداء تجليات اوسع و انصع.
هذا الشعور هو جزء اساسي من غريزة الانسان لا ينكرها الا منكر للطبيعة البشرية المنمازة بطبيعة الحال عن الالة و الموضوعات الجامدة.
في ظني أن العقل النقدي التجريبي يخطئ خطاءه الفادح عندما يتجه لأنكار تلك الرغبات الغريزية في الحوجة الالتجائية لدى الأنسان، فالغاها بل و تجاهلها تجاهلاً تاماً نكايةً في رفضه لطقسنتها.
أن رفض الطقسنة هو امر متفق عليه،لكن رفض ما سعت الطقسنة للتعبير عنه من غريزة هو في ظني خطاء جسيم سيؤدي حتماً الى مصاعب سايكولوجية جمة و الى تشيئة الأنسان.
في مراجعات العقل التجريبي لدفاتره عليه في ظني أن ينظر الى لأنسان نظرة اكثر أنسانية من كونه محض حلقة في سلسلة الماكينة الكيميائية العاملة في الكوكب!! عليه ان يبحث عن قيمة اكثر تفاؤلاً تستجيب لفيض الغريزة الانسانية في الالتجاء و التعزي بما هو ارهف منها و الطف.
لكن المأزق الكبير الذي تورط فيه هذا العقل هو رفضه للغريزة نفسها و العمل على تذويبها في دورة الانتاج بل و السعي للنظر اليها بشئ من التعالي و الاستغراب.
هذا بلا شك سيقودنا للحديث في خاطرة فلسفية قادمة للحديث عن مأزق العقل النقدي التجريبي.