لاهوت العقل التجريبي

الطيب عبد السلام
2015 / 6 / 1

أن الاقلاع صوبَ العقل النقدي قد مرَ بمدرج العقل اللاهوتي،هذا الاقلاع لم يكن اقلاعاً فردياً بقدر ما انه كان اقلاعاً جماعياً عبر احداث قطيعة اولية مع التفسير الوحيد للنص المقدس و فتحه على فضاءات تفسير اكثر تحرراً و تقبلاً للتعدد، هذا الامر لا ينفي البته أن ادراك العقل النقدي قد حدث بموازاة العقلين الاخرين " الملغى" و "اللاهوتي" و لكنهُ كان فعلاً فردانياً و معزولاً،خائفاً و مختبيئاً لأن كل العقلين كان في اوج الاستعداد للانقضاض عليه و اضطهاده.
هذا العقل النقدي كان اقلاعاً فردياً مبكراً من غابات الظلام الرهيبة التي تسبب فيها النص و العقول التي تبنته،هذا العقل كان الشمعة المضيئة المتقدة بين غابات من العقول الملغية و النصف ملغية.
و كان عليه أن ينتظر اكثر من خمسة عشر قرناً حتى يعترف به و يقودُ البشرية الى حضارتها ألأنية!!
أن التاريخ السخي لم ينسى تلك الاسماء النقدية المبكرة التي ظهرت،لأن عصر الانوار استلهمها في كتابة تاريخه و في احتفائيه العميم بأصالة ذلك العقل النقدي و قدمه و ثباته بين رياح الالغاء العواتي و امواجِ اللاهوتِ الضواري.
لكننا اليوم و بعد ثلاثة قرون مضين من انتصار العقل النقدي نرى أن النافذة قد بدأت تضيق امامه شيئاً فشيئاً،و بدا و كأنه بدأ في الشيخوخة خصوصاً و أنه ادرك قمة مجده في القرن العشرين.
هذا سيضعنا مباشرة امام السوأل الذي "نلهثُ" على حد قول "يوسف زيدان" للتفكير فيه!!
و هو هل استنفذَ العقلُ التجريبي اغراضه؟؟ هل أن اوانُ موته على يدِ جيناته؟؟
من هنا تدورُ عجلةُ اطروحتنا في ضرورة اخراج ذلك العقل من انسداد نصه "الرياضي" الى برأح عقله التاؤيلي و التعامل مع المعرفة التجريبية وفقَ افاقٍ عقليةٍ اكثر تحرراً من فكرة البرهنة و التسليم.
لأن حركة التاريخ علمتنا أنه في اللحظة التي تخلينا فيها عن قدسية النص و اتجهنا لحرية العقل تغيرت حياتنا ايما تغير.
أن حركة الكشوفات الاوروبية و انفتاح العقل البشري امام مغامراتٍ جديدة تجاه العالم و الخروج من جدران "كنيسة العالم القديم" لأكتشاف العالم الجديد هو الذي بلورَ و مهد الطريق للعقل البشري على الخروج من فلك النص الى فلك التوليف بينه و العقل و تقليص صلاحياته البيتوتية لجعله الرفيق المهون في رحلاتِ اكتشاف العالم و تسلق جباله!!
لاخراجه من ضيقِ المأذن الى رحاب الصحارى و السهول!! و هنا تمكنت البشرية من الافلات من اسر المكان و بالتالي من اسر النص، لأن النص هو المكان.
في اخر ظهورٍ لعالم الفيزياء الاشهر "ستيفن هوكنز" طالب "هوكنز" البشرية بالبحث عن كوكب جديد صالح للسكنى غيرَ الارض،لأن نهايةً وشيكة بأنتظار الارض وفقاً للقوانين المعروفة في ميلادِ الاجرام و المجرات و عمر المادة فيها.
أن انهماكنا اليوم في العلم الارضي المحض و محاولاتنا الخجولة تجاه الخارج الكوني هو انهماكُ شبيهُ جداً بأنهماك قسسة القرونِ الوسطى في علوم غرفهم المقفلة في الكنائس و ابداءُ لا مبالاةٍ كبرى بما يجري خارجها، لأن كل ما يريدونه و يفكرون فيه هو قابعُ في الداخل،في حدودِ ما وصلتهُ السلطة البشرية و الوجودِ الأدمي،هذا العلم الانكفائي الذي حرمنا لألف عام من التطلع الى الخارج،لنضع ايدينا في دهشةٍ متحسرة على ما اضعناه و فرطنا فيه لأنشغالنا بطبيعة المسيح من وقت ثمين في معرفةِ الخارج الثر و المتحرك.
و مع سفن كريستوفر كولومبس و انفتاح الغرف المغلقة ليخرج منها المؤمنون الى ما هو اجد و اعقدُ من "اقانيمِ المسيح" كان لا بد من حدوثٍ ثورةِ جديدة داخل الدين ليواكب الغابات الجديدة و الثقافات و المعارف و الاثار التي كان يجهلها كليةً.
هذا هو ما يجب عليه ان يحدث تجاه علمنا التجريبي،تجاه مسلماتنا الرياضية و الهندسية!!تجاه الصمت الخانع و التجاهل الخانق تجاه حقيقة كالموت!! كاعقد الظاهر الميتافيزيقة التي تمتحنُ العلم.
تحتاجُ البشرية لرحلةٍ جديدة خارج الكرة الارضية لتتصل بمعطيات اجد و اعقد تجاه ما تراه و تسجنُ نفسها داخل جدرانِ معطياته.
و لكن الى حين حدوثِ تلك الرحلة المرتقبة ما الذي يمكننا الأن فعله على الاقل في كوكب الارض؟
لا شك ان العقل التجريبي الغى الكثير من العقول الاخرى عبرَ عبارته المميته :
هذا امرُ غير علمي.
في ظني أن اهمَ تلك العقول و هو مصدر توجسي الدائم هو العقل "الغانص" هذا العقل الموصوف بالدروشة تارة و بالاستقالةً تارةً اخرى ربما لديه ما يقوله!! ربما لديه تجاربهُ الخاصة في التوصل الى انجازاتٍ عملية للطبيعةِ البشرية تفوقُ ما انجزناهُ نحنُ بقرون!!
ربما لو اعدنا اليه بعضاً من الاعتبار ليحول تجاربه الذاتية الى تجارب جماعية تستفيدُ منها البشرية نكون قد حققنا شيئاً يذكر بدلاً عن تلك القطيعة المتبدية في ابتسامته الساخرةِ مما نفعل و تأففنا المستمر منه و تعالينا عليه،هؤلاء الغانصون ربما يمتلكون طرقاً اكثرَ تطوراً.
العقل الثاني هو العقل "المُتخيل" ، أن هذا العقل المقضي عليه بحصره في المجالِ الادبي ربما يمتلكُ ايضاً طرقاً سباقة لادراك اقصى درجاتِ التحضر و التطور.
تبقى كلها محضُ مقترحات "غير علمية" كما سيحلو لقراء هذه الخاطرة من المستنيرين تسميتها لكن علينا الا ننسى أن دوران الارض حول الشمس لم يكن علمياً ذات يوم.