الحكومة.. وضبط النفس

ميلاد سليمان
2015 / 6 / 1

صباح اليوم، بدأت رحلتي في إستخراج وثيقة أصل من "قيد عائلي مميكن"، وطبعًا كنت فطسان من الضحك على كلمة "مميكن" دي، ولكن ضحكتي اختفت بعد اللي شوفته من ويلات الموظف المصري، مع العلم أن القيد مش لي أنا، ولكن لأن أخي مطلوب منه إستيفاء ورق التجنيد الخاص به، وأنا خدتني الحماسة أني اساعد، وحبيت اظهر في صورة الأخ المعطاء المحب المضحي الخدوم إلى آخر عبارات صلة الرحم وبر الوالدين وماما زمانها جايا جايبة لعب وحاجات، أولا ذهبت لقسم شرطة إمبابة، وهو القسم الخاص بمحيطي السكني، ولكن اكتشفت ان القسم مسؤل عن الفيش والتشبيه، العادي والثلاثي، بالتالي طلبي لم يكن من هناك، ولكن أخبرني الموظف أن اذهب إلى السجل المدني، فلبيت النداء وذهبت للسجل المدني، ونفس الحكاية كانت مهمة السجل استخراج شهادات الميلاد والوفاة وأوراق البطاقة الشخصية فقط، والموظف طلب مني الذهاب إلى "مصلحة الأحوال المدنية / وزارة الداخلية"، وحينما سألته بعفوية "هي فين مكانها!؟"، أخبرني بحدة أن انزل للسؤال في الاستعلامات!!؟، وعرفت من الاستعلامات أن مقرها في منطقة "القومية/ القنطرة الأولى/ إمبابة"، فركبت توك توك من القسم إلى هناك.

وكانت المفاجأة، والتي كنت اتوقعها ولكن فاق الواقع المباشر جماح خيالاتي، أن الناس، رجال ونساء وأطفال وشباب، عاملين طوابير ثعبانية بطول الشارع من الاتجاهين أمام المصلحة، بعضهم حضر لإستخراج شهادة الميلاد، وشهادة الوفاة، أو لاستخراج البطاقة الشخصية، أو تجديدها، او بدل فاقد، وبعضهم -وأنا ومنهم- لإستخراج القيد العائلي، بعضهم افترش الارض من التعب ومعه ساندوتشات للفطار، وفيهم من احضر كرسي بلاستيك ليجلس عليه في الطابور لمعرفته بطول وارهاق الانتظار، وفيهم من يجلس على الموتوسكيل الذي حضر به، وفيهم من يجلس على المقهى على الرصيف المقابل يدخن الشيشه ويشرب الشاب والقهوة، ويراقب تحرك الطابور حتى يحين دوره!!؟.

بقيت واقف في الشمس اللذيذة، والتي كانت تعطي اشعتها وحرارتها بسخاء لا تحسد عليه، لحد ما العرَق حسيت بحركته في كل اجزائي، من الساعة 10 صباحا: 1.25 ظهرًا، وحينما دخلت المكتب ووصلت إلى شباك الموظفة المختصة، وهبدأ كلامي اقول لها المطلوب، لقيتها بتجاوب بحركة آلية متدربة عليها "عشان تعمل القيد.. لازم يكون معاك شهادات ميلاد اخواتك كلهم أصول، وصور بطايقهم، وشهادة وفاة والدك ووالدتك"، طبعًا محاولتش أوضح لها أن والدي فقط هو من توفاه الله، بينما والدتي الجميلة حية تزرق وحسها بالدنيا ولسه جايبين لها قطة تملا عليها فراغ وقتها، وقلت لها "حضرتك أنا معايا صورة من القيد، وفيها الرقم المسلسل ممكن تكتبيه على الكمبيوتر وتستخرجي الورقة على طول... أنا محتاج نسختين"، فوجدتها تنظر لي وكأني أهنتها وسألت وهي بتعلي صوتها "نسختين تعمل بيهم اييه... فهمني عاوزين نسختين من القيد ليه!؟"، تصرفها حسسني أني بطلب منها تقسيم الميراث بتاع أبوها أو إنها هتعمل لي حاجة ببلاش أو أن دي وثائق سرية ممنوعة الاطلاع عليها أو أني عاوز خريطة الكنز المدفون في خورم الجبل، فقلت لها "حضرتك أنا وأخويا بنخلص ورق الجيش... ومطلوب نسخة أصل في كل دوسيه"، فالموظفة لزيادة التعطيل وتضييع الوقت وحرق دم الناس اللي واقفة في الشمس أمام المصلحة، طلعت نظارتها وضيقت نظرة عينيها بكل تناكة وشموخ، ومطت شفايفها وكأنها خبيرة بوكالة ناسا لأبحاث ودراسات محاصيل الملوخية، وقرأت من الصورة اللي قدمتها لها تواريخ ميلاد أخواتي وبتقارن بين السنوات الفاصلة بيني وبين أخواتي، عشان تتأكد أني صادق في طلبي وأن نسخة القيد العائلي مش هاخدها افجر بيها قناة السويس الجديدة أو هقايضها بالغطاء الذهبي لاقتصاد مصر من البنك الدولي.

وفي النهاية دفعت الرسوم المطلوبة، وهي 11 جنيه للنسخة، فقدمت للموظفة 25 جنيه، فضحكت بسماجة وقالت "انت عاوز 3 جنيه باقي... ومش معايا فكة فضية... تاخد تطلع تفك الـ 5 جنيه دي من براا"، طبعًا هي عارفة كويس أني لو خرجت مش هعرف ادخل تاني إلا بعد 3 شهور أصلا، بسبب الزحمة المرعبة اللي براااا، والشمس وتعصب الاعصاب، ولان معروف الحركة دي، انها بتبقي الفلوس كدا من الجميع، كاقتصاد موازي لذيذ تعمل لها منه في اليوم مثلا 500 جنيه أو اكثر، وقلت لها "حصل خير... مش عاوز الـ 3 جنيه"، وخرجت من المصلحة وعلى عيوني لمعة حياة وكأنني طفل أعادوه إلى أبويه.