خمس دقائق في عالم الواقع...مقال في العزلة الجديدة

الطيب عبد السلام
2015 / 5 / 25

خمس دقائق في عالم الواقع
مقال في العزلة الجديدة
هل اسسنا سجوننا الجديدة بايدينا؟؟ هل تبدلت القضبان الحديدية الى الوان و صور و ايقونات؟؟ هل نحنُ نعيش في الواقع ام أننا نحيا داخل افتراضتنا عن الواقع؟؟
هذه الاسئلة الوجودية المعقدة التي شغلت بال الفلاسفة الاوائل من لدن أرسطو و أفلاطون مروراً بسقراط و ديكارت و كانط و ديفيد هيوم ثم هيغل وصولاً الى نيتشه و انتهاء بهبرماس!!
أين نحن؟
قبل ان نجيب على هذا التساؤل سنخرج من رفوف المكتبات و من عوالم هؤلاء الفلاسفة و نتمشى في الطرقات، لا شك اننا في مشينا هذا سنصطدمُ دون قصد باحد اؤلئك الاشخاص المنحنون على اجهزتهم الجوالة بل و لربما يكون هذا الشخص نفسه يراقب خارطة طريقه عبر خرائط الجوجل ايرث الرقمية ملغيا في ذلك حاسته الفطرية في التعرف على الاتجاهات!!!
هل هذه التقنية الرأسمالية الجبارة في طريقها الى عزلنا عن بعضنا البعض، بل و منح كل شخص منا عالمه الخاص ليعيش فيه من دون ان يعي من صدم قبل قليل في مسيره؟؟
هل أنسان الليالي المقمرة المسافر بألتماعات النجوم في الليالي الصافية هو ذاته المستلقي على اريكة مريحة في سيارة اوماتيكية تعمل بألاقمار الصناعية و الجي بي أس؟؟
أن للتقنية اسئلتها الفلسفية الفادحة التي تطرحها علينا اذا تأملناها لدقائق و فكرنا بشأنها!! و أهم تلك الاسئلة هو مفهومنا الحديث عن ماهية الواقع الذي نحيا فيه !! هل هو واقع حقيقي ام افتراضي؟؟ وأن كان افتراضياً فما هو مدى واقعية ذلك العالم الافتراضي؟؟
لنجيب على هذا التساؤل علينا اخلاء بعض التعبيرات من طوابق هذا السوأل، تلك التعبيرات التي ربما تصطدم بالمدى الأتهامي في هذا التساؤل، هذا الاخلاء هو بمثابة احتراز ايديلوجي تجاه ما أتبناه و ادافع عنه و استخدمه كأداة في تحليل و تصويب و تخطيئة اي شئ في حياتي.
التقنية حررت الأنسان من عبودية اخيه الأنسان،ثم حررت ذات الأنسان من عبودية الارهاق اليومي في اداء عمله عبر أخراجه من قمرة القيادة المباشرة الى انظمة الحوسبة المبرمجة متخطين بذلك ثلاث مراحل اساسية هي : العمل اليدوي الى العمل المؤتمت و من العمل المؤتمت الى العمل المحوسب، هذا الامر وفر الميارات من الارباح للشركات و رفع من المنافسة بين الافراد لتجنح البشرية لمزيد من الوجود النخبوي و الاصطفائية الفردانية تكريساً لمفهوم الطبيعة الفطرية في أن البقاء للاقدر على المنافسة.
هذه التعبيرات ليست هي المقصودة بمفهوم العزلة، وأن كانت لا شك ممسوسة بطيف منها.
لكن العزلة المعنية هنا هي تحول العلاقات البشرية المباشرة الى مجموعة من الايقونات و السلاسل الرقمية !!
لأن السؤال الذي يدور بمخيلتي بقدر ما هو واضح بقدر ما أن التفكير فيه متداخل و متشابك،
و بقدر ما أن اي مقترح اجابة سيجر ورأه ملايين من الاسئلة الا متناهية، فأنني سازعم بأن تحول الحياة الواقعية الى حياة افتراضية بالجملة و تحول تلك الحياة الافتراضية الى حياة واقعية اخرى هو ناتج من فكرة الحلم الشخصي او اليوتوبيا الذاتية التي يبحث الانسان و يكدح لنوالها و تحقيقها!! هذه اليوتوبيا لا شك أنها مصطدمة بحقائق الواقع صعبة التغيير و مستحيلة التماهي!!
أن الامر شبيه بأن يبني طفل صغير قلعته الرملية على شاطئ البحر!! شبيه بتشييد العالم اليوتوبي الخاص في اي مكان و لو كان امام شاشات الكمبيوتر!! هذا العالم الموضح بتفاصيله الدقيقة في مخيلتك ابتداء بأبتسامة صورة السيلفي مروراً بالتعليقات المفترضة عن اؤلئك المفترضين و أنتهاء بأرسال طلب الصداقة الى شخص تربطك معه اتفاقية ايدلوجية قاسمك اياها و شابهته فيها.
أن عالم اليوتوبيا هو عالم مغوي جداً،ساحر و لا مكان فيه للالام و الاحتكاكات المباشرة!! انها حياة فيما نريد و نحلم!!
يقول الشاعر : لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها و لكن احلام الرجال تضيقُ.
هذا هو مربط الفرس!! هذا هو الاغواء الذي تحدثت عنه من اغواء العالم الافتراضي و اخذه لنا كلية من الواقع، بل و نقل كامل واقعنا اليه !! نقل احلامنا !! نجاحاتنا!! اخفاقتنا!! كأس قهوتنا!! معاركنا!! هذا اذا لم ننتقل اليه ذات يوم بشحمنا و لحمنا !!
أن مفهوم المكان نفسه بات متغيراً !! ان لم يبت منسوفاً !! و هذه اولى مؤشرات و ادلة الا واقعية الجديدة التي نعيشها بافتراضها واقعاً !!
أنت لا تمشي على التراب !! لا تصطلي بلهيب الشمس !! أنت تفكر هذه اللحظة في عالم اخر و مواجهات و معارك اخرى قد لا تقاسمك زمكانها لكنك منتمي اليها و اهلها منتمون اليك!! ذلك بأنك لم تعد أبن جوعك الخاص، بل ابن قضية اخرى ربما يكون حلها ايسر بكثير من حل جوعك الخاص!!
أنها حالة هروب كبرى من واقع لا مكان لك فيه الى واقع انت بطله الكبير الذي يحظى بالتأييد و بالمعجبين و بالتصفيق!! انه الاحتفاء بنصرك في العالم الافتراضي و هروباً من انسحاقك في الواقع
بالتأكيد هذه ليست الاجابة الوحيدة لتساؤل لما ارتبطنا بألواقع الافتراضي اكثر من الحقيقي على عكس الامم المتحضرة التي لا تجد في حياتها ذلك الوقت الوفير لتمضيه امام الحواسيب!!
فما تريدُ تحقيقه امام الحواسيب نقلته الى ارض الواقع، وبات على الحواسيب ان تلاحق ما يجري بين يديها بدل ان يلاحقوه هم بما يجري بين يديهم.
أنه في فهمي دليل انحطاط و تراجع حينما تتصيرُ احلامنا من الارض الى الاسافير!! دليل انحطاط حينما نمضي الوقت مع اشخاص رقميين و مع اجهزة حاسوب اخرى تعمل بالكهرباء!!
لكن انحطاطنا ذلك لا نتحملُ وزرهُ نحن !! بل اؤليك الكهنة الظلامييون المحاطين بتهليل القطيع للمقدسات و الطواطم و التوابيه!! من جعلوا واقعنا خلف شاشات الحاسوب و خلف شبكات الاتصال و اتوا هم على الاخضر و اليابس في الواقع.
لذلك انت تتوتر !! تفقدُ اعصابك لو انقطع عنك الانترنت و مدنه الفاضلة عنك لخمس دقائق!! لأنك تحيا في واقع مغاير تماماً لما تشتهي و ما تريد.