الهوية القلقلة

الطيب عبد السلام
2015 / 5 / 21

يعرف علماء الاجتماع الثقافة بأنها ذلك المزيج المكون من اللغة و الدين وفي بعض الاحيان العرق.
محصلة ذلك الخليط من المفاهيم هي ما ينتج حالة الوعي بالذات و بروز الانا الجماعية.

و حالة الوعي بالذات اشبه بالرؤية العقلية و البصرية لماهية الشئ!! بمعنى ابسط رؤية الانسان لنفسه على مرأة تصوره العقلي وصولاً الى انتاج رؤية جماعية متفق عليها للنسق الاجتماعي.
هذا التعقيد الشبيه بالرؤية المزدوجة لخلية داخل جسد لوحدها و في ذات الوقت الرؤية الكلية للجسد هو ما انتج كل نظريات الاقتصاد الحديثة و القديمة و هو نفسه ظل لاماد بعيدة مثار للمفاكرة و البحث لأن احدا ما لم يقل بعد الكلمة الفصل.
على اية حال و كي لا تأخذنا اللغة بعيدا عن الفكرة التي يجاري المقال بحثها فأنني اقول ان الهوية هي المذاق النهائي و الصورة الاخيرة المتولدة لدى العقل عن ماهيته و عن صورته.
و هذا الامر يتدرج وفقاً للتدرجات المحلية،فمن هوية ذاتيه الى هوية اسرية الى هوية جهوية الى هوية قومية الى هوية قارية الى هوية انسانية تتحد فيها جميع الهويات و تلتقي.
و لأن اللغة هي من العناصر المهمة و الاهم في صب و قولبة اي هوية و تعريفها و اعطاء اجابات نهائية حول امتدادات و قدرات تلك الهوية فأنني ساركز في هذا المقال عليها بأعتبارها في ظني المركز الجوهري لمدى استقرار تلك الهوية و مدى تفككها و قلقها.

و اللغة علم قائم بذأته لديه باحثوه و مراجعه و اشخاص افنوا اعمارهم في عوالمها لكن بتعريف بسيط فأن اللغة قديما كانت اداة تواصل بين الكائنات لكن الثورة الحقيقية في عالم اللغة كانت هي التدوين و ظهور الكتابة!! فتحولت اللغة من مجرد اداة تواصلية للتعبير عن حاجات لحظية!! اصبحت معينا لصب الافكار و تبادل المقترحات و حفظ تلك المشاعر و المصالح.
أن الفضل في الثورة الثقافية و الصناعية اليوم يرجع في الاساس الى الثورة في اللغة و في الكتابة!!
لأن هذا الحاسب الذي اعمل عليه ما هو الا عبارة عن تطبيق مادي محسوس للغة الحسابات
و الفيزياء و الرياضيات و هندسة المواد!! بل ان هذا العقل نفسه الذي يقرر كتابة هذا المقال انما يعمل بواسطة الاشارات الكهربائية و هي في الاساس معبر عنها بلغة!! بل أن الجسد نفسه ما هو الا شيفرة وراثية معينة و هي في الاساس لغة!!
ففي الوقت الذي كانت الحياة تعمل فيه بالميكانيكا التقليدية و الطاقة البشرية كانت حدود اللغة ضيقة نوعا ما!! و مع حدوث الثورة الصناعية مع ظهور المولد البخاري كفكرة في عقل احد ما قام بتدوينها و ادت تلك التدوينة الى تجسير الفكرة الى ارض الواقع حصلت ثورة كبرى في عوالم اللغة نفسها و انفتحت على ترميزات و معطيات اجد و اعقد.

و لما كانت اللغة هي المعبر الاول للهوية و لتوصيف الذات و من ثم الذات الجماعية فأن اي اعتلال فيها او قلق حيالها يؤدي الى انتاج هويات قلقلة و ربما متناقضة او متناحرة.
في هذه النقطة سأفترض أن تبني المجتمع لأكثر من لغة رسمية يؤدي الى حدوث قلق كبير تجاه الهوية و ينتج انماط مختلفة داخل النسق الهوياتي الواحد!! فتجد اصحاب اللغة المغايرة هم بالضرورة اصحاب هوية مغايرة و انتماء هوياتي خارج من الانتماء الهوياتي الماثل للسائد!!
فيحدث تعدي هوياتي و انتماء الى غير المكان صاحب الهوية الاساس!!

ولأن اللغة هي التي تحدد مع من تتواصل و الى اي مستوى معرفي سترتقي فأنني ازعم بأن العرب و الفرانكوعرب قد دخلوا هذا المأزق تسبقهم اليه الزفة و راقصوها!
الا وهو مأزق الانتماء الى لغة بلا منتوج!! و أعني بالمنتوج الفسلفة و العلم و الطب و الفيزياء لأن منتجو هذه العلوم هم منتمون الى لغات اخرى و هويات اخرى بالضرورة!! فأصبح من الضروري امتلاك لغة أخرى لمواكبة المنتوج العلمي و الانخراط في الانتاج فيه!! بينما تجد ان عقلية المجتمع المخاطب بتلك العلوم و الفنون يتحدثُ لغة اخرى و يفكر بها!! لغة اختطفها كهنة الظلام و جعلوا جل ما يصدر منها هو الهراء و الدجل و الخرافة و التخلف!!
هذا القلق المستمر يؤدي الى تشتيت الهوية و تضيعها و هولمتها وأنتاج مجتمعات عاجزة عن ادراك ماهيتها و الى اين تلوي العزم!!
فهي مواجهة اما باعادة انتاج نفسها في لغة الحداثة الجديدة و العصرية و بالتالي الخلاص الابدي من منتوج تلك اللغة من الظلام و المجتمعات البلهاء المرتبطة بها!! لكن التضحية الاكبر تتمثل في خسران ارث ضخم من الكتابة و الابداع بل و حتى الامكانيات المهولة و الجماليات الفتانة التي لا حصر لها لتلك اللغة وهي خسارة فادحة و لا شك!!
او الطريق الثاني هو الاقتراب من نقطة الهوية القلقة تلك و العمل بهوية براغماتية غير مستقرة و غير متقيدة او مقيدة للأخر!!
الامر اشبه بجسدك الغارق في الوحل و عينك المتعلقة باليابسة السهلة الطيبة!!

على اية حال فأن للمجتمعات كامل الحق في الانتماء لأي لغة تفتح لها ابواب التقدم العلمي و الرفاه الاجتماعي في مقابل تنازلها التام و قطعها المطلق مع ما يمكن تعطيلها و تأخيرها!! مع الاخذ التام في الاعتبار ان منبع تلك اللغة نفسه "العربية" هو نفسه ليس نبعا مقدسا او بعيد من حالة الهوية القلقة التي تصب في بقية المجتمعات المرتهنة لتلك اللغة، مما يحتم في نظري على المجتمعات ضرورة الاسراع للحاق بركب القرن الواحد و العشرين.

الطيب عبد السلام
14/اوغشت
امدرمان.