تثوير الليبرالية

الطيب عبد السلام
2015 / 5 / 20

هل قيم الليبرالية من عدالة اجتماعية و حماية لحقوق الاقليات الدينية و الجنسية "المثليين" و المساواة المطلقة بين الرجل و المرأة و حرية الفكر و الاعتقاد و تشجيع المبادرات الفردية تحتاج الى صناديق الانتخاب او حتى الى الديموقراطية؟؟
في ظني ان الديموقراطية نفسها هي مرحلة نهائية من مراحل الرقي و التطور المجتمعي و الحزبي اذ لا يصح باية حال ان نصف ما جرى عقب انتفاضتي ابريل و اكتوبر انها افضت الى حالة ديموقراطية حقيقية.
فالحديث عن ديموقراطية في ظل وجود احزاب تستند الى طوائف دينية في حشد مؤيديها لصالح مصالح قادة تلك الجماعات الدينية التي تسمي نفسها احزابا سياسية انما هو حديث مبتور و لايصح وصفه بأنه سلوك ديموقراطي.
أن اوروبا لم تصل الى ديموقراطياتها الحديثة التي نراها اليوم " 1945-2014" الا بعد ثلاث قرون طوال من الانتصار النهائي على تدخل الكنيسة و طوائفها الدينية في السياسة.
و على الرغم انه طيلة هذه الثلاث قرون تعرض المشروع الاوروبي الذي نقتدي في تحليل حالتنا التاريخية الماثلة لمجموعة من محاولات الاختطاف و الراديكالية حينما سيطرت بعض الاحزاب القومية الراديكالية على سدة الحكم بها و كبدت البشرية خسائر فادحة الا ان اقتلاع المشروع الديموقراطي الاوروبي قد فشل تماما لأنه لم يأتي بين ليلة و ضحاها بل جاء عقب ثورات مجتمعية عاصفة هزت اركان العقائد و الثوابت.
لو ان تلك الثورات المجتمعية في وقتها تعاملت بعقلية "اسمع وجهة نظري الراديكالية لو سمحت" لكانت اوروبا حائرة حتى اليوم حول قضية "هل الشمس تدور حول الارض ام العكس" كما نحن مشغولون اليوم ب قضية "النقاب فريضة او سنة".
أن لحظة الثورة هي لحظة عاصفة و مجنونة لأن ما ينتج عنها هو تحول بعيد المدى في كافة جوانب الحياة و لقد رأينا النتائج التي حققتها الثورات الليبرالية في مجتمعات مثل تركيا و تونس من رقي مجتمعي و حالة حضارية متقدمة مقارنة بالدول التي تشاركهما الدين و اللغة.
أن الديموقراطية على اية حال هي مرحلة لاحقة و ليست سابقة!! بل انها نفسها ليست مقترح مقدس نعبده دون المصلحة الحقيقية للبشرية!! بل ان البشرية اولا و من ثم الديموقراطية.
فقبل حدوث الديموقراطية لا بد من تملك ادواتها المتمثلة في الوعي الجماعي العقلاني غير الخاضع للابتزاز الديني او القومي او العرقي!! بل الوعي الحر النير الذي يجعل من عملية الاختيار اكثر حكمة و نضجا.
يقول الحبيب بورقيبة ابو الحداثة التونسية " لن انتظر ديموقراطية من شعب مخدوع بالثقافة الذكورية من الدين لأحرر المرأة" هذا التعبير البورقيبي العميق يدل بصورة جوهرية ان هنالك مبادئ و ثوابت اساسية ما لم يتيقنها الشعب فلا معنى لديموقراطية او شرعية.

في ظني ان مرحلة التنوير ستحتاج الى وقت طويل و الى ديكتاتور عقلاني وصي ينتقل بالمجتمع انتقالات سريعه في مجال التعليم و الثقافة و الاهم حياته الاقتصادية بما يحقق رفاهه و بالتالي يستطيع الثقة في انه بنى دولة ستعض على حداثتها بالنواجز!
في بريطانيا ما يحمي الدولة و مؤسساتها ليست قوة السلاح بل قوة التعليم التي تنتج اجيالا مؤمنه بالحداثة و ابعد عن الدين و الخرافة فهم ركيزة ديمومة الدولة و استمرارها و هذا ما يبرر لدولة كبريطانيا ان يكون المعلم و التعليم كبير اهتمامها و محل صرفها و انفاقها.

أنني لا ادافع عن الديكتاتورية و لكنني اقول بأن الاستنارة مقدمة على الديموقراطية وأن الديكتاتور المستنير افضل بالف مرة من ديموقراطيات "صوتك يدخلك الجنة".
أن خلاص هذه البلاد لهو الثورة الليبرالية الشاملة في مجال الثقافة و الاقتصاد و التعليم و اللغة
لأن قيام الليبرالية البرامجية في دول كدول العالم الثالث لهو امر مرهق و باهظ!! ثم أن الليبرالية البرامجية ما هي الا ترتيب داخلي لمراحل الثورة الليبرالية الشاملة و تقنين لها حينما تمر مراحل الثورة الليبرالية و تحقق اقتصاد الوفرة و بالتالي مجتمع الرفاه.
على الليبرالية ان تصادم و تخلق مكانا محترماً لها لا ان تنتظر مسيحها كما حدث بتوفيق نادر في تركيا و تونس وأن كنت احبذ هذين النموذجين و اؤمن تماما بالليبرالية الاتاتوركية الحاسمه اكثر من ايماني بليبراليات "الضل البارد" المنتشرة في المنطقة.

بعد حدوث الانقلاب الكامل في المجتمع و مفاهيمه يمكننا لحظتها ان نتحدث بسعة صدر عن الديموقراطية و قيام احزاب ربما دينية متحضرة تمهيداً للعبور نحو مرحلة ما بعد الحداثة التي بدأت انسامها تهب من دول كالمانيا و تركيا و تونس.
لكن مالم تحدث القطيعة الابستيمية المطلقة مع الماضي في مرحلة الحداثة فأنه من الصعب ان نتحدث عن ما بعد حداثة و عودة احزاب الامس المجرمة بجلباب نظيف من دون حدوث تغير داخلي عميق في افكارها الميكافيلية و من دون ان يموت الذئب تحت جلدها.
في ختام هذا المقال الح و بشدة على ان الديموقراطية ليست اصيلة بقدر اصالة عناصر وجودها
و ديمومتها من استنارة و حضارة.