الصراع في مصر هل هو طبقي أم صراع على الهوية ( 2 )

عمرو إمام عمر
2015 / 5 / 17

« إن السياسة البورجوازية لا يمكن إلا أن تكون ديماجوجية بالنسبة إلى من تربى تربية ماركسية ، و ذلك لأن كل ما تستطيعه هو أن تقطع الوعود للجماهير ، دون أن تفي بها أبداً ، و الأمر على العكس تماماً بالنسبة للسياسة الثورية ، لأنها تستطيع ان تقدم للجماهير ما تعده به ، و بصورة غير ديماجوجية من حيث المبدأ ، أما حين تكون ديماجوجية فلا يداخلنا ريب في ضرورة الأستنتاج بأنها قد تخلت عن المبادئ الثورية (ويلهلم رايش - ما الوعي الطبقي ؟) »

لم يكن أمام ”السادات“ من خلاص للأضطرابات في الشارع المصري سوى الأسراع في الدخول للحرب ، فالتأجيل لن يكون في صالح نظامه ، فالأحداث التي شهدها الشارع تنبئ بما هو أكثر و التيارات الدينية التي أعتمـد عليها مازالت ضعيفة فكان لابد من التحرك سريعاً بحدث يمكن أن يؤجل هذا الأنفجار أطول فترة ممكنة و لم يكن أمامه من بُد سوى المغامرة بدخول الحرب بأي شكل ممكن ، و بالفعل دخل السادات الحرب مغصوباً لا مختاراً ، و رغم نتائجها النهائية لم تكن مرضية ، لكنه في النهاية أستطاع الخروج من المأزق و أصبح بطلاً لأنتصار ناقص غير مكتمل ، مما أعطاه مجالاً أوسع لمشروع التحول الذي تبناه منذ بداية صعوده مصادفة على كرسي السلطة.

في يناير 1974 بدأت مفاوضات فك الأشتباك الأول و الثاني معلنة أنتهاء العمليات الحربية ، ليعود ”السادات“ مرة أخرى في مواجهة مع الشارع ، و لم تمر سوى أشهر قليلة لتصحوا القاهرة يوم 18 إبريل على محاولة أنقلاب فاشلة قام بها الفلسطيني ”صالح سرية“ ، و هي الحادثة المعروفة بتنظيم الكلية الفنية العسكرية ، يقول ”ياسر سعد“ أحد قيادات ”تنظيم صالح سرية“ في حديث نشره موقع جريدة ”اليوم السابع“ بتاريخ 16 مارس 2014 ، اعترف فيه بتبعيتهم للأخوان المسلمين قائلاً : «نحن كجنود لجماعة الإخوان المسلمين ليس لنا أن نفكر أكثر من أننا نسمع و نطيع ، فصالح سرية جاءنا بهذه الفكرة ، فهو كان مبعوث الإخوان المسلمين لنا ، و كنا نتعامل معه على أنه ”إخوان مسلمين“ ، و كان يهمنا فى هذه المسألة مرشد الإخوان آنذاك ”حسن الهضيبى“ ، لذلك كنا نرى أن الهضيبى قد وافق على منهج صالح سرية ، لكن بعض الإخوان المسلمين كان لديهم بعض التحفظ على منهج الانقلاب ، ففى هذا الوقت كان الإخوان مهلهلين ، لأنهم كانوا خارجين من السجون سنة 71 و الباقى خرج سنة 74 ، و تنظيم الفنية العسكرية بدأ عام 71 ، و لذلك يعتبر تنظيم الفنية العسكرية تنظيماً إخوانياً بحتاً ، و استأذنً من المرشد ، و نحن مجموعة بدأنا و كنا ننتمى لتنظيم الإخوان فكرياً و أدبياً ، و كنا أعضاء - حسب مفهومنا - تابعين للمرشد العام للجماعة الهضيبى ، و هذا يكفينا».

بالرغم من تحقيقات النيابة التي أثبتت العلاقة بين ”صالح سرية“ و قيادات تنظيم الأخوان إلا أن السادات مدفوعاً بغروره لم يحاول إعادة النظر في سياسته بالدفع بالتنظيمات الدينية في مواجهة الحركة الوطنية و لم يحاول أستثمار النصر في إرساء قواعد جماهيرية له في الشارع بل أندفع مرة اخرى في التغيير الذي بدأه فور صعوده لكرسي الحكم ، ليطلق ”ورقة أكتوبر“ التي تعتبر إعادة صياغة للسياسة الاقتصادية و تدشين لسياسة جديدة عرفت حينها بـ ”سياسة الانفتاح“ ، و لتأكيد تلك السياسة كان لابد من أطلاق حزمة من التعديلات القانونية الخاصة بالاقتصاد لفتح بوابة الأقتصاد المصري لرأس المال العربي و الأجنبي في شكل استثمار مباشر في كل المجالات تقريبا ، كذلك فتح المجال للأستيراد للقطاع الخاص بلا ضوابط ، تحرير معاملات النقد الأجنبي و هذا يُمّكْن البنوك الاجنبية في مصر من اسقبال ودائع بالعملات الأجنبية ، أنهاء العمل بأتفاقات التجارة و الدفع مما وضع الأقتصاد المصري عرضة لقوى السوق و تقلباتها الحادة ، أخيراً ما سمي بإعادة تنظيم القطاع العام بالغاء دور المؤسسات العامة ، و من أولى الملاحظات على القوانين التي تم أستحدثها سنجد أن القانون ٤-;-٣-;- لسنة ١-;-٩-;-٧-;-٤-;- و الذي عدل بالقانون ٣-;-٢-;- لسنة ١-;-٩-;-٧-;-٧-;- أنها تخالف المبادئ الدستورية وقتها ، فالدستور المصري يقر بأن القطاع العام يسيطر على القطاعات الإستراتيجية بالدولة ، و بالمخالفة للقاعدة الدستورية جاء القانون غير محدد الملامح بالنسبة للقطاع العام ، فكل مجالات الإستثمار أصبحت مفتوحة للإستثمار الأجنبي الخاص ، مما قلص من حجم القطاع العام و مساهمته في الناتج القومي و وضعه في موقف المنافسة بدون حماية.

كل هذا لم يأتي بالمردود الذي تمناه النظام ، فلم تتدفق الأموال للأستثمار في مصر سواء من الخليج أو دول المعسكر الغربي ، بل زاد من ذلك زيادة حجم الديون لمستوى لم تعرفه الدولة المصرية من قبل ، فالسادات وعد في خطاباته أن عام 80 سيكون عاماً للرخاء فبدأ عمليات تطوير و تحديث للبنية التحتية من خلال الأقتراض ، و زادت معدلات العجز في الموازنة العامة التي أستلمها السادات عام 70 و بها فائض ، و بالتالي زاد التضخم و ارتفعت الأسعار بشكل كبير ، و اخذت الأزمة الأقتصادية تضرب بقوة شرائح كبيرة في المجتمع المصري ، في عام 1975 بدأت تظاهرات عمالية كبيرة تجتاح البلاد أهمها اضراب عمال غزل المحلة الذي شارك فيه 33.000 ألف عامل ، و أنضم لهم عمال مصانع القطاع الخاص فأرتفاع الأسعار كان فوق طاقة الاحتمال و الفساد الذي بدأ يضرب المؤسسات الإنتاجية أصبح واضحاً ، و تتوسع الأضطرابات و ينضم لهم أقرانهم في مدن عديدة أخرى مثل مصانع النصر للسيارات ، مصر حلوان للغزل و النسيج ، الشركة الشرقية للدخان ، الترسانة البحرية بالاسكندرية و بورسعيد ، قابل السادات و نظامه مطالبات العمال بعنف مبالغ فيه وصفت المصادمات بين الشرطة و العمال بأنها الأكثر دموية على الأطلاق لسقوط عشرات القتلى و الجرحى ، لكن كل هذا لم يوقف ”السادات“ عن مشروعه بل وضح للجميع أن قطار التغيير لن يتوقف بسهولة ، و بالتالي لم تتوقف الأضطرابات في هذا العام إلا لفترات قصيرة ، ليأتي عام 1976 في شهر يناير و يحدث صدام دامي آخر و لكن في مدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية فصيادي ”بحيرة المنزلة“ تم منعهم من الصيد بسبب أحتكار إحدى الشركات الأجنبية الصيد بها ، وصل الصدام إلى حد أحتلال الصيادين لمراكز الشرطة و مقرات الاتحاد الأشتراكي و يعاود النظام أستخدامه للعنف المفرط مرة أخرى و يسقط العديد من القتلى و الجرحي ، في نفس الوقت بمحافظات أخرى حدثت مصادمات بين الفلاحين و أجهزة الأمن بسبب قرار النظام بأستعادة كبار الملاك للأراضي التي حاز عليها الفلاحين من الأصلاح الزراعي و يسقط العديد من القتلى ، حتى في القاهرة مصادمات عنيفة بين الأهالي و الشرطة التي أصبحت الداعم الأساسي للنظام ، أهم تلك الصدامات التي حدثت في حي ”الدرب الأحمـر“ حيث أعترض الأهالي على ممارسات عدد من ظباط الشرطة و عنفهم المفرط في التعامل مع الأهالي بأمور لا تحتاج للعنف و تصل المصادمات أيضا إلى أحتلال الأهالي لاقسام الشرطة و الاستيلاء على السلاح.

تزيف الوعي بين مطاعم ”ويمبي“ و ظاهرة ”الشعراوي“
وسط كل تلك الأحداث ظهرت فجأة على شاشات التلفزيون المصري حملات إعلانية لسلسلة مطاعم أنجليزية ”WIMPY“ تطرح أسلوب جديد في الحياة حيث ساندوتشات الهامبورجر و الهوت دوج و مشروبات الميلك تشيك و الكابتشينو ، قابلها تحول في الطبقة الوسطى البيروقراطية التي باتت قريبة من التأثر بالأزمة الأقتصادية و لكنها وجدت ضالتها سريعاً بالهجرة للخليج فالطفرة المالية التي شهدتها خزائن تلك الدول بعد الحرب بسبب أرتفاع اسعار البترول ساعدتها في الدخول في سباق سريع نحو التحديث لتشهد تلك الدول حركة من العمران للتحول من البداوة للمدنية فأصبحت الحاجة ملحة للعديد من المدرسين و الأطباء و المهندسين و المحاسبين ، و بالطبع بجانب ذلك إزداد الطلب على العمالة الحرفية خاصة في مجال البناء فشهدت مصر هجرات متتالية حتى الفلاحين الأُجراء أو أصحاب المساحات الصغيرة تخلوا عن عملهم في الأرض ليندفعوا إلى الخارج و العمل في مجال المعمار ، و يتأثر المجتمع المصري بذلك فتحدث أزمة في العمالة الماهرة مثل عمال الزراعة و العمالة الحرفية الخاصة بالمعمار ، فالعمل في الخليج أصبح الشغل الشاغل للكثيرين منهم ، ففرصة الحصول على الأموال باتت سهلة أمامهم ، و كان أكثر المجالات تأثرا هي الزراعة ، فزادت أجور العمال بها إلى أكثر من 50% ، أدى هذا إلى زيادة تكلفة المنتج الزراعي بل و أنخفض الأنتاج بسبب سفر أعداد كببيرة من العمال الزراعيين و أضطرت الدولة لأول مرة أستيراد سلع غذائية من الخارج ، كذلك أرتفعت أجور عمال البناء فأثر هذا أيضاً على التكلفة ، و بالرغم من حجم العمالة التي سافرت للخارج إلا أن هذا لم يؤثر في خفض نسبة البطالة التي أرتفعت إلى 11.5% عام 1976 بعد أن كانت قبلها بعشرة أعوام عام 1966 0.30% ، تلك المجموعات التي سافرت للخليج آملة في الخلاص من أزمتها خلقت مظاهر جديدة على المصريين في أسلوب الحياة مثل البذخ الشديد في الصرف و الفكر الإستهلاكي ، بل حتى في الملابس بدأت تظهر في شوارع القاهرة لأول مرة سيدات مصريات يرتدن الحجاب.

سبق ذلك بقليل ظهور شخصية دينية على شاشة التلفزيون المصري في البرنامج الديني الوحيد الذي كان يحظى بنسبة متابعة عالية و هو برنامج بعنوان ”نور على نور“ ، بنى هذا البرنامج قوته من ميعاد بثه على الشاشة و هو يوم الجمعة الساعة الثانية ظهراً يسبق مباراة كرة القدم التي تبدأ في الثالثة و هي تحظى بشعبية كبيرة فكانت أجهزة التلفزيون في المنازل تبدأ في الأستعداد لأستقبال مشاهدي المباريات بهذا البرنامج ، في تلك الفترة كان النظام و حليفه الجديد ”الأخوان المسلمين“ يبحث عن طريقة للخلاص من التيارات اليسارية إلا أن هذا الحليف لم يستطيع السيطرة على الأضطرابات التي تحدث ، فكان لابد من البحث عن رمز ديني يظهر في أجهزة الإعلام يستطيع تمهيد الأرض لهم و أستخدامه كرأس حربة للهجوم على الأفكار اليسارية و الاشتراكية ، و وجدوا ضالتهم سريعاً في الشيخ الأزهري ”محمد متولي الشعراوي“ الذي كان على خلاف مع النظام القديم و يحمل داخله من العداوة له ما يكفي ، أمتاز هذا الشيخ على غيره من أقرانه باستخدامه للغة بسيطة خليط ما بين العامية و الفصحى ، لديه قدرة فطرية على التلاعب اللفظي و الحركي لتوصيل أفكاره ، ليضع هذا الشيخ أول بذور الفتنة الطائفية بل كان هو مطلق شرارتها ، و ساهم بشكل كبير في تغيب وعي المواطن المصري ، فأنتشرت أفكار على يديه مثل الرضى بالمكتوب و أن الفقر و الغنى من عند الله !

التحول الأقتصادي الذي قاده ”السادات“ أنتج معه مجموعة أزمات حادة لم تشمل فقط الأقتصاد بل في السياسة و الثقافة ، و المجتمع و أثر بالتالي في السمات الأساسية للشخصية المصرية ، و شهدت مصر مجموعة من المتغيرات المجتمعية فظهر ما يسمى بالأمركة Americanization ، و في المقابل الشرائح التي هاجرت إلى الخليج مدفوعة للبحث عن لقمة العيش بدأت في الظهور داخل المجتمع المصري بملامح ثقافية جديدة ، فظاهرة الحجاب و النقاب التي بدأت تظهر في الشارع واكبها حملات دعائية متمثلة في كتيبات كانت في غالبها موجهة للفتيات و النساء مثل كتيب ”رسالة إلى أختي المسلمة“ ، و كتيب آخر بعنوان ”فقه النساء“ ، كانت تلك الكتيبات أما يتم توزيعها مجانا أو تباع بأسعار بأقل كثيرا من تكلفة الأحبار المستخدمة ، أمتلأت تلك الكتيبات بالعديد من الملامح ذات طابع عنصري يدفع قارئها إلى كراهية المختلفين عنه في العقيدة أو الفكر و تكفيره ، في نفس الوقت تفجرت ظاهرة أخرى و هو ”الشيخ عبد الحميـد كشك“ الذي ظهر فجأة في الشارع المصري من خلال أعتلائه لمنبر مسجد ”عين الحياة“ بحدائق القبة عام 1975 و أستمر حتى أعتقاله عام 1981 ، كانت خُطّبه التي يلقيها بحماسة شديدة و خفة دم و طرافة في مفرادتها تشد آذن الكثيرين حتى أنها بدأت تنتشر على أشرطة الكاسيت و تباع في الأسواق و في خلفية صوته يظهر الحاضرين و هم بين كل فقرة و أخرى يهتفون طرباً بما يقوله ، كانت دعوته في مجملها رافضة للمجتمع المصري بأكمله دافعة المستمعين للخلاص من هذا المجتمع ، منتقض بشكل خاص أهل الفن و الثقافة العدو اللدود للتيارات الدينية.
في المقابل شهد المجتمع المصري تغير في النمط الأنتاجي و الأقتصادي للمجتمع نتيجة لتوجهات النظام بعمليات تهميش متعمدة لقطاعات إنتاجية رئيسية كالزراعة و الصناعات الثقيلة و الخفيفة في مقابل قطاعات ريعية كالسياحة و البترول و قناة السويس و تحويلات المصريين العالمين في الخارج ، كذلك أغراق الأسواق بسلع أجنبية مستوردة مما عظم الضغوط على مثيلتها من أنتاج القطاع العام و رغم أن الفارق بين السلع المصرية و الأجنبية لم يكن كبيراً إلا أن الحملات الدعائية المركزة التي واكبت ظهور تلك المنتجات في الأسواق أستطاعت أقناع المستهلك المحلي بأن تلك السلع أفضل من مثيلتها المنتجة محلياً ، أدى ذلك إلى تغير في السلوك الأجتماعي و في نمط الأستهلاك ، فلم تكن من طبيعة المجتمع المصري الغرق في الأستهلاك الترفي و المظهري ، مما بدد الفوائض المالية خاصة لدى الطبقة الوسطى سواء التي سافرت للخليج أو التي أستطاعت رغم تواجدها داخل البلاد أن تدخر جزء من مدخلاتها ؛ ساهم على أنتشار تلك الظاهرة أن الرأسمالية المصرية الجديدة لم تتجه إلى الاستثمار في تطوير الإنتاج بل تركزت استثماراتها في أنشطة غير أنتاجية مثل المضاربة في العملة و العقارات و الإستيراد و السمسرة ، حتى الصناعات تركزت في الحلويات و المياه المعدنية و العصائر و غيره من المنتجات التي لم تعطي للأقتصاد قوة تنموية حقيقية ، فهي رأسمالية طفيلية.

كما ظهرت قوة مالية جديدة هي العمالة الحرفية التي أصبح لديها قدرات مالية تطمع في إثبات وجودها في المجتمع فالأوبرا و حفلات أم كلثوم و عبد الحليم و المسرح القومي و المعرفة و الثقافة ليست من أهتمامتها ، تلك الشريحة المجتمعية الجديدة من الحرفيين المدججة بالمال الناتج إما من خلال هجرتها للخليج أو نتيجة لأرتفاع أجورها في الداخل بشكل كبير تريد فرض ثقافتها الخاصة فكانت أغاني ”السح الدح أمبو“ و مثيلتها هي الثقافة الجديدة التي بدأ تدشينها ، فالهرم الثقافي أنقلب و أصبح أسفله هو قمته ، و الشريحة التي سافرت للخليج تأثرت بشدة بالحالة البدوية التي أحتكوا بها فعادوا ينشرون العادات الجديدة المتعارضة مع المدنية الحضارية التي كانت تعيشها المدن المصرية ، حتى الشخصية المصرية المتسامحة المحبة للمرح الرافضة للعنف تغيرت ، زادت معدلات العنف في المجتمع فالفوارق الطبقية بدأت تتسع و السلوك الإستهلاكي أصبح مسيطراً ، و من حاول حماية نفسه من تلك الهجمة البدوية تأثر أو غرق في الأمركة و التغريب و ثقافة الاستهلاك أو وجد نفسه محاصر من أجهزة إعلام مشوهة تعمل على تزيف وعيه ، واكب ذلك هجرات داخلية من الريف للمدن فمعدلات التنمية في أدنى مستوياتها و أهتمام الدولة بالريف بات شبه معدوماً و أصبح حلم الشباب في الريف الانتقال للقاهرة أو للمدن الكبيرة طمعاً في الحصول على فرص عمل لتبدأ ظاهرة ”ترييف المدن“ فعادات الريف أنتقلت للمدينة خاصة و أن أغلب النازحين سكنوا أطراف المدن (العشوائيات) و كونوا مجتمعاتهم شبه المغلقة المتواجدة في المدينة لكنها تعيش بثقافة الريف و عاداته تقريبا فكان صراع ثقافي و حضاري آخر يشهده المجتمع المصري ، فهؤلاء النازحين غالبيتهم لم يستطع الأندماج في مجتمع المدينة بصخبه و إيقاعه و عاداته المختلفة و المتعارضة في كثير من الأحيان مع الريف ، فكانوا لقمة سائغة في أيدي التيارات الدينية خاصة ”الأخوان المسلمين“ التي أستغلت حالة الأغتراب التي عانى منها هؤلاء النازحين من الريف و الحالة الأقتصادية الصعبة التي يعيشون فيها ، هذا سهل عمليات التجنيد و الأقناع أن الخلاص في أيديهم ساعدهم على ذلك التخبط الأقتصادي للدولة و عدم وضوح الرؤية السياسية ، و أجهزة إعلامه تساهم في تغيب الوعي لدى المواطنين.

التركيبة الطبقية في خمسينات و ستينات القرن العشرين تشكلت نتيجة للتوجهات الأقتصادية لنظام يوليو 52 ، فمنظومة الأصلاح الأقتصادي دفعت آلاف الفلاحين لأعلى من أجراء إلى ملاك لمساحات صغيرة ، و في نفس الوقت زاد عدد ملاك المساحات المتوسطة سواء في العدد أو في المساحات المملوكة لهم ، و بالرغم من تطبيق المرحلة الأولى و الثانية من الأصلاح الزراعي للقضاء على الملكيات الكبيرة إلا ان ذلك لم يحدث فالعائلات الكبيرة استمرت على حالها مسيطرة على الحالة الاجتماعية و الاقتصادية في الريف و إن تم تحجيمها سياسياً نوعا ما ، و بالرغم من كل الانتقادات لمنظومة الجمعيات التعاونية الزراعية التي أنشأت في تلك الفترة لمساعدة صغار الفلاحين إلا أنها أستطاعت أن تحد جزئياً من سيطرة الملاك الكبار على مقدرات الفلاحين مما خلق نوع من الاستقرار في المناطق الريفية لكنه لن يطول ، أما على مستوى المناطق الحضرية فالتغيرات كانت أكبر ، فأتجاه الدولة نحو التصنيع نتج عنه أتساع في الشريحة العمالية و البيروقراطية ، فاصبح عدد العاملين في القطاع الحكومي الخدمي سنة 75 حسب الإحصاءات الرسمية 2.1 مليون موظف ، و العاملين في مؤسسات القطاع العام الصناعي و التجاري 7.3 مليون موظف و عامل هذا أدى إلى تعاظم ما يسمى بالطبقة الوسطى في المجتمع لتصل إلى 30% من السكان لتصبح شكلياً قوة مؤثرة إلا أنها ضعيفة في مكنونها ، فهي طبقة لا تملك شئ كما أنها لم تتكون نتيجة لصراع قوي حتى يتكون لديها الوعي الكافي للدفاع عما أكتسبته ، بل هي كانت أبنة مدللة للنظام في الستينات ، لتأتي مرحلة السبعينات و مع التوجهات الجديدة لم تعد كذلك بل باتت عبء عليه خاصة و أن التوجه الأساسي للدولة هو الإنسحاب من المنظومة الاقتصادية الانتاجية و الخدمية للتخلص منها و خصخصتها ، لتجد تلك الطبقة نفسها فجأة داخل صراع في غاية القسوة و هي بلا قوة أو حيلة حقيقية ، فأتجه البعض للخليج مدفوعا لإنقاذاً نفسه أمام تلك التغيرات و هروباً من واقع لا يعرف محدداته ، و المتواجد على أرض الوطن أما أنخرط مع شركات الانفتاح الجديد أو أستسلم للواقع و أصبح شغله الشاغل كيف يجني قوت يومه فدولة الرفاة و الأمان تتهاوى و هو تائه بين حلقات ”الشعراوي“ التلفزيونية و شرائط ”كشك“ ، و مطاعم الهامبورجر و الأستيك.

في دراسة أجراها مركز الجيل للدراسات الشبابية و الاجتماعية نُشرّتْ عام 1994 - اقتصرت العينات على محافظة القاهرة – كانت كاشفة لمردود الحالة الأقتصادية و الاجتماعية التي واكبت البلاد في السبعينات تضمنت شرائح عمالية ، حرفيين ، عمال نظافة و سعاة ، شرائح من الطبقة العاملة الرثة مثل ماسحي الأحذية و العاطلين ، و طلبة لهم جذور للطبقة العاملة ، طلبة لهم انتماءات برجوازية مختلفة ، برجوازيين عقاريين ، برجوازيين تجاريين ، برجوازية صناعية ، برجوازية كومبرادورية ، كما تتضمنت الدراسة شرائح من البيروقراط و التكنوقراط ، كما راعت الدراسة مستويات الدخل و مستوى التعليم ، أثبتت الدراسة الميدانية أن رأسمالية الأنفتاح كانت أكثر الطبقات أستهلاكاً على الرغم من أنها رأسمالية غير منتجة ، فهي لا تساهم في العملية الإنتاجية و لكنها تستولي على فائضها و تحقق من خلالها أرباحاً عالية ، كما رصدت الدراسة تراجع في القيم العقلانية و العلمية فقد أكدت الدراسة أن 83% يؤمنون أن كل شىء مقدر و مكتوب ، و أن 61.92% رفضت التخطيط للمستقبل ، فالمستقبل لا يعلمه الأنسان ، أما فيما يتعلق بأسباب التفاوت الطبقي ”إن الأرزاق بيد الله“ بنسبة 58.62% لذوي التعليم لمنخفض ، 57.74% لذوي التعليم المتوسط و بنسبة 52.38% لذوي التعليم العالي ، و في المقابل جاءت مسئولية النظام الحاكم عن التفاوت الطبقي بنسبة 2.94% لذوي التعليم المنخفض ، و 2.30% لذوي التعليم المتوسط ، و 0.951% لذوي التعليم العالي ، كذلك خلصت الدراسة إلى سطوة القيم الإستهلاكية التي باتت تنتشر بين طبقات المجتمع فقد رأي 45.16% من ذوي الدخل المنخفض أنه لا توجد سلع ترفيهية أو أستفزازية إلا ما هو محرم دينياً ، بينما القصور و السيارات الفارهة و ما شابه فمن لديه المقدرة المادية فمن حقه ان يقتني ما يشاء ، هذا يؤكد أن هؤلاء تعرضوا لعمية تزيف لوعيهم الطبقي فأصبحوا خاضعين لسلطان عالم الإستهلاك.

كما شهدت القيم الثقافية و المعرفية تراجعاً شديداً فالإجابات عن تمضية أوقات الفراغ جاءت على النحو التالي 16.15% في المقهى ، 12.69% في النادي ، 50% في البيت ، بينما جاءت نسبة من يمضون وقتهم في القراءة 0.771% ، و بسؤال أفراد العينة عن عن وجود الأشباح و الجن ، فجاءت من يعتقدون بذلك 51.41% مقتنعين بذلك نتيجة لقناعات دينية ، و أن 75.77% يعتقدون بالحسد و العين الشريرة.

أما عن اسباب هزيمة 1967 فجاءت الاجابة ”ده غضب من ربنا“ بنسبة 57.35% للتعليم المنخفض ، و 48.21% للتعليم المتوسط ، 56.19% للتعليم العالي ، بينما جاءت مساعدة الدول الكبرى لأسرائيل بنسبة صفر% للتعليم المنخفض ، 2.301% للتعليم المتوسط ، و نسبة 1.91% للتعليم العالي ، و جاء غياب الديمقراطية بنسبة صفر% لكل من التعليم المتوسط و المنخفض ، 1.90% للتعليم العالي.

و عن وضع المرأة في المجتمع فقد رفضت 53.08% من أجمالي العينات أن تعمل المرأة في مراكز قيادية ، و 35.08% غير موافقين على الأختلاط ، كذلك أثبتت نتائج الدراسة أستسلام المرأة لتبعيتها حيث أرتضت بقهرها و دونيتها فقد أستجابة الإناث بعدم الموافقة على عمل المرأة بنسبة 35.39%.