المرأة و عبودية المنزل

الطيب عبد السلام
2015 / 5 / 16

المرأة و عبودية المنزل
بأنتهاء الحرب الاهلية الاميريكية سنة "1865" لصالح الولايات الفيدرالية الامريكية بقيادة "ابراهام لنكلولن" انبلج عصر جديد لعلاقات الانتاج و تحولت اداة الانتاج البشرية المستعبدة الى مواطنين اميريكين من الدرجة الاولى مما كان يشكل تهديداً لمزارع القطن في الولايات الجنوبية.

ظنت الولايات الجنوبية ان تحرير المسترقين من السود سيقود الى انهيار اقتصادي عميم و بالتالي شعور محاور العملية السياسية من ملاك و اقتصاديين و سياسين بأنهم باتوا مهددين و عليهم الدفاع عن مصالحهم تلك عبر اعلان الانفصال و تكوين "كونفيدرالية" مستقلة خاضت حرباً شرسة ضد الشمال استمرت لخمسة اعوام،من دون حتى أن تفكر في الوازع الاخلاقي و القانوني و الاحساس الانساني العالمي بلا اخلاقية الاستراق و الاستعباد.

لكن الشئ الذي لم يفكر فيه قادة الجنوب هو أن العصر هو زمن الالة و الازرع الحديدية الاوتوماتيكية و ليس زمن الايدي البشرية المستعبدة جبراً و اخضاعاً و المناقض للاخلاق الانسانية التي نادى كانط بها.
و ليس صدفة ان تكون العمالة في مزارع القمح في نهايات القرن التاسع عشر في اميركا في حدود ال 84% لتنخفض في الالفية الثالثة الى 10% في مقابل ازدياد الانتاجية من القمح الى عشرة اضعاف مما كان عليه في السابق.
لأنه مع حلول الالة مكان العبيد المسترقين تضاعفت الانتاجية و قلت التكلفة و اصبح المواطن الاسود مواطنا اميريكياً كامل الحقوق الدستورية مما مكن من الاستفادة منه في المهمات الهندسية و الطبية و الادارية و التعليمية و البحثية،و بالتالي بدلاً عن اهدار العشرات من الامكانات و العقول في اداء نفس العمل و نقل القمح كالنمل بأت في الامكان اداء نفس العمل بطاقة اقل و منتوج اكبر و بالتالي تقليص الطبقات المسحوقة لصالح الطبقة المتوسطة و زيادة حالة الرفاه المجتمعي.

و لكن ما من شك أن المرأة و منذ فجر التاريخ عانت من الاخضاعية الذكورية لها و اسهم تدجين المجتمع التربوي لها على اعتبار ان وظيفتها الاساس هي الخدمة المنزلية و بالتالي حدوث نوع من الاستعباد المتواطاء عليه و المتفق بايولوجيا عليه بين الذكر و الانثى.
هذا الامر في ظني اعاق البشرية اولاً و اعاق المرأة من ثم عن الانخراط في المجالات العلموية و الفلسفية التي نقلت البشرية نقلتها الحضارية!! فقلما نجد اسماء قوية و ذات وزن في مضمار الفلسفة تحديداً و في المجالات البحثية الأخرى اذا ما قورنت بعدد الرجال المنخرطين في ذات المضمار.
أن محاصرة المرأة بفكرة المنزل و الخدمة فيه قلل من قدرتها على التفكير النقدي و من نواياها الثورية و اصبحت فكرة عدم عيشها في منزل مع رجل تخدمه وصمة عار،نتيجة لمقولة الصوت الذكوري التي تتولى هي بنفسها تكبيرها و تضخيمها.
و من هنا نحن نحاول اقتراح الحل عبر المقارنة سالفة الذكر مع حرب تحرير العبيد.

أن التقنية و التكنولوجيا اسدت خدمة جليلة للبشرية تمثلت في افساح المجال لاشخاص ينظر اليهم انهم اقل درجة و أن عليهم الخدمة والخنوع لاسيادهم ليتولوا مناصب عليا و مهمة في المجتمع بعد ان اثبتوا بقدراتهم العقلية أنهم اهل لذلك المنصب و أنهم لا يقلون عن غيرهم في اي شئ !! وهذا هو عينه ما نود تطبيقه في منازل المستقبل.
فبمثلما اسدت التقنية خدمتها الاقتصادية للبشرية بأمكانها اسداء ذات الخدمة للمجتمع البشري في زاويته الاجتماعية و تخفيف الاعباء المنزلية الملقاة على كاهل المرأة.
قد يقول قائل أن الامر قد حدث بالفعل !! و نحن نقول له أن حدوث يحتاج الى وقفات اعمق على الصعيد الفلسفي و التنظيري بهدف تبيئة التكنلوجيا و الروبوتات و ربطها بوظائف اجتماعية تمهد الطريق ل أسرنة التقنية و اعتبارها عنصر اساسي من المجتمع البشري و ليس مجرد قطع خردة مجمعة تستعمل وقت الضرورة.

بحلول التقنية مكان الوظيفة اليدوية للمرأة فأننا لحظتها نكون قد حطمنا نصف القضبان الحديدية المحيطة بالطاقة المخبؤؤة لدى شريكنا البايولوجي و فتح الفرصة لاستثمار تلك الطاقات في حقول أنسانية اخرى لا شك أن البشرية تحتاجها فيها.
بخروج المرأة من تلك الزنزانة المفروشة بالورود و الاكاذيب الذكورية المسماة بالمنزل فأننا حينها نمنح عقلها الفرصة الكبرى للبحث و للتجريب و للوصول الى العقل النقدي الذي قفز بالحضارة البشرية قفزتها المهولة.
أن التدجين المنزلي هو اول الاسباب التي ادت الى التدجين العقلي و الشلل الفكري عن تخطي عتبات العقل التقديسي و الخضوعي، على عكس زميلها الرجل الذي خرج الى الصحارى و تسلق الجبال و غامر في البحار و صعد الى الفضاء مما نما فيه العقل النقدي و النوايا الثورية التغيرية على عكس الخضوع الذي تمنحه المساكن و البيوت.

و كما كان لتحرير العبيد اثره بعيد المدى من الوظائف الأنية المحدودة الاثر الى الوظائف العقلية كبيرة الاثر في الحياة على الرغم من ضيق نظرة الولايات الجنوبية الاميريكية الى الامر و ظنهم انه سيحرمهم من الثروة و الرفاه، فأن لتحرير يد المرأة من المكنسة و من مغاسل الصحون الى القلم و المعرفة و البحث ذات الاثر المستقبلي في حياة الانسان عبر تشغيل هذا العنصر المهم في وظائف اعقد و افيد.
أنها منازل المستقبل التي نحلمُ بها، منازل مستغنية عن ايدي المرأة المستعبدة الى منازل مؤتمته و محوسبة، منازلُ لا تحد من طاقة المرأة الجبارة و تخضعها...

لكن و على سبيل ختام هذه المقالة لا بد لنا من الاستئناس بهذه الابيات الشعرية الجميلة ل "قيصر بايخو" شاعر الاسبانية العظيم الذي قاسمنا قبل عقود طويلة في قصيدته "يقولون لم يعد هنالك احد في المنزل" قاسمنا هذا التأمل و هذا الرفض الثوري لسكون البيوت :
البيوت الجديدة اشد موتا من البيوت القديمة
لأن جدرانها من حجر و فولاذ
و ليست من بشر..
و البيت يحيا فقط بالناس مثل القبر
و البيت يحيا فقط بالناس مثل القبر
الفرق هو ان البيت يتغذى بحياة الانسان
و القبر بموت الانسان.