مشروع التقرير السياسي المقدم للمؤتمر السادس

الحزب الشيوعي السوداني
2015 / 5 / 15


الحزب الشيوعي السوداني
الديمقراطية مفتاح الحل للأزمة الوطنية العامة
مشروع التقرير السياسي المقدم للمؤتمر السادس
المحتويات
المحتويات ………………………………….2
مدخل ……………………………………7
لجنة التقرير العام ……………………………………..8
منهج صياغة التقرير ………………………….9
مراحل إعداد التقرير ……………………………….11
الباب الأول
الوضع العالمي: العولمة والرأسمالية المعاصرة ………………………….11
الفصل الأول: ………………………………..11
العولمة: مرحلة جديدة في تطور الرأسمالية العالمية……………………………11
طبيعة العولمة …………………………………….11
تناقضات العولمة…………………………….13
الثورة العلمية والتقنية ……………………………….14
الأزمة النقدية والاقتصادية العالمية وتناقضات العولمة………………………15
الفصل الثاني…………………………….16
العولمة وحركة التحرر الوطني………………………16
حركة التحرر الأفريقية……………………………….16
حركة التحرر الوطني العربية………………………..17
أمريكا اللاتينية والتطور المستقل……………………….19
الدول الآسيوية……………………………………..20
الفصل الثالث:………………………………….21
السودان والعولمة……………………………….21
الصراع حول السودان: البدايات……………………….21
فترة الحكم العسكري الأول( 1958-1964) والإرتباط بالاستعمار الحديث…………………..21
الديمقراطية الثانية والاستعمار الحديث……………………..22
زيادة الاهتمام الأمريكي بالسودان………………………………………….22
الحكم العسكري الثاني (1969-1985) والمؤسسات المالية العالمية …………………………22
الديمقراطية الثالثة والاستعمار الحديث……………………………….23
إنقلاب يونيو 1989 بين العزلة العالمية والتدخل الدولي في الشؤون السودانية…………………23
تأثير العولمة والرأسمالية المعاصرة على حكومات انقلاب30 يونيو 89……………………..24
الباب الثاني (25)
الأزمة الوطنية العامة وقضايا التغيير في السودان…………………..25
الفصل الأول……………………………..25
1- طبيعة الأزمة الوطنية العانة في السودان ……………………..25
الأزمة الوطنية ممتدة منذ الاستقلال ………………25
جوهر الأزمة: عدم إنجاز مهام استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية…………………………..26
الأزمة تزداد عمقاً……………………………..27
2- نظام 30 يونيو وتعميق الأزمة …………………………….27
طبيعة نظام 30 يونيو:الرأسمالية الطفيلية الإسلامية وفرض قيادتها بالقوة………………………..27
الرأسمالية الطفيلية الإسلامية تفشل في القيادة …………………….28
الفصل الثاني: …………………………………30
1- المسألة القومية: …………………………….30
جوهر المسألة القومية………………………………..30
الحزب الشيوعي والمسألة القومية…………………………………..31
2- إنفصال الجنوب:……………………………..32
موقف الحزب الشيوعي التاريخي من قضية الجنوب:……………………..33
موقف الحزب الشيوعي السوداني من اتفاقية أديس أبابا 1972………………………33
إنتفاضة مارس/ أبريل وقضيةالجنوب……………………….34
الحزب الشيوعي وقضية تقرير المصير……………………………..35
نيفاشا وإقصاء المعارضة…………………………………..35
الفترة الانتقالية صراع وتحالف الانفصاليين………………………37
جعلوا الوحدة غير جاذبة ……………………………37
الوضع بعد إنفصال الجنوب…………………………..39
الطريق إلى الأمام…………………………40
3- الحرب في دارفرو ……………………..41
صراع الموارد بين سؤ إدارتها والتنمية غير المتوازنة ……………………….41
الحرب نتيجة لغياب حكم القانون والعدالة…………………….42
محاولات فاشلة للسلام واستمرار الحرب……………………………….42
4- الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق……………………..43
المدنيين ضحايا الحرب في المنطقتين……………….43
5- قضايا لشرق:………………………………44
تقديم…………………………………44
مشاكل الشرق……………………………….44
الفصل الثالث……………………………47
السدود وملآلاتها………………………………47
الفصل الرابع:………………………49
قضايا التحول الديمقراطي والحقوق الأساسية…………………….49
نيفاشا والفشل في تحقيقي التحول الديمقراطي……………………….50
قانون الانتخابات ………………………………..50
العودة للدولة البوليسية……………………..51
الدعوة للحوار الوطني…………………………..52
الديمقراطية مازالت مفتاح الحل ………………………………52
الفصل الخامس:………………………….53
الأزمة الاقتصادية…………………….53
طبيعة الأزمة الاقتصادية…………………….53
إهدار الموارد……………………………..53
جدول رقم (1): الاعتماد على التمويل الأجنبي فيما سمى بمشروعات التنمية……………………………..54

تدهور القطاع الزراعي……………………55
تدهور القطاع الصناعي …………………………..57
تدهور البيئة التحتية للاقتصاد……………………….57
الحرب والاقتصاد ………………………………….58
هجرة العمالة الماهرة والفنيين والمهمنيين…………………………………………58
الفصل السادس:…………………………………………….58
الفقر وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين…………………………….58
الفقر في السودان …………………………58
نقص الغذاء ………………………59
تدهور التعليم العام ……………………………..59
نقص المعلمين …………………………………59
مجانية التعليم ……………………………………. 60
التوزيع غير العادل لخدمات التعليم ……………………….60
أثر الحرب في التعليم ……………………………….61
مناهج لا تطور قدرة التلميذ على التعليم ……………………..61
التعليم الخاص والبحث عن الربح ………………………………61
تدهور خدمات التعليم العالي………………………………….62
تدهور الخدمات الصحية……………………………….63
الوضع العام للصحة في السودان………………………………..64
صحة الأطفال والامهات………………………………………66
جدول رقم (1) وفيات اللامهات من كل 100.000 حالة ولادة وفقاً للمسح الحكومي للعام 2006……………………….66
إلغاء مجانية الخدمات الصحية وخصخصة العلاج……………………………………..66
جدول (2) العلاج الاقتصادي بالمستشفيات القانون والواقع……………………………..67
الاستثمار الخاص في الخدمات الصحية………………………………..72
التأمين الصحي…………………………………….72
نقص الكواد الطيبة وإهمال التدريب………………………..73
سياسة الدواء……………………………………………74
إستراتيجية صحية خاطئة……………………………………..75
الفصل السابع…………………………………75
البيئة ……………………………………………75
قضايا المياه……………………………………………76
الفصل الثامن ……………………………………….80
نظام الرأسمالية الطفيلية الإسلامية والثقافة…………………………….80
الفصل التاسع…………………………..82
عزلة السودان الدولية والتدخل الأجنبي في شؤون البلاد …………………………….82
عزلة السودان 1989-1999…………………………………………….82
أهمية السودان في العلاقات الدولية ……………………………………82
بداية عزلة النظام وأسباب التدخل في الشؤون الداخلية …………………………….82
بوادر العزلة …………………………………..82

تفريط النظام في سيادة السودان على أراضيه…………………………..84
مثلث حلايب- شلاتين……………………….84
منطقة الفشقى في الشرق………………………86
الباب الثالث (87)
الفصل الأول ……………………………87
مقاومة الدكتاتورية…………………………87
الحركة النقابية تواجه النظام ………………………..87
الطلاب في مقاومة النظام ……………………………….87
مقاومة النساء…………………………………87
الشباب والمقاومة ………………………………………..89
مقاومة انتهاك الحريات الصحفية وحرية التعبير………………………………..89
مقاومة الفصل من الخدمة والتشريد…………………………..90
مقاومة المزارعين …………………………..91
مقاومة القوات المسلحة ……………………………93
مقاومة الحركات والفصائل المسلحة ……………………………….93
دور منظمات حقوق الإنسان ………………………….93
إنتفاضة يونيو يوليو 2012 نقلة جديدة في المقاومة………………………..94
أكاذيب النظام ……………………………94
مقاومة المدن والأحياء …………………………………..94
هبة سبتمبر 2013 نقطة تحول في مقاومة الجماهير…………………………………95
الفصل الثاني ……………………..95
استراتيجية الحزب الشيوعي: استكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية………………………………..95
فترة جديدة في طريق التطور الوطني الديمقراطي…………………………………95
تغيير الخارطة الطبقية……………………………………97
أ‌- الارستقراطية الدينية والقبلية ………………………………………….97
ب‌- الرأسمالية السودانية ……………………………………97
ت‌- ضمور دور حركة الطبقة العاملة السياسي والنقابي………………………….99
ث‌- فئات البرجوازية الصغيرة………………………………….100
ج‌- فشل تجربة الإسلام السياسي في بلادنا …………………….102
ح‌- الهجمة الاستعمارية على المنطقة ………………….102
خ‌- قضايا هامة ومهام صعبة…………………………..102
الفصل الثالث……………………………..103
قضايا بناء الحزب والتحالف الديمقراطي………………………….103
مهام كبيرة تواجه الحزب الشيوعي والحركة الديمقراطية ……………………103
بناء الحزب واجب مستمر في لحظات الدفاع والهجوم …………………………103
الحزب والطبقة العاملة ……………………………………..107
الحركة النقابية …………………………………….108
الجبهة النقابية …………………………………………110
التحالفات الديمقراطية وسط المهنيين …………………110
أندية العمال وجمعياتهم التعاونية والخيرية ……………………………110
الحزب الشيوعي والمزارعين ………………………………………..111
عمل الحزب وسط النساء ……………………………………………111
الحزب الشيوعي والطلاب…………………………………….113
الجبهة الديمقراطية للطلاب …………………..113
التحالف الديمقراطي في المدن والأحياء وقوى الريف………………………114
الحزب وجماهير المناطق الأقل نمواً ( الهامش)…………………….114
الشباب……………………………………………115
منظمات المجتمع المدني…………………………….115
الحزب ومنظمات المجتمع المدني والتنظيمات الديمقراطية ………………………………117
الحركة التعاونية ………………………………..118
الفصل الرابع…………………………………….119
تكتيكات الحزب الشيوعي: قضايا وتجارب……………………….119
الديمقراطية ما زالت مفتاح الحل……………………………..119
أوسع جبهة لاستعادة الديمقراطية وترسيخ السلام والإصلاح الاقتصادي والتنمية ……………………………………..120
التجمع الوطني وتحالف قوى الإجماع……………………………….120
التجمع الوطني الديمقراطي (1989-2009) …………………….121
تحالف قوى الإجماع الوطني (2009-….) ………………………….124
تجربة انتخابات 2010 …………………………………125
الإيجابيات :- ……………………………….128
السلبيات:- …………………………..128
مهام استخلصت من تجربة الانتخابات ………………………………………128
اللجان الشعبية – تجارب وتقويم ……………………………………..129
تجربة الخرطوم ………………………………………..129
دور فرع الحزب ………………………………………….129
دورة القيادة ……………………………………..129
تجربة منطقة عطبرة …………………….132
خاتمة………………………………..134
==========
مدخل
إن نظام الإنقاذ1989 لم يعجز في حل الأزمة العامة بما فيها المسألة القومية في السودان فحسب، بل أن سياساته الخاطئة قد قادت الى تفاقم الازمات واستفحالها مما أدى إلى تفكيك وتهديد وحدة وأمن وسلامة السودان والتفريط في السيادة الوطنية ورهن إرادة الوطن للخارج وتهديد الأمن والسلام الإقليمي وقد نتج ذلك عن :
نظام يمثل ويخدم مصالح فئات الراسمالية الطفيلية التي تتناقض ومصالح كل فئات وطبقات الشعب الاخرى.
أيديولوجية وخطاب دينى متعالى وعنصري يرفض ويزدري واقع التنوع والتعدد فى السودان .
نظام شمولى ودولة بوليسية قائمة ومؤسسة على مصادرة الديمقراطية و الحريات العامة ،وقهر وقمع الاخر .
تحويل النظام أجهزة الدولة القومية إلى اجهزة تابعة للحزب .
تبني النظام سياسات التحرير الاقتصادي .
عملت فئات الرأسمالية الطفيلية المتاسلمة منذ تسلمها السلطة على مراكمة المال والثراء السريع بكافة الوسائل والأشكال وعلى رأسها الولوغ في الفساد والمتاجرة في موارد وثروات البلاد وخصخصة وبيع مؤسسات ومرافق الدولة الإنتاجية والخدمية وتصفية مراكز الرقابة الحكومية والسمسرة في أراضي السودان الزراعية حتى عد السودان من أكثر بلدان العالم مباعاً وتفريطاً في أراضية للأجانب.
نتج عن سياسات الإنقاذ الاقصائية والاستعلائية فصل جنوب السودان وبدء توترات وحروب مع الدولة الناشئة حول قضايا عالقة من الفترة الانتقالية دون انجاز وتصعيد الحرب في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق والالتفاف على برتوكولات السلام الخاصة بهما الملحقة مع اتفاقية نيفاشا 2005م واستمرار الحرب الاهلية في دارفور دون حل ناجز لاصرار النظام على المفاوضات والحلول الثنائية والجزئية لمشكلة دارفور والانفراد بكل فصيل مسلح على حدة واقصاء أهل الشأن والمصلحة والقوى السياسية من طاولة المفاوضات والاتفاقيات ومن ثم الارتكاز والإذعان لحلول الخارج المملاة على طرفي التفاوض لتصب غالبا في خدمة مصالح الخارج الدولية والإقليمية. واصبح وجود القوات الاجنبية تحت مظلة الامم المتحدة امرا واقعا. ورغم عن إجراء الاستفتاء وتقسيم البلاد فما زالت هناك قضايا عالقة بين الجنوب والشمال مثل قضايا الحدود وابيي.
وبينما لاتزال اجزاء من الوطن تحت الاحتلال الاجنبي مثل حلايب والفشقة فقد تمددت الحرب لتشمل مناطق جديدة في شمال كردفان والنيل الأبيض وتأججت النزاعات والحروب القبلية على الأرض والحواكير والمرعى والموارد الجديدة المكتشفة كالذهب وغيره وطالت الحرب البطون وعشائر القبيلة الواحدة المتنافسة على المورد الجديد مستخدمة أحدث الأسلحة الخفيفة منها والثقيلة المستحوذة من جراء توزيع النظام الأسلحة للقبائل الموالية له في الإقليم ،وكذلك من جراء الأسلحة المهربة من دول الجوار دون ضابط لاستخدامها في الحرب بالوكالة ضد القبائل والحركات المسلحة ولقهر القبائل المعارضة للنظام.
نتج عن سياسات النظام الاقتصادية والاجتماعية دمار لمؤسسات الدولة الإنتاجية ومراكز الخدمات ومراكز العمل العام والخاص العاملة في الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي وتحويل السودان إلى دولة مستوردة للغذاء ومستودعاً للبضائع ناقصة الجودة ومكبا للسلع الفاسدة والنفايات وإنهارت خدمات الصحة وانفرطت منظومة الصحة وإهمال الصحة العامة (الوقائية والعلاجية ) واصبح العلاج سلعة وجففت المستشفيات العامة والمراكز الصحية وفتح المجال واسعاً للقطاع الخاص للاستثمار التجاري في صحة المواطن . وانهار التعليم العام وتهدمت بنياته وساءت بئيته وسجلت المدارس الحكومية نقصانا” في المعلمين ومعينات العمل وإجلاس التلاميذ والطلاب واتسمت المناهج الدراسية بالضعف وسيادة منهج التلقين والتسليم وغابت مجانية التعليم المنصوص عليها في الدستور بنشر المدارس الخاصة والأجنبية مكرساً طبقية التعليم العام والعالي.
لم تسلم المرأة من جور وشطط النظام واستهداف حقوقها المكتسبة ومحاصرتها عند تسلم السلطة بدعاوى فقهية وخطاب ديني متخلف وإصدار قوانين تحط من كرامة المرأة وتحرمها حق المساواة بقرينها الرجل في الحقوق والواجبات والمواطنة والنظر إليها بعين الريبة والشك والغواية الجنسية مطالبة باثبات براءتها في المحاكم تحت طائلة قانون النظام العام والوقوف حائلاً بين المرأة وتحقيق تطلعاتها واطلاق مواهبها والإسهام في صنع القرار .
تمدد الفقر بمعدلات غير مسبوقة (95%) تحت مظلة نظام الانقاذ وانتشرت البطالة وسط السكان بسبب سياسات التشريد والخصخصة وتدمير مراكز العمل والخدمات وانهيار الصناعة في القطاع العام والخاص وهجرة المزراعين الارض نتيجة مصاعب الإنتاج الزراعي ومن جراء الحروب وانسداد فرص العمل في وجه الشباب . زادت من معدلات الهجرة لخارج البلاد ( عدد المهاجرين94320 عبر القنوات الرسمية في عام 2012) وطالت الهجرة العقول والخبراء والتقنيين والعمالة الماهرة والأيدي الفتية تحت مصاعب الحياة في السودان وبئية العمل الطاردة ومحسوبية الولاء للنظام على الكفاءة.
تبنى الحزب شعار النضال السلمي لإسقاط النظام عبر أوسع جبهة جماهيرية مقابل قوى سياسية أخرى تبنت منهج الحوار مع النظام مدعومة برؤى المجتمع الدولي ممثل في أمريكا والاتحاد الأوروبي الساعيتان لفرض الحوار على القوى المتصارعة وإجراء إصلاحات ديمقراطية شكلية وإشراك المعارضة المدنية والمسلحة في السلطة مما يعتبره الحزب تغييراً فوقياً في قمة هرم السلطة دون مساس بالسياسات التي أدت إلى استفحال أزمة السودان وفصلت الجنوب وصعدت الحرب ورهنت إرادة البلاد للخارج علاوة على إبقاء تمكين وهيمنة عناصر النظام على مفاصل الخدمة المدنية والعسكرية والعدلية وإدارة القضاء والاقتصاد والبنوك مما يعيد إنتاج الأزمة من جديد ويمهد لعودة النظام.
توافق تحالف قوى الاجماع على برنامج بديل ديمقراطي انتقالي تنفذه حكومة قومية انتقالية متوافق عليها بعد إسقاط النظام من ضمن مهامها عقد مؤتمر دستوري قومي اثناء الفترة الانتقالية يتراضى فيه أهل السودان على كيف يحكم السودان وادارة موارده وارساء قواعد التداول السلمى الديمقراطى للسلطة والتوافق حول مبادئ الدستور وصنعه ومن ثم إجراء انتخابات حرة ونزيهة يختار الشعب من يحكمه وبذلك يعبر شعب السودان خطواته الاولى لكسر ما اسماه الادب السياسى فى السودان بالحلقة الشريرة واستدامة الديمقراطية والسلام في السودان.
يدفع الحزب في اتجاه التنسيق مع حملة السلاح في الجبهة الثورية وإزالة الأسباب التي تحول دون قيام تحالف معافي مثمر بين الجبهة الثورية وتحالف قوى الإجماع الوطني والنضال المشترك لإسقاط النظام وعودة الديمقراطية وتنفيذ برنامج بديل مشترك برد المظالم التاريخية للمناطق الأكثر تخلفاً وعمل تنمية متوازنة تسهم في تكامل السودان اقتصادياً واجتماعياً والحفاظ على وحدة أراضيه. وفتح الطريق واسعاً أمام شعب السودان لاستكمال مهام المرحلة الوطنية الديمقراطية وبناء الاشتراكية في السودان.
هذه القضايا شكلت الظروف الموضوعية التى صيغ على ضوئها التقرير السياسى المقدم للمؤتمر السادس .
لجنة التقرير العام
عقدت اللجنة اجتماعها الأول بعد قرار اللجنة المركزية مباشرة بتكوينها في سبتمبر 2012 واتفقت على الفكرة العامة وامكانيات التنفيذ وكيفية اعداد التقرير ( تحديد القضايا ،اعداد الاوراق ، الورش او السمنارات ،مستجدات الواقع ،القضايا التى تم تجاوزها ،المؤشرات ) ، ومساهمات الهئيات والمجالات والزملاء فى اعداد التقرير .
سهل عمل اللجنة، تجانسها حول اعداد التقرير ووحدتها حول كل القضايا الجوهرية .وتجلى ذلك فى مناقشاتها حول ما يتم اعداده من أعضائها أو ما يصلها من المكاتب المركزية والقطاعات والزملاء والزميلات من مواد متعلقة بالتقرير.
اقرت اللجنة منذ بداية عملها ذات الوجهة التى تم على ضوئها صياغة واعداد التقرير السياسى للمؤتمر الخامس ومن قبله تقرير المؤتمر الرابع حيث ما زالت هذه الوجهة سليمة وتمثل تجربة ممتدة لحزبنا وعليه حددت اللجنة الاتى :-
1- يهتم بالقضايا والاحداث التى اثرت ولازالت تؤثر على مجريات الواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى فى بلادنا.
2- – لن يكون التقرير سرديا وصفيا للاحداث .
3- يناقش التقرير قضايا فكرية تؤثر فى سيرورة العمل الثورى بالسودان .
4- يفرد التقرير حيزا واسعا لمناقشة تجاربنا سلبا وايجابا بهدف توسيع الحركة الثورية واجراء المزيد من التطوير لادواتنا النضالية .
5- يرسم التقرير ويكشف عن افاق الثورة السودانية من خلال قراءته وتحليله للواقع .
اولت اللجنة الوضع العالمى والاقليمى اهمية فى التقرير لما له من تاثير على مجريات الاحداث بالواقع فى بلادنا . الا ان اللجنة ركزت على الوضع الداخلى وتحليله وتقديم المعالجات التى تسهم فى تغييره بعد تحديد المهام الواجب انجازها والتى تواجه العمل الثورى ،ويرسم بدقة رؤيتنا للتصور للوصول للافق الاشتراكى .
حددت القضايا الواردة بالتقرير بعد مناقشات اللجنة والمساهمات التى قدمها بعض الزملاء والزميلات لكيفية اعداد التقرير واعتمدت اللجنة قضايا جاءت بالتقرير السياسى للمؤتمر الخامس الا انها لازالت مؤثرة فى الواقع , وقضايا استجدت بعد المؤتمر الخامس كما ان هنالك قضايا تجاوزتها الاحداث تم استبعادها .تضمن التقرير قضايا جديدة تثار لأول مرة مثل المسألة القومية وحروب الهامش والاشكال المختلفة للمقاومة وقضايا السدود والبيئة كما اثار التقرير قضايا متداولة بين المؤتمرين فى نشاط الحزب مثل فرع الحزب الموحد ونقابة المنشأة للتوحد حولها .
اعتمدت اللجنة كمراجع لعملها (دورات اللجنة المركزية والمجلات الداخلية الخطابات الصادرة عن المكتب السياسى واللجنة المركزية ولجان المناطق وغيرها من مطبوعات الحزب المتنوعة ) باعتبارها تجارب وخبرات صاغها العقل الجمعى للحزب بمشاركة مجمل عضويته
منهج صياغة التقرير
اتبع المنهج الآتي لصياغة التقرير:-
أ‌- سيادة النظرة الانتقادية التي لا يتطور العمل بدونها.
ب‌- وفق قدرات الحزب حالياً وفي هذه الظروف، نركّز على القضايا الجوهرية وقضايا الساحة السياسية الراهنة. و المؤتمر السابع سيستكمل النقص في ظروف أفضل واحسن تتمكن فيها تنظيمات الحزب على المستوى الوطني من تطوير الدراسة الباطنية للمجتمع السوداني .
ج‌- اعطاء اولوية قصوى لقضايا البناء الداخلى وبناء التحالفات الاستراتيجية والتنظيمات الديمقراطية واستخلاص التجارب ,وكذلك قضية التاكتيكات درجة عالية من التركيز فى هذا التقرير لاستجلائها ولفتح مناقشة واسعة فى تنظيمات الحزب والتوحد حولها .
د- لضرورة توسيع المشاركة طرحت تكليفات محددة لعدد من الزملاء والزميلات والهيئات الحزبية داخل وخارج السودان، على سبيل المشاركة في إعداد بعض مواد التقرير من بينها البحث في علاقة الحزب الشيوعي بالطبقة العاملة وحركة الشباب والنساء وقضايا التعليم العالي والعام والملامح والأساليب الجديدة الملائمة للعمل بين الطلاب، وتقييم تجربة التجمع الوطني الديمقراطي وتجربة التحالف الوطنى ، وجبهة حقوق الإنسان والحريات. وبصورة مباشرة شاركت مكاتب: دراسات المرأة والنقابات المركزى, وطلاب الجامعات ، العلاقات الخارجية. وبعض القطاعات المهنية بالعاصمة القومية ( الصيادلة ،والاطباء ،والمهن الصحية ) ومكتب اساتذة الجامعات. و عقد سمنار لمناقشة الباب الاول كاملا دعيت لها هيئات ومكاتب متخصصة وقطاعات وزملاء متخصصين . ان توسيع المشاركة فى اعداد التقرير يمثل نتاجاً لعمل وجهد جماعيين تتعزز بالمناقشة فى فروع وهيئات الحزب وتتوج بقرارات وتوصيات ترفد عمل الحزب و تكون هادية ومرشدا لقيادة الحزب حتى المؤتمر السابع .
مراحل اعداد التقرير
مر التقرير بثلاث مراحل فى اعداده. وقد كانت المرحلة الاولى هى مرحلة عمل لجنة التقرير والتي شملت:
1- تجميع المواد الاساسية من الهيئات ،والمكاتب ،ومساهمات الزملاء التى اجازتها الهئيات واللجان ومناقشتها وتعديلها بعد ان وضح شكل التقرير وهيكله .
2- ثم تم الترتيب و التبويب ،و استعراض التجارب واستكمال النواقص خاصة فى جانب القضايا الداخلية المحلية السياسية والاقتصادية واشكال المقاومة وتم اعداد وصياغة المسودة الولى للمشروع .
3- ثم أخضعت المسودة للتدقيق والتصويب والتصحيح فى اللغة والمفردات والجمل وربط المعانى والمدلولات والمواضيع المناسبة فى الباب او الفصل المناسب والاختصار وحذف التكرار وتركيز الخلاصات وايضاح خط الحزب .
وكانت المرحلة الثانية هي عرض التقرير على المكتب السياسي الذي خصص ثلاثة اجتماعات مشتركة مع اللجنة لمناقشته، وتمت تعديلات في مشروع التقرير وفقا لمناقشات المكتب السياسي
وكانت المرحلة الثالثة هي رفع مشروع التقريرالمعدل وفقا لمناقشات المكتب السياسي للجنة المركزية التي خصصت له اجتماعاً في 7 يونيو 2014 لمناقشته، وأعيدت صياغة مشروع التقرير بعد اجازته وفقا لتلك المناقشات.
الباب الأول
الوضع العالمي: العولمة والرأسمالية المعاصرة
الفصل الأول:
العولمة: مرحلة جديدة فى تطور الرأسمالية العالمية
طبيعة العولمة
تناول المؤتمر الخامس قضية العولمة في تقريره السياسي فأشار الى أن :-
“العولمة فترة جديدة في تطور النظام الرأسمالي.وقد أرتبط هذا النظام منذ بداية تشكله وتخلقه بالحاجة للأسواق في كل ‏أنحاء المعمورة، وبالتالي أسبغ طابعاً عالمياً علي الإنتاج والاستهلاك. فالعولمة في جوهرها هي تعبير عن اتجاه ‏موضوعي في مسار اقتصاديات وأسواق العالم نحو التكامل تحت هيمنة الاحتكارات العالمية، فالمدخلات الخارجية عبر ‏الاستغلال الاستعماري للمواد الخام، والسيطرة على أسواق التصريف، ضربة لازب للنظام الرأسمالي ليعيد انتاج ذاته ‏ويتجاوز أزماته.‏
تنبأ كارل ماركس بمثل هذا التكامل العالمي غير المتكافئ، وأشار إلى انه سيسير في اتجاه إيجابي، وسيكون آلة ‏رافعة للتقدم الإنساني والعدالة الاجتماعية في العالم تحت مظلة الاشتراكية. أما في ظل الرأسمالية فلن يقود إلاّ لتفاقم ‏تناقضها الرئيسي وهو التناقض بين الطابع الاجتماعي العالمي للإنتاج، والتملك الخاص لوسائل الإنتاج.‏ (ص 20)
منطلقين مما أورد المؤتمر الخامس ، نطور أفكارنا حول العولمة ونقترب أكثر من ملامستها، فنعيد التعريف بشكل أكثر دقة وبتوضيح سماتها الأساسية.
أن جوهر العولمة و ما يعرف بالنظام العالمي الجديد ما هو إلا تعبير عن سيطرة الرأسمالية العالمية ومؤسساتها وشركاتها ‏العابرة للحدود الوطنية على الاقتصاد العالمي. وبذلك تدخل الإمبريالية باعتبارها الرأسمالية الاحتكارية مرحلة جديدة ‏في تطورها وتتسم بالتالي:‏
‏ شركات عابرة للحدود الوطنية تبحث عن الأسواق، وعن مجالات جديدة للاستثمار تتسم بمعدلات ربح ‏أعلى، وقوى عاملة أرخص، ورقابة اجتماعية أضعف على البيئة ومتطلبات حمايتها ، ومصادر للطاقة ‏والمواد الخام أكثر وفرة وأقل تكلفة.‏ لقد بلغ عدد الشركات العابرة للحدود الوطنية في عام 2005 حوالي 77000 شركة كانت تملك حوالي 770 الف شركة تابعة في كل انحاء العالم، وكانت شركاتها التابعة تنتج قيمة مضافة بما يوازي 10% من اجمالي الانتاج العالمي، ولكنها تنتج ج 25% من الانتاج العالمي و80% من الانتاج الصناعي وتساهم ب40% من التجارة البينية وكان اسهامها في الاستثمار الأجنبي الخاص المباشر يصل الى 10 تريليون دولار. وكانت مبيوعات هذه الشركات التابعة قد تخطت الصادرات في التجارة العالمية، فبينما بلغت مبيوعات الشركات 22 تريليون دولار كانت تجارة الصادر العالمية لا تتعدى ال 12.6 تريليون دولار.
‏سوق أوراق مالية عالمية وتدويل لسوق النقد يسهل انتقال رؤوس الأموال عبر الحدود الوطنية لتكون أداة ‏وميكانيزم لحسم المنافسة بين الاحتكارات العالمية المدعومة بدولها، وتحجيم المؤسسات الوطنية والتحكم في ‏التنمية الاقتصادية في بلاد العالم المختلفة عن طريق خلق الأزمات في سوق الأوراق المالية المحلية وأسعار ‏العملات الوطنية.‏ إن تزايد الإنفصال النسبي لسوق النقد والأوراق المالية وما يصاحبه من منافسة ومضاربات بعيدا عن سوق السلع والخدمات، يهدد استقرار السوقين (النقد والسلع) وإضافة آلية جديدة للأزمات وإنتشارها وتوسعها.
نظام عالمي للرقابة على السياسات المالية والنقدية، يجرد الدولة الوطنية وبنوكها المركزية من السلطات ‏السيادية في تقرير سياستها الاقتصادية والمالية والنقدية والأسعار التبادلية لعملاتها الوطنية، يمارس هذا ‏النظام العالمي نفوذه عن طريق صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ونادي باريس، ويفرض خصخصة ‏مؤسسات القطاع العام، وتسليع الخدمات وحرية تداول النقد الأجنبي وحرية الاستثمار الخاص الأجنبي ‏والمحلي وإنشاء أسواق للأوراق النقدية والأسهم وضمان ذلك الاستثمار ضد التأميم والمصادرة وضمان ‏تحويل أرباحه وأصوله.‏ ولكن هذا النظام العالمي ما زال عاجزا عن تنظيم أسواق الأوراق المالية والعالمية ورقابتها.
نظام عالمي للتجارة الحرة يهدم الحدود الوطنية الجمركية أمام السلع التي تنتجها الشركات الوطنية والمتعددة الجنسية والعابرة للحدود القومية، فيمهد لإغراق الأسواق الوطنية بالسلع الصناعية والزراعية الرخيصة المنتجة في البلدان الصناعية المتقدمة ‏ويسمح لهذه البلدان بالحصول على المواد الخام ومواد الطاقة والغذاء بأرخص الأسعار وهذا النظام تحرسه ‏منظمة التجارة العالمية.‏‏
‏تكتلات إقتصادية إقليمية تهدف لتحسين فرص منافسة الدول أعضاء التكتل الاقتصادي بالاستفادة من ميزات ‏الاقتصاد الكبير في توسيع الأسواق ، وجذب الاستثمارات وتخفيض التكلفة . والاتفاقات التي تنشؤها هذه الكتل ‏مع دول بعينها أو مجموعات دول أو كتل أخرى مثل الاتفاقات التي أنشأها الاتحاد الأوروبي مع الدول ‏الآفروكاريبية باسيفيكية (اتفاقية لومي) ، أو مع دول حوض البحر الأبيض المتوسط أو التي تجري مناقشتها ‏مع الدول الآسيوية وفي المقابل تحاول الدولة النامية أن تستفيد من مثل هذه الكتل فتحاول أن تنشئ كتلها الخاصة بها لتوسيع وتوحيد أسواقها والاستفادة من التجارة بين بعضها البعض كالكوميسا والسوق العربية المشتركة والآسيان (تجمع الدول الآسيوية) والنيباد والإكو وكوسومور او تجمع دول البركس الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا.
ما زال الاقتصاد الرأسمالي يعتمد على العسكرة والصناعات العسكرية، خاصة في البلدان الرأسمالية المتطورة ومما يدفعها لخلق حروب أهلية ومحلية وإقليمية محدودة تساعد في انتعاش تجارة وصناعة الأسلحة التقليدية، وشنها لحروب اخرى تساعد في إعادة تقسيم ‏الأسواق وموارد المواد الخام والطاقة وتمد صناعات البناء والتشييد بعقود جديدة لاعادة تعمير ما حطمته الحروب وتساعد في التراكم البدائي لرأس المال بتجريد المواطنين في هذه ‏المناطق من وسائل معيشتهم وخلق سوق عالمي للعمل يتم تنظيمه والاختيار والانتقاء فيه عبر ‏قوانين للهجرة واللجوء السياسي (الحرب الإيرانية العراقية، حرب الخليج الأولى، حرب الخليج الثانية، حرب تفكيك يوغسلافيا، حروب منطقة البحيرات، الحرب الأهلية في الكنغو والسودان).‏
نظام عالمي للمعلومات يسمح بجعل العالم سوقا” عالميا” واحدا” يساعد في عقد الصفقات الضخمة السريعة واجراء الدفعيات والتحويلات المصرفية وشراء وبيع الأسهم , ويسمح بانتقال أدق المعلومات عبر شبكات ‏الإنترنت والأقمار الصناعية، ويمثل أداة هامة لنشر العلم والثقافة والتواصل الإجتماعي وهو مثلما يخدم المؤسسات الرأسمالية، يخدم جماهير واسعة من الباحثين عن المعرفة والثقافة والتسلية والناشطين السياسيين والحقوقيين والعاملين في منظمات المجتمع المدني.‏
أيديولوجية جديدة مركبة تتكون مما يسمى بما بعد الحداثة والتي ينكر تيارها اليميني المعرفة العلمية ‏ويشكك في إمكانية معرفة العالم ويشكك في إمكانية تغييره، ويتبنى تيارا إصلاحيا للرأسمالية ويرفض الماركسية وأي نظريات ثورية تدعو لتغيير التشكيلة الإقتصادية الرٍأسمالية تغييرا شاملا ، ويربط بين الرأسمالية والديمقراطية وحقوق الإنسان بإعتبار أن الليبرالية هي نهاية التاريخ . وتيار آخر يريد تقييد التحولات الاجتماعية بالاعتراف بالأديان والحضارات التقليدية ما دامت تسمح بالتطور الرأسمالي، وفي المجال الاقتصادى والسياسى يدعم الليبرالية الجديدة المعتمدة على أكثر مدارس النقدية رجعية، والتي تتبنى سياسات الخصخصة وتحرير أسواق السلع والمال المحلية والعالمية وتسليع الخدمات (تخلي الدولة عن تقديم خدمات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والصرف الصحي وتحويلها تدريجيا للقطاع الخاص لكي تعمل وفق قوانين السوق) وتحرير سياسات النقد الأجنبي أو ما عرف بتوافق واشنطون الذي يتبناه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ويفرضه على الدول النامية (ومؤخرا يسعى لفرضه على اليونان وأسبانيا).‏
نظام عالمي جديد للإدارة السياسية والإقتصادية يحاول السيطرة على إتخاذ القرارات في العالم عن طريق ‏مجلس الأمن الدولي أو بتجاوزه عن طريق السيطرة الأساسية لدول الثمانية عبر إجتماعاتها الدورية منذ عام ‏‏1975.‏ لقد بدأت مجموعة الثمانية بست دول في 1975 هي بريطانيا، فرنسا، ألمانيا الغربية، ايطاليا، اليابان، والولايات المتحدة، ثم انضمت لهم كندا في عام 1976، واضيفت لهم روسيا بشكل رسمي في عام 1994. إن دول ال8 تجتمع كل عام وتناقش قضايا الاقتصاد الكلي وتنسيقها على المستوى العالمي وتناقش قضايا التمويل والتجارة والسياسات الاقتصادية والعلاقة مع البلدان النامية. وتواجه هذه الإدارة مقاومة من الدول النامية
وبالرغم من كل هذه الحيل والاحابيل والتحوطات لم تتمكن الراسمالية ولم يتمكن فلاسفتها واقتصاديوها من تفادى ازمتها الاقتصادية الدورية التى تنبأت بها الماركسية وهاهى تجتاح العالم الان وتكاد تطيح باليونان واسبانيا وايطاليا
انتجت العولمة حركة عالمية واسعة متعددة الإهتمامات والجنسيات تقاوم مظاهر العولمة بطرق مختلفة، ويتجه قطاع ‏واسع منها للوحدة كحركة أممية جديدة ترفع شعارات جديدة تشمل إلغاء ديون الدول الفقيرة، صيانة البيئة، ‏مقاومة الفقر وزيادة المساعدات والتحويلات للتنمية ومحاربة الأيدز، وإحترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة والأسرة والطفل ونشر السلام ‏والديمقراطية.‏ ومؤخرا برزت، في الولايات المتحدة ، حركة احتلال وول ستريت المعادية للرأسمالية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية ، وفي نفس الوقت عادت الحركات العمالية والمنظمات النقابية والأحزاب اليسارية والشيوعية والعمالية للنهوض من جديد لمقاومة سياسة الليبرالية الجديدة الساعية لتحطيم دولة الرفاهية في البلدان المتقدمة وتشريد العاملين وزيادة البطالة وزيادة استغلال الطبقة العاملة بتجميد الأجور وتغيير قوانين وشروط العمل مثل الضمان الاجتماعي ورفع سن التقاعد مثل ما يحدث في اليونان وأسبانيا والبرتغال وأيطاليا.
من الخطأ النظر لسمات العولمة معزولة بعضها عن بعض، فهي متشابكة . كما من الخطأ النظر إلى أن الشركات العابرة للحدود ومؤسسات الرأسمالية العالمية المختلفة وما تخلقه وتطوره من تكنلوجيا المعلومات والاتصالات، يخدمها لوحدها، فهي في نفس الوقت تخلق واقعا عالميا جديدا تستفيد منه كل الشعوب بطبقاتها وثقافاتها وتكويناتها العرقية المختلفة وتركيبها النوعي من نساء ورجال، والعمري من شباب ومتوسطي العمر وأطفال وكهول. كما يخلق هذا الواقع الجديد ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية مركبة تسمح بالتطور الرأسمالي في بعض المناطق وتعيق وتشوه التطور في مناطق أخرى . وهي مجال صراع وتعاون اقتصادي اجتماعي وسياسي وثقافي بين كل مكوناته.
تناقضات العولمة
فى هذا الإطار العام لطبيعة العصر بإعتباره مرحلة جديدة في تطور الإمبريالية وطبيعتها العالمية وأدواتها الجديدة ‏والقديمة في السيطرة على العالم، يمكن النظر وتحليل تناقضات الراسمالية في عصر العولمة:
1- تبرز العولمة بشكل أكثر وضوحا التناقض الأساسي للرأسمالية بين الطابع المتزايد والمتسع للطبيعة الاجتماعية للانتاج والملكية الخاصة لوسائل الانتاج فقد توصلت الماركسية الى حقيقة ان ادوات الانتاج تتقدم وتتطور وان علاقات الانتاج فى ظل المجتمع الراسمالى تظل جامدة وان هذا التناقض يقود الى حتمية تخطى الانتاج الراسمالى لمصلحة التقدم الاجتماعى العام
2- استمرار الرأسمالية كأسلوب انتاج يستغل فيه راس المال العمل المأجور وتوسع ذلك الاستغلال للنطاق العالمي بحيث صارت الرأسمالية تستغل ، ممثلة في شركاتها المتخطية للحدود الدولية، عمال من قوميات وبلاد متعددة، مما يجعل تناقضها ذا طابع وطني وعالمي في ذات الوقت. بينما تدفعها المنافسة الى رجوعها لأشكال إستغلال قديمة مثل خفض الأجور النقدية والحقيقية أو تجميدها أو زيادة ساعات العمل، مما يزيد فائـض القيمة المطلق مع مواصلة سعيها لزيادة فائـض القيمة النسبي عن طريق زيادة الانتاجية بطرق ووسائل مختلفة وتغيير التركيب العضوي للرأسمال.
3- يظهر تناقض قديم كان يسبب عدم الاستقرار والتوازن الاقتصادي على المدى الوطني بشكل جديد، فبينما كانت رؤوس الأموال والاستثمارات تنتقل من قطاع إلى قطاع ومن صناعة إلى صناعة ومن إقليم إلى إقليم على المستوى الوطني وفقا لتفاوت معدل الربح، فرؤوس الأموال والاستثمارات أصبحت تنتقل من بلد إلى آخر محكومة أيضا بمعدل الربح الذي يحققه توفر الموادالخام وانخفاض أجور العمال وغياب أو ضعف الرقابة الحكومية والحركات النقابية والقرب من مواقع الأسواق عالية الطلب معيدة من جديد أشكال متجددة لظاهرة بداية عصر الإمبريالية في تصدير رؤوس الأموال.
4- إن النمو غير المتوازن في العالم كأحد تناقضات الرأسمالية كنظام، يتمدد في العالم ويسبب أزمات جديدة، وتسهله الأسواق المالية العالمية وثورة الاتصالات والمواصلات واتفاقيات ضمان الاستثمار وحرية التجارة والملكية الفكرية تحت رقابة منظمة التجارة العالمية. ويتجلى ذلك التناقض بشكل واضح خلال الأزمة الراهنة للرأسمالية والتي افرزت الأزمة التى ضربت الأسواق المالية والمصارف العالميةهى في حقيقتها تعبر عن انتقال صناعات وخدمات من الدول الصناعية المتقدمة للدول الصناعية الجديدة في شرق وجنوب شرق آسيا وامريكا الجنوبية و شملت الصين والهند والبرازيل. هذا الانتقال اعاق النمو وفاقم البطالة وسبب عجزا في موازين التجارة والمدفوعات والميزانيات في دول صناعية قديمة.
5- العولمة تنقل تناقض الرأسمالية مع التوازن البيئي إلى كل أنحاء العالم فتعتدي على الغابات الاستوائية والغابات المحجوزة والحظائر الطبيعية للحيوانات، وتزيد من معدلات انتشار ثاني اكسيد الكربون وغيرها من الغازات وما يعرف بالاحتباس الحراري الذى يؤثر على درجة الحرارة ومستوى الامطار والامطار الحمضية ومستوى ارتفاع مياه البحار والمحيطات وذوبان الجليد في القطبين . اضافة الى دفن النفايات بما في ذلك النفايات الذرية في البلدان النامية والفقيرة وقرب سواحلها. وتفشل كل المحاولات عبر المؤتمرات والاتفاقات الدولية لحل التناقض لتعنت الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى. وقد برزت من خلال هذا التناقض قوى اجتماعية واسعة تناضل من أجل صيانة البيئة وإعادة التوازن البيئي، فظهرت أحزاب الخضر في البلدان الأوربية ذات التوجهات اليسارية والمنظمات المدنية العالمية والإقليمية والوطنية المدافعة عن البيئة، وأنعكس ذلك على الأمم المتحدة ومحاولاتها العديدة لعقد إتفاقيات دولية حول المسائل البيئية.
6- ليس هناك سمة من سمات العولمة وإلا حملت معها تناقضاتها الخاصة،
(أ‌) فالشركات المتخطية للحدود تحد من نفوذ الدولة الوطنية الخاضعة لرقابة شعبها، وتنقل الاستثمارات من قطر لآخر دون اعتبار للمصالح الوطنية وما يحدثه نقل الاستثمارات وخاصة الصناعة كثيفة العمالة من خلق للعطالة بمعدلات أعلى مما لا يمكن تعويضه بالاستثمارات القادمة للبلد، وقد عانت دول قائدة في النظام الراسمالي من ذلك كالولايات المتحدة وبعض دول غرب أوربا، وقد أثر ذلك إلى جانب تزايد معدلات البطالة لاختلالات في الميزانية العامة والميزان التجاري وأمتد للأسواق المالية والمصارف. وهو من جانب آخر يضع مزيد من المتغيرات الاقتصادية خارج نطاق الرقابة الديمقراطية للدولة، وبعيدا عن تأثير الحكومات المنتخبة على تلك المتغيرات الاقتصادية عبر السياسات الاقتصادية والنقدية المعروفة مما يفرغ الديمقراطية والرقابة الديمقراطية من أهم عناصرها.
(ب‌) التجارة الحرة اصبحت تهدد الانتاج المحلي في الدول الوطنية وتؤدي الى هجرة الاستثمارات، والبطالة والازمات الاقتصادية عن طريق تحطيم الصناعات والزراعة الوطنية التي تواجه سلعا رخيصة تنتجها الاحتكارات العالمية.
(ت‌) الدعوة للتحرير الاقتصادي وعدم تنظيم الاسواق أدت إلى فوضى خاصة في الأسواق المالية وظهرت الدعوة لتنظيم الاسواق المالية بالتحديد، خاصة خلال الازمة المالية الحالية الممتدة من عام 2007 والتي أدت لتدخل الحكومات في بلدان رأسمالية كالولايات المتحدة وبريطانيا لانقاذ البنوك، على حساب دافعي الضرائب. بل أن الدول التي ما زالت تمارس بعض التنظيم والرقابة على الأسواق المالية ما زالت تتمتع باستقرار اقتصادي أكثر من غيرها مثل الصين مثلا. وتوضح أزمة اليونان وأسبانيا وموقف ألمانيا المتشدد وما تصدره بيوتات التقييم والتصنيف المالي عمق الأزمة وأتساعها.
(ث‌) محاولة فرض نظام عالمي سياسي لإدارة العالم من خلال مجلس الأمن أو دول الثمانية يعاني من تناقض المصالح بين الدول الغربية والصين ،ومحاولات روسيا استرداد نفوذ الاتحاد السوفيتي القديم في العالم ووراثة تحالفاته القديمة. ويواجه مقاومة من الدول النامية ومطالبتها باصلاح نظام الأمم المتحدة وتجمعاتها المقابلة لتجمع دول الثمانية واصلاح النظام الاقتصادي العالمي والمطالبة بالغاء الديون وزيادة العون الأجنبي كنسبة مئوية من الناتج المحلي للدول الصناعية المتقدمة ، وزيادة دور المنظمات الإقليمية كالاتحاد الأفريقي ومنظمة الدول الأمريكية وتجمع الدول الآسيوية والمطالبة باصلاح الجامعة العربية …ألخ.
(ج‌) بينما الاتجاه العام للدول السعى للتكتل وإقامة تكتلات اقتصادية وسياسية كبيرة تعمل الدول الإمبريالية لتشجيع تفتت الدول المنافسة والنامية مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي القديم ويوغسلافيا وأثيوبيا وأندونيسيا والسودان.
(ح‌) النظام العالمي للمعلومات لم يعد حكرا لاستعمال الرأسمالية العالمية بل أصبح مفتوحا للمعرفة الانسانية ولتبادل المعلومات والمعارف والتواصل حتى للقوى المقاومة للرأسمالية وللديكتاتوريات ، مما يدفع الدول الديكتاتورية لمحاولات فرض الرقابة على شبكات الانترنت.
الثورة العلمية والتقنية
لقد صاحب تطور الرأسمالية إلى مرحلة العولمة ثورة علمية وتقنية، وهي ثورة في قوى الإنتاج بشقيها وسائل الإنتاج والقوى المنتجة، تعتمد أساسا على التطور في ‏العلوم الطبيعية والتطبيقية والإجتماعية وتهدف لزيادة الإنتاجية وإستحداث بضائع جديدة، وإنتشار الإنتاج السلعي ‏وإخضاع مجالات جديدة من النشاط البشري للإنتاج البضاعي بحيث تحقق أعلى معدل لفائض القيمة.‏
إن تطور قوى الإنتاج في ظل الرأسمالية ليس أمرا جديدا، فهو سمة عامة لتطور إسلوب الإنتاج الرأسمالي، وقد شهدت ‏الرأسمالية محطات هامة في تطور وسائل الإنتاج مستغلة الثورات في العلوم الطبيعية والإجتماعية مثل البخار ‏والقاطرة والكهرباء إلخ.‏
‏‏ ‏ جعلت الثورة العلمية والتقنية أنه من الممكن:‏
‏1.‏انتاج منتجات سلعية وخدمية جديدة ‏وزيادة الانتاجية وكمية الانتاج.
‏2.‏توفير وقت الانتاج وتخفيض تكلفته وتعميم الإنتاج الموسع للكميات الكبيرة Mass Production ذات المواصفات المتطابقة ‏ ‏.‏
‏3.‏توحيد السوق العالمي للسلع والخدمات ورؤوس الأموال والعمل من خلال ثورة المواصلات والإتصالات ‏والمعلومات.‏
‏4.‏إعادة توزيع جغرافي وقطاعي للإستثمارات ورؤوس الأموال والصناعات والخدمات.
‏5.‏إعادة تركيب الطبقة العاملة وتوزيعها وتخصصها جغرافيا وقطاعيا ومهنيا على مستوى العالم حيث انتقلت الصناعات كثيفة العمل إلى المناطق كثيفة السكان أو المناطق التي لا يتمتع عمالها بحقوق نقابية او قوانين للضمان الاجتماعي، بمعنى آخر حيث قيمة العمل وإعادة إنتاجه أرخص‎.‎
‏6.‏إدارة أكثر كفاءة للإنتاج والتسويق والتمويل.
ما يعيق تحقيق الثورة العلمية والتقنية بكل إمكانياتها في تطوير الإنتاجية وتوفير وقت العمل الضروري لانتاج السلع وبالتالي تحرير البشرية من ساعات العمل الطويلة والعمل الشاق والفاقة والمرض، هو خضوع ‏هذه الثورة العلمية وبحوثها وإستخدام نتائجها لمتطلبات السوق الرأسمالي العالمي الذي تتحكم فيه الإحتكارات العابرة ‏للحدود القومية عبر آليات العولمة المختلفة.‏ إن الرأسمالية التي تطور العلوم والتكنلوجيا لا تضع ذلك التطور في خدمة البشرية جميعها وحل مشاكلها بل هي تخضع معظم نتائج هذه الثورة لمتطلبات الربح ووفقا لقوانين منظمة التجارة العالمية وشروط حقوق الملكية الفكرية، وضعت كثير من المكتشفات العلمية حتى في مجالات تحسين وإكثار البذور تحت سيطرة الاحتكارات الرأسمالية.
الأزمة النقدية والاقتصادية العالمية وتناقضات العولمة
الأزمة الإقتصادية والنقدية التي بدأت في عامي 2007-2009 كأزمة في سوق المال والمصارف هي في حقيقتها أزمة أكثر عمقا تتعلق ببنية الرأسمالية في عصر العولمة وببنية نظريتها الآيديولوجية:-
1- صحيح أن الأزمة بدأت في القطاع المالي والمصرفي وبالتحديد في تمويل قروض شراء العقارت (وبالتحديد المنازل) وما تولد من تلك القروض العقارية من ملحقات وتمددات نتيجة لبيع القروض وغيرها، ولكن حتى في هذه الظاهرة فقد أظهرت لجنة التحقيق الفدرالية حول انهيار النظام المصرفي، أن جزءا من الآزمة كانت نتيجة لإلغاء أو تخفيف وتسهيل الرقابة والقوانين المنظمة لقروض شراء العقارات وفقا لسياسات الليبرالية الجديدة الداعية لتخفيف القيود على حرية التعامل في اسواق السلع والخدمات ومن بينها الأسواق المالية. لقد أدى تغيير القوانين واللوائح لفتح الباب للمغامرين لزيادة المخاطرة، وفي نفس الوقت لتسهيل الائتمانات المصرفية، مما أدى لزيادة دين المواطنين وأرتفاع أسعار العقارات بما لا يمثل قيمتها الحقيقية. إن الأزمة توضح كيف أن الاستقلال النسبي للأسواق المالية عن الانتاج البضاعي والخدمي قد تطور لظاهرة تضر باستقرار النظام الإقتصادي كله، فبدلا عن المحافظة على التناسب المعقول بين سوق الأوراق المالية وسوق العملات ومستوى تطور الانتاج السلعي والخدمي، أصبحت سوق الأوراق المالية والعملات مجالا للمضاربات والمغامرات والتسعير غير الواقعي لأسهم الشركات ولقيمة العقارات، وهذا نتيجة واضحة لغياب النظم اللائحية والرقابة المالية للمصارف المركزية وأجهزة الدولة المختصة تماشيا مع آيديولوجية اليبرالية الجديدة.
2- الأزمة في جوهرها تتعلق بطبيعة العولمة وانتقال الصناعات من الدول الغربية إلى دول جنوب شرقي آسيا والهند والصين والبرازيل ودول شرق أوربا، مما قلل فرص العمل ورفع معدلات البطالة في البلدان الغربية، وهذا بدوره قلل من قدرة المستدينين في دفع ديونهم، ولكن التقييم غير الحقيقي لأسعار المنازل والعقارات خاصة في بلدان مثل أيرلندا وأسبانيا والولايات المتحدة، جعل من استعادة الديون ببيع العقارات تبدو مستحيلة أو خاسرة في أحسن الأحوال.
3- العولمة سمحت بأن تنافس البضائع المستوردة المنتجات المحلية، التي لم تنتقل صناعتها للخارج، وتجبرها على الخروج من السوق نسبة لتفاوت الأسعار أو النوعية أو الإثنين معا.
4- محاولة تخفيض أو تجميد الأجور بموافقة النقابات التي تمت في دول مثل ألمانيا لمنع إنتقال الصناعات للخارج كان لها أثر سلبي في أنها خفضت أو أوقفت نمو الطلب الفعال للبضائع في البلد مما هدد بالكساد، وأصبحت المعادلة صعبة فرفع الأجور يعني عدم منافسة الصادرات، وخفض وتجميد الأجور يعني انخفاض أو تجميد الطلب المحلي على البضائع والخدمات..
5- تتضح الطبيعة الهيكلية للأزمة أكثر في معالجة قضايا الميزانية، حيث تصبح الخيارات المعتادة من زيادة أو خفض الضرائب ذات نتائج ثانوية مفسدة للغرض منها، فزيادة الضرائب مثلا لزيادة الإيرادات لخفض عجز الميزانية قد يؤدي لرحيل رأس المال وبالتالي تخفيض الإيرادات والناتج المحلي وزيادة البطالة. فمثلا تدخل الدولة لانقاذ بنك أو صناعة من الإفلاس حتى لا يؤدي انهيارها لمزيد من الإنهيارات قد يؤدي لزيادة الكتلة النقدية ورفع التضخم في لحظات تعتمد فيها سياسة النمو بخفض التضخم.
6- الأزمة أوضحت بجلاء أن أي دولة وطنية قد تحتاج في فترة من الفترات لإجراءات حماية (مثل الحماية الجمركية) ولكن ذلك يتعارض مع آيديولوجية الليبرالية الجديدة التي تفرض حرية التجارة، وأن الدولة قد تحتاج للتدخل لإنقاذ صناعة وطنية هامة من صناعاتها (مثلما فعل أوباما مع صناعة العربات) بينما الآيديولوجية الليبرالية الجديدة تحتج على مثل تلك الإجراءات (مثلما فعل رومني المرشح الجمهوري) الذي يرى أن الصحيح تركها تنهار لتقوم في مكانها صناعة كفؤة، وأثبتت تجارب كثيرة أن ترك صناعة للإنهيار يزيد العطالة ويؤدي لمزيد من الإنهيار في الترابط الرأسي والأفقي للصناعات وأن الكارثة تصبح أعظم مما يمكن تفاديها.
من جديد أكدت الأزمة صحة ما ظل يردده الإقتصاد السياسي الماركسي أن الرأسمالية محفوفة بالأزمات وأن الدولة البرجوازية كسلطة للطبقة الحاكمة تظل تقوم بدورها كلجنة لإدارة شؤون الرأسمالية.

الفصل الثاني:
العولمة وحركة التحرر الوطني
لقد واصلنا خلال السنوات الماضية دراسة وضع حركة التحرر الوطني الأفريقية والعربية ، وإستكمال ما ‏توصل إليه الحزب في دراستها في المؤتمر الرابع عندما لاحظ المؤتمر تعرضها لهجمة شرسة من الإمبريالية. ولقد كان ما توصلنا إليه في دورة اللجنة المركزية عن العلاقات الخارجية في يوليو 1978 معلما بارزا في تشكيل رؤية حزبنا عن ارتباط التحرر الوطني بقضايا التغيير الاجتماعي والديمقراطية.
حركة التحرر الأفريقية :
لقد توصل المؤتمر الخامس لنتائج هامة حول حركة التحرر الأفريقية نلخصها:
1- ” .. المفتاح لحل مشاكل أفريقيا المزمنة يكمن في قيام تحالفات واسعة لكل القوى والتنظيمات السياسية والنقابية والجهوية والقومية بما يمليه واقع التعدد والتنوع في بلدان أفريقيا، لانهاء الأنظمة الشمولية الاستبدادية وفتح الطريق لقيام أنظمة ديمقراطية تعددية”.
2- – “انجاز التحول الديمقراطي وكفالة حرية التنظيم والتعبير واستقلال وحرية النقابات وسائر منظمات المجتمع المدني، بما يرسي آليات فعالة للتنمية المتوازنة ورتق النسيج الاجتماعي ومحاربة الفساد. ذلك ان الرقابة الشعبية التي يوفرها التحول الديمقراطي هي الكفيلة حقاً بانجاز التنمية ومحاصرة الفساد. وفي هذا الإطار، وليس خارجه، يستقيم مقترح النيباد (الشراكة الجديدة من أجل التنمية في أفريقيا) حول تكوين آلية للمراقبة والمحاسبة الذاتية للبلدان الأفريقية.”
3- الحل الديمقراطي للمسألة القومية والإثنية هو الطريق الوحيد الذي سيقود للوحدة الراسخة والطوعية في إطار التعدد والتنوع للبلدان الأفريقية المتعددة الإثنيات والأعراق. “فالإثنية ليست لعنة أو قدراً مسطراً لا فكاك منه، وفي الواقع لعبت الإثنية دوراً كبيراً في معارك التحرر من السيطرة الاستعمارية المباشرة في الكثير من البلدان الأفريقية.” وأوضح المؤتمر الخامس “ان السياسات الخاطئة للأنظمة الشمولية، وخاصة قطع الطريق أمام التحول الديمقراطي في قاع المجتمع، والكيل بمكيالين في التعامل مع الاثنيات والجهويات كالمحاباة من جانب والتهميش من الجانب الآخر قادا لان تتحول الاثنية إلى بؤرة ملتهبة للفرقة والشتات والنزاعات المتواصلة.”
4- توصل المؤتمر الخامس إلى أن قدرة البلدان الأفريقية ” على مواجهة سياسات العولمة والنظام العالمي الجديد” تعتمد على “دعم التكتلات الإقليمية القائمة وتطويرها، وإقامة تكتلات جديدة أوسع، على سبيل تقوية ضغوط أفريقيا بصورة جماعية من أجل تعديل شروط التبادل التجاري العالمية غير المتكافئة وفرض أسعار مجزية وعادلة للمحاصيل الزراعية الخام والمحوّلة وإلغاء الديون .. الخ. و تفعيل بنك التنمية الأفريقي” وتطوير ميثاق الاتحاد الأفريقي ودعم التحولات الديمقراطية ونشر الحريات.
ما توصل اليه المؤتمر الخامس من نتائج في هذا الصدد ما زال صحيحا. وأن طريق حركة التحرر الوطني الأفريقية لتحقيق مكاسب حقيقية لشعوبها في عصر العولمة يتم بالديمقراطية والوحدة. وان أفريقيا تواجه هجمة شرسة تحت ظل المرحلة الجديدة من تطور الامبريالية وخاصة بعد اكتشاف مخزونات النفط في غرب أفريقيا ووسطها الغربي والذي أعتبرته الولايات المتحدة منطقة ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة وأنشأت لها قيادة عسكرية ( افروكوم )
الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والدول الامبريالية الاخرى تتدخل في شئون البلاد المنتجة للنفط في نيجريا، أنجولا، غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، تشاد والكميرون واستمرت منطقة البحيرات الغنية بالمعادن خاصة في جمهورية الكنغو الديمقراطية، منطقة لصراع الاحتكارات العالمية وبالتالي للحروب الأهلية وللنزاعات الاثنية. ولقد ظلت أفريقيا منذ الثمانينات أرضا لتجارب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وسياساتهما المعتمدة على وفاق واشنطون المبني على مفاهيم الليبرالية الجديدة وآيدولوجيتها.
تدخل الصين الشعبية المنافسة التجارية مع الدول الراسمالية الغربية حول افريقيا في تسعينات القرن الماضي حيث تضاعفت تجارتها مع أفريقيا عدة مرات زادت في عقد التسعينات ب 700% وارتفعت من 10.6 بليون دولار في عام 2000 إلى 160 بليون دولار في عام 2011 واصبحت الصين أكبر شريك تجاري لأفريقيا، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي. وتقدم الصين معونات وقروض لدول أفريقية كثيرة وتقوم ببناء سكك حديدية في نيجيريا وطرق ومستشفيات في مالاوي وتقيم علاقات تجارية متينة مع جنوب أفريقيا والسودان. وتستورد الصين الغاز والنفط والمعادن من أفريقيا وتورد السلع الصناعية الاستهلاكية. إن علاقة الصين مع أفريقيا تحتاج منا لمزيد من الاهتمام والدراسة في ظروف العولمة وقوانين منظمة التجارة العالمية وضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فعلى أفريقيا وبلادنا البحث عن أفضل شروط التجارة والتعامل الاقتصادي وفي ظروف العولمة والمنافسة بين مراكز الرأسمالية مما يتيح للبلاد الأفريقية تحقيق فرص أفضل.
يحاول المؤتمر الوطنى وحكومته ومؤسساته استمالة الحكومات والاحزاب والمنظمات الافريقية الى جانبه عالميا فى قضاياه الداخلية والخارجية وقد انشأ للنقابات وللاحزاب الافريقية دورا فى الخرطوم وبعضها يدافع فعلا عن النظام بدعوى انه محاصر امريكيا وانه ضد الامبريالية العالمية .نحتاج لمجهود لتصحيح هذا الموقف معتمدين على ان القضية المحورية في محاربة الاستعمار هي الديمقراطية وارتباطها بقضايا التغيير الاجتماعي والتنمية المتوازنة والسلام الوطيد.
حركة التحرر الوطني العربية:
توصل المؤتمر الخامس لحزبنا لوصف دقيق للوضع العربي قبل ثورات الربيع العربي في 2011
” .. في العالم العربي تتربع على دست الحكم في الكثير من بلدانه، انظمة استبدادية تعبٍّر عن مصالح شبه الاقطاع والرأسمالية الطفيلية والكمبرادورية. وتنتهج هذه البلدان نهج التبعية للنظام العالمي الجديد. وبأثر هذا جرى التراجع عن مكاسب هامة احرزتها الشعوب العربية ابان النهوض في حركة التحرر الوطني العربية، بما في ذلك دعم وتوسيع القطاع العام وانجاز الإصلاح الزراعي بهذه الدرجة أو تلك من الراديكالية، وزيادة الانفاق الحكومي على الخدمات والاشغال العامة، وكذلك المواقف الإيجابية من الامبريالية والاستعمار الإستيطاني الاسرائيلي لفلسطين. ورغم ان السنوات الأخيرة شهدت ارهاصات لتحولات ديمقراطية بأثر نضال الشعوب العربية في الجزائر والمغرب وموريتانيا وتونس ومصر إلا انها لاتزال هشة وفوقية.” (ص 26)
منذ دورة اللجنة المركزية حول العلاقات الخارجية عام 1977، توصلنا لأهمية التحول الديمقراطي في البلاد العربية ودعونا لانتظام جبهة عريضة لانجاز ذلك، بل لقد ذهبت اللجنة المركزية لحزبنا في بيان جماهيري لها عن الوضع العربي فى ذلك الوقت أن تعلن:
“”تحتل قضية الديمقراطية مركزا اماميا في مهام حركتنا في الظروف الراهنة. فهي ليست فقط هدفا جوهريا لنضال الشعوب العربية، وانما تشكل مصادرتها السلاح الرئيسي الذي يستخدمه الحلف الامبريالي الرجعي لقمع أي مقاومة لمخططاته وتسوياته.
“من هنا لابد من بناء حركة نشطة على امتداد الساحة العربية ترفض وتقاوم مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية في أي بلد عربي وتتضامن مع اية قوى وطنية وتقدمية تتعرض لاي اضطهاد، بحيث تصبح هذه الحركة عنصرا اساسيا لوحدة كل القوى الوطنية التقدمية ورافعة اساسية لنضالها وجزءا لا يتجزأ من برنامجها” ( اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، بيان حول الوضع العربي الراهن مارس 1978 ص 10-11)
أكد المؤتمر الخامس لحزبنا نفس الوجهة فدعا لتحالف من أجل الديمقراطية ناقدا المشروع الأمريكي الساعى لفرض الديمقراطية من فوق:
” قيام تحالفات عريضة على طريق النضال لإنهاء الأنظمة الشمولية واستعادة الديمقراطية والحريات وتدشين طريق التطور المستقل. ان المشروع الأمريكي الساعي للإصلاح الديمقراطي في بلدان الشرق الأوسط يظل فوقياً وخارجياً وضعيف المردود دون قيام مثل هذه التحالفات الشعبية العريضة.”
إن ثورات الربيع العربي تؤكد ما ذهبنا إليه من أن الديمقراطية تنتزعها الشعوب، ولعل أضعف حلقات هذه الثورات أنها لم تعتمد على تحالفات عريضة ذات برنامج واضح للتحول الديمقراطي والاصلاح السياسي والاقتصادي.
لا يغير من الطبيعة الديمقراطية لهذه الثورات الشعبية أن تسلمت السلطة في مصر وتونس حركات الاسلام السياسى ولا بطء اجراءات التحول الديمقراطي في اليمن أوتدخل حلف الأطلنطي لأسباب بعيدة عن التحول الديمقراطي بحجة حماية الشعب الليبي أو ما نجم من عدم الاستقرار في ليبيا نتيجة لوجود مليشيات مسلحة متعددة ومختلفة. إن الطريق قد فتح أمام التحول الديمقراطي في هذه البلدان ، مما يضع أمام التقدميين والديمقراطيين مسئولية تطوير الديمقراطية وتجذيرها في مجتمعاتهم وتكوين أوسع جبهة ممكنة لمواجهة أي محاولة من الحركات الاسلامية أو أي تيارات أخرى للإنتكاس بالثورة الديمقراطية ومصادرة الحقوق الأساسية للجماهير خاصة حقوق المرأة والأقليات الدينية والعرقية. إن الصراع في هذه البلدان لم ولن ينته بسقوط الحكم الشمولي والديكتاتوري.
لقد امتدت ثورات الربيع لبلدان أخرى، ولكنها حققت انتصارات محدودة مثل الاصلاحات الديمقراطية التي يختلف نطاقها من بلد لآخر مثلما حدث في المغرب، الجزائر والأردن، وما زالت معاركها مستمرة في سوريا والبحرين. بل أن رياح اصلاح محدودة امتدت حتى السعودية ودول الخليج الأخرى. إن بداية مرحلة جديدة فى التحول الديمقراطي قد بدأ في المنطقة العربية، وأن المستقبل سيشهد مزيدا من الحراك والاصلاحات.
رغم السمة الديمقراطية العامة للربيع العربي، فإنه اتسم أيضا بصعود الحركات الإسلامية كأكثر الحركات السياسية تنظيما وأستعدادا لخوض معارك الانتخابات التي جرت في بلاد الربيع العربي، وانتخابها للسلطة في بعض البلاد (مصر وتونس والمغرب) ووجودها المؤثر في بلاد أخرى كليبيا والجزائر والأردن وسوريا واليمن واستمرار سلطتها الإنقلابية في السودان. إن ظاهرة بروز ونهوض هذه الحركات لا ينفي عن ثورات الربيع العربي طابعها الديمقراطي العام، بل أن الحفاظ على الطابع الديمقراطي لهذه الثورات يتطلب النضال والوحدة ضد الحركات الاسلامية التي تمثل في جوهرها حركات معادية للديمقراطية، ولا بد من مقاومة توجهها نحو اجهاض التحولات الديمقراطية واقامة أنظمة شمولية جديدة تحت راية الاسلام السياسي .
إن ظاهرة انتشار الحركات الاسلامية وصعود نفوذها الاقتصادي والسياسي والفكري هي نتاج لعوامل كثيرة أهمها مصادرة الدكتاتوريات السابقة للحريات والديمقراطية ومنعها للتطور السلمي للأحزاب السياسية الديمقراطية، واستخدام بعض تلك الديكتاتوريات (كالسادات مثلا) للحركات الإسلامية في مواجهة اليسار خاصة وسط الجامعات والنقابات، والدور السلبي الذي لعبته دول الخليج (خاصة السعودية وقطر) في الدعم المالي لهذه التنظيمات تحت غطاء البنوك الاسلامية ومنظمات الدعوة والإغاثة والمنظمات الخيرية وبإيجاد فرص العمل للمشردين منها. كما ساهمت الأزمة الاقتصادية في بلدان كمصر في وقوع فقراء المدن والحرفيين تحت نفوذ هذه المنظمات وأذرعها التمويلية والخيرية. إن هذه الحركات وفقا لتجربة حكمها في السودان والتي أمتدت لربع قرن غير قادرة على مواجهة قضايا التحول الديمقراطي والنهوض الوطني والتعدد الثقافي والديني وقضايا تحرر المرأة وقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدالة الاجتماعية. وكل هذا خلق المزيد من الصعوبات أمام تطور ثورات الربيع العربي ووضع هذه الحركات في مواجهة الشعوب المتطلعة للتغيير الديمقراطي والتنمية الإقتصادية والعدالة الاجتماعية. وقد أدى ذلك إلى اشتداد النضال ضد هذه الحركات مما أدى لإنتفاضة 30 يونيو في مصر التي أطاحت بحكم الأخوان المسلمين وفتحت من جديد للثورة المصرية إمكانية التطور الديمقراطي. وقد أجبر الأخوان في تونس أيضا على تغيير تكتيكاتهم والقبول بوضع دستور ديمقراطي وحكومة إنتقالية قومية. ولكن الصراع في المنطقة سيستمر على جبهات عديدة بين القوى الديمقراطية والحركات الاسلامية المرتبطة بالامبريالية الامريكية وحركات الارهاب الاسلامي الأخرى وعناصر الأنظمة الشمولية القديمة، ولا سبيل لانتصار نهائي لهذه الثورات إلا بتمسكها بطابعها الديمقراطي وبنضالها الجماهيري وبوحدة قوى ثوارها.
أمريكا اللاتينية والتطور المستقل
ننطلق من التقييم الإيجابي الذي ورد في التقرير السياسي للمؤتمر الخامس للتحولات الديمقراطية التي حدثت في أمريكا اللاتينية والجنوبية وارتباط تلك التحولات الديمقراطية بتوجهات نحو التمرد على الهيمنة الأمريكية والتغيير الاجتماعي والتحرر الاقتصادي، يقول التقرير:
لقد قاد التراكم النضالي طويل الأمد ضد الهيمنة والتدخلات الأمريكية في بلدان أمريكا الجنوبية، لأن يشق عدد متزايد من البلدان، بسند جماهيري عبر صناديق الاقتراع والصراع السياسي/الاجتماعي، عصا الطاعة على مبدأ مونرو الذي جعل من أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ تابعة للولايات المتحدة الأمريكية.” (ص 28)
يقول التقرير أيضا: ” .. تسير بلدان أمريكا اللاتينية التي تمردت على الهيمنة الأمريكية على طريق التطور المستقل ودعم القطاع العام كقاعدة لهذا التطور، بهذه الدرجة أو تلك من الراديكالية بسند جماهيري واسع وفعال وتضامن عالمي. ويستند هذا الطريق على اتجاه سياسي وتحالف اجتماعي عريض رافض للبرنامج السياسي والاقتصادي لليبرالية الجديدة ولمخطط الخصخصة العشوائية وسيطرة آليات السوق التى تسببت في إفقار الطبقات الشعبية. وتقيم هذه البلدان علاقاتها الخارجية باستقلال وبعيداً عن الهيمنة الأمريكية.” (ص 28)
يقول أيضا: ” .. يتجلى هذا الطريق المستقل وصولاً للتحول الديمقراطي والتقدم الاجتماعي، في رفض المخطط الأمريكي لإقامة تكتل تجاري جديد لبلدان أمريكا اللاتينية تحت هيمنتها ولخدمة مصالحها، وفي الاتفاق التجاري بين كوبا وفنزويلا وبوليفيا، وانهاء الاحتكار بتأميم حقول وصناعة الغاز الطبيعي في بوليفيا، وامتلاك زمام السيطرة على صناعة النفط في فنزويلا، وكذلك في التكامل الاقتصادي ومحاربة الفقر ودعم الخدمات الصحية ورفع المستوى التعليمي والثقافي للشعب.” (ص 28).
نواصل ذلك التقييم بالنظر إلى تجارب بلدان الاتحاد البوليفاري: بوليفيا، فنزويلا وإكوادور، حيث قامت عناصر من الديمقراطيين الثوريين، في محاولاتهم لاستيعاب دروس حركة التحرر الوطني في أمريكا اللاتينية والجنوبية والبلاد الأخرى وتجارب البلدان الإشتراكية، بانتهاج النهج الديمقراطي وتعبئة الجماهير وبناء تحالف عريض، يقيم سلطات ذات طابع وطني ديمقراطي، رغم أنها تتحدث عن بناء اشتراكية جديدة تسميها “اشتراكية القرن الحادي والعشرين” ولكننا بالنظر لسياساتهم وما أحدثوه من اصلاحات ديمقراطية واقتصادية، ندرك أنهم ينفذون برامج وطنية ديمقراطية.
إن أهم سمات تجربة دول الاتحاد البوليفاري هو التزامهم بالديمقراطية والحقوق الأساسية، فرغم أنهم كتبوا دساتير جديدة لبلادهم لكنهم لم يقننوا لاقامة أنظمة شمولية، فحقوق التنظيم والتعبير مكفولة لكل القوى السياسية، والانتخابات الدورية تتم في البلدان الثلاثة لرئاسة الجمهورية وللبرلمانات ومجالس الشيوخ، مع كفالة حق الناخبين في دعوة ممثليهم للخضوع لانتخابات جديدة، كما أنهم أدخلوا مسألة الاستفتاءات الشعبية ومجالس المجتمعات واستخدموا الخطاب الجماهيري المباشر وتعبئة الجماهير لتمرير التغييرات والسياسات التي تحتاجها بعرضها للإستفتاء.
لقد كان واضحا موقف دول الاتحاد البوليفاري من الليبرالية الجديدة وتوافق واشنطون، فرفضت الخضوع لشروط البنك وصندوق النقد الدوليين، وتبنت سياسات داعمة للقطاع العام وللخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للمواطنين واستفادت فنزويلا من علاقاتها بكوبا التي قدمت لها الكادر الطبي والصحي، وأممت بوليفيا موارد النفط والغاز، بينما فرضت فنزويلا شروطا جديدة للشراكة مع الشركات الأجنبية ، وأجرت اصلاحا زراعيا لمصلحة الفلاحين. وتطورت الخدمات الصحية وخدمات التعليم والإسكان الشعبي ، وتم تبني سياسات لتقليل حجم البطالة ومكافحة الفقر، وتحققت انجازات إيجابية في هذا الصدد. وما يميز الاصلاحات التي تطبقها دول الاتحاد البوليفاري انها تدريجية وواقعية وتعتمد على حشد الجماهير وتأييدها.
أعتمدت دول الاتحاد البوليفاري على التعاون بينها ،وعلى بناء وحدة اقتصادية لدول أمريكا اللاتينية، ووحدة في مواقفها وفي دعمها لبعضها البعض رغم اختلاف أنظمتها السياسية وتوجهاتها . وأقامت علاقة وثيقة مع كوبا ودول العالم الثالث.
إن تجربة الاتحاد البوليفاري تحتاج اهتماما من الشيوعيين والديمقراطيين والثوريين في كل العالم ،وأن لا تقف الخلافات الفكرية بينهم وبين أحزاب الاتحاد البوليفاري وتوجهها الشعوبي من التقييم النقدي والايجابي لتلك التجربة، مستندين على طبيعة هذه الأنظمة كانظمة ديمقراطية ثورية معادية للإمبريالية العالمية ، وأن ما تنفذه من برنامج يسهم في انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ، وأن أهم ما يميزها هو نهجها الديمقراطي المعتمد على المشاركة الجماهيرية الواسعة. إن وصف ما يحدث بأنه اشتراكية القرن الحادي والعشرين لهو سابق لأوانه وأن هذه الدول ما زال أمامها طريق طويل للإنتقال للإشتراكية.
لكن هذه الدول تساند بعض الدول التي تضطهد شعوبها مثل ما فعلت مع ليبيا القذافي ومع السودان ، بحجة مناهضة هذه الدول للامريكان وهذا موقف خاطئ لا بد لنا من نقده وإجراء حوار حوله مع هذه الدول.
الدول الآسيوية
لقد أكتفى المؤتمر الخامس بالإشارة لتجربة النمور الآسيوية (ص 28) الا ان تجارب شرق وجنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية تستحق الوقوف عندها خاصة في مجال التنمية الإقتصادية، فإذا كانت تجربة النمور الآسيوية الأربعة (كوريا، هونغ كونغ، تايوان وسنغافورة) قد أرتبطت بالحرب الباردة ومحاولات إيقاف انتشار الشيوعية في شرق وجنوب شرق آسيا ومحاصرة الصين وفيتنام وكمبوديا، إلا أنها أرتبطت بشكل واضح بدور الدولة في توجيه التنمية الاقتصادية واقامة الشراكات مع راس المال الأجنبي والمحلي وزيادة نسبة المدخرات الوطنية. ولكن بنهاية الحرب الباردة حاولت الإمبريالية إخضاعها عن طريق فرض سياسات الليبرالية الإقتصادية ، مما أدى لانهيارات في سوق الأوراق المالية وتعرض هذه البلدان لنكسات وأزمات مؤقتة، جعلتها تسعى للتكتل الاقتصادي مع بلدان النمو الاقتصادي الجديد في المنطقة ماليزيا واندونيسيا، فيتنام وتايلاند والصين، كما أنتقلت من النمو بحشد الموارد الذاتية فقط لاستخدام التطور التكنلوجي حتى أصبحت كوريا الجنوبية من أكثر البلدان تطورا تكنولوجيا في مجال الأليكترونيات والعربات .
إن الدروس الأساسية المستفادة من تجارب الدول الآسيوية هو الدور المهم الذي لعبته الدولة في هذه التجارب من حيث حشد المدخرات الوطنية واقامة الشراكات وتنظيم الأسواق المالية وتحديد توجه التنمية في هذه البلدان على المستوى الإيجابي، أما على المستوى السلبي الذي يجب تفاديه هو الوضع المزري للطبقة العاملة وأزدياد حدة التمايز الطبقي في هذه البلدان . وهذا يؤكد الطبيعة الطبقية الملازمة للدولة الرأسمالية .
اليسار الديمقراطى
يرصد النظام الراسمالى واحتكاراته الاموال الطائلة ويفرد الميزانيات لشن حرب ايديولولجية واعلامية شعواء على النظرية الماركسية ويستخدم كافة انواع العنف والحصار فى مواجهة الاحزاب الشيوعية والعمالية والقوى والبلدن الخارجة على طوعه والمناضلة من اجل ارساء تغييرات راديكالية على نمط اسلوب الانتاج الراسمالى ونظامه الاجتماعى ،فى ذات السياق يقدم التمويل والدعم المباشر واللوجستى لاحزاب اليسار الديمقراطى وعدد هائل من منظمات المجتمع المدنى الدولية لتلعب دورا تخريبيا داخل الاحزاب والمنظمات الشيوعية ، واغواء الشباب والنساء وفئات العاملين بغرض تجريدهم وتفريغهم من الطاقات والشحنات الثورية وتحويلهم الى اصلاحيين واعتماد اشتراكية ديمقراطية معتدلة متكيفة مع النظام الراسمالى ومتصالحة مع النظام السائد وحصر نشاطها ونضالها من اجل اصلاحات معقولة لانسنة النظام الراسمالى وكبح غلواء العولمة الراسمالية المتوحشة ومن ثم بقاء الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية والمنظمات الاصلاحية ضمن منظمومة العمل السياسى فى اطار النظام الراسمالى وقد شهدنا فى الواقع العملى احزاب اليسار الديمقراطى التى وصلت الى السلطة فى عدد من البلدان فشلت فى اجراء تغييرات جذرية مؤثرة على حياة مواطنى بلدانهم والمجتمع الدولى وبناء الاشتراكية . ان الاحزاب الشيوعية والعمالية لاتنوء بذاتها او تستبعد النضال الاصلاحى من برامجها ولكنها ترى فى الاصلاحات مرحلة تحضيرية لتحسين اوضاع الجماهير والشعب واعدادهم للانطلاق من فوق نجاحاتها من اجل الوصول للسلطة واجراء التغييرات الراديكالية وبناء المجتمع الاشتراكى وتحقيق وفتح الطريق لانجاز القضايا التى لا يستطيع ان يواصل فيها قدما النظام الراسمالى واسلوب انتاجه وهى :
التطور دوما فى افاق الديمقراطية على كافة مناحى وجبهات الحياة .
التوجه نحو استكمال المساواة بين البشر وتحقيق العدالة والرفاهية لكافة افراد المجتمع.
الارتقاء بالحياة المادية والروحية للشعوب واطلاق طاقات الابداع والخلق الكامنة فى المجتمعات الحرة والافراد واثراء الحياة بالابداعات وفيض الجمال المتجدد فى الحياة .
تبادل المنفعة بشكل متوازن بين النشاط البشرى والطبيعة والبيئة والكون .
الحفاظ على سلامة وامن كوكب الارض والجنس البشرى والحياة.

الفصل الثالث:
السودان والعولمة
الصراع حول السودان : البدايات
لم يخرج السودان من نطاق الاهتمام الدولي للراسمالية منذ أنطلاق القوات الاستعمارية الإنجليزية رافعة العلم المصري من الشمال والقوات الفرنسية من الغرب والجنوب الغربي والقوات البلجيكية من الجنوب، بينما كانت القوات الأيطالية تقف على أهبة الاستعداد في الهضبة الأثيوبية. ولكن نجح الاستعمار الانجليزي في فرض نفوذه على السودان مستعملا حق اعادة الفتح، واستغلال الحرب العالمية الآولى لغزو دارفور وتوقيع معاهدة مع سلطنة المساليت لضمها للسودان حمايتها من تكرار الهجمات الفرنسية.
خلال 58 عاما من الاستعمار البريطاني حول البلاد لسوق للمنتجات البريطانية ومنتجا للأقطان طويلة التيلة وقصيرها والمواد الخام الاخرى كالصمغ والسمسم والفول وتصديرها لبريطانيا وحافظت حكومات ما بعد الاستقلال على العلاقات الاقتصادية مع بريطانيا حتى قيام الحكم العسكري الأول.
أكتسبت مكانة السودان أهمية بدخول الولايات المتحدة لأفريقيا والشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية واهتمامها بمصر الناصرية فسعت لادخال السودان في الأحلاف العسكرية كحلف بغداد أو إقامة قواعد عسكرية في السودان والسعي لربط السودان اقتصاديا عن طريق المعونة الأمريكية ولكن الحركة الديمقراطية السودانية والشعب السوداني هزمت تلك المخططات مما دفع الاستعمار الأمريكي للتآمر مع رئيس الوزراء عبدالله خليل لتسليم الحكم للجيش بقيادة ابراهيم عبود.
فترة الحكم العسكرى الاول (1958-1964) والآرتباط بالاستعمار الحديث:
شهدت فترة انقلاب نوفمبر 1958 تحولا من النفوذ التقليدي البريطاني لدول الاستعمار الحديث الولايات المتحدة الامريكية والمانيا الاتحادية ودخلت البلاد مؤسسات البنك الدولي المختلفة واقام الاستعمار الحديث علاقات في معظم قطاعات الاقتصاد السوداني وأقام رأس المال الأجنبي علاقات مباشرة مع القطاع الخاص السوداني خاصة في مجال الصناعة وغير المباشرة في الزراعة الآلية وبدأت محاولات البنك الدولي التدخل في مشروع الجزيرة (تقرير لجنة رست). وقد شهدت هذه الفترة أيضا تطورا في العلاقات مع دول المعسكر الإشتراكي في ذلك الوقت، خاصة الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا واقامة علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية.
الديمقراطية الثانية والاستعمار الحديث:
أتاحت ثورة أكتوبر 1964 كثورة ديمقراطية دعم حركة التحرر الوطني، فنشط الدعم الشعبي لثوار الكنغو وثوار أرتيريا الذى كان أحد الأسباب في التعجيل بالتآمر ضد ثورة أكتوبر وانتكاساتها. وعند عودة الأحزاب التقليدية للسلطة (1965-1969)، نشطت الدوائر الاستعمارية والرجعية العربية في مناهضة حركة التقدم والثورة، و هي الفترة التي صدر فيها قرار حل الحزب الشيوعي ومصادرة منابره المستقلة وهي نفس الفترة التي قدم فيها نظام الملك الراحل فيصل آل سعود الدعم المادي والمعنوي لحركة الاسلام السياسي وبدأت فيها علاقة الأمير محمد الفيصل مع حركة الأخوان المسلمين في السودان واتحاد شبابها الوطني . وانداح فى تلك الفترة الصراع فى السودان بين القوى الثورية السوادنية والى جانبها الناشطين فى حركة التحرر الوطنى العربية بقيادة الناصرية من جانب والاستعمار الحديث والرجعية العربية من الجانب الاخر. وقد أسهم كل ذلك في قيام إنقلاب مايو 1969 كأمتداد لحركة التحرر الوطني العالمية، مما صبغ الانقلاب حتى 16 نوفمبر 1970 بتوجه يساري معادي للإمبريالية وحليف للمعسكر الاشتراكي وقتها.
أدت وفاة عبد الناصر وتسلم السادات السلطة في مصر،وبداية تصفيته للناصرية بعد انقلاب علي صبري في مايو 1971 ، لتوجهه نحو المساومة مع الأمريكان . وقد كان انقلاب 16 نوفمبر 1970 في السودان علامة واضحة في تحول نظام نميري نحو اليمين وبداية البحث عن حلفاء جدد وقد اكتمل ذلك التحول اليميني الكامل لسلطة الديكتاتورنميري وانتقاله فعلا لمعسكر التبعية للاستعمار الحديث بعد إنقلاب يوليو 1971 في السودان وما تبعه من مجازر وهجوم على الحزب الشيوعي والحركة الديمقراطية .
زيادة الاهتمام الأمريكي بالسودان:
أزدادت أهمية السودان الاستراتيجية في السياسة الآمريكية خلال عقد السبعينات والنصف الأول من الثمانينات لأسباب أهمها:
1- تأكيد تحول نظام نميري بعد 22 يوليو كنظام معادي للشيوعية في المنطقة.
2- القلق الذي أصاب الأمريكان من موقف الملك فيصل أثناء حرب أكتوبر 1973 وإيقاف ضخ البترول مما عدوه تهديدا لسلامة تدفق نفط الشرق الاوسط ، مما أدى لمقتل الملك فيصل نفسه وتكوين قوات التدخل السريع وقيامها بالمناورات المشتركة مع مصر والسودان بقصد التدريب في أجواء صحراوية وحارة شبيهة لأجواء الجزيرة العربية واعدادها للتدخل في المنطقة.
3- بدء الاستعمار الأمريكي الاهتمام بالبحث عن مصادر للطاقة بديلة للخليج في أفريقيا، وبدأت إكتشافات البترول في دول أفريقية من بينها السودان فزادت أهمية السودان الأستراتيجية.
4- حدوث إنقلاب منقستو هايلي مريم في أثيوبيا وتشكيل محور يساري مع اليمن الجنوبي متحالف مع الاتحاد السوفيتي ومحاولة تكوين محور مصر اليمن السودان والسعودية فيما عرف بأمن البحر الأحمر.
5- زيادة التوتر بين الولايات المتحدة وليبيا وتدخل ليبيا في الشؤون الأفريقية.
6- اشتداد حدة الصراع في الجنوب الأفريقي واستقلال أنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو، وإزدياد الدعم لثوار نامبيا وجنوب أفريقيا وإزدياد عزلة النظام العنصري في جنوب أفريقيا وتدخل القوات الكوبية في أنجولا.
7- تفجر الحرب من جديد في جنوب السودان بقيادة جون قرنق والحركة الشعبية التي كانت حينها ترفع شعارات يسارية.
الحكم العسكرى الثانى (1969-1985) والمؤسسات المالية العالمية:
لقد كانت فترة نميري تشكل فترة خضوع السودان للاستعمار الحديث ومؤسساته، فتسلم البنك الدولي ومؤسساته وصندوق النقد الدولي إدارة الإقتصاد السوداني، فطبق نميري توصيات البنك الدولي حول مشروع الجزيرة وعممها على المشاريع المروية في الرهد، وتوسعت الزراعة الآلية في جبال النوبة وأقدي وسمسم والمقينص وأبوعجاج، ونفذت حكومة نميري عدة صيغ لبرامج التكيف الهيكلي والانتعاش الإقتصادي، اصبح الإلتزام بها شرطا لنادي باريس لإعادة جدولة ديون السودان. لقد واجهت هذه السياسات مقاومة عنيفة من شعب السودان، فمنذ إنتفاضة أغسطس (شعبان) 1973 وحتى سقوط النظام في انتفاضة مارس- أبريل 1985، لم يمر عام واحد دون أن يشهد السودان مظاهرات طلابية أواضرابات عمالية أواضرابات أطباء أومعلمين وقضاة، ومحاولات إنقلابية ومحاولات عسكرية مثل 5 سبتمبر 1975 و 2 يوليو 1976. وفشلت محاولات نظام نميري المدعومة من قبل الآمريكان وحلفائهم في المنطقة السعودية والنظام المصري لتوسيع قاعدة النظام بالمصالحة الوطنية عام 1977 والتي أدت لتحالف النظام مع الحركة الاسلامية وتمكينها من النظام المصرفي الاسلامي ومن التسرب للقوات المسلحة وتطور الراسمالية الطفيلية الاسلامية، بينما كان الشيوعيون ينتقدون المصالحة ووصفهوها بانها لا مصالحة ولا وطنية وطرحوا ان الديمقراطية مفتاح الحل. لقد أدت المصالحة لتوغل الاسلاميين ولتراجع نميري عن اتفاقية اديس ابابا ولقد حاول الامريكان التدخل عبر ارسال نائب الرئيس الأمريكي انقاذ العلاقة بين نميري والجنوبيين وحاولوا تمديد الدعم الاقتصادي لنميري ولكن فاجأتهم إنتفاضة مارس-أبريل 1985، فعملواعلى إحتوائها بالضغط على كبار الضباط لاستلام السلطة.
الديمقراطية الثالثة والاستعمار الحديث:
أدت فترة الديمقراطية الثالثة لتوتر في العلاقات السودانية الأمريكية، وظلت الادارة الأمريكية تصف الحكومات السودانية خلال تلك الفترة بالضعف وصعوبة التعامل معها، بل أنها مارست عليها ضغوطا عبر المؤسسات المالية الدولية خاصة صندوق النقد الدولي واصراره على استمرار سياسات الانعاش والتكيف الاقتصادي المرفوضة من قبل الجماهير، وكان أحد أسباب هذا التوتر هو موقف حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي من ثلاثة قضايا: أولها الموقف من شيفرون حيث كان اصرار الحكومة على استمرار شيفرون في عمليات إكتشاف وتطويرانتاج البترول، واصرار شيفرون على التوصل لحل مع الحركة الشعبية واستتباب الأمن قبل استئناف عملياتها وهددت الحكومة بسحب ترخيص شيفرون بحجة تدخلها في الشؤون الداخلية وعدم ايفائها بالتزامتها في المناطق المخصصة لها. أما المسألة الثانية فكان موقف الحكومة من إيران والذي لم يلق قبولا من الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، خاصة السعودية ومصر، أما المسألة الثالثة فكانت العلاقة مع مصر والتي كانت يسودها توتر له أسباب تاريخية في علاقة الأنصار ومصر وموقف مصر المساند لنظام نميري خاصة فى الجزيرة أبا. ولقد كان الأمريكان قلقين من نمو وتزايد نفوذ الحركة الديمقراطية والحزب الشيوعي خلال فترة الديمقراطية، خاصة بعد مظاهرات ديسمبر 1988.
إنقلاب يونيو 1989 بين العزلة العالمية والتدخل الدولي في الشؤون السودانية:
لقد كان موقف الادارة الامريكية من إنقلاب يونيو مترددا رغم مطالبتهم بضرورة الرجوع للنظام الديمقراطي، فقد حاولوا من خلال ارسال جيمي كارتر للتوسط بين الحركة الشعبية وحكومة يونيو، وارساله مرة أخرى للتنسيق بين مليس زيناوي وأفورقي في الخرطوم للإطاحة بمنقستو أن يقيموا علاقات عمل مع النظام. ولم يتغير الموقف الامريكي من النظام إلا بعد استضافته للحركات المتطرفة واقامته مركزا لها فيما سمي بالمؤتمر الشعبي العربي الاسلامي في الخرطوم.
استمر الموقف الأمريكي من حكومة 30 يونيو،وبلغ ذروته بعد الهجوم على سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في نيروبي ودارالسلام في 7 أغسطس 1998 ، وما تبعه من قصف لمصنع الشفاء في 20 أغسطس 1998. وشملت المقاطعات الاقتصادية والمواقف في الامم المتحدة ولجانها، خاصة لجنة حقوق الانسان. واستمر الوضع على ذلك حتى المفاصلة بين الترابي والبشير في 1999 وفي مايو 2000 بدأت المشاورات بين السي آي أي وجهاز الأمن القومي . وعند حدوث أحداث 11 سبتمبر 2001، ساعد جهاز الأمن السودانى المخابرات الأمريكية بالمعلومات. وبالمقابل عينت الولايات المتحدة مبعوثا خاصا لبحث مسألة السلام في السودان في 2001.
اتخذ الاتحاد الأوروبي، في الجانب الآخر، موقفا حازما من نظام 30 يونيو تحت ضغط منظمات المجتمع المدني فى بلدانها والأحزاب اليسارية مستندة على مواثيق حقوق الانسان العالمية والأوروبية حتى إتفاقية نيفاشا،التي ساهم الاتحاد الأوروبي عن طريق أصدقاء الإيقاد في الوصول إليها.
لقد أدى الصراع بين دول الغرب وحكومة انقلاب 30 يونيو وفرض العقوبات عليها، لتوجه الأخيرة نحو دول جنوب شرقي آسيا والصين وأيران والهند مؤخرا للبحث عن التعاون الاقتصادي والتقني خاصة في مجال البترول ،مما يعني أنه في ظروف العولمة والتنافس بين المراكز المختلفة للرأسمالية العالمية، يمكن تفادي الخضوع لبعض شروط الاحتكارات العالمية ومؤسسات العولمة الدولية ، وتثبت تجربة الانقاذ أنه يمكن اقامة علاقات مفيدة بين دول العالم الثالث. إن السودان لم يجن ثمار هذه العلاقات بما يفيد تطوره لأن سياسة الحكومة السودانية الممثلة للطفيلية الاسلامية ظلت قصيرة النظر وتحصر العلاقات في التجارة السريعة أو استدرار ريع النفط لصرفه في الاستهلاك بدلا من الاستثمار وبالتالي أصبح الأرتباط بين الطفيلية الاسلامية ورأسمالية الدولة والرأسمالية الخاصة في الصين ودول جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية، تساهم في نهب موارد البلاد وتراكم رأس المال التجاري الطفيلي.
تأثير العولمة والراسمالية المعاصرة على حكومات انقلاب 30 يونيو 89
مثلت سياسات إنقلاب 30 يونيو تطبيقا كاملا لآيديولوجية الليبرالية الإقتصادية الجديدة ، مما سنتعرض له تفصيلا في الباب الثاني من هذا التقرير، غير أنه من المهم الاشارة هنا إلى الخطوط العامة لتلك السياسات:
1- تبني سياسة السوق الحر في مجالات التجارة الداخلية والخارجية وألغاء كافة النظم واللوائح التي تسمح للدولة بالتدخل لتحديد الأسعار.
2- تحرير سوق العملة.
3- خصخصة الشركات والمؤسسات العامة وانسحاب الدولة تماما من مجالات الانتاج الزراعي والصناعي والخدمات الاقتصادية والأستثمار فيها .
4- الانسحاب التدريجي من الصرف على الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم وفرض الرسوم المباشرة وغير المباشرة لتسييرها.
5- فتح البلاد للإستثمار الأجنبي وتخصيص أراضي واسعة للمستثمرين الأجانب ، وصلت التنازلات فيها الى حد التنازل عن السيادة الوطنية، وتضرر اصحاب المصلحة .

الباب الثاني
ألأزمة الوطنية العامة وقضايا التغيير في السودان
الفصل الأول:
1- طبيعة الآزمة الوطنية العامة في السودان
الأزمة الوطنية ممتدة منذ الاستقلال:
يعيش السودان منذ الاستقلال أزمة عامة في كافة أوجه الحياة: عدم الاستقرار السياسي، تواتر وتوسع الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية، وعدم مشاركة كل أهل السودان في حكم البلاد وتعثر التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وازدياد الفوارق بين مستوى تطور الأقاليم السودانية وتوزيع الخدمات الاقتصادية والاجتماعية بين تلك الأقاليم وتدهور معيشة المواطنين، وزيادة وعمق التباين في الدخول وازدياد حدة الفقر. ورغم التوسع الأفقي في خدمات التعليم والصحة، فقد تدهور مستواها وفقدت مجانيتها، ورغم تمدد الطرق المسفلتة فقد تدهور النقل بالبلاد بانهيار السكك الحديدية والنقل النهري، وتعرض القطاع التقليدى المطرى للاهمال وتم التوسع فى الزراعة الالية المطرية فى اراضى هذا القطاع. وتدهورت خدمات صحة البيئة والحفاظ على البيئة وتمددت الصحراء لتلتهم أراضي واسعة من السافنا السودانية وتدهور انتاج الغذاء وانتاج الصادرات وزادت الواردات وأصاب الخلل الميزان التجاري وميزان المدفوعات وتدهورت قيمة الجنيه ، وعرف السودان معدلات تضخم تتعدى الرقم الواحد.
الأزمة العامة التي يعيشها السودان هي أزمة تركيبية لفشل القوى الاجتماعية التي ورثت السيطرة على الدولة السودانية ومكوناتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، فى اكمال التحول من دولة مستعمرة لدولة مستقلة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، وحديثة في بنيتها الاقتصادية الزراعية والصناعية والخدمية ، تعالج قضايا التنوع العرقي والثقافي والتطور غير المتوازن ، وتسود الديمقراطية كافة خلاياها السياسية والادارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لقد كان فشل تلك القوى الاجتماعية التي كانت تمثل تحالفات مختلفة للأرستقراطية الدينية والقبلية والرأسمالية التجارية والعقارية والبيروقراطية العسكرية والمدنية (وكانت الرأسمالية الزراعية والصناعية في بدايات تكوينهما)، مرتبط بطبيعتها لآرتباط مصالحها بما ورثته من الاستعمار من مصالح اقتصادية ، وسيطرة كاملة على أجهزة الدولة، ولقد أدى الموروث الاستعماري من تطور غير متوازن وتركيز للإنتاج الحديث والخدمات في وسط السودان الشمالي، أن تكون المجموعات الطبقية والفئوية السائدة من قوميات تلك المناطق،التي ربطت هويتها بالعروبة والاسلام ، مما جعل قضية توزيع السلطة والثورة والتنمية والخدمات تأخذ بعدا إقليميا وقوميا عقد من مشاكل حل القضية القومية في السودان ، وأدى لنشوب الحروب والنزاعات الأهلية والإقليمية ، وتعقيد الأزمة العامة وطرح مسألة هوية السودان كموضوع للصراع بين مكونات السودان العرقية والثقافية المتعددة.
قدم الحزب الشيوعي منذ فجر الاستقلال برنامجا كان من الممكن أن يجنب البلاد هذه الأزمة ، بطرحه لضرورة استكمال الاستقلال باستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية التي تحدث نهضة وطنية ديمقراطية عامة في البلاد ، من خلال احداث اصلاح زراعي جذري . وتصنيع البلاد وحل المسألة القومية بدءا من الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب ، وتعميم ذلك الحل للمسألة القومية وفقا لتطور الأقاليم والقوميات، ومعالجة قضية التطور غير المتوازن وتوزيع الخدمات و اشاعة الديمقراطية عبر توسيع وتعميق الحكم المحلي، و التنظيمات الديمقراطية من نقابات للعمال واتحادات للمزارعين واتحادات للطلاب والنساء والشباب.
ناهض حزبنا بحزم قهر القوميات في الإقليم الجنوبي لبلادنا، وقدم مقترحه للحكم الذاتي الإقليمي الذي كان حينها كافيا لصون وحدة البلاد، وتحقيق مطالب أهل الجنوب . وعند بزوغ ثورة أكتوبر ونهوض الحركات الإقليمية والقبلية، رأى حزبنا أن ذلك هو نهوض للريف السوداني وأن جوهر تلك الحركات أنها حركات ديمقراطية تناهض سيطرة الأرستقراطية القبلية من جهة ، ومطالبة بحق أقاليمها وقبائلها في التنمية والخدمات.
خاض الحزب الشيوعي والقوى الحديثة الديمقراطية نضالا مثابرا من أجل إرساء دعائم الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية في عهود الحكم الديمقراطي والعسكري معا. ولقد قامت الحركة العمالية وحركة المزارعين وحركات الطلاب والنساء والشباب بأدوار كبيرة في هذا النضال، مما جعلها عرضة لهجمات القوى الاجتماعية المعادية للتقدم والديمقراطية وعرّضها للضربات ومصادرة حقوقها في التنظيم المستقل واحداث الانقسامات في وسطها ، وسن القوانين التي تضعها تحت قيادات انتهازية. لقد أدى ذلك لتعميق الأزمة وتطاولها.
جوهر الأزمة: عدم انجاز مهام استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية:
إن جوهر الأزمة العامة في السودان هو عدم التصدي لحل قضايا ما بعد الاستقلال، والتي اصطلحنا على تسميتها بقضايا الثورة الوطنية الديمقراطية، وفشل الحكومات المتعاقبة، لطبيعتها الطبقية وعدم تمثيلها الفعلي للطبيعة التعددية لشعوب السودان ولاقاليمه المختلفة المتفاوتة في النمو والتطور،والمختلفة في التكوين العرقي والثقافي، في التصدي لقضايا الثورة الديمقراطية في السودان. وقد أدى كل ذلك إلى:
أ‌- فشل حل مسألة الدولة الديمقراطية التي تراعي التعدد وتفاوت التطور وحل مسألة القوميات والمناطق الأقل نموا حلا ديمقراطيا عادلا ، مما أدى لعدم الاستقرار السياسي وعدم استدامة الديمقراطية وتعدد الانقلابات العسكرية وفتح الطريق أمام الديكتاتوريات المدنية والعسكرية وآخرها ديكتاتورية يونيو 1989.
ب‌- فشل انجاز التنمية المتوازنة التي تبني اقتصادا صناعيا زراعيا حديثا متوازنا اقليميا وقطاعيا ، يلبى الاحتياجات الضرورية والمتنامية للشعب السوداني. وبذلك لم ندعم استقلالنا الوطني باستقلال ونمو اقتصادي واقامة اصلاح زراعي جذري ،وصناعة وطنية حديثة، وشبكة نقل ومواصلات. وقد صاحب ذلك عدم استقرار السياسات المالية والاقتصادية وخطط التنمية ،وتصفية القطاع العام وبيع ممتلكات الشعب من مشاريع وأراضي زراعية وموارد معدنية ونفطية، مما أدى لضعف القاعدة الانتاجية وعدم عدالة توزيع الموارد وتفاوت الدخول ومستوى المعيشة رأسيا بين الفئات والطبقات، وأفقيا بين الأقاليم والقطاعات الاقتصادية.
ت‌- تدهور البنية التحتية من سكك حديدية ومواصلات
ث‌- وتدهور خدمات التعليم والصحة العلاجية والوقائية .
ج‌- تزايد الهجرة خاصة هجرة الكفاءات من المهنيين وأساتذة الجامعات والعمال المهرة.
ح‌- فشل السياسة التعليمية والثقافية في بلد تتعدد فيه الثقافات والأعراق ومستويات التطور الاقتصادي.
خ‌- الفشل في حل مسألة الهوية السودانية التي تحل بالاعتراف بالتعددية الثقافية والعرقية والتفاوت في مستوى التطور الاقتصادي وبناء الدولة الديمقراطية المدنية المعبرة عن التعدد . و سياسات التنمية التي تهدف الى التطور المتوازن ،والترابط الاقتصادي الاقليمي والقطاعي ،وعدالة توزيع الخدمات الاقتصادية والاجتماعية ، كالخدمات التعليمية والصحية وخدمات المياه والطرق والسكك الحديدية والكهرباء…الخ
د‌- زيادة الشعور بالغبن والاضطهاد من قبل مكونات الشعب السوداني ونشوء الحركات الاقليمية والقبلية في 1958 وعودتها بشكل أكثر اتساعا بعد ثورة اكتوبر،وتطورها لحركات مسلحة وطرح أجندة جديدة في الصراع مثل مسألة الهوية وحق تقرير المصير والقسمة العادلة للسلطة والثروة بين أقاليم السودان،مما نتج عنه استمرار الحرب الأهلية في الجنوب 1955-1972 وعودتها في 1983 وحتى اتفاقية نيفاشا2005 ونشوب حروب اقليمية جديدة في مناطق متعددة من السودان ، كشرق السودان ودارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، مما أدى لتقسيم السودان الى شمال وجنوب وتهديده بمزيد من التقسيم.
ذ‌- تزايد حدة الصراع الطبقي واتخاذه اوجه اقليمية وعرقية وقبلية، وتجلت بعض جوانبه في حروب أهلية .
ر‌- تبني القوى التقليدية في مواجهة النهوض الجماهيري بعد ثورة أكتوبر 1964 للخطاب الديني والدعوة للدستور الاسلامي .
ز‌- عدم اقامة علاقات اقليمية ودولية متوازنة تهدف لخدمة مصالح تطور الدولة الوطنية الديمقراطية السودانية. وقد أدى ذلك لعزلة دولية للسودان وتدخل دول الجوار ومراكز النفوذ الامبريالي في شؤونه الداخلية.
الأزمة تزداد عمقا:
لقد تعمقت الأزمة وتعقدت بحدوث الانقلابات العسكرية، والتي في طبيعتها كانت تهدف لتوقف تطور حركة الجماهير المستقلة، ذلك التطور الذي كان جديرا بإيجاد الحلول الفعالة لأزمة البلاد العامة من خلال استكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ، عن طريق النضال السلمي ومن خلال بناء الجماهير لمنظماتها السياسية والمدنية واقامة سلطتها الوطنية الديمقراطية . ولقد كان أكبر عائق لهذا التطور هو إنقلاب 30 يونيو.
إن الخروج من هذه الأزمة العامة في بلادنا يمر عبر اسقاط وتصفية انقلاب يونيو و بناء حركة جماهيرية وتوحيدها في جبهة واسعة تجمع الطبقات وطلائع القوميات والأقاليم التي تقتنع بأن لا طريق لبلادنا إلا باسقاط هذا النظام واحداث نهضة وطنية عامة تعترف بالتعدد العرقي والثقافي وتحدث تنمية متوازنة وتؤسس لنظام ديمقراطي يتخلل المجتمع السوداني من الريف إلى المدينة وحتى المركز.
2- نظام 30 يونيو وتعميق الأزمة
طبيعة نظام 30 يونيو: الرأسمالية الطفيلية الاسلامية وفرض قيادتها بالقوة:
يمثل انقلاب 30 يونيو 1989 استيلاءا بالقوة على السلطة في السودان من قبل فئة الرأسمالية الطفيلية الإسلامية، بهدف فرض قيادتها على الرأسمالية السودانية والمجتمع السوداني واستخدام العنف والآيديولوجية الدينية في سيطرتها على موارد البلاد الاقتصادية. وبذلك أوقف انقلاب 30 يونيو التطور السلمي الديمقراطي في السودان ونقل الصراع الطبقي والصراع بين شعوب السودان واقاليمه الأقل نموا لصراع عنيف، ورفعت فيها شعارات الجهاد الديني، وقد شمل العنف كافة الأوجه كسلاح طبقي للرأسمالية الطفيليةلاسلامية: الانقلاب نفسه، حل المؤسسات الدستورية وصادرت الحريات والديمقراطية، والاعتقال والتعذيب الوحشي اللا انساني والقتل خارج نطاق القانون،تصعيد الحرب الأهلية والزج بآلاف الشباب والمواطنين في أوار الحرب. تصفية الحركة النقابية واستبدالها بحركة نقابية تابعة للنظام وحل وتحطيم المؤسسات الاقتصادية التي بها حركة عمالية منظمة وذات خبرات في العمل النقابي والسياسي، تصفية الخدمة المدنية ومحاربة الرأسمالية السودانية الوطنية المستثمرة في مجالات الانتاج الزراعي والصناعي، واحتكار السوق والتمويل والتجارة الخارجية.
أقدمت سلطة 30 يونيو الانقلابية على تنفيذ ثمانية قضايا حاسمة تمثل الأسبقيات في برنامجها للتمكين:
أولاً: أعلان تعطيل الدستور وحل البرلمان والأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التعاونية حالة الطوارئ وحظر التجوال لساعات طويلة. ثم سنت قوانين وضعت المنظمات تحت سيطرة النظام .
ثانياً: تشريد العاملين في القطاع العام ووضعت مكانهم الموالين لها دون اعتبار للقدرات المهنية، بل الشرط الأساسي هو الولاء التام والأعمى للنظام، في المهن المختلفة بما فيها القوات المسلحة والقضاء وتم التركيز على المناصب التي تمثل مفاتيح السلطة والسيطرة عليها.
ثالثاً: السيطرة على الجهاز المصرفي بصفة خاصة. فقد تم انتهاك واسع لاعراف وسرية النظام المصرفي، وأصبحت الحسابات المودعة في كل المصارف مكشوفة عبر الموالين أمام السلطة ، ووضعت تحت تصرفها. وسنت قانون نظام مصرفي جديد في العام 1991 لتركيز السلطة في يد محافظ بنك السودان الموالي للنظام بديلاً لسلطة مجلس إدارة بنك السودان. وأصدرت قوانين تجبر المودعين – عندما تم تبديل العملة- على دفع تكلفتها بخصم 2% من أي رصيد وحجز 20% من أي رصيد يزيد عن 100الف جنيه. أطلقت هذه القوانين حرية نشاط المصارف الموالية للجبهة الإسلامية القومية، وقيدت نشاط المصارف التجارية ومصارف القطاع العام.
أنشأت سوقا للأوراق المالية ووجهت المصارف التجارية والشركات العامة وشركات التأمين لطرح أسهمها في السوق لتمكين تجار الجبهة ومؤسساتها من السيطرة على قمم الاقتصاد الوطني وامتصاص الفائض واستقطاب الثروة في يد جماعات الجبهة الإسلامية المتنفذة والذين بدأوا ينضمون إلى الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة . وأقصت الرأسمالية السودانية المستثمرة في مجالات الإنتاج المختلفة،واحتكرت السوق والعمل في التجارة الخارجية.
رابعاً: شوهت النظام الضريبي وحولته من آلية لتجميع وحشد الموارد وتوزيعها بعدالة ، إلى أداة للنهب المباشر بكل فظاظة وقسوة. وغابت العدالة فى فرض النظام الضريبى الذى اصبح سيفا تسلطه اجهزة الامن على كل من يرفض الانتماء لمظلة الحزب الحاكم . وشملت الضرائب كل شيء وأي مواطن عدا المتنفذين في دولة الرأسمالية الطفيلية الاسلامية. وهو أبشع نموذج للتراكم الرأسمالي البدائي. بل أبشع من الذي حدث في أوروبا قبل خمسمائة عام. لأن ما حدث في أوروبا رغم ضراوته – أثمر الثورة الصناعية، أما في السودان فقد دخل في جيوب حفنة من الإسلاميين عبر اعفائهم من دون أي مشاركة في الإنتاج او الاستثمار الذي يثرى المجتمع وخزينة الدولة.
خامساً: أصدر مجلس قيادة االانقلاب عملاً بأحكام المرسوم الدستوري الثالث لعام 1989 مرسوما خاصا بقانون التصرف في مرافق القطاع العام لسنة 1990 في 6/8/1990 و الهدف منه تصفية القطاع العام . و لقد هدف لخصخصة كافة مرافق القطاع العام بلا استثناء للرابح و الخاسر منها، وفي أقصر فترة زمنية ممكنة. وبهذا تمت تصفية أهم مؤسسات القطاع العام الزراعية والصناعية والخدمية وتحولت عائداتها كما جاء في تقرير المراجع للأعوام 1990وحتى 30 مايو 1994، إلى جيوب حفنة من أثرياء الجبهة القومية الإسلامية. فالعديد من هذه المؤسسات التي تمت خصخصتها بيعت لأفراد من الجبهة الإسلامية بثمن بخس. فعلى سبيل المثال تم بيع المؤسسة العامة السلكية واللاسلكية بسعر أقل كثيراً، ليس من قيمة أصولها وحسب ، بل بيعت بما يساوي ربح شهر واحد وليس دخل شهر.
سادساً: أصبح الفساد بنهب أموال الدولة ومؤسساتها أحد المصادر الأساسية لتراكم رأس المال الطفيلي. وقد شمل هذا الفساد كل مفاصل المؤسسات بما فيها وزارة الأوقاف وأموال الحج والعمرة والزكاة ومال في سبيل الله!!. بل أصبح الفساد مقنناً ومحمياً من الدولة. وشمل الفساد بيع المؤسسات العامة وضعف الرقابة المالية وزيادة تجنيب الاموال ورفضت العديد من المؤسسات مثل الأمن والدفاع وقطاع السيادة وحتى القضاء مراجعة حساباتها بواسطة المراجع العام للدولة نفسها. وكما هو حال الرأسمالية الطفيلية الاسلامية، فإنها بعد أن باعت القطاع العام للقطاع الخاص الى الموالين لها، أسست 600 شركة تجارية تبعتها لوزارات اتحادية و ولائية ولأجهزة الأمن والقوات المسلحة والشرطة وتواصل هذا النهج حتى بلغ مجموع هذه الشركات في الخمس سنوات الأولى من عمر النظام 2847 شركة. – وان تقارير المراجع العام السنوية وملفات الفساد لبيع الخطوط الجوية السودانية ,وشركة الاقطان لاتمثل سوى راس جبل الجليد . واظهرت التقارير الاخيرة أمثلة جديدة للفساد في الأقطان والطاقة والبترول ومكتب والي الخرطوم والأراضي وتوزيعها للخاصة واسر رجال السلطة، كما اوضحت قضية مكتب والي الخرطوم أن قانون الثراء الحرام يقنن الفساد بدلا أن يحاربه.
سابعا : أعاقت الطفيلية المتأسلمة نمو وتطور الزراعة والصناعة والخدمات والثروة الحيوانية ووضعت الاقتصاد السوداني على حافة الانهيار. لقد دمرت كل المؤسسات الزراعية والصناعية والتحويلية التي كانت تمثل قمم الاقتصاد ومصدر إدرار غير سهل للعملة الصعبة. كما استولت تماما على صناعة البترول وعربدت فى مناشط التعدين الاهلى وما ارتبط بها من مناشط .
ثامنا : تحول جهاز الامن من جهاز بسيط يتمثل دوره فى جمع المعلومات وتسليمها لجهات الاختصاص للتنفيذ الى قوة ضاربة لحماية النظام، وتحولت الدولة لدولة امنية يحكمها جهاز الامن وصاحب القرار فيها وذلك ان الجهاز أصبح قوة عسكرية كبيرة وتلحق بها ميليشات قبلية تم تجنيدها أثناء الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، كما أن الجهاز يملك مصادر دخل غير الميزانية بملكيته لشركات ومؤسسات اقتصادية وخدمية..
بهذه الأساليب وغيرها من دعم خارجي اكتمل تحول حركة الأخوان المسلمين من تنظيم للبرجوازية الصغيرة اليمينية التي أنشئت خصيصاً لمعاداة الحزب الشيوعي ووقف حركة التقدم واعاقة تنفيذ البرنامج الوطني الديمقراطي إلى تنظيم للرأسمالية الطفيلية المتأسلمة .
الرأسمالية الطفيلية الإسلامية تفشل في القيادة:
لقد أعاق انقلاب 30 يونيو تطور الحركة الجماهيرية ووقف عقبة أمام التبادل السلمي الديمقراطي للسلطة وقفل الطريق أمام حرية الرأي والتعبير وبالتالي عمق من الأزمة في البلاد.
إن الأساس في فشل نظام 30 يونيو هو أنه نظام غير شرعي استولى على السلطة بإنقلاب عسكري، ولم يستطع إكتساب المشروعية التي تتأتى بقبول الجماهير لأنه يمثل فئة طبقية للرأسمالية الطفيلية الإسلامية التجارية والمالية التى فشلت حتى في توحيد الرأسمالية السودانية بفئاتها المختلفة تحت قيادتها بل عملت على تصفية كل الراسماليين الوطنيين الذين لايخضعون لحزبها . والتي أحدثت شروخا عميقة في البنية الوطنية السودانية ويتمثل ذلك فى :-
أ‌- الخطاب الآيديولوجي المستبطن التعالي العرقي والثقافي الذي لا يحترم التعدد الثقافي والعرقي في البلاد.
ب‌- تمثيلها لمصالحها المعادية لكل مصالح الشعب السوداني في السلام والوحدة والديمقراطية والتنمية المتوازنة.
ت‌- برفعها شعار من يريد حقوقه ومطالبه فليحمل السلاح لانتزاعها، مما أجبر الحركات المسلحة في الأقاليم وخاصة في دارفور على حمل السلاح لأنه أصبح لا طريق غيره لتحقيق مطالب أهلهم في الأقاليم التي عانت التهميش في قسمة السلطة والثروة منذ الاستقلال. وبهذا انتقل الصراع بين مركز السلطة وأقاليم البلاد المهمشة إلى صراع مسلح عنيف ومنهك، وتحول إلى مأساة دولية، فاقمت من عزلة النظام وعمقت من أزمته.
ث‌- تورطها فى النزاعات فى ليبيا وتشاد وارتيريا والصومال
الراسمالية الطفيلية الإسلامية رغم فرض قيادتها بالقوة والعنف إلا أنها فشلت في ممارسة القيادة وأدخلت البلاد في أزمات عميقة في كل جوانب الحياة:
(1) انفصال الجنوب نتاج سياسة 30 يونيو من تصعيد للحرب منذ مجيئها وحتى نيفاشا، ورهن حل القضية الوطنية لقوى أجنبية، الفشل في جعل الوحدة جاذبة بالسياسات تجاه الجنوب والحركة الشعبية والقوى السياسية، بل الفشل في الاستعداد للانفصال وحل القضايا العالقة بين البلدين وإقامة علاقات أخاء وصداقة وتعاون.
(2) اتسع نطاق الحرب لتشمل الشرق ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق،نسبة لتعنت الرأسمالية الطفيلية الاسلامية. وقد فشل النظام أيضا في الالتزام بتطبيق الحلول السلمية الجزئية في اتفاقات نيفاشا لمنطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق، وفشل في حل أزمة دارفور رغم اتفاقيات أبوجا والدوحة.
(3) راوغ النظام في تطبيق الاتفاقات الموقعة لحل قضايا التحول الديمقراطي (نيفاشا القاهرة أبوجا وأسمرا) واستمرت انتهاكات حقوق الانسان في كل البلاد، وخاصة في مناطق الحرب وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وضعت قادة النظام في قائمة المطلوبين للعدالة الدولية .
(4) تعميق الأزمة الاقتصادية: الأساس هو موقف الراسمالية الطفيلية الاسلامية من الانتاج،وما تم من اهدار للموارد بما في ذلك عائدات البترول والمعادن وانتشار الفساد في كل مؤسسات الدولة وأوجه الحياة، ترهل جهاز الدولة والحكم الولائي، تراكم الديون الخارجية والمحلية، تصفية مؤسسات القطاع العام ،وافقار مؤسسات وشركات القطاع الخاص، التدهور المستمر فى مستوى المعيشة وزيادة معدلات التضخم وتدهور قيمة العملة الوطنية .
(5) تدهور الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة .
(6) عزلة السودان الدولية، رغم رهن القضايا والصراعات الوطنية للدول الأجنبية، فالسودان يخضع للعصا ولا يناله من الجذرة حظ.
(7) تزوير الانتخابات .
أكدت دورة اللجنة المركزية في يونيو 2012 طبيعة النظام بقولها:
“هي سلطة الرأسمالية الطفيلية الاسلامية بكل مكوناتها المدنية والعسكرية والمرتبطة بمؤسسات الرأسمالية العالمية ولاستمرار بقائها فهي تستند على:-
1- مصادرة الديمقراطية واستمرار قمع الحركة الجماهيرية.
2- الاستمرار في نهب الفائض الاقتصادي.
3- الإصرار على الحرب وتمزيق الوطن .
4- التفريط في السيادة الوطنية والخضوع للدوائر العالمية خاصة المرتبطة بأمريكا.
5- العمل على خلق الفرقة بين أطراف القوى الوطنية المعارضة.” (ص 13)

الفصل الثاني:
1- المسألة القومية
إن أبرز سمات الأزمة في السودان هى فشل الحكومات المتعاقبة في التصدي للمسألة القومية في السودان والتي كان حلها يشترط أولا الاعتراف بالتعددية الإثنية والثقافية لأهل السودان، ولحقيقة أن الاستعمار قد ترك تطورا غير متوازن في البلاد لأنه لم يهدف أساسا لتطوير البلاد بقدر حرصه على نهب مواردها واقامة المشروعات التي تخدم ذلك الهدف من مدن تجارية والأسواق التي تجمع ما ينتج من صمغ عربي وحبوب زيتية ومراكز لبسط الأمن ومشاريع لإنتاج القطن والمحاصيل الزراعية التي تحتاجها مصانعه، بينما تركزت الخدمات التعليمية والاقتصادية وفقا لهذا التطور الاقتصادي الشائه.
جوهر المسألة القومية:
إن جوهر المسألة القومية في السودان يرتكز على حقائق مهمة:
1- لم تهدف السياسة الاستعمارية لتوحيد السودان وتفاعل شعوبه وتطور أقاليمه، بل أن قانون المناطق المقفولة والحفاظ على النظام القبلي وتقنينه وتركيز الاستثمارات الاستعمارية لخدمة أهداف الاستعمار في مجالات الانتاج والخدمات قاد الى تطور غير متوازن ومتساو للبلاد ومثل عائقا امام تفاعل أهل السودان .
2- إن مناهضة الاستعمار في السنوات الأولى تمت على أساس قبلي ومحلي ولكن بعد مرحلة ثورة 24 تصاعدت حركة مؤتمر الخريجين وتكونت الاحزاب السياسية وتفاعلت الحركات العمالية والطلابية مع جماهير الشعب السودانى وتوحدت جماهير القوى الشعبية فى النضال ضد المستعمر .
3- أدى الاستقلال لاستيلاء حلف طبقي يتكون من الارستقراطية القبلية والدينية والراسمالية السودانية والبيروقراطية المدنية والعسكرية، وكان معظم مكونات الحلف من أواسط السودان الشمالي نتيجة للتطورغير المتوازن في البلاد وقد استمر ذلك الحلف الطبقي على طريق السياسة الاستعمارية.
4- كان رد الفعل التمرد في الجنوب وقيام حركة جنوبية تطالب بالفدريشن وقيام مؤتمر البجة وأتحاد جبال النوبة ومنظمة سوني واللهيب الأحمر في دارفور واتحاد شمال وجنوب الفونج، وكان المطلب الأساسي لتلك التنظيمات هو تطوير مناطقهم ومشاركتهم في السلطة في ادارة مناطقهم وفي السلطة المركزية.
5- كان من إنجازات ثورة أكتوبر الإعتراف بوجود مشكلة في الجنوب، وعقد مؤتمر المائدة المستديرة لمناقشتها وإنبثاق لجنة الإثني عشر عن المؤتمر لمواصلة المناقشة للوصول لصيغ مقبولة لكافة الأطراف، ولكن لجنة الإثني عشر فشلت في إيجاد حل مشترك واستمرت الحرب .
6- من إنجازات ثورة أكتوبر نهوض حركة ديمقراطية واسعة في الريف، ولكن عدا الجنوب الذي أستمر فيه العمل المسلح، فإن طلائع الريف في الشرق والغرب والشمال لجأت لتكوين منظمات إقليمية واتحادات قبلية للمطالبة السلمية وعبر الوسائل الديمقراطية،عن مطالبها المحلية والمتعلقة بالحكومة المركزية، ونشأت تنظيمات مثل مؤتمر البجة 1958 واتحاد جبال النوبة وهذه شاركت فى الانتخابات عامي 1965 و1968 ونالت مقاعد في البرلمان ، ونشأ تنظيم جبهة نهضة دارفور كتنظيم يطالب بحقوق آل دارفور في التنمية وفي تمثيل أبناء الإقليم لمناطقهم ، وتكونت أتحادات قبلية وإقليمية أخرى ذات مطالب محلية في التنمية والخدمات وتصفية الإدارة الأهلية.
7- قطع إنقلاب مايو تطور تلك الحركات بحلها ، وبالتالي كبت صوت طلائع الريف في نفس الوقت الذي حل فيه الإدارات الأهلية ، والتي كانت الشريك في الكتلة الحاكمة، فإن مناطق وقوميات كاملة لم تعد ممثلة في السلطة الحاكمة في الوقت الذي تواصل فيه النمو غير المتوازن بالبلاد وتدهورت فيه إدارة الموارد المحلية والإقليمية والمركزية، مما افقد الريف السودانى التمثيل فى السلطة، و زاد من عدم عقلانية وعدالة تخصيص الموارد واهدار الموارد الطبيعية وتمكين برجوازية الوسط من استغلال موارد معظم أقاليم السودان متحالفة مع أبناء وأحفاد الأرستقراطية القبلية (الإدارة الأهلية السابقة) التي إنتقلت للإستثمار الرأسمالي (الاستثمار في الزراعة الآلية وفي الشراكات لزراعة الحبوب الزيتية وفي الاستثمار في الماشية)، متحالفة مع البيروقراطية العسكرية والمدنية وقيادات الاتحاد الاشتراكي الذين تمتعوا بسلطات مطلقة مستمدة من السلطة الديكتاتورية، فتدهورت القوى المنتجة واصبح الانتاج السلعي يزحف على القطاعات المعيشية ويستغلها مرة في الانتاج ومرة في العمليات التجارية (تجارة الماشية والمحاصيل وتوزيع السلع الإستهلاكية) وتدهورت الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة في معظم مناطق السودان، وبدأت ظاهرة المظاهرات والاعتصامات في الأقاليم ، مما دفع نظام نميري لإدخال نظام الحكم الإقليمي والذي يهدف الى تصدير ازمات المركز الى الأقاليم. وفي المقابل فقد زادت معدلات الصدامات القبلية بين قبائل الرعاة والقبائل الزراعية وأصبحت مسألة المراحيل والمراعي والوصول لمصادر المياه قنابل مؤقتة تتفجر كل موسم صيف او فترة جفاف.
8- فشل نظام الحكم الإقليمي في حل المسألة القومية في السودان، وذلك لأن الحكم الإقليمي تم تحت نظام ديكتاتوري رئاسي، مما يجعل من حكام الأقاليم صور زائفة لرئيس الجمهورية، خاصة ان تقسيم الأقاليم لم يصطحب معه تخصيصا للموارد بحيث تحل قضية التنمية غير المتوازنة والتوزيع غير العادل للخدمات. كما أن وجود النظام الديكتاتوري ونظام الحزب الواحد جعل المنافسة بين أقسام البرجوازية الصغيرة المنتمية لقبائل الهامش التي طمعت في وراثة بيروقراطية الوسط – شمالية، ترتد للقبلية للبحث عن الدعم والسند في تقسيم المناصب السياسية والإدارية وتوزيع ما يجود به المركز من موارد شحيحة.
9- من جانب آخر فقد فشل نظام مايو 1969 في تنفيذ الحكم الذاتي الإقليمي في الجنوب الذي تبناه في إيامه الاولى، ذلك أن الحكم الإقليمي الذاتي كحل للمسألة القومية يفترض نظاما ديمقراطيا، وقد أدى التناقض بين الطبيعة الديمقراطية والبرلمانية للحل والديكتاتورية العسكرية المركزية في النهاية لتغول الديكتاتورية وعدم إلتزامها بالديمقراطية وخرقها لبنود اتفاقية اديس ابابا المتعلقة بالحكم الاقليمي الذاتي. إن إتفاقية أديس أبابا فشلت في حل المسألة القومية فيما يتعلق بجنوب السودان ، مما أدى لاشتعال الحرب الأهلية من جديد.
10- لم تستطع الديمقراطية الثالثة التي اعادت النادي الحاكم التقليدي للسلطة وفقا لانتخابات 1986 أن تحل المسألة القومية رغم الاتجاه نحو تعيين أعضاء فى مجلس السيادة من الجنوب ودارفور، ووزراء من أقاليم السودان المختلفة، فأستمرت حرب الجنوب وظل شعار مؤتمر دستوري قومى لحل كل قضايا السودان بما في ذلك المسألة القومية عموما وحل قضية الجنوب خصوصا، ورغم أن جهدا بذل لعقد المؤتمر الدستوري والتفاوض لانهاء الحرب إلا ان إنقلاب 30 يونيو جاء ليوقف تلك الجهود ويعود بالبلاد من جديد للديكتاتورية العسكرية الشمولية.
11- إن الخط العام لديكتاتورية إنقلاب يونيو 1989 كان خطا إستعلائيا سعى لتقسيم القوميات والأقاليم لولايات صغيرة على اساس تكوينات قبلية، ودون مد هذه الولايات بموارد تواجه بها قضايا التنمية المتوازنة. إن أساس ذلك الخط السياسي هو عدم الإعتراف بالتعدد العرقي والثقافي والديني لأهل السودان، وتبني نفس السياسة الممتدة من عهد الاستعمار في تركيز الاستثمارات (على قلتها) والخدمات في أواسط السودان، ومحاولات ضرب القبائل بعضها ببعض، وتسليح القبائل العربية في مناطق التماس وخلق صراع حول الموارد مع القبائل غير العربية. وقد أدى ذلك لتحول الصراع السلمي حول المطالب العادلة لجماهير الأقاليم الأقل نموا والتي أصبح يطلق عليها الأقاليم أو المناطق المهمشة، قد تحول لصراع مسلح بفضل سياسات ومواقف حكومة الطفيلية الإسلامية . وكانت نتيجة هذا أن إشتعلت البلاد بالحروب الإقليمية في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق إلى جانب الحرب التي كانت مشتعلة في الجنوب قبل نيفاشا والشرق قبل اتفاقية أسمرا.
الحزب الشيوعى والمسألة القومية:
ظل موقف الشيوعيين السودانيين من المسألة القومية واضحا منذ أيام الحكم الذاتي عندما لم يكن مطروحا على الساحة الوطنية غير ما سمي بمشكلة الجنوب، فقد أوضح الحزب الشيوعي والجبهة المعادية للإستعمار أن الحل الذي قدماه للمسألة الجنوبية يمكن أن ينطبق مستقبلا على أي إقليم أو قومية تطرح الظروف حاجتها للحكم الذاتي الإقليمي، وإلى جانب ذلك طرح الحزب الشيوعي في برامجه الصادرة من المؤتمر الثالث والرابع وفي وثيقة عبد الخالق محجوب حول قضايا البرنامج وبرنامج مؤتمره الخامس وفي وثائق عديدة من بينها كتيبه “القطاع التقليدي والثورة الوطنية الديمقراطية” الصادر عام 1976، وفي وثيقته التي أعدت للمؤتمر الدستوري خلال الديمقراطية الثالثة، برامج عملية لتطوير الريف والأقاليم بهدف إحداث التنمية المتوازنة وعدم ترك الريف لإستغلال قوى السوق الرأسمالي التي تهدر وتحطم الموارد وتنهبها وتستغل المنتجين والمستهلكين معا.
ظل الحزب الشيوعي وما يزال يعترف بالتعدد العرقي والثقافي واللغوي والديني والنوعي لأهل السودان، ويدعو للإعتراف بتلك التعددية وإحترامها والعمل مع شعوب السودان جميعا لتطوير ثقافاتهم ولصيانة حرياتهم في عقائدهم المتعددة . وأن تحريرهم من أي عادات أو ثقافات بالية لا يتم بفرض ثقافة أو دين عليهم، بل بنشر العلم والمعرفة وتطوير سبل كسب عيشهم وتمكينهم من إنشاء تنظيمات ديمقراطية ومدنية تخدمهم ويثقون فيها. إن نشر الديمقراطية والتنمية وخدمات التعليم والصحة والمياه والكهرباء وسبل النقل والمواصلات والاتصالات في خلايا المجتمعات السودانية هو السبيل لتطور تلك المجتمعات، وهو السبيل الحقيقي لحل المسألة القومية.
إن المسألة القومية في السودان لا يمكن حلها بالحرب بين المركز ومكونات السودان الإقليمية والإثنية والثقافية والدينية المختلفة، ولا بفرض ثقافة واحدة أو هوية واحدة على كل مكونات السودان، وإننا ننظر لجماهير الريف والأقاليم من زراع ورعاة ومثقفين ومتعلمين وتجار كجزء أصيل من قوى الثورة الوطنية الديمقراطية، لأن برنامج تلك الثورة والذي يتبناه الحزب الشيوعي هو الكفيل بنشر السلام والديمقراطية والتنمية المتوازنة. إننا نرى في البرامج والمواثيق التي تنشرها طلائع هذه الجماهير في تنظيماتها المختلفة كثير من معالم وتفاصيل البرنامج الوطني الديمقراطي. إن نهوض هذه الحركات يحقق إستقراءنا للتاريخ عندما توصلنا قبل أكثر من أربعين عاما أن الريف سينهض بطريقته، وسيكتشف الأشكال الملائمة لتنظيمه. ورغم أن خطنا السياسي يتبنى النضال السلمي لتحقيق برنامج الثورة الديمقراطية،إلا أننا نقدر أن قطاعات من جماهير شعبنا قد أضطرت لمقاومة ديكتاتورية 30 يونيو لرفع السلاح، وأن إزالة الديكتاتورية وعودة الديمقراطية يفتح الطريق من جديد لكل قوى الثورة الوطنية الديمقراطية في كل انحاء السودان للوحدة وللنضال السلمي لإستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية.
إن الحزب الشيوعي السوداني يرى أن إستعادة الديمقراطية وعقد المؤتمر الدستوري القومى والتوافق على دستور ديمقراطي يعترف بالتعددية الثقافية والدينية ، ويؤسس للحقوق والواجبات المتساوية للمواطنة السودانية وإحترام الحقوق الأساسية لأفراد وجماعات السودان ، ويؤسس لقيام دولة مدنية ديمقراطية تكفل حق أهل السودان في حكم أنفسهم من القرية إلى المركز، وفقا لحكم محلي وإقليمي قائم على الوحدة الجغرافية والتاريخية لأقاليم السودان، ويؤطر لأسس عادلة لتقسيم الموارد والثروات بينها ويشكل خطوات هامة في سبيل حل المسألة القومية ولا بد من إنجازها والإتفاق عليها في ظل أي نظام إنتقالي يقوم على أنقاض ديكتاتورية يونيو.
أن ذلك يفتح الطريق لحل المسألة القومية، التى تكتمل بالتنمية المتوازنة والتقسيم العادل للخدمات، والذي ينهض بكل المناطق فى السودان،ويتطلب ذلك الإنتقال الإعتراف بالتعددية من الإعتراف الدستوري الشكلي لتنفيذ حقيقي له يطور الثقافات المتعددة ويفتح أمامها أجهزة الدولة الإعلامية والثقافية ويقنن ويساعد منظمات المجتمع المدني التي تعمل في مجالات تطوير الثقافات الشعبية. و لا بد ان يرتكز على قاعدة من ديمقراطية التعليم والثقافة المستندة على ديمقراطية سياسية واجتماعية واسعة وعميقة.
فشل حل المسألة القومية هو فشل استمر منذ الاستقلال،و قد أدى الى إنفصال الجنوب و ابرام اتفاقية هشة للسلام غير مجدية في الشرق وتواصل الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق .
2- انفصال الجنوب
يعتبر انفصال الجنوب أكبر كارثة في تاريخ السودان الحديث. وهو التعبير الحقيقي عن عمق الأزمة السودانية العامة وأزمة ديكتاتورية نظام الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة على وجه الخصوص. انفصال الجنوب هو مثال عملي على فشل حل المسألة القومية في السودان بجوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. إن إنفصال الجنوب هو تجسيد لفشل سيادة قومية وثقافة واحدة على مجمل قوميات وثقافات البلاد المتعددة وعن فشل تركيز التنمية والثروة في إقليم أو منطقة محددة. إن إستخدام الطبقات المهيمنة الإستعلاء القومي والثقافي كغطاء آيديولوجي لإستغلال أهل السودان لم يحقق غير تمزيق البلاد. وإنفصال الجنوب هو أيضا تجسيد لما يمكن أن تؤدي إليه محاولة الحل العسكري والعنف من تمزيق الشعور الوطني. إنه دليل واضح على فشل سياسة الحلول العسكرية للقضايا القومية و التنمية الاقتصادية المتوازنة والإعتراف بالتعددية الثقافية والعرقية.
إن إنفصال الجنوب لم يكن حتمية تاريخية ، بل نتيجة منطقية لمجمل السياسات التي أتخذتها الدولة السودانية التي سيطر عليها تحالف الأرستقراطية الدينية والقبلية ورأس المال التجاري والبيروقراطية العسكرية والمدنية من أواسط شمال السودان بشكل عام ، ولانفراد راس المال التجاري الاسلاموى الطفيلي بالسلطة منذ 30 يونيو 1989.
ظل الشيوعيون السودانيون يقدمون برنامجا مختلفا لحل المسألة القومية عموما ولحل مسألة الجنوب تحديدا، ينهي الصراع بين الجنوب والشمال، بل و لتفادي الصراع داخل الشمال نفسه.
موقف الحزب الشيوعي التاريخي من قضية الجنوب:
كان للحزب الشيوعي موقف مبدئيً متسق ليس بالنسبة للجنوب وحسب، بل لوحدة كل السودان. وكان الحزب رائداً في طرحه لفكرة أسس جديدة ديمقراطية لوحدة السودان، تقوم على الاعتراف بالفوارق الثقافية ، والتنمية المتوازنة ، وحق كل قومية في استخدام لغاتها المحلية في التعليم ،وقيام دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع غض النظر عن أعراقهم وأديانهم ومعتقداتهم .
أوردت صحيفة الصراحة في 2891954 بيان الجبهة المعادية للاستعمار الذي جاء فيه: ” تري الجبهة أن حل مشكلة الجنوب تتم على الأساس التالي: تطور التجمعات القومية في الجنوب نحو الحكم المحلي أو الذاتي في نطاق وحدة السودان. ونحن حينما نقدم هذا المبدأ لحل مشكلة الجنوب نقر بأن الوضع الحالي للقوميات في الجنوب ليس مدروساً لدينا ولا لدى غيرنا في العاصمة، وأن دراسته تقتضي الذهاب إلى هناك أو تجئ هي من هناك. ولكننا نرى أن هذا المبدأ الوحيد وبطبيعته يعتمد على الظروف. فإذا كانت ظروف قومية واحدة أو عدة قوميات في الجنوب ورغبة أهلها تقتضي قيام حكم محلي أو ذاتي فلهم الحق في ذلك.”
ركز الحزب الشيوعي، على هذا الطرح في مؤتمره الثالث المنعقد في فبراير 1956. وقاوم انقلاب نوفمبر 1958 الذى فرض الحل العسكري واللغة العربية والأسلمة القسرية. وفي مؤتمر المائدة المستديرة في العام 1965 أكد الشهيد عبد الخالق ذات المبادئ.
بعد دراسة الحزب الشيوعي لحقيقة الواقع في الجنوب ربط قضية الحكم الذاتي الإقليمي في إطار الوحدة وترسيخها بالقضايا الاجتماعية التي تهم المواطن الجنوبي ونعرض أهمها:
المطالبة بالأجر المتساوي للعمل المتساوي بين العاملين الشماليين والجنوبيين.
الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوسيع التعليم والعلاج والخدمات في الجنوب.
إلغاء ضريبة الدقنية.
إلغاء قانون المناطق المقفولة الذي كان من الأسباب التي عرقلت التطور المتوازن بين الشمال والجنوب.
وحدة الحركة النقابية في الشمال والجنوب.
عدم فرض اللغة العربية والدين الإسلامي بالقهر وترك ذلك للتطور والتلاقح الطبيعي وحرية الفرد.
استبعاد الحل العسكري وضرورة الحل السلمي الديمقراطي والعض على وحدة السودان بالنواجز.
خلال تمرد 1955 دعا الحزب الشيوعي لمعالجة الموضوع بالحكمة والصبر بدلاً من الاتجاهات الداعية للعنف والانتقام.
في برنامجه الصادر من المؤتمر الرابع في العام 1967 ، أكد الحزب الشيوعي الارتباط الذي لا تنفصم عراه بين الحكم الذاتي الإقليمي، وسائر المهام الوطنية والديمقراطية للثورة السودانية. كما أكد أهمية وحدة السودان.
موقف الحزب الشيوعي السوداني من اتفاقية أديس أبابا1972:
تبنى نظام مايو الانقلابي 1969 اطروحة الحزب الشيوعى حول حل مشكلة الجنوب ( الحكم الذاتى الاقليمى ) وكان الشرط الاساسى لنجاحه وفق ما صاغه الشهيد جوزيف قرنق هو استنهاض حركة جماهيرية ديمقراطية فى الجنوب بمساندة القوى الديمقراطية فى الشمال باعتبار ذلك هو الضمان الوحيد ليكون الحكم الاقليمى الذاتى حكما ديمقراطيا يمثل رغبة جماهير الجنوب لحكم انفسهم وتحقيق مصالحهم فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنهوض الثقافى
اكدت تجربة اتفاقية اديس ابابا 1972 خطل حل المسألة القومية فى السودان تحت نظام ديكتاتورى شمولى وان تبنى برنامجا تقدميا . فقد نقلت الاتفاقية عند التطبيق فى اطار النظام المايوى الحكم في الجنوب لعناصر غير منسجمة من العسكريين والمتعلمين الجنوبيين ، الذين لم يستنهضوا حركة جماهيرية ولم يلجأوا لتنظيم الجماهير أو اشراكها في حل مشاكلها. ولهذا تنبأ الحزب الشيوعي بفشل التجربة بعد شهرين من توقيع تلك الاتفاقية. وذكر أن هذه الاتفاقية لن تؤدي إلى الاستقرار بل تحمل في طياتها أزمات ومشاكل ساخنة سرعان ما تتفجر في الصراع على السلطة وفي مواجهة المواطنين الجنوبيين. وصدق ما قاله الحزب.
إن محور الصراعات في الجنوب بين جماعات الانيانيا وواجهاتها السياسية، دارت حول الاستيلاء على السلطة الإقليمية و احتلال مكان الصدارة فيها ،ونهب موارد الجنوب. والواقع ان الصراع في الجنوب بين فصائل العمل السياسي اليمينية الجنوبية التي استولت على السلطة، أو التي مثلت المعارضة الرسمية في البرلمان الجنوبي لم يدور حول تعميق الديمقراطية في المجتمعات الجنوبية، أو تطوير الإقليم الجنوبي عبر برنامج أو خطة لتنمية الانتاج والخدمات ، باعتبار أن الديمقراطية والتنمية هما جوهر الحكم الذاتي الإقليمي وانما كان حول تقسيم المناصب ونهب المال العام. وبالطبع كانت الاتفاقية تحمل تناقضا جوهريا، فهي تنشئ حكما برلمانيا في الجنوب، في ظل جمهورية رئاسية شمولية في البلاد. وكان لا بد للتناقض بين الطبيعة الديمقراطية للحكم الذاتي والدكتاتورية الشمولية التي تعم البلاد أن يتصادما . وان ينفجر ذلك التناقض بالتدخل المباشر لرئيس الجمهورية، وسعي الأطراف المتصارعة فى الجنوب لإستمالته لموقفها، بدلا عن الاحتكام للجماهير. وانفرد نميري بتعديل قانون الحكم الذاتي بغير ما ينص عليه القانون مقسما الإقليم لثلاثة أقاليم، وتدخل في الإنتخابات الإقليمية. وأثارت تلك الأحداث غضب الجنوبيين، وكان لابد من انفجار الحرب الأهلية من جديد . ونشأت الحركة الشعبية لتحرير السودان لتعبر عن رؤية جيل جديد فى الجنوب أستوعب أن حل مشكلة الجنوب ليس في إنفصاله ، وإنما في تأسيس سودان جديد يقوم على المواطنة والديمقراطية والتنمية المتوازنة. وقد كان موقف الحزب – الذي أكدته اللجنة المركزية – أن مواجهة مشاكل الجنوب بعد اتفاقية أديس أبابا ليس قبولها كأمر واقع وشر لابد منه. بل لا بد من وحدة نضال شعب السودان في الشمال والجنوب للإطاحة بسلطة السفاح نميري و أعوانه الجنوبيين والشماليين واستعادة الشعب لحرياته وحقوقه وحل مشكلة الجنوب حلاً ديمقراطياً سلمياً على هدى بيان 9 يونيو1969.
انتفاضة مارس – إبريل وقضية الجنوب:
فتحت الإنتفاضة في مارس- إبريل 1985 التي أطاحت بنظام مايو 1969 الديكتاتورى الطريق من جديد أمام إمكانية الحل السلمي الديمقراطي لمشكلة الجنوب، ورغم موقف الحركة الشعبية من الإنتفاضة واصرارها على استمرار الحرب إلا أن محاولات القوى السياسية وقوى المجتمع المدني التي بذلت جهدا كبيرا لفتح الطريق أمام المفاوضات بين هذه القوى والحركة الشعبية ، وبين الحكومة والحركة الشعبية، رغم وصف الحركة لحكومة الانتفاضة بأنها مايو 2 . وتواصلت الاجتماعات في كوكادام وآمبو وأديس ابابا والنرويج وكانت قمتها مبادرة الميرغني قرنق .
لم يكف الحزب الشيوعي، ضمن القوى السياسية والمدنية الأخرى، عن السعي الحثيث من أجل حل سلمي وطرح شعار المؤتمر الدستوري القومى الذي يناقش قضايا البلاد جميعها: قضايا المواطنة والديمقراطية، والتنمية المتوازنة، ويحل ليس مشكلة الجنوب فقط بل كل القضية القومية والمناطق الأقل نموا في البلاد ويحدد كيف يحكم السودان بشكل ديمقراطي. وقدم حزبنا تصوره مكتوبا في سبيل الإعداد للمؤتمر الدستوري. وقد تبنت القوى السياسية وحكومة الوحدة الوطنية التي تكونت في مارس 1989 شعار المؤتمر الدستوريالقومى .
فتحت تلك الجهود جميعها الطريق لمفاوضات جادة بين حكومة الوحدة الوطنية والحركة الشعبية, تهدف لعقد مؤتمر دستوري قومى يبحث قضايا تطور السودان ككل. ولكن إنقلاب 30 يونيو 1989 قطع عمدا وبتخطيط مسبق الطريق على تلك المفاوضات، وصعد الحرب على أسس جهادية دينية راح ضحيتها آلاف المواطنين من الشمال والجنوب.
الحزب الشيوعي وقضية تقرير المصير:
بعد أن تعقد الوضع واشتعلت نيران الحرب بعد انقلاب يونيو 1989م ، وفشلت كل المفاوضات الثنائية بين النظام والحركة الشعبية، وأدت التغييرات السياسية في أثيوبيا ، والصراعات داخل الحركة لإنشقاق الحركة ، وفشلت مبادرة الإيقاد في الوصول لإعلان مبادئ يوافق عليه طرفا الصراع المسلح الحكومة والحركة الشعبية. بدأت التيارات الإنفصالية والحكومة طرح مسألة تقرير المصير. وتبنت الحركة الشعبية شعار تقرير المصير في نطاق صراعها مع التيار الإنقسامي الذي يطرح الإنفصال. ولقد لخص الخطاب الداخلي الموجه للشيوعيين والديمقراطيين من سكرتارية اللجنة المركزية في أبريل 1994 المسألة في النقاط التالية:
1- أن الشعار قد أصبح من معطيات السياسة السودانية بعد إتفاق الحركة الشعبية ومجموعة (مشار ) حينها عليه وفقا لضغوط أفريقية وغربية لتوحيد جناحي الحركة ونظر للشعار كحل وسط بين موقف الحركة الداعي للوحدة وجناح مشار والناصر الداعي للانفصال أو الكونفدرالية.
2- الدعوة لتقرير المصير استندت على عدم ثقة اجنحة الحركة والدول الافريقية والعربية في مصداقية الاحزاب الشمالية الكبيرة تجاه الحل الديمقراطي لمشكلة الجنوب وبصفة خاصة مسألة فصل الدين والدولة.
رأى الحزب حينها أن تلك المخاوف تتجاهل المتغيرات في الحركة السياسية خاصة ميثاق التجمع واتفاق الحركة والأحزاب السياسية في نيروبي، وطرح الحزب ضرورة الاطاحة بدكتاتورية المؤتمر الوطنى أولا لأن حق تقرير المصير كحق ديمقراطي لا يمكن ان يمارس فى ظل حكم ديكتاتورى. وتقدم الحزب حينها باقتراح للتجمع :
أ‌- أن يقر التجمع الوطني الديمقراطي من حيث المبدأ شعار تقرير المصير، ويوظف ما توصل اليه في الميثاق وفي اتفاق نيروبي لتنشيط وحشد عوامل الوحدة ومقوماتها وضماناتها.
ب‌- يبادر التجمع بالدعوة لمؤتمر سياسي لكافة أطراف المعارضة المنضوية تحت لوائه، أو بقيت خارجه لسبب أو آخر، للتداول في عوامل الوحدة ومقوماتها وضماناتها، وازاحة المعوقات عن طريقها، وتبديد رواسب ومخاوف الماضي وتجاربه.
ت‌- دعوة مراقبين من هيئة الآمم ومنظمة الوحدة الأفريقية والجامعة العربية لحضور المؤتمر ، والتوصل الى صيغة ملائمة تجعل من مشاركتهم بمثابة أشراف دولي على ما يجمع عليه المؤتمر، وتلتزم به المعارضة السودانية امام شعب السودان والمجتمع الدولي .
لم يكن إقتراحنا تبرئة للذمة، أو محاولة لتغطية قبولنا لتقرير المصير، ولكنه كان جهدا سودانيا في مواجهة المؤامرات الأجنبية ومخططات المؤتمر الوطنى للتقسيم. كان رفضا لحصر الحركة الجماهيرية والمعارضة بين خياري الحرب والانفصال، بل فتح الطريق أمام عمل سياسي مشترك بين دعاة الوحدة في الشمال والجنوب. وقد أثمر ذلك الجهد عن عقد مؤتمر القرارات المصيرية في أسمرا والذي وضع صيغة العمل المشترك من أجل الوحدة الجاذبة.
نيفاشا واقصاء المعارضة:
ان العوامل المختلفة داخلية وخارجية قادت الى توازن القوى بين الطرفين، فمنذ منتصف العام 2002 بدأ يتضح اقتراب نهاية الحرب بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة د. جون قرنق، عبر التسوية السلمية. في الفترة 1997-2001 ونتيجة للنضال المثابر لشعب السودان من اجل السلام، والهزائم المتلاحقة التي واجهها جيش الحكومة وبفضل الدعم العالمي للحركة الشعبية ، وصل توازن القوى بين الطرفين الحد الذي يفرض فيه الحل السلمي طالما فشل كل طرف في هزيمة الطرف الآخر.
في ذلك الوقت تبلورت المبادرة المصرية الليبية وحدث تقدم ملحوظ في إطار توسعة الإيقاد والسعي لاعتماد التجمع الوطني الديمقراطي طرفاً أصيلاً في المفاوضات. إلا أن تهميشاً متعمداً قد تم للمبادرة المصرية الليبية ثم تم تجاهلها بهدف إبعاد التجمع و دولتي المبادرة من لعب أي دور في المفاوضات. وأرادت سلطة المؤتمر الوطنى وبعض دول الإيقاد وأصدقاؤها أن تنحو المفاوضات منحى آخر. ولم تكن الحركة الشعبية لتحرير السودان بعيدة عن ما يدور في هذا الصدد. ووضح فيما بعد أن هذه كانت الخطوة الأولى في التأمر على فصل الجنوب. إن موقف الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى خاصة بريطانيا قد أتخذ منهجا يفضي للإنفصال بالإصرار على فصل قضية الجنوب من الأزمة العامة التي كان ومازال السودان يواجهها وفي مقدمتها قضية الديمقراطية والحقوق الأساسية لكل مواطني وقوميات السودان.
رغم ذلك وفي البيان الذي أصدره الحزب الشيوعي في نوفمبر 2001 بعد الاجتماع الذي عقد في أسمرا في الفترة 29/11- 2/12/2001 للتجمع الوطني الديمقراطي. أوضح الحزب موقفه الناقد لاتفاقية السلام الشامل، وذكر أنها طالما تؤدي في النهاية إلى وقف الحرب وتوقيع اتفاق سلام دائم ودستور ديمقراطي ينهي هيمنة الحزب الواحد فإننا ندعم كل ما هو إيجابي فيها مثل تكريس الوحدة الطوعية والتحول الديمقراطي وأن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات. والاعتراف بالتعدد الثقافي والديني والالتزام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
أكتسب الحل السلمي زخماً بتوقيع بروتكول مشاكوس في 2 يوليو 2002 وزاد بريقاً بعد اتفاقية الترتيبات الأمنية في سبتمبر 2003 وتحول إلى واقع ماثل عندما تم توقيع الاتفاق الإطاري لبروتوكول قسمة السلطة واتفاقية جبال النوبة والنيل الأزرق و أبيي في 26 مايو 2004 .
*جاء في بيان الحزب الشيوعي عن الاتفاقية ما يلي:-
ترحيب بالجهد المقدر الذي تقوم به مبادرة الإيقاد والمجتمع الدولي في رعاية المفاوضات الدائرة بين الحركة الشعبية وحكومة الخرطوم.
الاتفاق يشكل أساسًا يمكن البناء فوقه عبر الصراع السياسي لمختلف القوى السياسية وعبر تنسيق مواقف هذه القوى.
أبرز إيجابيات اتفاق نيفاشا هو الاعتراف بالأزمة الشاملة وبواقع التعدد والتنوع العرقي والثقافي والديني في السودان.
اقرار مبدأ تقرير المصير كآلية لتحقيق الوحدة الوطنية والاتفاق على فترة انتقالية وحكومة انتقالية قومية ذات قاعدة عريضة تشمل كافة قوى المعارضة بأحزابها وفصائلها المختلفة .
وضع دستور انتقالي ديمقراطي تشارك في صياغته كل القوى السياسية وإقرار الديمقراطية التعددية وقيام انتخابات حرة تحت رقابة دولية وإقرار كافة مبادئ حقوق الإنسان وتضمينها في الدستور.
حذر الحزب الشيوعي في نقده للاتفاقية الذي أكده في المؤتمر الخامس للحزب فيما يلي:-
أولاً: حصر المفاوضات في طرفين، رغم أن الأزمة السودانية في خلفياتها التاريخية وتجلياتها السياسية والاجتماعية، أزمة عامة وشاملة وبالتالي فإن التفاوض الثنائي لن يقود إلى حل مستدام لها.
لقد كان التفاوض الثنائي مفهوماً عندما بدأت المفاوضات في أيامها الأولي لمعالجة مشكلة الجنوب وحده، ولكنها عندما اتسعت لتشمل كل قضايا البلاد بما فيها السلطة والثروة وحتى الميراث، رفع حزبنا صوته عالياً مطالباً بقومية الحل وضد ثنائيته طالما تعرض الحوار لمعالجة قضايا قومية ومصيرية تهم كل شعب السودان. وحصر التفاوض في طرفين من الممكن أن يفضي إلى تعذر الاتفاق بينهما حول قضية أو أخرى أو عدة قضايا، كما حدث عند تشكيل الحكومة وقسمة السلطة والثروة والحدود وأبيي وأموال البترول. وسوف تؤدي إلى خلافات حادة من الممكن أن تنسف الاتفاقية بأكملها. وقد حدث هذا الشد والجذب عدة مرات فيما بعد مصداقاً لما جاء في بيان الحزب.
ثانياً: أن مهمة بناء السودان واستقراره بعد الحرب مهمة شاقة بحق ولا يمكن أن يقوم بها حزبان، هذا الطريق – طريق الشراكة الثنائية في الحكم- جربه شعب السودان منذ فجر الاستقلال عبر الحكومات الثنائية والثلاثية الائتلافية التي كانت تجمع بينهم لينفض تحالفهم عند أول منعرج سياسي. وتكرر ذلك خلال كل سنوات الديمقراطية،إذ سرعان ما ينكسر التحالف أمام صراع المصالح والمشاكل المعقدة لبلد في حجم قارة. فاذا كان هذا هو الحال مع أحزاب شمالية يجمع بينها الكثير من القواسم المشتركة طبقياً، فما بالك بين حزب المؤتمر الوطنى المتأسلم والحركة الشعبية والذي لا يجمع بين برنامجهما جامع، بل ما جمعهما هو الاتفاقية بكل سلبياتها التي تمنح الهيمنة على السلطة بنسبة 52% من مقاعد المجلس الوطني لحزب المؤتمر الوطنى و28% للحركة الشعبية و14% لكل القوى السياسية الشمالية و6% لكل القوى السياسية الجنوبية. وهذا في حد ذاته عنصر خطير على مستقبل الاتفاقية نفسها يضع الأغلبية لاتخاذ أي قرار في يد المؤتمر الوطني . وضح من اقتسام السلطة فى البندين ثانيا وثالثا ان هذه القسمة كرست للانفصال وملكت كل فصيل من الطرفين نصيب الاسد فى الاقليم الذى هو فيه.
ثالثا: تستأثر الحركة الشعبية فى الجنوب بـ 70% من نسبة التمثيل في الأجهزة الدستورية، وفرضت هيمنتها الشاملة على كل مفاصل الحياة. وهذه حقيقة ترفد الشمولية في النظام السياسي السوداني بأسره رغم كل الحقوق الواردة في الدستور. بينما أكتفى المؤتمر الوطني بوجود في الجنوب من خلال نسبة الـ15% التي نصت عليها الاتفاقية لمتابعة تطورات الأوضاع، ومحاولة التأثير فيها. وقد تم تهميش القوى السياسية الأخرى، فمن الواضح أن الحركة الشعبية قررت ألا تسمح لأي فصيل جنوبي آخر أن يلعب دوراً ذا شأن، وهمشت القوى السياسية الأخرى عندما قبلت بنسب التمثيل التي جاءت ضمن اتفاقية السلام الشامل، فحالت دون مشاركة التيار التقدمي الديمقراطي في المؤتمر الجنوبي الجنوبي وفي الأجهزة الدستورية بأي مستوى بل تراجعت عن أجراء أي حوار معه رغم أنها كانت المبادرة بذلك قبل التوقيع النهائي على اتفاقية السلام الشامل. ولجأت للعنف في فض المظاهرات السلمية واعتقال ناشطين في حقوق الإنسان، واقتحام الجامعات وجلد القضاة. وهو مسلك يخنق بل يغتال الديمقراطية، تماماً كما فعلت حكومات ما قبل السلام. وهو يقتفى أثر ذات الممارسات في الشمال وقع الحافر على الحافر.
رابعا: حولت نيفاشا قضية تقرير المصير لنصوص مكتوبة في الاتفاقية وفي الدستور الذي نبع عنها فالمادة 1/3 تنص على حق جنوب السودان في تقرير المصير وذلك ضمن امور اخري عن طريق استفتاء لتحديد وضعهم المستقبلي . ونصت المادة 2/ 5 اجراء استفتاء تقرير المصير عند نهاية الفترة الانتقالية التي مدتها 6 سنوات، و يجري الاستفتاء لشعب جنوب السودان و يتم تنظيمه بصورة مشتركة من جانب حكومة السودان والحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان لكي يؤكد وحدة السودان عن طريق التصويت لاعتماد نظام الحكم الذي تم وضعه بموجب اتفاقية السلام ، او التصويت للانفصال . ونصت المادة 22 على أن يجري قبل ستة اشهر من نهاية الفترة الانتقالية.
الفترة الانتقالية صراع وتحالف الانفصاليين:
أدى مقتل الدكتور جون قرنق، لتغيير في موازين القوى في الحركة الشعبية نفسها، فتسلمت قيادات انفصالية القيادة، مهمشة مجموعة قرنق الداعية للوحدة تحت ظل سودان جديد، وساهمت حكومة المؤتمر الوطني من جانبها فى تهميش هذه العناصر التي كانت تمثل الحركة الشعبية في الحكومة الاتحادية. فمنذ بداية الفترة الإنتقالية، بعد وفاة قرنق، بدأت الخلافات حول تشكيل الحكومة الانتقالية وحول تنفيذ بنود الإتفاقية. لقد كان كل خلاف بين الحركة الشعبية وبين المؤتمر الوطنى لايحسم داخل المؤسسات ،وانما عن طريق اجتماع إما مع سلفا كير أو مشار مع البشير أو علي عثمان، وفي كل الأحوال كانت التضحية بالقضايا القومية أو بقضايا التحول الديمقراطي في سبيل تعزيز سلطة الحركة في الجنوب وضمان نصيبها من عائدات البترول ومع التأكيد على الانتخابات التي تنهي الفترة الانتقالية وتعجل باستفتاء تقرير المصير، لقد كانت الحركة الشعبية تنسحب بشكل مستمر من قضايا الوطن وتحصر نفسها في قضايا الجنوب او بالأحرى القضايا التي تؤدي لتعزيز توجه إنفصال الجنوب. لقد اصبح الوضع صراع وتحالف بين الانفصاليين في الجنوب والشمال. لقد تأمرت الحركة مع المؤتمر الوطنى لتمرير القوانين المقيدة للحريات (قانون امن الدولة ,النقابات .. ) مقابل تمرير قانون الاستفتاء حيث كانت اضمرت الانفصال (بعد مقتل قرنق). بل لم تهتم بتكوين المفوضيات التي نصت عليها الاتفاقية مثل مفوضية حقوق الانسان (التي تكونت بعد الانفصال) ومفوضية الأراضي، ألخ.
جعلوا الوحدة غير جاذبة
ورد في ديباجة الاتفاقية ص13: ( أن الطرفين يدركان أن التنفيذ السلس والناجح لهذه الاتفاقية يتوقف إلى حد كبير، على حشد أغلبية شعب السودان لدعمه. ويعربان عن اقتناعهما بأن التنفيذ الناجح لهذه الاتفاقية سيوفر نموذجاً من الحكم الراشد في السودان يكفل إقامة قاعدة صلبة تجعل خيار الوحدة جذاباً وتحفظ السلام).
جاء في البند (1-1) من الاتفاقية ( الجزء أ: المبادئ المتفق عليها، ص2: ” أن وحدة السودان، التي تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه، والحكم الديمقراطي والمساءلة والمساواة والاحترام والعدالة لجميع مواطني السودان، ستظل هي الأولوية بالنسبة للطرفين. وأنه من الممكن رد مظالم شعب الجنوب وتلبية طموحاته ضمن هذا الإطار”.
بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل أخذ يتشكل المجتمع الجنوبي وبدأت ملامح الانقسام والتمايز الطبقي بالظهور،وشكلت النواة الصلبة للبيروقراطية الرأسمالية الطفيلية النامية من المتعلمين الجنوبيين (ساسة وعسكريين وموظفين كبار في أجهزة السلطة والخدمة المدنية)، نواة للرأسمالية الطفيلية في الجنوب. وأصبح جهاز الدولة الإقليمي وإداراته مصدراً أساسياً لتراكم رأس المال في يدها بالمرتبات العالية والرشوة والامتيازات واقتسام العمولات والأرباح مع رجال الأعمال والتعامل مع الشركات الأجنبية العاملة في الجنوب والاستحواذ على الرخص والمشاريع، أفرادا” وجماعات تتراكم في أيديها الملايين والمليارات من الجنيهات. وتتنافس في تشييد الفنادق والشركات ووكالات السياحة وامتلاك الأراضي والعقارات وتهريب الدولار عبر الحدود. وهي تستهدف جهاز الدولة الإقليمي كأحد أهم أدواتها لمراكمة رأس المال العام. وليس ببعيد مشاركة عدد من القيادات النافذة في حكومة الجنوب في الاعتداء على المال العام والفساد. أما في الجانب الآخر فيصطف الملايين من الفقراء الجنوبيين يعانون من الفاقة والفقر والجوع والمرض. فالفقر كان ولا يزال يشكل الهاجس الرئيسي لمواطني جنوب السودان. وهو جزء من الفقر العام الذي يعم البلاد بأسرها. ولكن ماصوره وروجه الانفصاليون الجنوبيون للجماهير الجنوبية أن ما يعانونه سببه أن الشمال يأخذ نصف عائدات بترولهم، فلا بد من الانفصال لكي تتحسن أحوالهم بالسيطرة الكاملة على مواردهم .
لم تبشر أسبقيات حكومة الجنوب في السياسة الاقتصادية بنتائج حسنة في نهاية المطاف رغم المجهودات التي تبذل في الصيانة وتعبيد الطرق. فبدلاً من مواجهة القضايا والمشاكل المستعصية التي يعاني منها المواطنون مثل الغلاء والارتفاع الجنونى في أسعار السلع الضرورية، وتأخر سداد المرتبات التي تراكمت وقادت للعديد من الاعتصامات والإضرابات. وعدم تعويض الأهالي المتضررين من الآثار السالبة للتنقيب عن البترول في مناطقهم. ولم يرد في أسبقياتها أيضاً قضايا التعليم والتدهور الصحي الذي أدى إلى انتشار وعودةالأمراض الوبائية مثل الكوليرا والسحائي والملاريا… الخ. وبدلاً من مواجهة هذه القضايا، كرست الحكومة أول ميزانية للأشهر الثلاثة الأولى لها وهي (87 مليون دولار) لتغطية احتياجات مكتب الرئيس ومجلس الوزراء والوزارات المختلفة والمجلس التشريعي. وجلبت أفخر الأثاثات والعربات باهظة الثمن ، وسفر موظفي الحكومة داخل البلاد وخارجها امتصت نسبة كبيرة من الميزانية العامة للإقليم. كما تم رفع ميزانية الجيش الشعبي بنسبة 40% أي ( حوالي 536 مليون دولار) بحجة حماية اتفاقية السلام الشامل.
هذا الصرف إلى جانب ممارسة الفساد المهول بكل أنواعه يمتصان الفوائض المفترض وضعها للتنمية. ويجعل الجماهير تفقد الأمل في الاتفاقية والوحدة. فقد صبرت هذه الجماهير كل هذه السنوات منذ الاستقلال ويجعلها تبحث عن طريق جديد تماماً يلبي طموحاتها المشروعة في الحياة الحرة الكريمة. الا ان إنفصاليو الجنوب عملوا على اقناع الغالبية العظمى من الجماهير الجنوبية بان الإنفصال هو الطريق الذي يلبي طموحاتهم .
زاد من هذه الصورة القاتمة تعنت الحكومة في قضايا تنفيذ الاتفاقية والاصرار على استمرار الدولة الدينية في الشمال ورعاية الحكومة لعناصر الانفصال الشمالية، واهمال أن الاتفاقية تنص على تعمير ما دمرته الحرب وإصلاح البيئة والبنية التحتية والتنمية والتحول الديمقراطي الفعلي، والاهتمام بمطالب واستقرار ومعيشة الأغلبية الساحقة من فقراء جنوب السودان. وهكذا عند نهاية الفترة الانتقالية وإجراء الاستفتاء تعرض خيار الوحدة للرفض من قبل جماهير الجنوب.
إن الانفصال في حقيقته الواقعية خروج قسري على اتفاقية السلام الشامل، لعبت فيه القوى الإقليمية والعالمية وعلى رأسها أمريكا دوراً ضاغطًا إلى جانب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية نفسها. وقد لخصت دورة اللجنة المركزية موقف الحركة السياسية المعارضة في الشمال في دورتها في يونيو 2011:
” ..والخطي تتسارع نحو تقرير المصير لم يكن هناك الكثير لعمله. فقد احكم الشريكان القبض علي مفاصل الاستفتاء، واكتفت قوي المعارضة بإعلان الموقف المبدئي المتمثل في الاعتراف بحق تقرير المصير وعدم إخفاء الانحياز لخيار الوحدة علي أسس جديدة، مع تأكيدها القبول بنتيجة الاستفتاء مهما كانت، مادامت العملية ستتسم بالنزاهة والشفافية. واجتهدت قوي الإجماع في تنزيل هذا الموقف علي الأرض، فسافر ممثلون عنها للجنوب، وأقيمت بعض الندوات هنا في إطراف المدن حيث مراكز كثافة الجنوبيين، وعقد التحالف عددا من الاجتماعات مع مفوضية الاستفتاء، مستنكرا الهجوم عليها من قبل النظام، كما خاطب المؤتمر الوطني محذرا ومحملا اياه مسؤولية أي تلاعب أو تلكؤ أو خروقات” (ص47)
إن نظام يونيو المتأسلم الشمولي بإصراره على نهجه الديكتاتوري وعدم تلبيته لشروط التحول الديمقراطي، تلك الشروط التي كانت ضرورية وكافية لجعل النضال ضد الإنفصال ومن أجل الوحدة ممكنا، قد جعل دعاة الوحدة في الجنوب والشمال مقيدين وغير قادرين على خوض معركة الوحدة وخلق الظروف الوطنية في الجنوب والشمال التي تجعل الوحدة جاذبة. فبدلا عن الاستجابة لمطالب الحركة السياسية بالمؤتمر الدستوري، وبتنفيذ مقررات إتفاقية السلام الشامل واتفاقيات القاهرة وأبوجا وأسمرا، استمرت في سياسات تقسيم الحركة السياسية وخلق المشاكل في الأحزاب والحركات فانقسم حزب الآمة والحركات المسلحة في دارفور وطال الانقسام مؤتمر البجة وجبهة الشرق. وفي المقابل سعت القوى السياسية الشمالية لمد جسور الوحدة واشتركت في مؤتمر جوبا لتوحيد القوى السياسية، وأدى رفض المؤتمر الوطني الاشتراك فيها لتقوية مواقع الانفصاليين. وفي الانتخابات السودانية العامة التي نصت عليها اتفاقية السلام الشامل جرى تزوير غير مسبوق لها، وجعل المؤتمر الوطني الحاكم يحتل أكثر من 95% من مقاعد المجلس الوطني ومجلس الولايات والمجالس التشريعية في الولايات الثمانية الأخرى. ولقد كان موقف الحركة الشعبية من الانتخابات هو الآخر تمهيد للإنفصال فقد فاجأوا الحركة السياسية بمقاطعة الانتخابات في الشمال وكان ذلك موضوعا للنقاش وسطها لتتخذ موقفا موحدا. صحيح أن الحركة السياسية قاطعت الانتخابات ولكن بحيثيات مختلفة.
بذل حزبنا جهده وقام رفاقنا في الجنوب بالنضال المثابر من أجل الوحدة و أقام ندوات في الجنوب داعيا للوحدة شارك فيها الزميل الراحل محمد إبراهيم نقد. وتحقق ما حذر منه حزبنا من أن إجراء استفتاء تقرير المصير دون تحقيق شروط سيادة الديمقراطية وبناء دولة المواطنة المدنية سيؤدي للإنفصال.
الوضع بعد انفصال الجنوب:
حذر اجتماع اللجنة المركزية في دورة فبراير 2011 (ص3) من أن :-
” انفصال الجنوب، واستمرار النظام الشمولي القمعي في الشمال سيدفعان بالبلاد والمنطقة إلى وضع في غاية التعقيد والخطورة. وهو وضع يتطلب منا التعامل مع قضاياه المتفجرة بأقصى درجات اليقظة و الاستعداد، سواء خلال الخمسة أشهر المتبقية من عمر الفترة الانتقالية أو في مرحلة ما بعد الانفصال والذي سيدخل حيز التنفيذ العملي في التاسع من يوليو 2011 “.
إن انفصال الجنوب لم يسفر عن تحقيق الاستقرار والأمن والسلام لا في الجنوب، و لا في الشمال. فكما ورد في دورة اللجنة المركزية يونيو 2011م، أنه بعد أقل من شهرين من استقلال الجنوب، اندلع القتال الضاري في جنوب النيل الأزرق ليلحق بدورة العنف في جنوب كردفان والتي تفجرت في مايو 2011م قبل شهرين من الإعلان رسمياً عن انفصال جنوب السودان في يوليو 2011م. ومع استمرار الأزمة في دارفور والتي لا تزال تراوح مكانها على الرغم من توقيع اتفاقية الدوحة لسلام دارفور في يوليو2011، تكتمل حلقة الحرب الأهلية في البلاد. في نفس الوقت الذي تدق فيه طبول الحرب بشدة تمهيداً لاندلاعها من جديد بين دولتي السودان وجنوب السودان.
صحيح أن الأسباب المباشرة لتجدد تلك النزاعات تعود إلى الفشل في حسم جميع القضايا العالقة في اتفاقية السلام الشامل خلال الفترة الانتقالية. كما تعبر عن فشل الدولتين في حل خلافاتهما بالطرق السلمية والحوار. خاصة تلك القضايا المتعلقة بآبيي والمشورة الشعبية في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وبتوفيق أوضاع مقاتلي الدفاع الشعبي في كل المنطقتين. وكذلك قضايا المواطنة والبترول والديون وترسيم الحدود. وأن تفاقم المعارك والقتال جاء بسبب جنوح القوة المهيمنة على السلطة في الخرطوم إلى تبني الخيار العسكري في التصدي للمشاكل التي تواجه البلاد، وأسقطت بذلك الاتفاق الإطاري الذي كان قد وقعه نافع وعقار في أديس أبابا في 28 يونيو 2011م والذي تضمن اتفاقاً أمنياً وسياسياً بشأن منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. كما بادرت بالتصعيد العسكري والقصف الجوي ضد دولة الجنوب. وصحيح أن دولة الجنوب ساهمت في قرع طبول الحرب وبشدة بتصعيدها الخيار العسكري على حساب التفاوض السياسي عندما هاجمت هجليج واحتلتها مرتين في خلال أقل من شهر.
على أن السبب الرئيسي والجوهري لتجديد تلك النزاعات وتفاقم الأزمة الوطنية الشاملة التي يعانيها السودان في الوقت الراهن، يعود إلى استمرار هيمنة حزب المؤتمر الوطني على مقاليد الحكم، وعجزه التام عن إدارة البلاد وانحيازه الكامل لحماية وتنمية مصالح الرأسمالية الطفيلية على حساب الوطن والمواطن، متجاهلاً عن قصد تام قضايا التحول الديمقراطي والتعددية واللامركزية والهوية وقومية أجهزة الدولة والتنمية المتوازنة كأولوية قصوى في ظل الوضع الاقتصادي المنهار وسياسات النظام الاقتصادية التي دفعت بالوطن ليصبح بؤرة للفساد المستشري كالنار في الهشيم ومرتعاً لتجار الحروب والمنافقين والمنتفعين من سدنة النظام وبطانته.
وتضيف اللجنة المركزية فى دورة يونيو 2012 أن مجموعة من التداعيات السياسية والأمنية صاحبت حرب هجليج، ثم تفاقمت بعد أن استعادت الحكومة السودانية المنطقة. ونرصد أهم تلك التداعيات في النقاط التالية:
توقف ضخ البترول لفترة طويلة، وبالمقابل استمرار حصار الشمال للجنوب ومنعه حركة المواد الغذائية إلى الشعب الجنوبي، مما يعني مفاقمة وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلدين وازدياد حالة العداء بينهما.
تصعيد خطاب الحرب والاستعلاء العرقي والديني، مما يهدد السلام الاجتماعي ونسف التعايش القومي والديني. واستخدام رأس الدولة للغة عنصرية كريهة تحرض على العنف الأثني والديني.
لقد سعى حزب المؤتمر الوطني الحاكم لاستثمار الوضع بعد استعادة هجليج لتجاوز الأزمة الخانقة التي يمر بها نظامه ولإخفاء ممارساته المعادية للوطن وللهروب من المحاسبة والمساءلة. فعمد إلى تضييق مساحة هامش الحريات الموجودة، وذلك من خلال تضيق الخناق على أحزاب القوى السياسية المعارضة وتخصيص الهجوم على الحزب الشيوعي والمؤتمر الشعبي واتهامهما بالخيانة الوطنية والطابور الخامس. ومصادرة الصحف ومنع عدد كبير من كتاب أعمدة الصحف من الكتابة. و واصل جهاز الأمن منع طباعة وتوزيع صحيفة الميدان لسان حال الحزب الشيوعي السوداني. وأصدر قانون رد العدوان الذي يحرم التعامل مع دولة الجنوب ويحاكم من يتعامل معها اقتصادياً. وإعلان حالة الطوارئ في المناطق الحدودية مع الجنوب. وكذلك صدر مرسوم من النائب العام لتشكيل المحاكم الإيجازية أو محاكم الإرهاب.
الطريق إلى الأمام:
إن الحزب الشيوعي السوداني بتقييمه لقضية الإنفصال لا يتخذ منهج البكاء على اللبن المسكوب ولا يحاول تبرئة الذمة مما حدث وانما يتعامل مع الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي أبرزه الانفصال بموضوعية ومسؤولية وطنية، وبالتالي ينطلق بالاعتراف بذلك الواقع الموضوعي وبوجود دولتين مستقلتين هما جمهورية السودان وجمهورية جنوب السودان، يتصفان بوجود شعب واحد، له تاريخ مشترك، صحيح أنه ملئ بالتعقيدات وبآثار نفسية عميقة نتيجة لحربين أهليتين طويليتين راح ضحيتهما آلالاف من المواطنين، ولكنهما دولتان جارتان تربط بينهما مصالح اقتصادية واجتماعية ويعيش على حدودهما ملايين المواطنين الذين ترتبط حياتهم و مصالحهم على التداخل والرعي والتجارة المشتركة عبر الحدود. ويدرك حزبنا أن إتفاقية نيفاشا رغم طرحها للإنفصال كأحد خيارات تقرير المصير، لم تحتو على كيفية تعايش الدولتين بعد الإنفصال، وبالتالي ليس أمام الدولتين سوى التفاوض لحل القضايا العالقة، وفي هذا الصدد فالحزب الشيوعي يؤيد اتفاقات سبتمبر 2012 بين الدولتين ويدعو بتطبيقها، والحزب يدرك أن هناك قوى في البلدين ضد الحلول السلمية للقضايا العالقة وأنها تسعى لعرقلتها وقد نجحت في ذلك لحد كبير، ولكن وصول الدولتين لمصفوفات في مارس- إبريل لتنفيذ الاتفاقيات يعيد الأمل من جديد في إمكانية السلام والتعاون بين البلدين. ولذا فإن الحزب الشيوعي يرى:
أولاً: مواصلة النضال لاستدامة السلام بين البلدين .وحل كل القضايا العالقة وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين الحكومتين. وكشف وتعرية أهداف دعاة الحرب والعنصرية المعادين بحكم مصالحهم الطبقية للاستقرار واستدامة الصراع.
ثانياً: العمل على خلق أوسع جبهة من أجل وقف الحرب الأهلية في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وحتى لا تصبح ذريعة لاندلاع الحرب مرة أخرى بين السودان وحكومة جنوب السودان.
ثالثاً: يواصل الحزب الشيوعي على سبيل الخروج من الأزمة وتجاوزها، طرح برنامج للتغيير الاجتماعي الوطني الديمقراطي وللحل الديمقراطي العادل للمسألة القومية والجهوية بما يقود إلى تكامل عناصر ومقومات التنمية في السودان ومن ثم إلى وحدة متينة وراسخة للوطن في إطار التعدد والتنوع. كما يقود أيضاً إلى تمكين شعب السودان من الانفلات من مخاطر النظام العالمي الجديد الذي يهدد وحدة الوطن وسيادته وهويته وحضارته وخياره الذي لا بديل له في التطور المستقل بعيداً عن نهج التبعية.
إن الحزب الشيوعي يرى إمكانية إعادة توحيد السودان على أسس ديمقراطية جديدة، ويرى أن الطريق للوحدة يمر عبر خلق علاقات جوار سلمية، وعبر تعاون إقتصادي وسياسي في كل المجالات، وعبر كفالة حق مواطني الدولتين في الحركة والإقامة والتملك والاستثمار، وهي حقوق نالها المواطنون السودانيون والمصريون والأجدر أن ينالها أبناء بلدين كانا حتى الأمس القريب بلدا واحدا.
إن طريق الوحدة يمر عبر استعادة ونشر الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وبالتالي في بلادنا ذلك الطريق يتمهد باسقاط نظام 30 يونيو وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة التي تحقق السلام وتبدأ في تحقيق التنمية المتوازنة وتعترف بالتعددية الإثنية والثقافية، حينها فقط يصبح تطوير أشكال متعددة من التعاون والتكامل تقود للوحدة من جديد جاذبا ومقنعا لمواطني الجنوب. وفي هذا الصدد فإن حزبنا يتضامن مع رفاقنا في الحزب الشيوعي لجنوب السودان وكل القوى الديمقراطية هناك في سبيل نشر الديمقراطية واحترام حقوق الانسان واستغلال موارد الجنوب من أجل تنمية الجنوب وإزالة الفقر ونشر التعليم والخدمات الصحية وإرساء دعائم بنية تحتية قوية لتنمية الجنوب. إن الجنوب الديمقراطي السائر في طريق التنمية سيكون داعما للوحدة على أسس جديدة.
3- الحرب في دارفور
مرت عشر سنوات منذ أن بدأت الحرب في دارفور، وإنطلاق الحرب في دارفور لم يكن صدفة بل هو نتاج طبيعي لعدم حل المسألة القومية بشكل عام منذ الاستقلال – وجوهرها استمرار التنمية غير المتوازنة وعدم العدالة في توزيع الموارد والخدمات واهدار الموارد الطبيعية وتحويل الفوائض الاقتصادية من الإقليم للمركز وفقا لآليات التنمية الرأسمالية، وضعف تمثيل دارفور في الحكومة المركزية- والازدراء الثقافى والعرقى المبنيان على ذلك مما أدى لتراكم الغضب الشعبي والمعبر عنه في عدة تنظيمات منذ اللهيب الأحمر وسوني وجبهة نهضة دارفور، وبتحركات مثل إنتفاضة الفاشر أيام نميري في وجه تعيين حاكم من خارج الإقليم ثم انبعاث فرع للحركة الشعبية في جبل مرة بقيادة الشهيد بولاد وما خلفه مقتله وهو أسير من مشاعر بالغبن.
صراع الموارد بين سوء إدارتها والتنمية غير المتوازنة:
كثر الحديث عن أن صراع الموارد بين القبائل الرعوية والزراعية في دارفور هو سبب الحرب في دارفور، ولكن القائلين بذلك يهملون أن الصراع حول الموارد بين الرعاة والمزارعين في دارفور وفي غيرها من مناطق السودان قديم في التاريخ، ولكنه لم يؤد لحرب أهلية، بل كانت هناك دائما آليات رسمية وغير رسمية لحل الصراع وتحديد مسارات الرحل وأنه في التقاليد القبلية لقبائل دارفور باختلاف إثنياتها كانت توجد تقاليد استقبال الضيوف ومواشيهم ممن حل بهم المحل أو الجفاف ولكن ما حدث في وبعد جفافي 1973 و1983 لم يكن ظاهرة مناخية عرضية، بل كان تعبيرا واضحا عن تدهور الموارد الطبيعية نتيجة لعدم صيانتها وتنميتها وحسن إدارتها وإستغلالها، بل لأول مرة في تاريخ الصراع حول الموارد تنحاز الدولة السودانية بحكم السياسات العنصرية لحكومة الديكتاتورية الإسلامية الطفيلية لجانب في صراع الموارد وتحويل ذلك الصراع لصراع إثني يعمل على تصفية مجموعات عرقية وإحلال مجموعات عرقية أخرى في أراضيها.
لقد رصد الباحثون عدد ثلاثين صراعا قبليا مسلحا في دارفور فى الفترة 1968-1998 منها سبعة عشر صراعا مسلحا فى عهد نظام الانقاذ بين 1989 -1997 تسعة منها في عامي 1990 – 1991 وحدهما و عقد فى نفس الفترة عشرون مؤتمرا للصلح فشلت في إحداث حل حقيقي وسلام مقارنة بعدد ثمانية مؤتمرات صلح عقدت فى الفترة بين 1937 و1982 كانت جميعها ناجحة فى تعميم السلام بين القبائل حينها. إن صراع الموارد يتعقد لغياب تنمية الموارد في دارفور فمنذ وصول خط السكك الحديدية لنيالا عام 1964 لنقل الحبوب الزيتية والصمغ العربي والماشية من دارفور، لم تنشئ الدولة أي مشروع تنموي ناجح يؤثر في حياة السكان ويطور استغلالهم للموارد ويستوعبهم في وظائف جديدة، فقد ظل مشروعا جبل مرة والغزالة جاوزت في طوري التجريب لعشرات السنين، وباء مشروع ساق النعام بالفشل الذريع، بل اسهم إدخال الزراعة الآلية في أم عجاج وهبيلا (قرب الجنينة وليست هبيلا التى بجبال النوبة) تعقيد حياة الناس المحليين أكثر من حلها لمنافسة ذلك لهم فى مناطق زراعتهم ورعيهم التقليدية، بل أن المياه الجوفية المكتشفة فى اقليم دارفور منذ الحكم الثنائي عام 1935 ظلت، إلى حد كبير في باطن الأرض ولم يستفد منها في تنمية شمال وغرب دارفوروتغيير حياة الناس . مما يعنى انه لايكفى عقد مؤتمرات الصلح بين القبائل المتصارعة فحسب لتحقيق السلام فلابد من حل اسباب الصراعات القبلية بصيانة الموارد والارض والمراعى والغابات فى الاقليم واحداث تنمية للموارد والبشر وتغيير حياتهم للافضل و ايجاد نمط ادارة قوية تقوم بذلك . وهكذا لم يؤد حل الإدارة الأهلية التقليدية، لقيام نظام فعال لإدارة الموارد ومشاكل الناس في كل دارفور، بل كانت إعادتها وتسيسها في ظل حكم الديكتاتورية الطفيلية الإسلامية وبالا فلا راعت التقاليد ولا اتجهت نحو الحداثة و الديمقراطية، مما خلق صراعا حادا داخل المجموعات القبلية، وفشلت في إيجاد الإدارة الكفؤة المطلوبة لإدارة الموارد على المستوى المحلي. وقد عقدت ازمة شح الموارد زيادة السكان وماشيتهم وتدهور المراعى وتقسيم دارفور الكبرى لعدة ولايات مما خلق ولايات متميزة بمواردها واخرى فقيرة واضعفت التكوينات الادارية الجديدة من وحدة ادارة الموارد وتكامل استغلالها.
الحرب نتيجة لغياب حكم القانون والعدالة:
عندما بدأ صراع الموارد بعد الجفاف في دارفور والساحل الأفريقي، خاصة بعد جفاف 1983-1985، فشلت الدولة في فرض سيادة حكم القانون وتطبيق العدالة، وتفاقم ذلك الوضع بشكل خاص بعد إنقلاب 30 يونيو بإجهاضه لمؤتمر الفاشر للصلح بين الفور وبعض القبائل العربية الذي كان منعقدا لحظة حدوث الإنقلاب وإنحياز الطغمة الحاكمة في الخرطوم للقبائل الرعوية التي كانت تعيش في المنطقة أو تلك المهاجرة من الساحل الأفريقي (من النيجر وتشاد أساسا)، بل ووقفت تتفرج وأحيانا مشجعة لحرق القرى وتشريد السكان وفي ذات الوقت كان رئيس الجمهورية يدعو اصحاب المظالم لحمل السلاح لأنهم لا يتفاوضون إلا مع من حمل السلاح. وهكذا إنفجر الوضع في دارفور وراح ضحيته مابين 300 الى 400 ألف قتيل بحسب الأمم المتحدة وبضعة آلاف بحسب الرئيس عمر البشير ومايزيد عن 4 مليون نازح ولاجئ و حرق 10 آلف قرية نتيجة لهجمات الجنجويد والقوات المسلحة وطلعات طيران النظام.
محاولات فاشلة للسلام واستمرار الحرب:
فشلت كل محاولات السلام في دارفور منذ اتفاقية وقف اطلاق النار في ام جمينا في 2004 مرورا باتفاقية ابوجا بين حركة التحرير جناح مناوي واتفاقية الدوحة 2012 وما بينهم وبعدهم من اتفاقيات بين الحكومة وفصائل منقسمة من الحركات الأساسية، والأسباب الأساسية للفشل:
1- إن جميع الاتفاقيات كانت ذات طابع ثنائي ولم تشمل كل الحركات التي تحارب في دارفور ولم تشترك فيها القوى السياسية الأخرى.
2- فشلت الاتفاقيات في الوصول لحلول حقيقية حول القضايا التي تسببت في الحرب: نصيب دارفور في السلطة والثروة، حل مشاكل الآرض، التعويضات، العدالة ومحاكمة مرتكبى الجرائم في دارفور، وعودة النازحين لقراهم بعد إعادة تعميرها وتعويضهم وفقا للشروط الواردة فى بنود الاتفاقيات والمعايير الدولية ،وعدم الوضوح حول معالجة قضية التنمية غير المتوازنة ، وعدم الاتفاق على حل ديمقراطي لقضية الحكم في دارفور نفسها، فشل الحكومة فى تنفيذ بند الترتيبات الامنية واستيعاب المحاربين في الخدمة المدنية والعسكرية.
3- أهملت المفاوضات بين الحركات والحكومة الحوار الدارفوري الدارفوري، سواء كان هذا الحوار بين منظمات مجتمع دارفور المدنية أو ممثلي القبائل، بل أن الحركات نفسها لم تستطع أن تجري حوارا بينها لتكون جبهة متحدة في المفاوضات مع الحكومة.
4- أهملت هذه الاتفاقيات القضية الوطنية والتي بدون حلها لاتحل مسألة دارفور وهي قضية التغيير في البنية الهيكلية للدولة السودانية واشاعة الديمقراطية والعدالة فيها، وبالتالي تمت محاولات لعلاج قضية دارفور منعزلة عن قضية الوطن ككل.
5- عدم إلتزام الحكومة بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه أدى لاحجام المجتمع الدولى فى الايفاء بالتزاماته وهذا الامر الذى أدى لانهيار إتفاقيتى أبوجا وسرت مع حركة التحرير جناح مناوي وابو القاسم امام مما أدى لعودتهم للحرب مرة أخرى .
6- تواجه اتفاقية الدوحة نفس الاشكاليات التى مرت بها اتفاقيات السابقة فى الايفاء بالالتزامات المختلفة وفقا للجداول الزمنية الامر الذى أدى الى تهديد رئيس السلطة بالانسحاب من السلطة .
7- اعتماد الحكومة على تكتيك تقسيم الحركات وإغراء أفرادها بالمناصب الحكومية ومحاولة إفساد بعضهم بالمال والإمتيازات وتكوين حركات تابعة لها.
إن فشل الاتفاقيات الثنائية ورفض فصيل (حركة التحرير جناح عبد الواحد ) أي إتفاق أو مفاوضات مع الحكومة ورفض فصيل (حركة العدل والمساواة) بعد مفاوضات طويلة ومتعددة لمقترحات الحكومة والوسطاء وعودة فصيل (حركة التحرير جناح مناوي) للحرب من جديد، ثم دخول الثلاثة في تحالف مع الحركة الشعبية قطاع الشمال وتكوينهم للجبهة الثورية، أدى لتصعيد الحرب من جديد في دارفور.
إن حكومة إنقلاب 30 يونيو تتحمل بشكل كامل مآسي الحرب في دارفور من قصف بالطائرات وحرق للقرى وجرائم الاغتصاب والقتل الجماعي والتهجير القسري، وإن الحل الديمقراطي لمسألة دارفور لن يتم إلا في إطار حل الأزمة الوطنية العامة باسقاط الديكتاتورية واستعادة الديمقراطية وعقد المؤتمر الدستوري الجامع.
4- الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق
إن النظر للحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق باعتبارها صراعا مسلحا بين المؤتمر الوطني وحكومته والحركة الشعبية قطاع الشمال، يهمل أن الحرب في المنطقتين هو نتاج لعدم حل المسألة القومية، فالصراع السياسي في هاتين المنطقتين بشكل عام وفي جبال النوبة على وجه التحديد قديم ويعبر عن مطالب شعبية في التنمية المتوازنة ونصيبها في الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة ومياه شرب ووسائل نقل واتصالات، وعن رغبة وحق جماهير هاتين المنطقتين في حكم منطقتيهما والمشاركة العادلة في حكم البلاد. لقد نشأ اتحاد أبناء جبال النوبة منذ ستينيات القرن الماضى ونشأ الحزب القومي السوداني المعبر عن أبناء الجبال بعد إنتفاضة مارس- أبريل، وقد تكون اتحاد أبناء الفونج منذ ثورة أكتوبر. وقد شارك أبناء الإقليمين في الحركة الشعبية لتحرير السودان مما دفع الحكومة للتفاوض مع الحركة الشعبية في جبال النوبة وتصل معهم لاتفاق قبل نيفاشا، وأعيد التفاوض في نيفاشا حول تقسيم الحكم بين الشريكين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وتم الإتفاق على أن تجرى في الولايتين ما سمي بالمشورة الشعبية. وعلى الرغم من أن الحرب تبدو انها قد اشتعلت في جنوب كردفان نتيجة للإختلاف حول نتائج الانتخابات هناك وتبعتها الحرب في النيل الأزرق إلا أن الأسباب الحقيقية وراء الحرب:
1- فشل الحلول الثنائية القائمة على إقتسام السلطة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية والتي لم تشرك القوى السياسية والاجتماعية الأخرى سواء في الولايتين أو على نطاق الوطن ككل في حل قضايا المنطقتين في إطار الحل الوطني للمسألة القومية.
2- مراوغة حكومة المؤتمر الوطنى والتفافها حول اتفاقية نيفاشا والبروتوكولات الملحقة بها .
3- عدم اكتمال التحول الديمقراطي في البلاد ككل، مما جعل الانتخابات في الولايتين، مثل الانتخابات العامة غير عادلة وغير معبرة عن الجماهير.
4- عدم وضوح اتفاقية نيفاشا حول الترتيبات الأمنية بالمنطقتين، فبينما أعتبر المؤتمر الوطني قوات الحركة الشعبية في المنطقتين ضمن الجيش الشعبي لجنوب السودان، تعتبر الحركة الشعبية قطاع الشمال أن هذه فصائل تمثل المنطقتين وانها حاربت مع الجيش الشعبي من أجل حقوق أهل المنطقتين وبالتالي لا يخضعان إلا لترتيبات أمنية تتعلق بالحلول السياسية في المنطقتين.
5- لم تؤد الفترة الانتقالية الى ايقاف الحرب وتقسيم السلطة بين الشريكين، بينما ما أنجز من مشاريع لم يتعد في جنوب كردفان سوى بناء طرق جديدة، ولم يعاد تعمير المشاريع الزراعية التي خربت كمشروع جبال النوبة الزراعي ومشروع هبيلا والقردود، ولم يتحسن وضع الخدمات التعليمية والصحية بالولايتين.
6- غموض مفهوم المشورة الشعبية واختلاف الرؤى حول ماهيتها وكيفية اجرائها والزامية قراراتها.
المدنيين ضحايا الحرب في المنطقتين:
أدى نشوب الحرب في المنطقتين وتعرض مدن رئيسية للقصف من قوات الجانبين واستخدام الحكومة للسلاح الجوي في قصف القرى إلى آلاف الضحايا وإلى نزوح آلاف أخرى إلى مدن الولايات المجاورة حيث ترفض الحكومة إقامة معسكرات للنازحين وتمنع المجتمع الدولي عن تقديم المساعدات الإنسانية مما دفع مجلس الأمن الدولي أن ينص في قراره 2046 واقتناعا منه بأنه لا يمكن حل النزاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق بالوسائل لعسكرية، وإذ يشدد على الحاجة الماسة إلى إيجاد حل سياسي عن طريق التفاوض، على أساس احترام التنوع في ظل الوحدة، أن تقيم حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال تعاونا كاملا مع فريق الاتحاد الأفريقي ورئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية بغية التوصل إلى تسوية عن طريق المفاوضات على أساس الاتفاق الإطاري بشأن الشراكة السياسية المبرم في ٢٨ يونيو٢٠١١ بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال والترتيبات السياسية والأمنية المتعلقة بولايتي النيل الأزرقوجنوب كردفان. ولكن رغم هذا القرار ما زالت الحرب مستمرة ولم تنجح المفاوضات بين الطرفين في أبريل 2013 للوصول لاتفاق حتى على أجندة للمفاوضات. إن الوصول لحل ينشر السلام الدائم في المنطقتين وفي ربوع البلاد يعتمد بشكل أساسي على اكتمال التحول الديمقراطي وعقد المؤتمر الدستوري. لقد أثبتت التجربة أن الحلول الثنائية لا تجلب السلام وأن الحل الديمقراطي للمسألة القومية لن ينجز تحت ظل نظام ديكتاتوري. ولكن إلى أن يتم الاطاحة بالنظام الديكتاتوري وتفكيكه لا بد ان نعمل كشيوعيين لحشد أكبر ضغط محلي واقليمي ودولي من اجل ايقاف اطلاق النار وحل القضايا الانسانية وقضايا النازحين.
5- قضايا شرق السودان
تقديم
لقد ساهم شرق السودان في النضال الوطني من أقدم العهود وفي العصر الحديث ضد التركية واثناء الثورة المهدية وضد الاستعمار البريطاني، وكان أهل الشرق يتوقعون مثل باقي شعب السودان أن يؤدي استقلال السودان إلى تغيير أحوالهم المعيشية وأن ينالوا نصيبهم من السلطة والثورة والخدمات التعليمية والصحية وبادروا بتأسيس مؤتمر البجة عام 1958 كممثل لهم وناطق باسمهم ولكن إنقلاب 17 نوفمبر عطل نمو حؤكتهم السياسية والمطلبية حتى ثورة أكتوبر 1964 عندما برز مؤتمر البجة كقوى سياسية هامة في شرق السودان ونال عشرة مقاعد في الجمعية التأسيسية عام 1965 ولكن إنقلاب مايو 1969 أوقف من جديد التطور السياسي لمؤتمر البجة حتى برز من جديد بعد إنتفاضة مارس إبريل 1985 ولكن إنقلاب 30 يونيو 1989 للطفيلية المتأسلمة لم يمنع التطور السلمي الديمقراطي لشعوب شرق السودان، بل في مواجهته لكل الشعب إدعى أنه لن يفاوض إلا من يحمل السلاح، فحملت فصائل مختلفة من شرق السودان من ضمنها مؤتمر البجة السلاح وانضمت تلك الفصائل للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض، ولكنهم بعد إتفاقية القاهرة 2005، اصروا على تفاوض منفصل وكونوا جبهة الشرق التي وصلت مع الحكومة لاتفاقية اسمرا في 2006.
مشاكل الشرق:
الحديث عن الشرق يشمل المنطقة من الهوارى وحتى ابار شلاتين وهى منطقة تتربع فى مساحة قدرها ( 336.820 ) كيلو متر ويبلغ عدد سكانها 4,131,000 نسمة تضمهم ثلاث ولايات هى البحر الاحمر والقضارف وكسلا وفقا للتعداد التقديرى للعام 2005.
رغم ان الاقليم يساهم فى الناتج الاجمالى للبلاد وفى الموازنة العامة بما مقداره 863 مليون جنيه حتى موازنة 2006 هذا الملبغ هو حصيلة عائدات هيئة الموانى البحرية وشركة الخطوط البحرية السودانية وشركة ارياب للتعدين وهيئة حلفا الجديدة الزراعية .وهو لايتضمن ريع الانتاج الزراعى فى القضارف ومناطق انتاج الحبوب وغيرها من المحاصيل لعدم بروزهذا العائد فى الموازنات العامة رغم انه ربما يدخل بعضه ضمنا فى اموال الزكاة والضرائب والجبايات بمسمياتها المختلفة .
مع ذلك يعتبر اقليم الشرق ضمن الاقاليم الاكثر فقرا ، وتعم المجاعة العديد من مناطقه خاصة همشكوريب بصورة مستدامة .وهو يعانى ايضا من مشاكل لاحصر لها مثل :-
اولا: شح مياه الشرب الدائم وانعدامها تماما فى العديد من مدنه طوال العام ,بمافى ذلك مدينة بورتسودان التى لازمتها ازمة المياه منذ انشائها فقد بدأت باستيراد الماء من خور موج ولما بلغ سكانها الخمسين الف نسمة فى الخمسينيات توسعت مصادر المياه بالاتجاه الى خور اربعات .الان سكان بورتسودان يفوق ال800 الف نسمة وتبلغ احياؤها اكثر من الستين حيا ,ولازالت تعتمد على مصدرى المياه السابق ذكرهما .هذا المثال ينطبق على معظم مدن الاقليم .ففى مدينة اروما لاتوجد ولابئر جوفية واحدة و يأتيها الماء من كسلا على مسيرة مسافة تبلغ 50 كيلو مترا وحدث ولاحرج عن هيا ودورديب وسنكات وماتعانيه معظم مدن الاقليم من شح مخل فى المياه .
تشير تقارير هيئة الصحة العالمية الى ان احتياج الفرد الذى يعيش فى المدن من الماء هو (90) لتر ماء نقى فى اليوم وفى الريف ل (20) لترا . فى بورتسودان يتحصل الفرد على اقل من (30) لترا من الماء .وفى ريف البحر الاحمر تصل الكمية بالكاد الى ( 12 ) لترا وفى معظم المدن الاخرى يقل نصيب الفرد عن (2) لتر فى اليوم .
فشلت كل الحكومات منذ الاستقلال فى حل هذه الازمة التى تقصر من اعمار السكان وفاقمت منها وعمقتها حكومة الانقاذ التى اجهضت كل الخطط التى وضعت من قبل لتوصيل المياه من نهر عطبرة والقاش والنيل عند عطبرة .بل اهتمت اكثر من المياه بتوصيل انابيب البترول من الجنوب الى موانى التصدير فى البحر الاحمر وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه عن ان هذه الحكومة لاتهمها حياة المواطن، بما فيه الماء مصدر الحياة .
وفشلت ايضا فى استدامة مشروع تحلية مياه البحر الاحمر بالقدر الذى يكفى كل المدن والمناطق التى تعانى شح المياه .ان عائدات الذهب وحده والبالغة 5,9 مليار دينار كان كافيا لهذا الغرض .
ان الحل الذى يطرحه الحزب الشيوعى لمشكلة المياه جذريا فى مناطق الشرق هو جلب المياه من النيل عبر الانابيب من نهر النيل فى (عطبرة ) وهى تكلفة حسب دراسات المتخصصين لاتتجاوز ( ربع ) قيمة ما انفق على خط الانابيب من عطبرة الى بورتسودان .
بعد ضغوط هائلة من اهالى الشرق ومن بينها المطالبة بالحكم الذاتى وعدت الحكومة بانشاء مؤسسات صحية وغيرها ومن بينها افتتاح لمشروع مياه اروما وقدرت منصرفاته ب 6 ملايين دولار لحفر ابار جوفية بمدينة كسلا غرب القاش تنقل مياه عبر خط الى اروما .وهو مشروع سيظل فى علم الغيب وفى احسن الظروف سيعتمد فى معظم عملياته على الخط القديم .
ثانيا : قضايا التنمية الزراعية والصناعية:- اهتمت اتفاقية شرق السودان ضمن قضايا المياه كقضية محورية بانسان الشرق .الذى لا يتم الا عبر التنمية الصناعية والزراعية التى تحرك ساكن حياة ملايين البشر الذين يعتاشون على خشاش الارض ويعانون من الفقر المدقع والمجاعة .الا ان الاتفاقية لم تهتم بهذه الجوانب، بل اقتصرت على توزيع المناصب العليا والهامشية فى المجالس التشريعية فى الولايات وفى احسن الفروض تجميل الشوارع وبناء الفنادق واقامة العمارات الهائلة التى ترتمى تحت اقدامها اكواخ الصفيح والقش التى يقطنها معظم مسحوقى المدن خاصة بورتسودان .واهملت اهمالا تاما تاسيس مشاريع زراعية وصناعية يؤكد ذلك ان ماخصص للزراعة فى كل السودان لم يتجاوز ال ½ مليار جنيه وللصناعة صفر وعدم تسديد الحكومة لالتزاماتها المالية المنصوص عليها فى اتفاقية الشرق والبالغة 600 مليون دولار لدعم صندوق اعمار الشرق ليس ذلك فحسب بل ان معظم المشاريع والمؤسسات التى كانت قائمة فى الشرق وناجحة قبل استيلاء الانقاذ القسرى على السلطة تمت خصخصتها أو حولت بالايلولة الى ولايات الدولة ليصبح مصيرها الدمار التام بسبب النهب والفساد . فعلى سبيل المثال تم :-
1- بيع مصنع غزل بورتسودان لشركة دايو الكورية مقابل مبلغ تافه قدره 30 مليون دولار،ويتم سداده خصما على مديونية الشركة على الحكومة .
2- بيع فندق البحر الاحمر بملبغ 158,553,350 جنيها لشركة الفنادق الكويتية بدل باوارث .
3- ايلولة مصنع كرتون اروما بملبغ 25 مليون جنيه لاتحاد جمعيات حلفا الجديدة التعاونية التى استولى عليها اثرياء الراسمالية الطفيلية لاسلامية،وهو مبلغ يقل عن ثمن (رقشة ) .
4- بيعت استراحة اركويت بالايلولة للولاية الشرقية بقيمة 68.7مليون جنيه ولم تدفع قيمة مصنع الكرتون والاستراحة حتى عام 1994م .
5- بيعت مدبغة البحر الاحمر بمبلغ 32.898.800 جنيه وهو مبلغ لايساوى قيمة عربة (فيستو ) .
معظم هذه المؤسسات لم تعرض فى مناقصات عامة مفتوحة وماتم سداده من قيمة بعضها اخذ سنوات وبذلك اثر سلبا على الاستفادة من قيمتها .
ومعظم المشاريع التى اعلن عن العمل لتأسيسها لم ير العديد منها النور حتى الان مثل :
1- بناء ميناء مرسى اوسيف لتصدير المعادن بقيمة 20 مليون دولار .
2- مشروع ميناء سواكن الجديدة لمناولة الحاويات بقيمة 60 مليون دولار.. و
3- مشروع رصيف صادر الثروة الحيوانية فى سواكن بقيمة 15 مليون دولار ..و
4- مشروع ارصفة المنطقة الخضراء ( المرحلة الثانية الجانب الشرقى من الميناء بقيمة 20 مليون دولار .
لهذا لم يكن غريبا ولامستبعدا ماعبرت عنه القيادات السياسية والشخصيات الاهلية المتنفذة فى الولايات الشرقية عن سخطها من انعدام التنمية بالاقليم فى مذكرة توضح مالات ماوصل اليه الشرق . وطالبت بشدة باعادة تأهيل مشاريع تنموية قومية مثل مشروع طوكر والقاش والاخذ بالاولويات فى تنفيذ المشاريع .وانتقدت المذكرة عدم وفاء الحكومة بماجاء فى اتفاقية الشرق فى معظم بنودها خاصة التزامها بتمويل صندوق اعادة اعمار الشرق وصرف الاعتمادات الشحيحة على مشروعات غير مرغوب فيها فى مناطق تخلو من السكان دون النظر لاولويات الاقليم .واثارت المذكرة قضيتى حلايب والفشقة والاستهداف الاسرائيلى لامن البحر الاحمر ومصير حقوق ضحايا تلك الاحداث .كذلك اشارت المذكرة الى الاهمال الذى وقع على الزراعة بالقضارف .وطالبت بتبعية مشروع طوكر الى وزارة الزراعة الاتحادية . كذلك طالبت جبهة الشرق فى الاسبوع الاول من ابريل 2013 بتنفيذ بقية بنود اتفاقية اسمرا لسلام شرق السودان المبرمة بينها وبين الحكومة السودانية عام 2006 والتى لم يتم تنفيذها بعد .ودعت الجبهة الجامعة العربية لعقد مؤتمر تنشيطى لقضايا شرق السودان . من جانبه عقد مساعد رئيس الجمهورية ، رئيس جبهة الشرق موسى محمد احمد بمكتبه بالقصر الجمهورى فى 142013 اجتماعا مع ممثلى جبهة الشرق فى اللجنة العليا المشتركة لتنفيذ سلام الشرق .
هكذا تدخل اتفاقية الشرق ضمن القضايا العالقة مع حكومة السودان وتصبح مهددا محتملا للاستقرار فى جميع مناطق الشرق .وبعدم تنفيذ سلطة المؤتمر الوطنى لمجمل ماجاء فى اتفاقية الشرق وعلى راسها القضايا التى تهم انسان الشرق من مياه وتنمية واستقرار وانتشال من قاع الفقروالجوع والجهل والمرض،فانه يفتح على نفسه طاقة جديدة على جهنم، ويهدد وحدة السودان .
نحن فى الحزب الشيوعى نرى ان الحل يكمن فى تنفيذ اتفاقية الشرق وعلى راسها متطلبات التنمية الصناعية والزراعية .ولانقول ذلك دون سند موضوعى، بل ان الحكومة نفسها وعلى لسان وزير المعادن السودانى كشف عن وجود اكثر من 1095 موقعا للمعادن فى السودان تشمل المعادن النفيسة واكد عمر البشير ذلك فى خطابه امام جلسة الهيئة التشريعية القومية فى دورة انعقادها السابعة مشيرا الى اكتشاف 178 مربع لانتاج المعادن منها 138 لانتاج الذهب .وتاتى هذه التصريحات متأخرة جدا عن ما اكتشفه العلماء والباحثين منذ عشرات السنين عن ان 90% من مشاريع التعدين فى السودان توجد فى الاقليم الشرقى على جبال البحر الاحمر .وان مخزون المعادن فى جبيت التى عرفت تاريخيا ب(جبيت المعادن ) بينها اكثر من 60 موقعا للذهب ,والمخزون من الحديد يصل الى 12 مليون طن،وان الرمال السوداء المتحركة فى الاقليم تحتوى على 600 الف طن من معدن الالمنيت و110 الف طن من الزركون و45 الف طن من معدن الروثيلى،وكلها معادن تستخدم فى صناعة الطائرات والبوهيات عالية الجودة .
ان تفجير هذه الامكانات هو الضمان الوحيد لتحسين احوال انسان الشرق ووضعه فى مصاف البشر .
القصاص لشهداء بورتسودان :-
مرت اكثر من 7 سنوات على مجزرة شهداء بورتسودان والتى راح ضحيتها 20 شخصا من ابناء المنطقة ولم يقدم حتى الان مرتكبوها للمحاكمة .
الحزب الشيوعى انطلاقا من نهجه المبدئى فى اقامة العدالة والقصاص لكل من اجرم فى حق الشعب والوطن ، نؤكد ان هذه المجزرة لن تنمحى من ضمير وذاكرة جماهير الشرق والسودان ولن تسقط بالتقادم والنسيان .بل لازالت مصدر ألم وسخط واسع ضد نظام الانقاذ ، بدليل المهرجان السنوى الذى يقام مطالبا بالقصاص .ولهذا تتربع فى قلب الاحتقان والسخط الطبقى والسياسى ضد النظام وتراكم من تصعيد النضال ضد ممارستها المنافية للديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية والخدمية وغيرها من المآسى التى يعانى منها انسان الشرق.
نستطيع ان نقول ان النهوض بالشرق رهين بتوحيد جماهيره من الهوارى وحتى ابار شلاتين لاستعادة الديمقراطية التي تفتح الطريق لنظام وطني ديمقراطى يفجر الطاقات الكامنة والثروات المهولة التى يذخر بها ووضعها فى خدمة كل مواطنيه صرف النظر عن الجنس او الدين او اللغة ، وهذا غير وارد فى ظل سياسات المؤتمر الوطنى .
اسقاط هذا النظام بمشاركة جماهير الشرق هو الذى يفتح الباب امام تطوره وانتقاله من حالة القرون الوسطى التى يعيشها معظم مواطنيه الى العصر الذى يحترم فيه كرامة الانسان بتحقيق حقه فى الحياة والعمل والمشاركة فى اصدار القرارات بحرية تامة والحفاظ على بيئة وامن البحر الاحمر والابتعاد به عن الصراعات الاقليمية والدولية.

الفصل الثالث:
السدود … ومآلاتها
يصاحب انشاء السدود والخزانات على مجاري الأنهار بغرض الري أو توليد الطاقة الكهربائية مشاكل بيئية و طبوغرافية واجتماعية ثقافية تستوجب الإنتباه لها عند التخطيط لإقامة وإنشاء الخزانات والسدود مما دعا منظمات دولية تبني عدد من القواعد والشروط واجبة الالتزام بها قبل الشروع في إقامة خزان أو سد مائي:
1- تفادي أحداث دمار بيئي واسع عند إقامة الخزان او التسبب في أضرار اجتماعية تهدد كيان ونمط ثقافة المجموعات السكانية المتأثرة من إنشاء الخزان.
2- الالتزام بمشاورة وكسب تأييد وموافقة المجموعات السكانية التي تتأثر بإقامة الخزان او السد المائي من إغراق لمواطنهم وأرضهم وممتلكاتهم وتراثهم.
3- في حالة موافقة المجموعات المتأثرة يتم تعويضهم تعويضاً عادلاً ومجزياً عن الأرض والممتلكات الثابتة عيناً ونقداً والوضع في الاعتبار المجموعات السكانية القاطنة خلف الخزان أوالسد،وانقاذ الاثار التاريخية .
4- تختار المجموعات السكانية المغمورة مواطنها ببحيرة الخزان موطن إعادة التوطين دون إملاء أو إجبار حكومي على أن يراعى أن تكون منطقة إعادة التوطين:
– خالية من أي نزاعات على الأرض حاضراً أو مستقبلاً.
– منطقة متجانسة على أوسع نطاق بيئياً وثقافياً مع أسلوب حياة المهجرين.
– استئصال ومكافحة الأمراض والأوبئة المستوطنة في الوطن الجديد قبل التهجير وبعده.
– توفير وتكثيف الخدمات الضرورية في الوطن الجديد وتحسين الوضع الحياتي والمعيشي للمهجرين.
5- حق الأفضلية للمتأثرين في الانتفاع بالمشروع.
شهد مطلع القرن العشرين تزايد اهتمام دولة مصر بإقامة الخزانات على مجرى نهر النيل الرئيسي فكان خزان أسوان وتعلياته الثلاثة في الفترة من 1902 -1932 وإغراق قري ومدن وأراضي زراعية مملوكة لمجموعات النوبيين في جنوب مصر وتأثر الجروف والجزر النيلية للنوبيين في أرض السودان . وجاءت الطامة الكبرى بمشروع السد العالي في أوائل ستينات القرن الماضي المنفذ وفق اتفاقية مياه النيل بين حكومة مصر ونظام عبود العسكري و قد وجد مبدأ إقامة السد العالي وإغراق منطقة وأدي حلفا مقاومة كبيرة من النوبيين وشعب السودان.
أغرقت البحيرة الناشئة عن السد العالي 500 كم مربع من أرض مصر والسودان وشطرت النوبين حيث تم تهجير النوبة المصرية إلى منطقة كوم أمبو داخل مصر وتهجير قسري لنوبة السودان المتأثرة إلى أراضى البطانة في منطقة خشم القربة علي بعد 1700 كم من موطنهم الأصلي في بيئة ونمط حياة وثقافات سائدة تختلف عن أسلوب وموروثات حياتهم. نتجت عنها آثار سلبية على نمط حياتهم أدت إلى هجرات فردية واسعة ملحوظة من المنطقة الجديدة كما غمرت بحيرة السد العالي أثار تاريخية عظيمة تمثل حضارة السودان وإسهام إنسانه في الحضارة الإنسانية قبل الآف السنين ولم تفلح كثيراً مجهودات هيئة اليونسكو من إنقاذ الجزء الأكبر من تلك الآثار لضيق الوقت المتاح للانقاذ.
جاء إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية في 30 يونيو 1989 معبراً عن مصالح فئات الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة المترفعة عن العمل الإنتاجي وذات النظرة الأحادية لهوية السودان وعملت على :
تغيير أسبقيات إنشاء الخزانات في السودان المعتمدة من الحكومة الديمقراطية والشروع في إنشاء سد مروي في ولاية نهر النيل لإنتاج طاقة كهرومائية وتأجيل مشروع تعلية خزان الروصيرص وإنشاء خزان ستيت كما تم طرح مشاريع سدود جديدة في كجبار ودال والشريك لأنتاج الطاقة ونتج عن هذا التبديل في الأسبقيات:
معاناة مشروعي الجزيرة والمناقل وحلفا الجديدة الزراعيين من نقص مياه الري وزحف وتمدد المساحات البور تدريجياً في المشروعين حتى تجاوزت المساحات البور في المشروعين المليون فدان لعدم توفر مياه ري لها.
– فقدان مساحة 2.5 مليون فدان جديدة تضاف للمساحات المروية في السودان في مناطق الجزيرة والرهد وسهل البطانة في حالة تنفيذ مشروعي الري في الروصيرص وستيت علاوة على ما ينتجان من طاقة كهرومائية.
– إغراق بقية الأرض الواقعة على ضفتي النيل في المنطقة النوبية بقيام سدى كجبار ودال وإجلاء وتهجير وتشريد كامل المجموعات النوبية من الأرض التي بقوا عليها لآلاف السنين .
– غمر مساحات وأراضي زراعية واسعة على ضفتي النيل بقيام سد الشريك وتهجير السكان في منطقة الشريك والباوقة والعبيدية وبربر وحتى أطراف مدينة عطبرة الشمالية في ولاية نهر النيل.
– الآثار البيئية السالبة على المنطقة من المساحات المائية الممتدة من بحيرة السد العالي إلى سد الشريك وضياع كميات وافرة تقدر بمليارات الأمتار المكعبة من مياه النيل وحصة السودان الناتج عن التبخر من المياه المخزونة في منطقة صحراوية تعتبر من أعلى مناطق العالم حرارة وانتشار المياه على مساحات واسعة لطبيعة طبوغرافيا المنطقة المسطحة . علماً ان السودان ومصر يفقدان تبخراً 10 مليارات أمتار مكعبة سنويا من المياه المخزونة في بحيرة السد العالي وحدها كل عام.
– غمر آثار ومكنونات تاريخية عظيمة تحتويها المنطقة لم يتم كشفها بعد.
لم تلتزم حكومة الإنقاذ ولم تف بقواعد وشروط إقامة الخزانات والسدود في السودان وعملت على:
– إجبار المواطنين على القبول بإقامة الخزانات والسدود في مناطقهم.
– استخدام أقصى أنواع العنف مع مناهضي إقامة السدود وصل حد القتل في أمرى وكجبار واعتماد التهجير القسري للمتأثرين من مناطقهم الى مناطق غير مرغوب فيها.
– عدم الإيفاء بالتعويضات العادلة وتوفير السكن المناسب للمهجرين في مناطقهم الجديدة ( سد مروي ، تعلية خزان الروصيرص).
– المراوغة في الالتزام بالاستحقاقات المتفق عليها مع أصحاب الخيار المحلي قي منطقة المناصير.
عارض الحزب الشيوعي إبرام اتفاقية مياه النيل 1959 بين حكومة مصر ونظام نوفمبر 1958 العسكري باعتبار أن المفاوضات تتم في غياب متعمد لشعب السودان ، وساند الحزب نضال النوبيين في رفض التهجير عن أرضهم والمطالبة بالتعويضات العادلة والاختيار الطوعي للمنطقة المناسبة لإعادة التوطين( راجع كتاب ثورة شعب الصادر عن الحزب الشيوعي السوداني. )
يدعو الحزب الشيوعي لاستخدام وانتهاج نهجاً علمياً وديمقراطياً للاستغلال الأمثل للموارد المائية في البلاد وعقلانية استغلالها للري وتوليد الطاقة الكهربائية وعدالة توزيعها على أن تسبق إقامة السدود والخزانات دراسات اقتصادية واجتماعية وتقنية على ألا تقام ضد رغبات ومصالح سكان المناطق المراد إقامتها فيها ويؤكد الحزب على حق المواطنين في المشاركة والإسهام بفعالية في اتخاذ قرار الموافقة او الرفض التام لقيام الخزانات والسدود في مناطقهم وحق المتأثرين في التعويض العادل والمجزئ وفقاً للمعايير العالمية التي يرتضيها المواطنون في حالة الموافقة على إقامة السد أو الخزان ويؤكد الحزب حقهم في تخصيص الأراضي الزراعية وحق استغلال الثروة السمكية من البحيرات خلف الخزانات وتفضيلهم على المستثمرين الأجانب والمستثمرين الوطنيين من مناطق السودان الأخرى.
يرى الحزب الشيوعي ضرورة حل مشاكل مياه النيل باشتراك كل الدول المشكلة لحوض النيل وفقا للتراضي والمصالح المشتركة لهذه الدول في تطوير حوض النيل وموارده وانتفاع الجميع بها وفقا للأسس العادلة التي يتم الاتفاق عليها بالتفاوض.
سد الالفية : من حق الدولة الاثيوبية ان تقيم اى سدود او مشاريع لمصلحة شعبها دون ان تضار الشعوب الاخرى فى منطقة حوض النيل وهذا يفترض ان تجلس البلدان المعنية للحوار والوصول الى حل سلمى عادل حول تقسيم المياه وكيفية الاستفادة من الكهرباء مع الالتزام بنصوص ومعايير القانون الدولى .
ان اى محاولة للحلول العسكرية ستدخل المنطقة كلها فى حروب تعمق من معاناتها،وعلى كافة دول حوض النيل الرؤية الحكيمة لكيفية التعامل المثمر والتكامل للاستفادة من كل مياه النيل .
الفصل الرابع
قضايا التحول الديمقراطي والحقوق الأساسية

لم يمر على بلادنا في تاريخها الحديث نظام ديكتاتوري شامل صادر الديمقراطية وأنتهك جميع حقوق الإنسان المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية مثلما فعل نظام 30 يونيو 1989 منذ أول يوم في الإنقلاب وحتى توقيع وبدء تنفيذ إتفاقية نيفاشا. إن طبيعة النظام لفئة طبقية من الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة لم تنجح في أن توحد الرأسمالية السودانية وقد فشلت في الصراع الديمقراطي لتسنم قيادة تلك الرأسمالية، وفشل حزبها في تحقيق أغلبية برلمانية تعبر عن تأييد أهل السودان لبرنامجها ولطرحها الآيديولوجي ولذا كان لجؤها للإنقلاب العسكري للأستيلاء على السلطة بالقوة، كل ذلك يفسر نهجها الديكتاتوري ومصادرتها وإنتهاكها لكل الحقوق.
لقد شمل سجل انتهاك النظام لحقوق الإنسان، بمجرد استلامه السلطة عبر إنقلاب عسكري ، عطل الدستور، حل الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني غير التابعة للإسلاميين وإعتقال قادة وكوادر الأحزاب والنقابات وتشريد آلاف المهنيين وأساتذة الجامعات والمعلمين والأطباء والفنيين والعمال وموظفي الخدمة المدنية وضباط وصف ضباط القوات المسلحة والشرطة والسجون والجمارك واستعماله للعنف المفرط في فض إحتجاجات الطلاب وإصداره أحكام بالإعدام على مواطنين لحيازتهم على نقد أجنبي وإعدامه لضباط حركة رمضان وقتل مواطنين تحت التعذيب. وتعرض عدد كبير من المواطنين للتعذيب في بيوت الأشباح. وكان من الطبيعي أن يكون جوهر النضال ضد نظام 30 يونيو 1989 هو النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان المدنية والسياسية.
وضع النظام ترسانة من القوانين المقيدة للحريات والمنتهكة لحقوق الإنسان وعلى الرغم من صدور دستور السودان لعام 1998 إلا أن القوانين المقيدة للحريات والمنتهكة للحقوق الأساسية أستمرت، ولم يؤد صدور قانون ينظم أحزاب التوالي إلا بقيام أحزاب تابعة للنظام، وهو في جوهره قانون استعمل لشق الأحزاب السودانية التقليدية.
نيفاشا والفشل في تحقيقي التحول الديمقراطي
نصت اتفاقية نيفاشا وملحقاتها على التحول الديمقراطي بتبني نظام حكم ديمقراطي ودستور ديمقراطي يحترم حقوق الانسان وفقا للمواثيق الدولية التي اصبح السودان أو سيصبح طرفا فيها ونصت على إجراء انتخابات ديمقراطية وفقا لقانون انتخابات ديمقراطية. ولكن التحول الديمقراطي لم يتحقق ولم يتم إلغاء القوانين المقيدة للحريات وحتى القوانين التي بدلت مثل قانون أمن الدولة حافظ على سلطة الجهاز في الاعتقال التحفظي وحافظ على حصانة وحماية أفراد الجهاز وضباطه. ولم تكن قوانين الصحافة والنقابات والقوانين التي تنظم عمل منظمات المجتمع المدني بأحسن حالا. بل أن سيطرة المؤتمر الوطني على المجلس الوطني الانتقالي وعلى الحكومة المركزية وتراجع الحركة الشعبية للإهتمام بالجنوب والاستفتاء لتقرير المصير جعل من عملية المراجعة التشريعية للقوانين لكى تنسجم ولا تتعارض مع الدستور أمرا مستحيلا.
إن قانون الأحزاب المجازفى 2005 رغم إعتراض الأحزاب على المادة 18 من مشروع قانون الاحزاب السودانية والذي يبيح حل الأحزاب والتي تخالف المادة 40 من الدستور ولم يتم تعديلها إلا بعد جدل ومناقشة واسعة في المجلس الوطني لتصبح المادة 41 من القانون وتقرأ ” لجميع الأشخاص فى السودان حق تنظيم وتكوين الاحزاب السياسية والمنظمات المدنية والنقابية والاجتماعية وعضويتها وينظم القانون هذه الحقوق دون أن يتغول عليها او يفرض على ممارستها شروط تجعل الاستمتاع بها مستحيلا او حكرا لفئة اجتماعية معينة”. بينما فشلت محاولات أخرى لتعديل قوانين النقابات ومنظمات المجتمع المدني.
نصت اتفاقيات مشاكوس ونيفاشا على الحكم الديمقراطي واجراء انتخابات عامة قبل نهاية الفترة الانتقالية وأوضحت:
تأكيد حق الاقتراع والترشيح دونما تمييز بين المواطنين.
اجراء انتخابات عامة على جميع المستويات قبل نهاية السنة الثالثة للفترة الانتقالية.
النص على الرقابة الدولية للانتخابات.
تكوين مفوضية قومية للانتخابات تكون محايدة.
نص دستور السودان الانتقالي 2005 في المادة 216 على ان”تجرى انتخابات عامة على كل مستويات الحكم فى موعد لا يتجاوز نهاية العام الرابع من الفترة الانتقالية”.
كما نصت اتفاقية نيفاشا على إجراء إحصاء سكاني قبل نهاية العام الثاني من الفترة الانتقالية ليسبق إجراء الانتخابات، ولكن الاحصاء لم يجر في مواعيده وتأخر إعلان نتيجته للخلاف حوله والتشكيك في صحته خاصة في الجنوب وجبال النوبة.
كما تأخر أصدار قانون الانتخابات وصدر قانون يعبر عن اتفاق الشريكين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ولم يأخذ في الاعتبار ملاحظات وانتقادات القوى السياسية الأخرى، وبالتالي تأخر تكوين مفوضية الانتخابات ولم تجر الانتخابات في مواعيدها.
لم تنفذ مطالب القوى السياسية المنادية ب:-
الغاء كافة القوانين المقيدة للحريات لضمان اجراء انتخابات فى جو ديمقراطى .
تعيين أعضاء مفوضية الانتخابات بمشاركة ومشاورة كافة القوى السياسية،مشددة على أن تكون المفوضية مستقلة ماليا واداريا.
قانون الانتخابات
وقد أثار قانون الانتخابات مثله مثل بقية القوانين جدلا كثيفا حوله بين القوى السياسية،وتمحور الخلاف حول كيفية تمثيل المرأة وانتخابها، بجانب خلافات أخرى فى ايهما أجدى؟ نظام الدوائر الجغرافية أم التمثيل النسبى؟ ، وقد رأت الأحزاب والقوى السياسية الأخرى أن يتم التمثيل النسبى فى الانتخابات بنسبة 50% للدوائر الجغرافية،و50%تمثيلا نسبيا بينما أصر المؤتمر الوطنى على أن تكون للدوائر الجغرافية نسبة 60% وعلى أن يكون التمثيل النسبى 40%.
اصر المؤتمر الوطنى على أن تخوض المرأة الانتخابات بعيدا عن القوائم الحزبية ،خلافا لما نادت به القوى السياسية الأخرى. و بالرغم من الاحتجاجات والاعتراضات التى صاحبت الأعداد للانتخابات من القوى السياسية المعارضة،وحتى من قبل الحركة الشعبية الشريك الأساسى فى الحكم، إلا أن المؤتمر الوطنى المسيطر الأساسى على الحكم وعلى المجلس أستطاع أن يفرض رؤاه من دون أى تنازلات أو أستجابة للضغوط التى مارستها قوى المعارضة مع تقديم القليل من التنازلات لارضاء الحركة الشعبية فى المسائل التى تضمن استمرار شراكتها وعدم فضها،أو الدخول فى مواجهة يمكن أن تؤدى إلى نسف كل ما ترتب على اتفاق السلام الشامل الموقع معها.شريطة ان لا يؤثر ذلك على سيطرة المؤتمر الوطني. كما أصرت الحكومة على إجراء الانتخابات في دارفور رغم استمرار الحرب والعمليات العسكرية.
لم يكن لانتخابات تتم في تلك الظروف أن تكون محايدة ونزيهة وفقا للمعايير الدولية، ولكن المجتمع الدولي كان يستعجل قيام الانتخابات حتى يكتمل تنفيذ نيفاشا باجراء الاستفتاء في الجنوب لهذا فقد تجاوزت الرقابة الدولية كل الأخطاء المصاحبة رغم إعتراف بعض المراقبين بها كالإتحاد الأوروبي الذي أعترف ب:
عدم احاطة لجان انتخابات الاحزاب علما بقوانين وتعليمات المفوضية القومية للانتخابات عمدا ،لأنها فشلت فى نشر واعلان هذه القوانين والتعليمات فى ذلك الوقت.اضافة إلى ان التغييرات الأخيرة فى قوانين المفوضية القومية للانتخابات أخلت بالمعايير الوطنية والدولية لحماية شفافية العملية الانتخابية باقامة حوار مع الأحزاب السياسية والمرشحين وكانت متحيزة للمؤتمر الوطنى .وكانت هناك ادعاءات متكررة من أحزاب المعارضة عن تحيز المفوضية القومية للانتخابات.
لم تنشر المفوضية القائمة النهائية لمراكز الاقتراع،وبالتالى حرمت الناخبين والمراقبين من المعلومات الكاملة والموثوقة عن أماكن الاقتراع . العدد الفعلى لمراكز الاقتراع المفتوحة بقى غير محدد.
راجع مركز كارتر موقفه من الانتخابات واقر بانها لاترقى للمعايير الدولية بتقديمه للنقد التالى :
1- كانت هناك قيود على العديد من الحقوق السياسية والحريات خلال القسم الأكبر من هذه الفترة، مما أشاع حالة من انعدام الثقة لدى الأحزاب السياسية. وبالتالي فإن الانتخابات كان ينقصها الضمانات والشفافية الضرورية للتحقق من تنفيذ الخطوات الرئيسية وارساء شعور بالأمان والثقة
2- شكك المركز فى النتائج التى اعلنتها المفوضية القومية.
3- وصف المركز فرز الأصوات بأنه كان غير منظم وفوضوي إلى حد كبير، وأن عملية الفرز لم تتم بشفافية وكانت معرضة للتزوير الانتخابى وأثارت شكوك جدية فى دقة العملية الانتخابية برمتها.
4- نزاهة الانتخابات شابتها سلسلة من المشاكل كالتدريب غير الملائم للأشخاص المسؤولين عن النتائج، وعدم القدرة على استخدام آليات لرصد النتائج الخاطئة أو المزورة، وعيوب فى النظام المعلوماتى.
5- رغم أن تغيير النتائج استهدف غالبا تصحيح الأخطاء فى عملية حساب الاصوات فقد تم تغييرالنتائج فى حالات عدة بشكل تعسفى من دون توضيح الأسباب.
* ماكان ممكنا اجراء انتخابات محايدة ونزيهة وفق المعايير الدولية تحت تلك الظروف غير ان المجتمع الدولى والمتعجل لقيام الانتخابات والانتهاء منها سعيا لاجراء الاستفتاء حسب اتفاقية نيفاشا جعل الرقابة الدولية على الانتخابات تتجاوز كل الاخطاء والتزوير الذى صاحبها والاكتفاء بان الانتخابات لم ترق للمعايير الدولية غير انها كافية كمعايير للبلدان النامية . علما ان شعب السودان مارس عدة انتخابات ديمقراطية ونزيهة فى صدر الاستقلال وبعد ثورة اكتوبر 1964 وانتفاضة مارس – ابريل 1985.
العودة للدولة البوليسية ومصادرة الحقوق
إن تزوير الإنتخابات قد وضع حدا لأي إمكانية للتحول الديمقراطي في البلاد، فعادت الممارسات المنتهكة لحقوق الإنسان اكثر حدة :-
عودة القتل خارج نطاق القانون، خاصة وسط طلاب دارفور فقتل طالب من كلية التربية و طلاب من جامعة الجزيرة وأطلاق الرصاص على المواكب في زالنجي وأم دوم ووجهت المظاهرات في هبة يوليو 2012 وهبة سبتمبر أكتوبر 2013 بالرصاص الحي وسقط عشرات الشهداء والجرحى.
استمرار القصف الجوي للمدنيين في مناطق الحرب .
عودة الإعتقالات التحفظية والتعذيب.
1- صودر حق الأحزاب في إقامة الندوات والليالي السياسية خارج دورها.
2- تعرضت الصحافة والكتاب الصحفيين لحملة قمع ومصادرة الصحف وإيقافها ومنعها من الطباعة ومنع صحفيين من الكتابة ومنع رؤساء تحرير من ممارسة مسئولياتهم وظلت جريدة الميدان لسان حال الحزب الشيوعي موقوفة من مايو 2012.
3- أستخدام الإعلام الرسمي في شن حملات ضد المعارضين.
4- اغلاق المراكز الثقافية.
5- أستغلت الجوامع والهيئات الدينية واستخدم رجال الدين للهجوم على الأحزاب وتكفيرالمفكرين.
6- التصدي بعنف لكل أوجه الاحتجاجات عن طريق المواكب والمظاهرات والاعتصامات السلمية.
الدعوة للحوار الوطني
وكان من نتائج هبة سبتمبر 2013 وتفاقم أزمة النظام والضفوط الإقليمية والدولية أن تقدم النظام عبر رئيسه بخطاب يدعو للحوار الوطني فكان رد فعل القوى الديمقراطية جميعها أنه:
لا يمكن إجراء حوار بينما الحرب مستمرة ودعوا النظام لابداء حسن نيته باعلان إيقاف الحرب أو حتى إطلاق النار من جانب الحكومة.
أنه لا يمكن إجراء حوار وطني مسئول في جو غير ديمقراطي تصادر فيه الحريات العامة وخاصة حرية التعبير والصحافة وحرية الأحزاب في إقامة ندواتها في الميادين العامة والاتصال بالجماهير. وأنه بدون إالغاء القوانين المقيدة للحريات وتعديل كل القوانين لتلائم الحقوق المنصوص عليها في دستور 2005 الانتقالي والمواثيق الدولية لحقوق الانسان، فإن الحوار يكون غير منتج.
لا يمكن اجراء حوار ديمقراطي وهناك معتقلين ومحاكمين في قضايا سياسية واطراف من المعارضة المسلحة محكوم عليها غيابيا بالاعدام وهناك أعداد كبيرة تنتظر المحاكمة.
وأنه لا تقبل القوى الديمقراطية بحوار يقصد منه كسب الوقت واستطالة عمر النظام والحاق بعض القوى السياسية به كديكور، إذ لا بد ان يكون هدف الحوار تفكيك نظام الحزب الواحد الشمولي الديكتاتوري واقامة حكومة انتقالية بهدف اقامة نظام ديمقراطي واقامة مؤتمر دستوري يشترك فيه كل السودانيين ممثلين في احزابهم ومنظمات المجتمع المدني يؤدي لدستور جديد يضمن حلول ديمقراطية عادلة لمشاكل السودان.
وأزاء هذه المطالب قام رئيس الجمهورية باصدار القرار الجمهوري باطلاق بعض الحريات و لم يرقى لمطلب الغاء وتعديل القوانين المقيدة للحريات، بل أن أجهزة الأمن استمرت في مصادرة الصحف واعتقال الناشطين السياسيين ومن بينهم رئيس حزب الأمة ورئيس حزب المؤتمر السوداني وعدد من الناشطين الآخرين وقدمت أعضاء في حزب البعث لمحاكمات أصدرت عليهم عقوبة الجلد المزلة ضمن عقوبات أخرى.
قد يؤدي الحوار الذي دعته للحكومة لاتفاق بين المؤتمر الوطني وهذا الحزب أو ذاك ولكنه لن يحل الأزمة السودانية التي يظل مفتاحها هو الديمقراطية مهما طال الزمن أو قصر وأن من يقف أمام ذلك سيرسله شعبنا إلى مزبلة التاريخ.

الديمقراطية ما زالت مفتاح الحل
إن كل ذلك يعزز من موقفنا أن الديمقراطية ما زالت هي مفتاح الحل وأن التحول الديمقراطي أصبح مرهونا بزوال نظام المؤتمر الوطني الديكتاتوري. إن تجربة الفترة الإنتقالية (2005_2010) وتجربة النظام بعد الانتخابات المزورة، تؤكد من جديد الطبيعة الديكتاتورية للنظام ورفضه الكامل للتحول الديمقراطي، لذا يصبح الطريق واضحا أن التحول الديمقراطي يتم بسقوط النظام لا بترقيعه.
الفصل الخامس
الأزمة الإقتصادية
فشلت السياسة الإقتصادية لحكومة المؤتمر الوطنى في إخراج البلاد من أزمتها الأقتصادية بل أن تلك الأزمة قد تفاقمت وتدهور الإنتاج والخدمات ومستوى معيشة المواطنين، ودون اللجوء للأرقام فقد زادت معدلات التضخم والبطالة وتدهورت قيمة العملة السودانية وانخفضت قيمة المحاصيل الزراعية وتدهور الأنتاج الصناعي وزاد عجز الميزانية العامة والعجز في ميزان المدفوعات (خاصة في الميزان التجاري) وتوقف العون الإقتصادي الأجنبي وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية، الى جانب زيادة هجرة رأس المال المحلي ‍‍وبالطبع عجز السودان عن الإيفاء بالتزاماته تجاه خدمات الديون بما في ذلك ديون المؤسسات النقدية الدولية والإقليمية. مما مثل مناخا غير إيجابيا لاجتذابها ،وتقليل مخاطر الإستثمار. بل كانت هناك سمات خاصة بسياسة المؤتمر الوطنى الإقتصادية ساهمت في خلق جو غير صحي للإستثمار و التطوّر الرأسمالي فمثلاً: محاباة تجار الراسمالية الطفيلية الإسلامية ومؤيديها في مجالات الإستيراد والتصدير والعطاءات والمقاولات وبيع المؤسسات العامة . ومثال آخر: فرض الصيّغ المسماة إسلامية في المصارف (المشاركة،السلم ،المرابحة والمضاربة) والتي رفض الرأسماليون السودانيون خاصة المستثمرين في الزراعة والصناعة التعامل بها منذ نظام مايو 1969، مما قلل فرصهم في التمويل وخفض من سرعة دوران رأس المال، ومثال ثالث: إرتفاع معدلات الضرائب المباشرة وغير المباشرة لتغطية منصرفات الحكومة العسكرية ولتمويل الجهاز السياسي للدولة وعملية السلام القاصرة مع مجموعة (التجانى السيسي ) وشركائه والمجموعات المنشقة من الحركات المسلحة والصرف على أجهزة الأمن بأسمائها المتعددة، وعلى الإعلام المحلي والخارجي، بل ان طريقة جمع هذه الضرائب من رجال الأعمال اتسمت بالبطش واعادة سيرة (الباشبزق) في التركية السابقة، وغياب سيادة حكم القانون في البلاد ، وهو شرط هام لتخفيف المخاطر ولخلق مناخ الثقة بالنسبة للمستثمر.
ولعل من أهم ظواهر الأزمة وعدم الإستقرار الإقتصادي التي تؤثر سلباً في أي تحليل للمخاطر هما ظاهرتي التضخّم وتدهور قيمة العملة السودانية لانهما تهددان رأس المال بالإنكماش والتدهور بدلاً من التراكم وزيادة القيمة، فيلجأ صاحب رأس المال اما الى تحويل أمواله لاصول ثابتة لا تتدهور قيمتها مع التضخّم مثل العقارات، أو تحويل أمواله لعملات أجنبية ذات قيمة مستقرة نسبياً، مما يؤدي لمزيد من تدهور قيمة العملة المحلية وتقليل الطلب عليها.
من آثار ظاهرة التضخّم الى جانب تدهور قيمة رأس المال النقدي، انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، مما يعني خفض الطلب على البضائع والخدمات، وانكماش الإستثمار لضعف الطلب الكافي لترويج وتسويق البضاعة المنتجة.
تلعب العلاقات الدولية بالنسبة للمستثمر دورا كبير فى الاقتصاد بالمساعدة بتوفير البضائع، و النقود، و التكنولوجيا ومدخلات الإنتاج والخبرة، ولكن السودان قد حكم عليه نظام المؤتمر الوطنى بالعزلة عن العالم، لانتهاكاته لحقوق الإنسان ورعايته للإرهاب وتدخله في شؤون الدول الأخرى، مما نفّر الإستثمار ،ولا يشجّع المستثمر المحلي أو الأجنبي، بل دفع المستثمر المحلي على الهجرة بماله الى حيث يستطيع أن يقيم علاقات مربحة مع باقي السوق العالمي.
طبيعة الأزمة الاقتصادية
طبيعة الأزمة الإقتصادية الراهنة لنظام 30 يونيو الطفيلي المتأسلم ، نجدها في طبيعة الراسمالية الطفيلية والتي عبرت مجمل سياسات الحكومة عن مصالحها الإقتصادية حتى عند تعارضها مع المصلحة الوطنية العامة ومصالح بقية فئات الرأسمالية السودانية، فسياساتها المعلنة عن التحرير الإقتصادي تضر بالمصالح الوطنية ومصالح الرأسمالية الزراعية والصناعية معا، اضافة للخصخصة التي أضرت بالمصالح الوطنية ، وذلك بإهدار ممتلكات الشعب ، وبيعها بأقل من قيمتها ،وبالعاملين من عمال ومهنيين وموظفين، وبالانتاج الوطني نفسه وبإيرادات الدولة. و تصفيتها لمصالح وهيئات ووزارات حكومية كانت ضرورية لتقديم الخدمات والاستشارة الفنية للحكومة إلى جانب توفير منصرفات ، وتحقيقها إيرادات عامة ، وتشغيلها ،وتدريبها لعدد كبير من العمال والعمال الفنيين مثل النقل الميكانيكي ،و المخازن والمهمات ، ووزارة الأشغال ، والمؤسسة العامة للطرق ، والمؤسسة العامة للري والحفريات. كذلك تصفيتها لمؤسسات لها علاقة مباشرة بالانتاج الزراعي والصناعي كالمؤسسة العامة للإنتاج الزراعي ، والمؤسسة العامة للزراعة الآلية ، ولعل أهم سمات طبيعة الأزمة تظهر في مجموع سياسات الطفيلية الاسلامية في مجال القطاع الزراعي والتي تشمل تخريب مشروع الجزيرة وغيره من المشاريع المروية و المطرية.
أما فى مجال النقل فقد تم تخريب وتصفية غير كاملة للسكة الحديد والنقل النهري والخطوط البحرية السودانية وعانت الخطوط الجوية السودانية من تضارب سياسات الخصخصة والعودة للقطاع العام وتشريد العاملين وسوء الادارة والفساد في الحالتين.
إهدار الموارد
الأزمة الإقتصادية تعبر عن نفسها في إهدار الموارد التي أتيحت لدولة الرأسمالية الطفيلية والتي لم تتاح لأي نظام في تاريخ السودان الحديث أو القديم وبإعتراف وزير مالية النظام بأنها اهدرت ، مبينا ان الموارد تم استخدامها في استيراد الكريمات ، الزهور ، الطيور والعطور، وتوظيف الموارد في بناء العمارات ،والابراج الشاهقة ، ولو انها خصصت لزيادة الانتاج من السكر وزيوت الطعام لما عايشنا هذه الظروف، واردف (انها واحدة من لعنة الموارد). فإذا أخذنا عائد الصادرات من البترول في 9 سنوات من 2001 وحتى 2010 نجد أنه وفقا لأرقام صندوق النقد الدولي قد بلغت 54.2 مليار دولار وهي كافية إذا ما أستخدمت للتنمية أن تحدث طفرة إنمائية كاملة في السودان، وإذا أستخدم نصفها فقط في التنمية فإن معدل الصرف على التنمية خلال 9 سنوات كان سيكون 3 مليار دولار سنويا وهي كافية بكل المقاييس لاحداث نهضة في الزراعة والصناعة والخدمات، كان من الممكن عن طريقها إصلاح الزراعة المروية وفي مقدمتها مشروع الجزيرة وإحداث تحول نوعي في التنمية المتوازنة يزيل أسباب الحروب الأهلية ويحدث طفرة حقيقية في تنمية الريف والمناطق المهمشة جميعها، ولكنها وفقا لسياسة الطفيلية الإسلامية استخدمت في الصرف البذخي والرشاوي السياسية و شن الحرب على شعب السودان المطالب بحقوقه في التنمية والتي كان يمكن أن تنجزها عائدات البترول. وفي المقابل نجد أن السودان قد لجأ للإقتراض من الخارج لبناء الطرق والكباري والخزانات وامداد شبكات المياه والكهرباء للمدن، والجدول المرفق يبرهن ذلك، فهو يعطي صورة دامغة لاعتماد كامل على القروض والعون الأجنبي حتى بلغت مديونية السودان ما يساوي 46 مليار دولار، وهي تمثل حوالي ثلثي الناتج الأهلي القومي والذي بلغ في عام 2010 حوالي 64 مليار دولار بالأسعار الجارية، فى الوقت الذى تشترى نقدا العتاد الحربى بمئات الملايين من الدولارات لاستخدامها فى حروبها الداخلية ضد الشعب السودانى .
إن السودان فقد ثلثي هذه الموارد المالية نتيجة لسياسة نظام الطفيلية المتأسلمة التي أدت إلى إنفصال الجنوب، ورغم ذلك فإنه ما زال يمارس نفس سياسة إهدار الموارد مما تبقى من عائد البترول وما يدره تصدير الذهب والمعادن الأخرى من موارد، بل أنه يهدر فائضا ضخما كامنا في الإنتاج الزراعي والصناعي باستمراره إهمال قضايا التنمية الزراعية والصناعية في البلاد. إن الأداء الإقتصادي للسودان خلال ميزانية 2012 يوضح إستحالة إحداث أي إصلاح وفقا لسياسة الطفيلية المتأسلمة الحاكمة، فالإقتصاد فشل فشلا واضحا في تحقيق أهداف زيادة الرقعة المزروعة من القطن . فبينما هدفت الميزانية لزراعة 400 ألف فدان من القطن (مطري ومروي)، منها 200 ألف في الجزيرة، فهي لم تحقق أكثر من 157 ألف فدان (39% من المساحة المستهدفة) منها 37 ألف فدان فقط في الجزيرة (23% من المساحة المستهدفة) وبالتالي إنخفض انتاج القطن من 288ألف طن في عام 2011 إلى 125 ألف طن فقط في 2012 وذلك بسبب سياسة الطفيلية المتأسلمة التى حطمت مؤسسات الدولة الإنتاجية ، والتي تقدم الخدمات الزراعية ، وأوكلت كل ذلك للقطاع الخاص ، ورفعت يدها عن التمويل الزراعي وجعلته في يد البنوك التجارية المسماة إسلامية، وخلال العام 2012 تدهور الإنتاج الصناعي منذ عام 1989 بنسبة 6.8% وتدهور إنتاج البترول ب 68%، بل أن قطاع الخدمات والذي يدر الربح للطفيلية إنخفضت نسبة نموه من 4.4% في العام ل 3.2% في العام، وتمددت الكتلة النقدية (عرض النقود) ب 38% بينما استهدفت الحكومة نموها ب20% مما أدى لآرتفاع التضخم من 12% في عام 2011 إلى 46.5% وتدهور سعر صرف العملة خلال نفس العام إلى ما يقارب ال 50% واستمر التدهور في النصف الأول من عام 2013 حتى بلغ سعر الدولار ما بين 6 و7 جنيهات متخطيا السبع جنيهات في كثير من الأوقات ،. وبينما تقر الحكومة بأن الناتج الأهلي خلال عام 2012 قد تدهور ب 1.3% ، يوضح تقرير صندوق النقد الدولي فى 2012 أن الناتج الأهلي إنخفض بنسبة 4.4%.
إن الطريق لإيقاف إهدار الموارد يمر عبر إسقاط سلطة الرأسمالية الطفيلية لأنه الطريق الوحيد لتوجيه موارد البلاد نحو التنمية، عن طريق الاستثمار في الانتاج الزراعي والصناعي والخدمات الأساسية وإزالة التشوهات الإنمائية التي أحدثتها التنمية غير المتوازنة لأقاليم السودان وتسببت في الصراعات الإقليمية والحروب الأهلية. وهكذا يرتبط الخروج من الأزمة الإقتصادية نفسه بعودة الديمقراطية واستدامة السلام .
جدول رقم 1:الإعتماد على التمويل الأجنبي فيما سمي بمشروعات التنمية
الجهة المانحة عدد القروض
الصين 22 ومشتركة في معظم القروض المشتركة
البنك الاسلامي للتنمية مشترك في كل القروض المشتركة
الصندوق العربي للإنماء 7 ومشترك في عدد من القروض المشتركة
أيران 3
الهند 4
قطر 1
الصندوق الكويتي 1 ومشترك في عدد من القوض المشتركة
قروض مشتركة من صناديق ودول 5
ملحوظات: لاتظهر في هذا الجدول القروض الممنوحة للتسهيلات الإئتمانية أو لدعم الميزانية أو دعم ميزان المدفوعات
تدهور القطاع الزراعي
الزراعة السودانية بشقيها النباتي والحيواني وبقطاعاتها المروية وشبه الآلية المطرية والمطرية التقليدية وغاباتها هي الضحية الأولى والكبرى لسياسات الطفيلية الإسلامية وقد شملت هذه السياسات:
خروج الدولة من الشراكة في القطاع الزراعي المروي و من الاشراف على القطاع المطري وحل المؤسسات المسؤولة عن إدارة وتقديم الخدمات و توفير مدخلات الانتاج والري له. وقد بدأ ذلك بحل المؤسسات الزراعية: مؤسسة الانتاج الزراعي ومؤسساتها الإقليمية الفرعية ومؤسسة الزراعة الآلية، وطال التخريب مشروع الجزيرة وتصفيته وتشريد العاملين به .والتخلص من الإدارات الفنية مثل الهندسة الزراعية ، وإكثار البذور والسكك الحديدية والمحالج وبيعها جميعا للقطاع الخاص، وبيع بعضها خردة مثل السكك الحديدية والمحالج.
بيع وتفتيت الأرض الزراعية، ويظهر تفتيت الأرض فيما يحدث في مشروع الجزيرة الذي كان يستفيد من مزايا المشروع الكبير الاقتصادية وأصبح المزارع يواجه البنوك للتمويل والشركات الخاصة للعمليات الزراعية وعمليات الحصاد واللقيط لوحده، ولا يستطيع ذلك إلا أغنياء المزارعين الذين يشكلون 2% فقط من عدد مزارعي الجزيرة، بينما يمثل فقراء المزارعين 69% منهم ومتوسطي المزارعين 29%. وفي مقابل تفتيت أرض الجزيرة تتكرم الطفيلية بأراضي السودان للمستثمرين الأجانب دولا وشركات وأفرادا، فهي قد منحت البحرين110 ألف فدان . وباعت حكومة المؤتمر الوطنى مليونى فدان بالشمالية لمستثمرين مصريين ، و2 مليون فدان فى الشرق لمستثمرين سعوديين ، و400 الف فدان للكويتيين ، فضلاً عن تسليم 2 مليون فدان من أراضى الفشقة الكبرى – أخصب الاراضى فى السودان وفى افريقيا – للاثيوبيين وتم إيجار 400 الف فدان من اراضي الجزيرة لشركة كورية بسعر دولار للفدان لمدة (33) عاماً ، دون استشارة ملاك الاراضي واهالي المنطقة .
رفعت الدولة _ ممثلة فى بنك السودان _ يدها عن التمويل الزراعي وتركته للبنوك الخاصة وتجار الشيل وتدهور دور البنك الزراعي. وقد إعترف وزير الزراعة ” ان جملة ما تم توفيره العام الماضي لم يتجاوز 2539 مليون جنيه، اي ما يعادل 2% من جملة التمويل المصرفي، وشكك في امكانية تحقيق سياسة الاكتفاء الذاتي وتخفيف حدة الفقر في ظل استيراد منتجات غذاء بقيمة تزيد عن مليار دولار، بينما لا يتجاوز الصرف الكلي على الانشطة الزراعية 600 ألف دولار” وتعتبر صيغ التمويل الاسلامية للبنوك من أكبر معوقات التمويل الزراعي في السودان، وقد أدت إلى رفع التكلفة وزج المزارعين في السجون وتقليل المساحات وأحيانا العزوف عن عملية الحصاد.
سياسة السوق الحر التي أدت إلى تدهور قيمة الجنيه السوداني ورفعت تكلفة المدخلات الزراعية المستوردة من آليات وبذور وسماد ومبيدات وخيش وجزولين. وأرتفعت قيمة الواردات الزراعية المستوردة بنسبة 23% من عائدات الصادرات الزراعية إلى 63% في المتوسط خلال الإثني عشر سنة الأولى من حكم الطفيليين، و أظهرت تصاعدا كبيرا منذ 1997 حيث بدات تشكل أكثر من متوسط السنوات الإثني عشر (أي تزيد على 63% من قيمة الصادرات الزراعية) وبلغ استيراد ثلاثة سلع فقط هي السكر والقمح ودقيق القمح في عام 2012 حوالي 320% من قيمة صادراتنا الزراعية!!
رفعت الدولة يدها عن الصرف على البحوث الزراعية واكثار البذور وتحويله للقطاع الخاص المحلى وفشله فى انتاج البذور والاعتماد على استيراد البذور من الخارج، مما نتج عنه رفع التكلفة واستيراد بذور فاسدة (قضية بذور عباد الشمس) ولأول مرة في تاريخ السودان منذ إنشاء البحوث الزراعية بالسودان يستورد السودان تقاوي قطن من الخارج، ما سمي بالقطن المحور وراثيا، وكان السودان يعتمد على ما تطوره الأبحاث الزراعية من أصناف تلائم جو السودان عالية الجودة من أنواع بركات وأكالا وشمبات. ولم تجدد تقاوي الفول السوداني نسبة لتوقف محطات الأبحاث لانتاج التقاوي لسنين عديدة مما أدى لتدهور إنتاجية الفدان من الفول في الزراعة المطرية والمروية معا وتعرضها لأمراض تحد من الطلب العالمي عليه. وتوقفت محطات الابحاث واكثار البذور التى كانت تنتج البذور المحسنة وتجري التجارب لتطوير زراعة الذرة مثل (محطة ابحاث توزي).
حل أو تخريب مؤسسات تسويق الانتاج الزراعي (حل شركة الحبوب الزيتية، إلغاء إمتياز شركة الصمغ، حل شركة تسويق الماشية، تخريب شركة الأقطان). وقد أدى ذلك من جديد لتدهور اسعار المنتجات الزراعية وعائد المزارعين مما نتج عنه عزوف المزارعين عن الزراعة ، مع إرتفاع تكلفة الانتاج نتيجة لخصخصة الخدمات واستيراد المدخلات والقيام بالعمليات الزراعية.
تخريب اتحادات المزارعين المدافعة عن حقوقهم . وقد بدأ الطفيليون بفرض قياداتهم على الإتحاد بقوة السلطة و عندما ووجهوا بتذمر وتمرد قواعد المزارعين، عطلوا انتخاباتها وأخيرا ألغوا وجودها القانوني باستبدالهم قانون تنظيمات الزراع والرعاة لعام 1992 بقانون تنظيم اصحاب الانتاج الزراعي والحيواني لسنة 2010 والذي ارتكز بهتانا على اتهام التجربة الديمقراطية لاتحادات المزارعين بإعاقة تطور الزراعة .
اضعاف اتحاد الرعاة وهيمنة الراسمالية الاسلامية عليه وسيطرتهم على تصدير الثروة الحيوانية
وكنتيجة لهذه السياسات تدهور الانتاج الزراعي في السودان، فالأراضي المزروعة قطنا كانت تبلغ في المتوسط في الفترة 1970/1971-1989/1990 حوالي 875 ألف فدان تدهورت في العشرة سنوات الأولى لسلطة الراسمالية الطفيلية المتأسلمة إلى متوسط 431 ألف فدان . وفشلت الطفيلية خلال خطتها العشرية 1992-2002 أن تنجز أي من أهدافها في إنتاج الغذاء لأهل السودان في مجالات الذرة والقمح والحبوب الزيتية من فول سوداني وسمسم وزهرة عباد الشمس وما زال السودان يستورد مليون ونصف طن من القمح سنويا ويستورد زيت الطعام ويتذبذب انتاج الذرة الذي لم يتخط انتاج موسم 1987/1988 خلال اربع وعشرين عاما سوى مرتين. وأصبح السودان مستوردا لزيوت الطعام بعد أن كان مكتفيا ذاتيا ومصدرا للحبوب الزيتية.
تدهورالانتاج والانتاجية في قطاع الانتاج الزراعي المطري بشقيه النباتي والحيواني. فقد توقفت كل مشاريع تحديث الزراعة المطرية التقليدية . مشروع مثل تنمية غرب السافنا والذي يغطي مساحة 157 الف كيلو متر مربع ويسكنه أكثر من 2 مليون مواطن، قد توقف ووزعت أراضيه لمستثمرين من أنصار الحكومة ولم يستصلحوا فيه فدانا واحدا بحجة الحرب في جنوب دارفور. وتدهورت انتاجية الدخن والذرة والفول والسمسم في هذه المناطق لتدهور البذور وتوقف خدمات وقاية النباتات وعدم توفر التمويل وتدهور اسعار المحاصيل الزراعية بعد تصفية شركات الامتياز. فإنتاجية الذرة في القطاع التقليدي تدهورت من 0.6 طن للفدان وفقا لمتوسط أعوام 1970/1971-1984/1985 رغم وجود فترتي جفاف إلى حوالي0.39 في الفترة 1989/1990-2003/2004. وتدهورت إنتاجية الفول السوداني من نصف طن للفدان تقريبا ل 0.4 طن في نفس الفترة. وخرجت مناطق كاملة من هذا القطاع من الانتاج نسبة للحرب الدائرة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
إن وضع الثروة الحيوانية لهو الأسوأ في القطاع الزراعي، فبينما يسحب من القطيع القومي لغذاء الإنسان السوداني والتصدير، يظل نمو هذا القطاع يعتمد على قدراته الذاتية ومراعيه الطبيعية، المتضررة من الزحف الصحراوي وتدهو الغطاء النباتي والحروب في ثلاث ولايات ومن إنفصال الجنوب المرعى الصيفي لثروة 8 مليون مواطن من جمهورية السودان. وينعكس هذا الاهمال في ما يخصص للثروة الحيوانية ، وزارة وخدمات وبحوث، في الميزانية العامة فقد شكلت في عام 2005 حوالي 0.5% من جملة منصرفات الدولة و15.5% من جملة مخصصات الميزانية للقطاع الزراعي والتي بلغ حينها 2.3% من مخصصات الصرف في الميزانية، ولم يتغير الحال كثيرا في تقديرات ميزانية 2013 حيث بلغت مخصصات الثروة الحيوانية 0.78% من جملة مخصصات صرف الميزانية و28.1% من مخصصات القطاع الزراعي والتي بلغت 2.5% من مخصصات منصرفات الميزانية العامة.وهنالك ضرورة لاجراء دراسة باطنية لواقع الثروة الحيوانية فى البلاد، تستهدف تحسين اوضاعها ولدراسة علاقات الانتاج فيها وانصاف العاملين بها من رعاه وغيرهم الذين يعيشون حياة بائسة .
تدهور القطاع الصناعي
عندما أستولت الطفيلية المتأسلمة على السلطة كان السودان يملك صناعة زيوت طعام، طاقتها التصنيعية تبلغ 3 مليون طن من الزيوت، ولكن انتاج الزيوت تدهور حتى بلغ في عام 2003 حوالي 90 ألف طن فقط ووصل أعلى إنتاج له في عام 2008 بلغ 160 ألف طن بينما هدف ما يسمى بالبرنامج الثلاثي الذي استحدث بعد إنفصال الجنوب لانتاج 180 ألف طن الا ان ما تحقق في عام 2012 هو 159 ألف طن فقط . وكانت طاقة صناعة الصابون تبلغ 520 ألف طن صابون غسيل بالقطعة و46 ألف طن بدرة و20 ألف طن صابون حمام ولكن السودان أصبح مستوردا لكافة أنواع الصابون من بلدان عرفت هذه الصناعة بعدنا بأكثر من نصف قرن مثل السعودية.
أما صناعة الغزل والنسيج والتي كانت تملك طاقة إنتاجية لإنتاج 50 ألف طن غزل و 300 مليون ياردة من الاقمشة و21 مليون قطعة ملابس جاهزة وتريكو، فقد توقفت تقريبا من الانتاج ولم يثمر برنامج لتعميرها إلا بأقل من 6% من طاقتها الإنتاجية. وتم بيع المدابغ الحكومية ومصانع الأحذية بأبخس الأسعار.
ان الصناعة الأكثر قدرة على الحفاظ على إنتاجها هي صناعة السكر، بل أن شركة السكر السودانية هي من مؤسسات القطاع التي تسهم في إيرادات الدولة ورغم ذلك فإن الدولة تخطط لبيع مصانعها التي ظلت تساهم مع مصنع كنانة في إنتاج ما يزيد عن 650 ألف طن سكر في العام،.
وتواجه صناعة الأسمنت التي يمكن أن يقال أنها أكثر الصناعات تطورا في السودان من سياسات خاطئة تشمل الضرائب والمنافسة الأجنبية وأرتفاع أسعار النقل نسبة لتدهور السكك الحديدية.
إن إجمالي الاستثمار الصناعي في السودان يصل إلى حوالي 3 مليار دولار وفق تقديرات وزارة الصناعة وتشمل أكثر من 42 ألف منشأة صناعية منها 23 ألف منشأة صناعية صغيرة توظف أقل من 10 عمال و2300 منشأة صناعية توظف أكثر من 10 عمال، ولكن جميع هذه المنشآت مهددة بسياسة التحرير الاقتصادي التي تفتح السوق السوداني لمنافسة البضائع الأجنبية خاصة الصينية ومنتجات جنوب شرقي آسيا والمنتجات المصرية والسعودية.
إن القطاع الصناعي مثل القطاع الزراعي يعاني من مشكلة التمويل، إذ أن الصيغ المسماة الإسلامية للبنوك لا تشمل صيغة ملائمة لتمويل الاستثمارات الرأسمالية ولا رأس المال الدائر للمؤسسات الصناعية، بجانب ان الصيغ السائدة غير ملائمة فهي صيغ مرتفعة التكلفة ولا تقارن بأي سعر فائدة ساد في السودان من قبل أو يسود في العالم الآن.
تدهور البنية التحتية للإقتصاد:
صحيح أن تدهور البنية الهيكلية قد بدأ منذ فترة نظام نميري، ولكن نظام الجبهة أوقف الإصلاحات واعادة تعمير هذه البنية الهيكلية، فخلافاً لبعض الطرق التي بدأ تنفيذها أو تمّ التعاقد على تنفيذها قبل وصول الجبهة للسلطة، فإن تدهور البنية الهيكلية قد استمر وتفاقم فتدهورت خدمات السكك الحديدية والتعليم والصحة والكهرباء ومياه المدن والري والخدمات البريدية، وحتى الأمن، ولم يحدث تحسّن الإ في خدمات الهاتف بدخول الهاتف السيار(الموبايل) والتي إرتفعت تكلفتها بشكل باهظ بل أن خدمات الكهرباء ومياه المدن نفسها ارتفعت تكلفتها بشكل جعل حتى اتحاد العمال الخاضع للسلطة يحتج عليها وأدى ذلك للمظاهرات العنيفة المتكررة منذ سبتمبر 1996 وحتى الآن. بل أن ارتفاع التكلفة قد شمل كل الخدمات الإقتصادية والإجتماعية فزادت تعريفة السكك الحديدية ومصاريف المدارس والجامعات وفرضت الرسوم على الخدمات الصحية وزادت تعريفة الري في المشاريع الزراعية. وأدت زيادة أسعار الوقود المتكررة الى زيادة تكلفة النقل البري والمواصلات داخل وبين المدن والقرى.وقلل ذلك من أن يكون السودان بلداً جاذباً للإستثمار.
الحرب والاقتصاد:
الحرب دمرت ولازالت تدمر القوى المنتجة وفي مقدمتها الانسان الذي يتعرض للقتل والإعاقة والتهجير القسري إما نازحا أو لاجئا، والذي يتحول من منتج إلى محارب وهي تدمر البيئة وتحرق المحاصيل وتقتل الماشية وتسمم مصادر المياه. ولذا يستحيل أن ينهض اقتصاد في حالة حرب خاصة في بلد كالسودان تدور الحرب في مناطق هامة من مناطق انتاجه الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، فالحرب في دارفور تعطل الانتاج الزراعي تماما، بل تنقل المزارعين من منتجين لمعتمدين على العون الغذائي، وتهلك الماشية وتعرضها للنهب والقتل والعطش وحريق المراعي والنزوح للدول المجاورة، والحرب في جبال النوبة أخرجت مشاريع هبيلا (450 ألف فدان شبه آلي كانت تزرع بالذرة والسمسم أساسا ومحاصيل أخرى كالفول والقطن) ومشروع مؤسسة جبال النوبة الزراعية ( والذي كان يزرع بالقطن المطري قصير التيلة، عالي الانتاجية ورخيص التكلفة) والبلدات الصغيرة المزروعة بالذرة والكركدي والبامية والسمسم، وجناين الفواكه في شرق الجبال والحرب في النيل الأزرق التي تهدد الزراعة شبه الآلية في أكثر من مليون فدان تزرع بالذرة وعباد الشمس والسمسم.
وخلافا للخسارة المباشرة في الناس والإنتاج والموارد، فالحرب تشكل عبئا ماليا ثقيلا على البلاد وتصبح المنصرفات على الحرب والتي تقدر بحوالي 4 مليون دولار في اليوم هي أعلى بنود المنصرفات, وأوضحت بعض الدراسات الأكاديمية أن حكومة السودان أنفقت على حرب دارفور 35.07 بليون دولار وهو ما يعادل 233 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنوات الحرب. ويشتمل هذا على 10.08 بليون دولار في صورة نفقات عسكرية مباشرة، و7.2 بليون دولار في صورة خسائر في الإنتاجية فقدها النازحون عن أراضيهم داخل دارفور، و2.6 بليون دولار في صورة خسائر في المدخرات الحياتية فقدها القتلى في الحرب، و4.1 بليون دولار خسائر نتجت عن الإضرار بالبنية الأساسية.
هجرة العمالة الماهرة والفنيين والمهنيين:
بدأت سلطة الجبهة بتشريد النقابيين والمهنيين وأساتذة الجامعات والمعلمين والقضاة وأفراد وضباط الشرطة وقد أدى ذلك مباشرة لتدهور الخدمات الإقتصادية والإجتماعية والأمن ولكن السلطة لم تكتف بذلك بل حرمت معظم هؤلاء من الالتحاق بالمؤسسات الخاصة وغير الحكومية مما أدى الى تفاقم الأزمة الإقتصادية وانتهاكات حقوق الإنسان كبداية أكبر معد‍‍ّل للهجرة للكفاءات والخبرات السودانية في التاريخ شملت العمال المهرة، الفنيين والمهنيين من أطباء واساتذة جامعات ومهندسين وقانونيين ومعلمين وصيارفة واقتصاديين واداريين ورجال أعمال، وهاجرت هذه الكفاءات لقارات العالم جميعها ووصل المهاجرون الى اليابان واستراليا وجنوب افريقيا وكندا والولايات المتحدة وكل الدول الأوروبية تقريباً، بل ان عدد السودانيين بمصر يقدّر ببضعة ملايين ‍.
وزادت الهجرة في السنوات الأخيرة بعد ما أطبقت الأزمة الاقتصادية حلقاتها على كافة المجالات وبلغ عدد الذين هاجرو وفقا لتقرير وزير الدولة للعمل لمجلس الولايات في عشرة شهور من 2012 حوالي 75631 مهاجراً مقارنة ب 10032 مهاجراً خلال العام 2008م بنسبة زيادة بلغت 654% ما يعادل اكثر من ستة أضعاف المهاجرين في العام 2008م . وأرجعت الوزيرة الاسباب لضعف الأجور وقلة فرص العمل وإنفتاح سوق العمل في الدول المستقبلة للمهاجرين ، وحاجة الحكومة للحصول على موارد من العملات الصعبة . وبحسب الوزيرة بلغ عدد المهاجرين من المهن التعليمية (1002) معظمهم خلال العام 2012م .
الفصل السادس
الفقر و تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين
الفقر في السودان
أحد أهم سمات الأزمة التي تواجهها البلاد تحت ظل نظام 30 يونيو تدهور عام في تلبية الإحتياجات الأساسية للمواطنين من طعام وشراب وملبس، وخدمات صحية وتعليمية ..ألخ. وقد اكدت الدراسات وتقارير الامم المتحدة ان نسبة السكان تحت خط الفقر فى السودان بلغت 96% الى 98%وتتفاوت نسبته بين اقاليمه المختلفة وتشير الآرقام الرسمية إلى أن حوالي نصف السكان 46.5% يعيشون تحت خط الفقر بمعنى أنهم لا يتناولون طاقات حرارية كافية ولا يلبون حاجاتهم الأساسية من الطعام والكساء والدواء والتعليم.
وتقدم لنا الأرقام الرسمية حقائق مذهلة عن الفقر في السودان مقسم بشكل غير عادل بين الحضر والريف وبين ولايات السودان المختلفة، فوفقا للأرقام الصادرة من الجهاز المركزي للإحصاء فإن سكان الحضر الذين يمثلون 35% من سكان السودان يمثل الفقراء بينهم حوالي 20.3%، أي نسبتهم تساوي نصف المعدل الوسطي المئوي للفقراء في السودان، بينما يشكل الفقر في الريف الذي يسكنه 65% من السكان 79.7% أي ضعف المعدل الوسطي المئوي في البلاد.
ولكن التمايز في الفقر بين الولايات يوضح الصورة بشكل يعكس آثار التنمية غير المتوازية بين ولايات السودان. فبينما تشكل نسبة الفقراء في خمس ولايات هي الخرطوم و نهرالنيل والشمالية وكسلا والجزيرة أقل من نسبة المتوسط الوطني لنسبة الفقراء، فإن بقية الولايات تتميز بمعدل فقر أعلى من المتوسط الوطني مثل سنار (%44.1)، القضارف (%50.1%)، النيل الأبيض (%55.5)، غرب دار فور (55.6%)، النيل الأزرق (%56.5)، البحر الأحمر (57.7%)، شمال كردفان (57.9%)، جنوب كردفان (60.0%)، جنوب دار فور (61.2%)، شمال دار فور (69.4%).
وتدل معدلات الفقر بوضوح على تدني تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين وفقا للمستويات التي تعترف بها الحكومة عبر الجهاز المركزي للإحصاء.
نقص الغذاء
أهم سمات الفقر هو نقص الغذاء ووفقا لمنتدى الامن الغذائي الذى عقد بمجلس الوزراء والذى كشف عن تزايد وفيات الاطفال بسبب سوء التغذية وان ثلث اطفال السودان تحت سن الخامسة يعانون سوء التغذية وان 13 مليون سوداني يعانون نقصا في الغذاء وقد افاد وزيرالصحة في المنتدى أن 99 % من النساء يعانين فقر الدم الانيميا .
من الأسباب الرئيسية لأنتشار الفقر ونقص الغذاء خروج المناطق المنتجة الأساسية من دائرة الإنتاج بسبب الحروب التي أدت لزعزعة السكان ووجود الملايين في المعسكرات مما حولهم من منتجين للغذاء الى متلقين له ، كما ساهمت تصفية المشاريع القائمة مثل مشروع الجزيرة والمشاريع المروية القومية الاخرى وإخراجها بحجب وضعف التمويل الزراعى من دائرة الإنتاج و بسبب عدم توفر المبيدات والأسمدة وإرتفاع تكلفة الإنتاج و عوامل الجفاف والتصحر والكف عن صيانة التربة .
,إذا كان ذلك إعتراف الحكومة الرسمي فهو تعبير عن فشل السياسات الغذائية لنظام رفع شعارات مثل نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع، نظام عندما جاء للحكم كان إستيراد الغذاء 72 مليون دولار في عام 1990 ووصل إلي (441) مليون دولار في عام 2002م عند نهاية الخطة العشرية (1992-2002) وتواصل ارتفاع قيمة استيراد الغذاء للسودان حتى وصل إلي (811) مليون دولار في عام 2005 وظل متصاعداً بطريقة متواصلة ، ففي عام 2008 ارتفع إلي مليار و(333) ووصل الى 2 مليار و625 عام 2010م.
تدهور التعليم العام
رغم زيادة عدد المدارس في التعليم العام سواء مدارس أساس أم مدارس ثانوية، فإننا نجد تدهورا فظيعا في مستوى ونوع التعليم. إن السودان بعيد عن تحقيق أهداف الألفية الثالثة التي وقع عليها والتي تنص في مجال التعليم على تعميم التعليم الأساسي والمساواة بين النساء والرجال في فرص التعليم. وقد فصلت اليونسكو تلك الأهداف فيما سمي ببرنامج التعليم للجميع ولخصته في الأهداف التالية والمطلوب تحقيقها بعام 2015:
1- التوسع في توفير الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة.
2- تحقيق تعميم التعليم الأساسي (الإبتدائي).
3- تعزيز التعليم وإكتساب المهارات الحياتية لدى النشىْ والكبار.
4- خفض مستويات الأمية ب 50%.
5- تحسين نوعية التعليم
6- الحد من التفاوت في التعليم بين الجنسين
وإذا نظرنا لما تحقق حتى الآن نجد ان السودان بعيد جدا عن تحقيق أي من الأهداف المذكورة. ففي مجال الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة نجد أن 24% من جملة الأطفال في سن4-6 سنوات يستوعبون في رياض الأطفال والخلاوي ومعظمها غير حكومية، بينما يستوعب 69% فقط من الأطفال في سن الدراسة (6 سنوات) في مدارس الأساس، وهذه النسبة تقل عن 66% عندما يؤخذ المدى العمري لمدرسة الأساس (6-13 سنة) وتصل نسبة متلقي التعليم بين عمري 14 و16 سنة إلى 26% (الأرقام من منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة)
نقص المعلمين
لو أخذنا المعلمين كمقياس للجودة فسنجد أن وضع المعلمين في عام 1989 كان أفضل مما هو عليه في عام 2009 ، وطبعا هذا مقياس للجودة يفترض كفاءة متساوية في المعلمين في 2009 و1989.
في عام 1989 كان هناك وفقا للأرقام التي أوردتها وزارة التربية والتعليم 8.9 معلم لكل مدرسة أساس، وكانت مدرسة الأساس تتكون من 6 فصول، أي أن هناك 1.49 معلم لكل فصل ويقابل كل 26.9 تلميذ معلم ولكن هذا الوضع في مدارس الأساس تدهور فأصبح هناك 8.56 معلم لكل مدرسة (رغم زيادة الفصول ل 8 في المدرسة مما يعني أننا لوكنا نريد المحافظة على النسبة القديمة كان من المفترض أن يكون في المدرسة الجديدة 11.9 معلم لكل مدرسة أي ان هناك نقص معلمين يساوي2.34 معلم في المدرسة الواحدة أي ما يساوي 42342 معلم) لذا تدهور الوضع بحيث أصبح كل 1.07 معلم مسؤول عن فصل وأصبح المعلم مسؤول عن 33.8 تلميذ وهو زيادة عبء على المدرس تصل إلى 23.3%.
وما نقوله صحيح بالنسبة للمدارس الثانوية فوفقا لأرقام وزارة التربية والتعليم فقد كان في عام 1989 هناك 4.77 معلم لكل فصل و 14.3 معلم للمدرسة وتدهور الحال في عام 2009 وصار هناك 2.87 معلم للفصل و 11.5 معلم للمدرسة ولو حاولنا الحفاظ على النسبة القديمة بالنسبة للمدرسة فنحن نحتاج 10203 معلم جديد للثانويات.
إن النقص في عدد المعلمين المدربين في التعليم العام بسبب الفصل وغيره هو خطر على كل العملية التعليمية خاصة أن التعليم العام يتعلق بالأطفال والشباب في طور المراهقة الأولى. تشير التقارير الرسمية أن 61% من معلمي الأساس قد نالوا قدرا ما من التدريب وأن 39% من معلمي الأساس لم ينالوا أي تدريب، بينما بلغت نسبة المعلمين غير المدربين في المدارس الثانوية الأكاديمية والفنية 33% الى جانب التوزيع غير العادل للاعداد المتوفرة للمعلمين خاصة فى المواد العلمية .
مجانية التعليم
تتزايد عدد المدارس خاصة مدارس الأساس التي يجلس بعض طلابها على الأرض دون كتب دراسية للتلاميذ، وأختفى بشكل كامل التعليم المجاني، رغم إدعاءات الحكومة، وظل التلاميذ والطلاب يدفعون مصاريف ورسوم مدرسية تحت مسميات مختلفة.
لم يعد التعليم الحكومي مجانيا وأصبح عبئا جديدا يضاف لنفقات المعيشة والسكن والكهرباء والمياه، والرسوم المحلية من عتب ونفايات وفاتورة الصحة والدواء. وانخفض نصيب التعليم في الميزانية العامة من أعلى نسبة له خلال الديمقراطية الثانية في عام 1966/1967 عندما بلغ 17.4% من نسبة الانفاق العام ليصل في ميزانية 2001/2002 إلى 6.9% ويصل في ميزانية 2013 ل 2.2% ومهما يقال عن نقل أعباء التعليم العام المالية للولايات فإن البنك الدولي قد أوضح أن السودان يصرف 13.2% من المنصرفات العامة على التعليم وهذا أقل مما يصرفه جيرانه، حيث تصرف تشاد 15.6% وأثيوبيا 18.8% وكينيا 29%، بينما تصرف ساحل العاج 25.8% وليسوتو 33.8% ولا يمكن مقارنته بدول أفريقية أخرى مثل المغرب 29.3% وتونس 34.8%. وإذا نظرنا لنسبة ما يصرف على التعليم لإجمالي الانتاج الأهلي فنجد السودان أيضا يحتل ذيل قائمة الدول المذكورة عاليه، إذ يصل ما يصرفه على التعليم إلى 2.9% من إجمالي الناتج الأهلي، وهو أقل مما تصرفه تشاد 3.1% وأثيوبيا 5.5% وكينيا 7% وساحل العاج 4.4% وليسوتو 13.2% والمغرب 5.5% وتونس 7.1% وذلك وفقا لأرقام البنك الدولي.
أدى إنخفاض ما يصرف على التعليم العام إلى خلل في تركيبة المصروفات، وتشكل أجور المعلمين 76% من مجمل ميزانيات التعليم وتصرف ال 24% على الكادر غير التعليمي وعلى إحتياجات عملية التعليم. بل أن هذا الخلل يتضح تماما في التعليم الأولي الأساسي حيث ما يصرف على العملية التعليمية من وسائل وأدوات وكتب… ألخ لا يزيد عن 5% وفقا لدراسة أعدها البنك الدولي.
إن وضع التعليم في الولايات وعدم صرف المعلمين لمرتباتهم وجلوس طلاب الأساس على الأرض وانعدام الكتاب المدرسي الذي ظل يباع ويملك للتلاميذ بدلا عن تدويره، يوضح أن التعليم لا يمثل اولوية في صرف الولايات.
إن مجانية التعليم العام هي الخطوة الأولى لديمقراطيته وجعله إلزاميا ومتاحا لكل الأطفال في سن التعليم فما زال 31% من الأطفال في سن تعليم الأساس لا يستوعبون في التعليم الأساسي و28% فقط يستوعبون في التعليم الثانوي.
التوزيع غير العادل لخدمات التعليم
ان نسبة الاستيعاب الكلي للأطفال في سن التعليم في الولاية الشمالية تصل الى 93.3% وفي الخرطوم 90.5% وفي ولاية النيل 87.6% فهي في شمال كردفان تصل 69.8% وفي جنوب كردفان 56.6% وفي شمال دارفور 76.2% وفي جنوب دارفور 69.6% وفي غرب دارفور 67.1% وفي البحر الأحمر 69.4% وفي كسلا 67.9% وفي القضارف 72.1%. إن هذا التفاوت يمتد لنسب المعلمين للتلاميذ أيضا مما يؤثر على جودة التعليم. تعتبر نسبة الطلاب للمعلم في جنوب دارفور هي أعلى نسبة في البلاد حيث تبلغ 75 تلميذا للمعلم الواحد وتليها شمال دارفور 50 تلميذا للمعلم وغرب دارفور 45 تلميذا للمعلم، بينما هي في الشمالية 20 وفي النيل 21 وفي الخرطوم 27 تلميذا للمعلم.
أثر الحرب في التعليم
توضح ارقام اليونسكو أثر الحرب على التعليم في دارفور حيث تنخفض نسبة استيعاب التلاميذ لاقل من المتوسط الوطني وتبلغ 67%، 46% و 56% في ولايات شمال وغرب وجنوب دارفور على التوالي اضافة الى مناطق الحروب والصراعات القبلية فى بقية انحاء السودان . ويعتمد التدريس على متطوعين من منظمات المجتمع المدني ويوجد نقص كبير فى الكتب ووسائل التدريس والمعامل والمناشط المدرسية.
مناهج لا تطور قدرة التلميذ على التعلم
تدنى المناهج و حشوها بالمواد وبالمعلومات التي تنشْىْ التلميذ على الحفظ بدلا عن التفكير الخلاق مثل إعطاء التلاميذ سور قرآنية أكبر من استيعابهم، و تلقنهم معلومات بدلا من وضع مناهج للتعلم والاعداد لمستقبل الحياة. هذه المناهج وضعت بهدف صياغة التلاميذ والطلاب وفقا لفكر جماعات الاسلام السياسى القائم على التطرف الدينى والكراهية .
لم تراع كثرة المقررات طول العام الدراسي او ندرة المعلمين المدربين لتدريسها او القدرة الاستيعابية للطلاب او تأهيل الطلاب للمرحلة الدراسية التالية أو للإنخراط في الحياة العامة والاستفادة مما تلقوه، إما في سوق العمل أو لتطوير حياتهم الخاصة ،كما وغابت التربية الرياضية والمكتبات المدرسية والفنون والمسرح المدرسي .
التعليم الخاص والبحث عن الربح
لقد حل التعليم الخاص الذى قصد منه جنى الربح الوفير محل التعليم الاهلي ذى الاهداف القومية السامية ,اذ ان حوالى 6% من تلاميذ التعليم العام يدرسون بمدارس خاصة برسوم دراسية عالية ويبلغ عدد المدارس الخاصة بمرحلة الاساس 1771 مدرسة منها 676 مدرسة بالخرطوم .
محو أمية أم زيادة الأميين؟
السودان من الأقطار القليلة التي يزيد فيها عدد الأميين كل عام فبينما تضم فصول محو الأمية حوالي 302 ألف دارس، فإن عدد الأطفال الذين لا يستوعبون في التعليم الأساسي وهم في سن التعليم يزيد كل عام ب 2397542 طفلا بمعنى أن الأمية تزيد بمعدل 2 مليون شخص تقريبا في العام،علاوة على الفاقد التربوى والمتسربين اثناء العام الدراسى .
إن الطريق السليم لمحو الأمية هو إيقاف زيادة الأميين بالتوسع في التعليم الأساسي ، بحيث يشمل كل الأطفال في سن التعليم ،واستيعاب أطفال معسكرات النزوح والذين لا ينال معظمهم تعليم أساسي، بل تحول معظمهم إلى مشردين وقد يتحولون لمدمني حرب علماً بأن 80% إلى 85%من سكان هذه المعسكرات من النساء والأطفال، حينها فقط تصبح حملات محو الأمية وتعليم الكبار ذات معنى لإنهاء الأمية في البلاد.
ديمقراطية التعليم العام هي الحل
مثل مشاكل السودان الأخرى، فإن إصلاح التعليم العام مرتبط بديمقراطيته في مجال تعميمه ومجانيته، وفي مجال إدارته باشراك الآباء والأمهات والمعلمين ، وفي مجال مناهجه التي تعد تلاميذ وطلاب يمتلكون مناهج علمية للتعلم وللبحث عن الحقيقة ولتطوير إمكانياتهم الذاتية،وما تراجع الحكومة بإضافة عام دراسي للسلم التعليمي إلا دليلاً على فشلها وتخبط سياساتها التعليمية.
ديمقراطية التعليم المرتبطة بتنمية متوازنة هي طريقنا لحل مشاكل التعليم بما في ذلك التوزيع العادل للخدمات التعليمية،وتعويض مناطق الحرب والمناطق الاقل نموا عن الظلم التاريخى الذى حاق بابنائها فى مجال التعليم .
تدهور خدمات التعليم العالي
تشكل الجامعات فى دول العالم عقل المجتمع ووجدانه الفكرى ، وهى المحرك الرئيسى للتطور والتقدم الاجتماعى ، ولذلك تصبح مراجعة سياسات التعليم العالى فى السودان ووضع استراتيجية قومية له ، من اهم الاعمال التى يستوجب القيام بها . لقد تراجعت الجامعات السودانية واصابها التخلف والجمود واضحت فى احسن الاحوال مدارس عليا تدرس مواد تلقن الدروس ،فى غياب شبه تام للبحث العلمى والابتكار والتجديد وروح المبادرة ،عدا حالات فردية بين الاساتذة والطلاب وبامكانياتهم الذاتية – رغم شحها – ودون مردود مادى . ومن حيث ادارة الجامعات يسود انعدام المؤسسية والديمقراطية وفردية القرارات وهيمنة الدولة من خلال القوانين على الجامعات العامة منها والخاصة .فتعيين قياداتها يخضع الى موافقة الدولة ومباركتها ،وتجثم وزارة التعليم العالى والاهلى والاجنبى فوق صدورها .كما ادى ضمور تمويل الجامعات لبنياتها الاساسية وللبحث العلمى الى غياب الدور المجتمعى لها ، فدور الجامعات يرتبط بالسياسات العامة ويكون فى علاقة جدلية مع المجتمع لتحقيق اهدافه باستلهام الافكار منه للابتكار والتطويرواشاعة المعرفة والاستنارة .
يشكل التعليم العالى سمة من اهم سمات الازمة العميقة التى يعانى منها السودان ، فمشكلته خطيرة تستدعى المبادرة والبحث من الجميع ، العاملين والمهتمين بالتعليم العالى وبمستقبل الاجيال المقبلة ومصير وتطور البلاد . ان الامر يفرض وضع استراتيجية موجهة تتفرع عن استراتيجية قومية شاملة تلاقى القبول من جميع مكونات المجتمع ، مما يتطلب المشاركة الواسعة فى اعدادها لتحل محل الاستراتيجية الحالية ربع القرنية (2007- 2031) والتى بالكاد يعرف عنها احد شيئا او يعيرها اهتماما من حيث التطبيق العملى .
ملامح الاستراتيجية القومية المقترحة للتعليم العالى تتمثل فى :-
استقلالية الجامعات واشاعة الديمقراطية ومبادى الحرية الاكاديمية والتنظيم وحرية العمل النقابى وتضمين ذلك فى قوانينها .
استقطاب الموارد وتخصيصها بشكل منتج فى تطوير الجامعات .
تحديد الهياكل والمؤسسات الداعمة واصلاح وتطوير المناهج التعليمية لتسير فى اتجاه روح المبادرة والابتكار، وتنمية القدرات الابداعية واستحداث تخصصات جديدة تواكب التطور المتسارع فى العلوم ،وتوفيرالمراجع اللازمة .
تحديد اساليب المتابعة والتقويم واعادة التقويم للنتائج لفترات يتم تحديدها وفقا للاهداف ، على ان يحدث ذلك فى اطار البحث العلمى بدلا عن تحويل معظم شباب الاساتذة الجامعيين الى مدرسين اداريين .
نظام قبول للطلاب يستهدف الكفاءة الاكاديمية والتميز ، والغاء نظام القبول الخاص كمصدر للتمويل وتمييز بعض الفئات لاسباب مختلفة وحتى لايصبح التعليم العالى للاغنياء فقط .
انهاء العنف الطلابى الذى اصبح بديلا للحوار الفكرى .
احترام حرمات الجامعات وعدم تدخل الاجهزة الامنية والنظامية فى الجامعات ومواجهة الاحتجاجات الطلابية ومطالبهم بالقمع لدرجة التصفيات الجسدية .
هذه الشروط لن تتحقق الا اذا كانت صناعة القرار على قدر من الكفاءة والتمثيل المناسب لجميع المدارس الفكرية الفاعلة ومحتكمة الى منهجية علمية صارمة وفى مناخ من الحريات ومستوى واسع من المشاركة ، الشى الذى لا يتوفر حاليا ولكن يمكن توفيره بتعبئة العاملين فى التعليم العالى خاصة اساتذة الجامعات الذين يتميزون بالتأهيل العالى ومن ذوى الانتاج العلمى دون تحيز او محاباة .ويتمكنون من انجاز المهمة وجلب التضامن ووضع الأطر الضرورية لهذا المشروع الكبير .هذا العمل شاق ومكلف وطويل الأجل لكن نتائجه ضرورية كى ينهض السودان من ازماته الحالية ويسير فى ركب التطور والحداثة .
اهم المتطلبات فى سياسات التعليم العالى :-
1- الحريات الاكاديمية : وتتضمن حرية البحث العلمى ،و حرية الفكر والرأى والاجتماع والتنقل وتقديم المحاضرات والمشاركة فى الندوات وحلقات النقاش والحصول على المعلومات واستخدامها وتوزيع الاعمال الفكرية والعلمية ويشمل كذلك
حرية الرأى والتعبير .
توفير الامكانيات المادية للعاملين ودعم الجانب المعنوى .
الاستقلالية المالية والادراية للجامعات .
مراعاة معايير النزاهة الاكاديمية والامانة العلمية والالتزام بالحياد وحماية الطلاب من عمليات تستهدف التلقين .
2- حرية العمل النقابى فهو يمثل الأداة الرئيسية للحقوق وحماية المكاسب ويشكل الضمانة لحماية المهنة .
3- توفير البينة الجامعية المناسبة للاساتذة والطلاب والعاملين بتوفير شروط الخدمة المجزية ، السكن المناسب ، القاعات ، المكتبات للاستقرار الاكاديمى والحد من هجرة اساتذة الجامعات خارج السودان . كذلك اشراف الجامعات مباشرة على السكن الطلابى وعلى وجه الخصوص الاهتمام باسكان الطالبات وتوفير المناخ الصحى المناسب لهن .
4- مراجعة سياسات القبول ومراجعة المناهج والعبْ التدريسى .
5- وضع نظام الزامى لتدريب اعضاء هيئة التدريس والابتعاث الخارجى والمشاركة فى المؤتمرات العلمية وتبادل الخبرات مع الجامعات الاجنبية .
6- ان التمويل المخصص من الموارد للتعليم العالى متدنى للغاية قياس بالمعايير العالمية والاقليمية ، مما دفع الجامعات للجؤ للقبول الخاص والتوسع فى القبول الشىْ الذى اضر بالعملية الاكاديمية وتبعاتها .
7- جودة مخرجات التعليم العالى من الطلاب يعتمد الى حد كبير على التعليم العام الذى ساده التدهور والاهمال من حيث الحجم والتمويل والمناهج والمعلمون المؤهلون الذين هاجروا باعداد كبير ة بحثا عن الوضع الافضل .
نرى من الاهمية بمكان وضع استراتيجية قومية للتعليم العالى ، وربطه بالتنمية وتقويم مساره فى كافة جوانبه وباشاعة الديمقراطية والاستقلالية لمؤسساته ،وجعله متاحا لكل ابناء الوطن وليس للقادرين فقط . وجنى العائد المعتبر من مخرجاته من موارد بشرية وبحث علمى يشكل العنصر الاساسى فى التنمية والنهوض من دوامة الجهل والتخلف .
تدهور الخدمات الصحية
مقدمــــــــــــة:
النظام الصحي في أي بلد يعكس دور الدولة ومدي مسؤوليتها في توفير الرعاية الصحية لمواطنيها. المعروف ان النظام الصحي الحديث في السودان قد نشأ وتطور علي أساس الصحة العامة والرعاية الصحية الاولية وذلك منذ عهد الاستعمار مرورا بالحكومات الوطنية التي كفلت العلاج المجاني في مؤسسات الدولة الصحية التي تشكل المستشفيات بانواعها والمراكز الصحية والشفخانات ووحدات الرعاية الصحية الاولية ونقاط الغيار. وبدأت اول محاولة لخلخلة الخدمات الصحية في اوائل الثمانينات بانشاء الصيدليات الشعبية التي تبيع الادوية باسعار زهيدة رغم انها من الامدادات الطبية والتي من المفترض ان تقدم مجانا للمرضي ومن خلال المؤسسات الصحية اي الحكومية.
الا ان هذا الوضع تغير تماما بعد عام 1991 باعلان سياسات التحرير الاقتصادي التي تبعها الاعلان عن سياسات العلاج الاقتصادي في نفس العام وبذلك تحولت مسؤولية تقديم الخدمات الصحية من الدولة الي القطاع الخاص وانحصر دور الدولية في وضع السياسات الصحية العامة.
الرأسمالية والصحة:
وباعلان سياسات التحرير الاقتصادي تحت ضغط المؤسسات المالية العالمية خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اتجهت سلطة الانقاذ الي خصخصة مؤسسات القطاع العام وبيعها باسعار زهيدة وتحويل بعضها الي هيئات مستقلة تمهيدا لبيعها وشمل ذلك الخدمات الاجتماعية بما فيها التعليم والصحة والبيئة وبتلك الخطوة تحولت الخدمات الصحية الي سلعة للقادرين. اذ ان مجال الصحة اصبح محط انظار الرأسمالية بكل مكوناتها لانه مجال لتراكم رأس المال ويحكمة قانون السوق اي العرض والطلب مثل القميص والحزاء والاكسسوارات، مما انعكس سلبا علي الخدمات الصحية رغم ما حاولت ان تروج له سلطة الراسمالية بان المنافسة وسط القطاع الخاص ستؤدي الي تحسين الخدمات الصحية ولكن ثبت بالتجربة خطل هذه الدعاية اذ ان مبدأ المنافسة ينتاسب وكرة القدم مثلا او البورصات المالية التي تتنافس فيها الشركات وليس الرعاية الصحية لانها احد الحقوق الاساسية التي تتوقف عليها حياة الانسان. اكدت تجارب العديد من الدول ان مقدار تسليع الصحة ذي علاقة وثيقة بنسبة وفيات الاطفال دون سن الخامسة اكثر من علاقته بالناتج القومي .
المهمة الاساسية امام الرأسمالية الطفيلية في مجال الصحة تتمثل في :-
خصخصة وتفكيك المؤسسات الحكومية القائمة ومن ثم تحطيم المؤسسات الصحية العامة (الحكومية) حتي يتثني لها السيطرة التامة علي ( سوق ) الصحة.
حصر دور الدولة في وضع السياسات العامة للصحة ورفع يدها تماما عن تقديم الخدمات الصحية .
اطلاق العنان للقطاع الخاص في مجال الصحة دون اي مراقبة او محاسبة من قبل الدولة وبدون الزامه باي خطة مثل توزيع الخدمات او ضبط الاسعار.
التراجع المتعمد من قبل الحكومة والقطاع الخاص مباديء الرعاية الصحية الاولية واعلان ( الصحة للجميع) Alma Ata Declaration 1978 والذي يؤكد علي ضرورة تبني سياسات الصحة العامة والرعاية الصحية الاولية المتكاملة اذ ان ذلك لن يحقق الربحية العالمية التي يهدف اليها القطاع الخاص.
ترسيخ ثقافة الشراكات بين القطاع العام والخاص في مجال الصحة والتي تجد التشجيع من مؤسسات التمويل وبعض المؤسسات العاملة في مجال الصحة بهدف تقليص دور القطاع العام والتاثير علي السياسات الصحية بما فيها تحديد اولويات الصحة وفق رؤية الممولين.
التركيز علي البرامج الرأسية في مجال الصحة مثل برنامج الايدز مقابل تجاهل النظام الصحي المتكامل. هذه البرامج الرأسية ليست بالضرورة ان تؤسس علي الحقائق العلمية Epidemiological Studies بل علي اساس انها مشاكل عالمية Global health Policy.
اقامة المستشفيات والمراكز الصحية الراقية – خمسة نجوم – ذات التكنولوجيا العالية والتي تتوفر لها الدعاية حتي تحقق اكبر قدر من الارباح.
التركيز علي الخدمات الصحية علي المستوي الثالث بانشاء المستشفيات المتخصصة في تجاهل لحقيقة ان اكثر الامراض التي تتسبب في الموت في السودان يمكن منعها ومعالجتها علي مستوي الرعاية الصحية الاولية والمستوي الثاني العلاجي اي المستشفيات العامة.
دخول الرأسمال الاجنبي للاستثمار في مجال الصحة سواء من خلال الشراكات مع الراسمالية او بمفرده.
تاسيس الاجنحة الخاصة في المستشفيات الحكومية الكبيرة مثل مستشفي الخرطوم وبحري وام درمان ومستشفي القابلات بامدرمان ، بل تم استقطاع جزء من هذه المستشفيات وتحويلها الي مراكز تشخيصية يملكها القطاع الخاص وتحولت الصيدليات بهذه المستشفيات الي القطاع الخاص ايضا.
تقديم الحوافز والتسهيلات للرأسمالية المستثمرة في مجال الصحة مثل :-
تمليك الاراضي باسعار زهيدة.
الاعفاء من الضرائب الجمركية.
تقديم سلفيات ميسرة بارباح ضئيلة.
عدم اشتراط تقديم الخدمات بصورة مجانية او مخفضة للفقراء او اي شروط اخري.
انشاء نظام التامين الصحي لربط المرضي بمستشفيات بعينها مما يخلق نوعا من الطلب ويحقق اكبر قدر من الربح.
الوضع العام للصحة في السودان
يقف تدهور الصحة في السودان شاهدا آخر على فشل نظام الإسلام السياسي وقيادته الممثلة في نظام 30 يونيو الطفيلي المتأسلم في قيادة البلاد وفي تلبية الاحتياجات الأساسية لشعبنا. ولعل أهم سمات ذلك التدهور تبرز في سحب مجانية الخدمات الصحية على كل المستويات وفي كل أنحاء البلاد، إلا تلك التي تقدمها أو كانت تقدمها منظمات إنسانية تم طردها من البلاد. ومن مظاهر تدهور الخدمات الطبية التي تعترف بها الحكومة زيادة أمراض مثل الاسهالات والملاريا والكلازار والبلهارسيا والأيدز والسرطانات والفشل الكلوي، وزيادة وفيات الأطفال والأمهات.
حقائق وارقام عن الصحة
عدد السكان في السودان 37.96 مليون حسب الاحصاء السكاني لسنة 2008
الفئة النسبة
نسبة السكان فوق عمر 60 سنة 5.2%
نسبة السكان الذين تتوفر لهم مياه صحية 54%
نسبة السكان الذين تتوفر لهم خدمات التخلص من الفضلات الانسانية 31.4%
نسبة الحوامل اللائي اخذن جرعتين من مصل التتانوس 37%
توقع الحياة عند الولادة:-
للذكر 52.5 سنة وللانثي 55.5 (المصدر التقرير السنوي للصحة 2011)
وبحسب احصاءات منظمة الصحة العالمية فان :-
نسبة وفيات الاطفال الرضع (IMR) 49 من كل الف ولادة حية ونسبة وفيات الاطفال اقل من عمر 5 سنوات 73 من كل الف ولادة حية.
ولعل بعض الأمثلة من أرقام منظمة الصحة العالمية توضح الوضع:
في عام 2011 كانت نسبة الاصابة بالملاريا في كل 100 الف مواطن 2500 وتم ادخال 1800 منهم المستشفيات وكانت الوفيات 500 من كل 100 الف مواطن
توضح الارقام ايضا نسبة زيادة المرضى بالسل بحوالي 1% في العام ولكن الذين يعود لهم المرض يعادلون 5% من المصابين وان 68% من تمويل مكافحة السل وعلاجه تأتي من العون الاجنبي. وتعترف وزارة الصحة أن عدد المصابين بالدرن قد بلغ (6) الآف حالة بواقع 119 حالة بين كل 100الف مواطن (خطاب مديرة الحملة القومية لمكافحة الدرن أمام منسقي الحملة بودمدني مارس 2013). بينما تقول منظمة الصحة العالمية أن نسبة الاصابة بالسل في السودان هي 201 من كل مائة ألف شخص ،وتقول الصحة العالمية أن نسبة الإصابة بالأيدز في السودان تصل 202 في كل مائة ألف ، ويصاب حوال 79 من 100 الف من الرجال 68 من كل مائة الف من النساء بالسرطان في العام ، كما يصاب 85 في كل مائة ألف بأمراض الجهاز التنفسي من الرجال وتصل النسبة وسط النساء 55.من كل مائة الف ،ويصاب 550 رجل في كل مائة ألف بالسكري وضغط الدم وتصل النسبة وسط النساء إلى 546 في كل مائة ألف.وتقول منظمة الصحة العالمية أن 11% من الذكور في السودان مصابين بالسكري بينما ترتفع النسبة عند النساء إلى 11.6%، ويصاب 30.7% من الرجال بضغط الدم بينما النسبة وسط النساء تصل 29.1% ، وبينما يستخدم 31.4% فقط من سكان السودان دورات مياه معقولة صحيا، فإن 58% من المواطنين فقط يشربون مياه شرب صحية ، ويعاني 39% من المواطنين في السودان من سوء التغذية و11% منهم فقط يتناولون أملاح صحية.
هذه صورة قاتمة للوضع الصحي في البلاد وتزداد الصورة قتامة عندما نتعرض لقضايا صحة الأطفال والأمومة.
صحة الآطفال والأمهات
أجرت حكومة السودان مسحا صحيا للأسرة في السودان في عام 2006 وفر بعض المعلومات عن صحة الأسرة في السودان، وشمل هذا المسح (1000) ألف اسرة من خمسة وعشرين (25 ) ولاية في السودان أي انه غطي كل مناطق السودان ، ركز جزء من هذا المسح علي إستجلاء الحقائق عن وفيات الأمهات والعوامل الأقتصادية والإجتماعية المرتبطة بها . أكدت نتائج المسح إن متوسط وفيات الأمهات في السودان يعادل (1107) من كل (100.000) ولادة حية أي ضعف نسبة وفيات الأمهات حسب مسح الأمومة الامنة لعام (1999-2000) وإن الأمهات من المناطق الريفية والنائية يشكلن أكثر من الثلثين من الأمهات المتوفيات (70.2%) وأن أكثر من نصفهن لم يبلغن العشرين من العمر (58% ) ونسبة مماثلة لم ينلن أي حظ من التعليم بالقدر الذي يمكنهن من القراءة والكتابة، كما أن الأمهات الصغيرات هن الأكثر تعرضا للموت أثناء الحمل والولادة أو بعدها . أكد المسح إن دخل الأسرة يشكل عاملا أساسيا في تحديد مصير الأم ، إذ أن سوء التغذية وإرتفاع أسعار الكشف الطبي الدوري والعلاج والسفر لأقرب مركز صحي أو مستشفي عام يمثل عوائق حقيقية ويومية حتي لوكان الأمر يتعلق بحياة الأم ، إذ لاغرابة أن تكون نسبة وفيات الأمهات من غير العاملات بأجر تبلغ أكثر من الثلثين (71.4) وتقل هذه النسبة وسط النساء العاملات.
أكد هذا المسح الصحي ان زيادة الخطورة علي حياة الأم باضطراد مع زيادة عدد أطفالها، حيث بلغت نسبة الوفيات أكثر من الثلثين (70%) عندما يصل عدد الأطفال أكثر من أربعة. المؤلم أيضا أن أكثر من نصف الأمهات المتوفيات (56.5)وضعن مواليدهن بالمنزل ويشكل عدم وجود شخص مدرب مثل القابلة أو الممرضة أو الطبيب نسبة 60% من الحالات، إذ تتم الولادة باشراف الأم أو النسيبة أو امرأة محددة من الأسرة أو القرية توكل لها هذه المهمة رغم عدم تلقيها لأي تدريب في هذا المجال. وتبلغ نسبة الوفيات في المستشفيات العامة حوالي الثلث (34.8) وتقل بكثير جدا في المستشفيات الخاصة !!. والأكثر إيلاما هو أن حوالي الثلث من الامهات يفارقن الحياة أثناء الحمل وقرابة الربع (23.8) أثناء الولادة وترتفع النسبة الي( 41.9% ) بعد الولادة .
الجدول التالي يوضح وفيات الأمهات من كل 100 ألف حالة ولادة.
جدول رقم 1 وفيات اللأمهات من كل 100.000 حالة ولادة وفقا للمسح الحكومى للعام 2006
المنطقة الوفيات المنطقة الوفيات
جنوب دارفور 1581 الجزيرة 355
كسلا 1414 سنار 320
غرب دارفور 1056 الخرطوم 311
القضارف 609 ولاية النيل 161
النيل الأزرق 515 البحر الأحمر 166
جنوب كردفان 503 الشمالية 94
النيل الأبيض 366 – –
إذا أضفنا إلى ذلك المعلومات الحديثة عن هذه النسب نجد أن نسبه وفيات الاطفال قبل 5 سنوات 102 من الالف وأن نسبة وفيات الامهات تبلغ 507-550 من كل 100.000في المتوسط في كل السودان وأن 49% من نساء السودان يضعن مواليدهن تحت اشراف صحي (قابلة أو طبيب)، مما يعنى ان العامل الاساسى فى وفيات الامهات هو غياب صحة الامومة والطفولة وسوء التغذية .
إلغاء مجانية الخدمات الصحية وخصخصة العلاج:
إن السودانيين يواجهون هذه الحالة المتدهورة في الخدمات الصحية تحت سياسة عامة تسلب منهم بشكل منتظم حق العلاج المجاني حتى أصبحت المستشفيات العامة مثل المتاجر لها قائمة بالأسعار، تصدرها الوزارة الولائية وفقا لقانون خاص كما تفعل ولاية الخرطوم وفق القانون الولائى رقم (3) لسنة 2012 – تعديلات متنوعة للقوانين الايرادية – والذي اجازه المجلس التشريعى ولاية الخرطوم عملا باحكام دستور الولاية للعام 2006 .
بينما تتراوح رسوم العيادات الخاصة للاخصائيين بين ال100ج وال250 ج وتبلغ صور الرنين المغطيسى(M.R.I ) بين 450 الى 600 ج.
ولم تكتف الدولة بوضع قائمة الأسعار بل أنها تقوم نهارا جهارا بقفل المستشفيات الحكومية وتصفيتها ونقلها بعيدا عن مواقع المواصلات العامة وعن تناول المواطنين، ولعل ما حدث لمستشفى العيون بالخرطوم ومستشفى أبنعوف للأطفال وما يحدث في مستشفى الخرطوم دليلا واضحا على ذلك.
الصرف علي الصحة
مجمل الناتج القومي لعام 2013 كان 66.55 بليون دولار – تقرير البنك الدولي
الصرف علي الصحة كنسبة من الناتج القومي 6.3% – تقرير البنك الدولي.
في حين ان الصرف علي الصحة كنسبة من الناتج القومي في عام 2011 كان 8.4% اي انه تقلص.
كما تورد منظمة الصحة العالمية في تقريرها لعام 2011 الحقائق الاتية:-
الصرف الحكومي علي الصحة في مجمل الصرف علي الصحة 28.4%
الصرف الحكومي علي الصحة في مجمل الصرف الحكومي 10.6%
صرف القطاع الخاص علي الصحة في مجمل الصرف علي الصحة 71.4 %
ما يدفعه المرضي و(اسرهم) كنسبة من صرف القطاع الخاص علي الصحة 96.5%
نصيب الفرد من الصرف الحكومي علي الصحة 2.1 دولار سنويا
وهنا تتضح فرية ان القطاع الخاص التجاري يعمل علي توفير الخدمات الصحية، اذ ان المرضي يساهمون بنسبة 96.5% من صرف القطاع الخاص علي الصحة. ولا غرابة ان لجأت بعض الاسر لبيع ممتلكاتها في الدلالة لكفالة العلاج لمريض، اما من لا يملك فمصيره الموت.
التقرير السنوي للصحة 2011 يوضح خطأ الاستراتيجية الصحية:-
وليس من دليل واضح على خطأ الاستراتيجية الصحية في البلاد مثل المعلومات والاحصاءات التي أوردها تقرير وزارة الصحة عام 2011، إذ أنه يوضح أن البلاد ما زالت تحتاج لتوسع وتكثيف النشاط الصحي في مجال الصحة العامة والأولية لمواجهة أمراض منتشرة في السودان وهي السبب الأساسي لموت الأطفال ولتردد المرضى على المؤسسات الصحية.
يوضح التقرير أن اكثر عشرة امراض دخولا للمستشفيات للاطفال دون سن الخامسة هي: الالتهاب الرئوي، الاسهالات والنزلات المعوية، الملاريا، فقدان السوائل، نقص التغذية، تسمم دموي، فقر الدم، الربو، الدسنتاريا، امراض الجهاز التنفسي، وتشكل هذه الامراض 72.9% من دخول المستشفيات لهذه الفئة العمرية.
وكذلك يوضح التقرير أن اكثر عشرة امراض سببا للوفيات للاطفال دون سن الخامسة هي: تسمم دموي، نقص التغذية، التهاب رئوي، امراض اخري بالجهاز التنفسي، تتانوس حديثي الولادة، الاسهالات والنزلات المعوية، الهزال الغذائي، فقدان السودئل، التهاب السحائي، امراض القلب الاخري وتشكل هذه الامراض نسبة 63% من مجموع وفيات الاطفال بالمستشفيات لهذه الفئة العمرية.
ويوضح التقرير أن العشرة أمراض التي يتردد المصابون بها علي المؤسسات الصحية و تشكل 68% من اسباب التردد علي المؤسسات الصحية لعام 2011 هي الملاريا، الالتهاب الرئوي، الثايفويد، امراض الجهاز التنفسي، امراض المسالك البولية، الاسهالات والنزلات المعوية، ارتفاع ضغط الدم، التهاب اللوزتين الحاد، السكري، و الاصابات Injuries .
يوضح التقرير أيضا العشرة امراض التي تسبب الوفاة بالمستشفيات ( عامة وخاصة) عام 2011 وتشكل نسبة 42% من مجمل الوفيات بالمستشفيات :- اورام خبيثة، تسمم دموي، التهاب رئوي، امراض القلب، قصور كلوي، جلطة، سوء التغذية، الربو، امراض الجهاز الدوري ، و امراض الجهاز التنفسي.
والملاحظ ان معظم هذه الامراض يمكن منعه او علاجه علي مستوي الرعاية الصحية الاولية ولا يحتاج لمستشفيات خمسة نجوم او تكنولوجيا عالية التكلفة، وجاء اغلاق مستشفي جعفر ابنعوف للاطفال بالخرطوم ليؤكد ما تضمره الرأسمالية الطفيلية للاطفال الفقراء.
انعدام العدالة في توزيع الخدمات الصحية:-
بناء علي التقرير السنوي للصحة لسنة 2011 الصادر من مصلحة الاحصاء فان:-
توزيع المراكز الصحية (حضر/ ريف/ منظمات)
العدد الكلي للمراكز الصحية بالسودان 1581 توزيعها كلاتي في بعض الولايات:-
الولاية عدد المراكز الصحية
ولاية الخرطوم 411
ولاية الجزيرة 311
ولاية النيل الازرق 45
ولاية شمال دارفور 121
ولاية غرب دافور 130
ولاية جنوب دارفور 34
ولاية شمال كردفان 95
مع ملاحظة اختلاف كثافة السكان وبعد بعض المناطق عن العاصمة والمدن التي تتوفر فيها خدمات وغياب الخدمات الاسعافية بالاضافة الي ظروف الحرب.
أما المستشفيات فمجموعها في كل السودان 429 كما جاء في التقرير وهي تشمل المستشفيات الاتحادية والولائية ومستشفيات القطاع الخاص والشرطة والسلاح الطبي والمنظمات بما فيها المستشفيات العامة والتخصصية.
توزيع المستشفيات في بعض الولايات:-
الولاية عدد المستشفيات
ولاية الخرطوم 49

ولاية الجزيرة
77
ولاية النيل الازرق
17
ولاية شمال كردفان 31

ولاية جنوب كردفان 21

ولاية شمال دارفور 21

ولاية غرب دارفور
10
ولاية جنوب دارفور
لايوجد

جدول يوضح توزيع المستشفيات والسراير لكل 100.000 من السكان
الولاية معدل المستشفي لكل 100.000 من السكان معدل السرير لكل 100.00 من السكان
لكل السودان 1.2 82
ولاية الشمالية 3.9 اعلاها 236.8 اعلاها
نهر النيل 2.6 157.2
الخرطوم 0.8 108.6
شمال كردفان 1 73.6
جنوب كردفان 1 65.4
شمال دارفور 0.9 54.2
غرب دارفور 0.7 44.9
جنوب دارفور 0.4 أدناها 24.6 ادناها

توزيع الكوادر البشرية في مجال الصحة حسب التقرير السنوي للصحة عام 2011 الصادر من مصلحة الاحصاء.
الاطباء:
المعدل العام لتوزيع الاطباء بالسودان يساوي 34.6 طبيب لكل 100.000 من السكان ويصل هذا المعدل في ولاية الخرطوم الي 54.6 وهو الاعلي في السودان. بينما بقية الولايات معدلها اقل من المعدل العام واقل معدل يوجد في ولاية جنوب كردفان ويساوي 3 اطباء لكل100.000 من السكان.
الممرضين:-

يكفي ان نذكر ان العدد الكلي للمرضين كالاتي:-
تاهيل الممرض ذكر أنثي
ممرض بشهادة 5058 4353
ممرض تحت التمرين 2522 1593
المجموع 7580 5946
المجموع لكل السودان 13.526 مقابل 37 مليون من السكان

القابلات
معدل توزيع القابلات العدد النسبة من مجموع السكان
عدد القابلات القانونيات لكل السودان 12.878
المعدل العام لتوزيع القابلات في السودان 45.5 لكل 100.000 من السكان
المعدل العام لتوزيع القابلات في ولاية النيل الابيض 110.4 لكل 100.000 من السكان
المعدل العام لتوزيع القابلات في ولاية الخرطوم 33.5 لكل 100.000 من السكان
المعدل العام لتوزيع القابلات في ولاية جنوب دارفور 29.6 لكل 100.000 من السكان

يشمل ذلك جميع انواع القابلات، اما عدد الزائرات الصحيات لكل السودان 1126 فقط وهذا احد اهم اسباب ارتفاع نسبة وفيات الامهات بالسودان بالاضافة للعوامل الاخري.


وحدات تحصين الاطفال:-
الولاية العدد
المجموع لكل السودان 2055
ولاية الجزيرة 976
ولاية شمال دارفور 135
ولاية جنوب كردفان 10

ولا توجد وحدة لتحصين الاطفال في شمال كردفان او غرب دارفور او جنوب دارفور حسب تقرير الصحة السنوي لعام 2011.
وحدات العناية المكثفة:-
المجموع الكلي 40 وحدة لكل السودان منها 15 وحدة في ولاية الخرطوم و11 في ولاية الجزيرة ولا توجد اي وحدة للعناية المكثفة في كل من ولايات سنار والنيل الابيض والنيل الازرق وجنوب كردفان وغرب دارفور.
هذه بعض ملامح انعدام العدالة في توزيع الخدمات الصحية التي نتج عنها تدني بل انعدام الخدمات الصحية في مناطق الحروب والنزاعات وتراجع الرعاية الصحية الاولية كما وعددا وتدمير المستشفيات والمؤسسات الصحية اثناء الحروب بالاضافة الي ضعف حكومات الولايات في تقديم المساعدات الصحية وطرد بعض المنظمات الانسانية العاملة في مجال الصحة ولا شك ان اللامساواة في الصحة تعكس اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية وانها لم تحدث بعوامل طبيعية او اختيارات شخصية كما يروج لها تجار الصحة.
الفساد في مجال الصحة:-
لم يكن مجال الصحة بمعزل عن انتشار الفساد الذي ساد كل مرافق الدولة وتسبب في اهدار الموارد البشرية والمادية واسهم بفاعلية في تدهور الخدمات الصحية وفي هذا المجال نقدم بعض الامثلة للفساد في هذا المجال خلال السنوات السابقة:-
مشروع توطين العلاج والذي تم بدون تخطيط، وسيطرة مجموعة نافذة في الدولة علي هذا المشروع وقدرت اموال المشروع بحوالي 150 مليون دولار لم تطرح في عطاءات وتم توزيع الاجهزة علي المستشفيات عشوائيا واغلبها اجهزة فاسدة ومنتهية الصلاحية.
فضيحة الادوية الفاسدة وصراع ذوي النفوذ للدفاع عن شركات بعينها بعد ان تم استيراد ادوية غير مطابقة للمواصفات وما قضيتي المحاليل الوريدية ( كور) وقضية دواء السدوفان الا غيض من فيض.
فضيحة الفساد المالي والاداري بمستشفي الخرطوم والذي كشف عبر لجنة تحقيق رفعت تقريرها لوزير الصحة الولائي الذي كون لجنة تحقيق اخري لطمس الحقائق.
فضيحة الاوكسجين بمستشفي بحري والتي ادت لوفاة عدد من المرضي، واتضح ان توفير الاوكسجين للمستشفي يحتكره شقيق نافذ في الوزارة وقتها ويبيعه باسعار اغلي من السوق. بل ان فضائح الفساد في مجال الصحة والتدهور الاخلاقي في الممارسة قد طفح في الصحف واجهزة الاعلام وبين للناس كل يوم بما فيها الفساد علي مستوي الولايات المختلفة.
حول تفكيك مستشفي الخرطوم
صدر قرار يقضي بتبعية المستشفيات التعليمية من المستوي الاتحادي للمستوي الولائي ( الايلولة) رغم ما لهذه المستشفيات من دور قومي ، اذ يرتادها المرضي من كل انحاء السودان. وتعتبر مستشفيات تعليمية ومرجعية مثل مستشفي الخرطوم. بدأ تنفيذ هذا القرار بمستشفي الخرطوم بعد ان فاحت رائحة الفساد المالي والاداري والاهمال المتعمد من وزارة الصحة بتقليص ميزانيته فشهد اسوأ عملية تفكيك وتقطيع تشهدها المؤسسات الصحية في السودان. واستخدمت فيها كل اساليب القمع وتجاهل اراء العاملين في الحقل الصحي والمرضي، فتم اخلاء بعض الاقسام من الاجهزة بالليل وفي تكتم شديد وقفلت الابواب امام المرضي مما ادي الي موت بعضهم وولادة بعض النساء في ساحة المستشفي. وتعرض العاملين للنقل التعسفي والتهديد والضغوط عليهم وذلك في محاولة لقمع المقاومة التي تشهدها المستشفي ضد الخصخصة. تم كل ذلك بذريعة نقل الصحية للاطراف تحديدا لمستشفي ابراهيم مالك ومستشفي بشائر. ورغم ان وزارة الصحة لم تعلن عن خطتها لمستشفي الخرطوم ولكنها بالتاكيد في اطار الاستثمار الربحي بدلا من الاستثمار في الصحة.
ونتائج تفكيك مستشفي الخرطوم يمكن تلخيصها حتي الان في الاتي:-
1- فقدان ما يزيد عن 500 سعة سريرية لان اجمالي الاسرة بمستشفي ابراهيم مالك وبشائر 292 سرير وهو ما يعادل 36% من مجمل عدد الاسرة بمستشفي الخرطوم.
2- فقدان خدمة العناية المركزة حيث لا تحتوي المستشفيات التي حولت اليها الخدمة علي اي وحدة للعناية المكثفة حتي الان.
3- فقدان بعض الاقسام المهمة حيث لا توجد بهذه المستشفيات اقسام جراحة العظام وجراحة الاطفال وجراحة المسالك البولية والامراض النفسية وقسم الطواريء لجراحة المخ والاعصاب. كما انها تفتقر الي الاقسام التشخيصية المتطورة مثل الاشعة المقطعية والرنين المغنطيسي مما يدفع المرضي نحو القطاع الخاص.
4- ارهاق المرضي واسرهم وارتفاع التكلفة لبعد هذه المستشفيات عن وسط الخرطوم وعن تركيز المواصلات العامة.
الخدمات الصحية في القطاع الخاص
قفز عدد المستشفيات الخاصه من 4 مستشفيات في عام 1989 الي اكثر من 100 مستشفي خاص ومن ثم تم تحويل الصحه الي سلعه، يستثمر فيها القطاع الخاص المدعوم من قبل الطفيلية الإسلامية، وتطور الاستثمار الخاص في الخدمات الصحية هو تعبير عن تدهور الخدمات الصحية لا تطورها، في بلد يبلغ فيه معدل الفقر نسبة 46.5 % وفقا للارقام الرسمية و نسبة 95%وفقا للخبراء الاقتصاديين والمنظمات .
رغم المزايا والتسهيلات التي توفرت للقطاع الخاص الا انه اتبع نفس منهج انعدام العدالة في توزيع الخدمات الصحية بالاضافة الي انفلات الاسعار.
حسب تقرير الصحة لعام 2011 فان مجموع مستشفيات القطاع الخاص في السودان بسعة 2670 سرير منها 99 مستشفي بولاية الخرطوم سعتها 1696 سرير. وبالطبع فان جنوب دارفور وجنوب كردفان ليست جاذبة لراسمالية الصحة التي تبحث عن اكبر قدر من الربح.
يلاحظ تفاوت الاسعار الكبير بين بين مؤسسات القطاع الخاص الصحية، فكشف الاخصائي بين 150 جنيه حتي 400 جنيه للمريض. سرير المستشفي 150جنيه حتي 1500 جنيه لليوم وتكلفة العناية المكثفة من 2000 -3000 جنيه لليوم بالاضافة الي استخدام التكنولوجيا باهظة الاسعار . وكذلك تتفاوت اسعار الفحوصات والعمليات ولا تملك الدولة اي صلاحية للتدخل لضبط هذه الاسعار حسب سياسات السوق الحر وبموجب قانون المؤسسات الصحية الخاصة الصادرعن وزارة الصحة الاتحادية. ان تسليع الصحة يكشف عن بؤس الراسمالية وعجزها عن ضمان الخدمات الصحية وتحويلها لسلعة للقادرين وانعكاسات ذلك علي علاقة المريض المصالح والتي صار هدفها الربح مما يشكل خطرا علي اخلاق المهنة.
التأمين الصحي
استحدثت الدولة نظاما للتأمين الصحي ليشمل العاملين والمواطنين معا، ولكنه نظام معيب، لا يشمل كل السكان ويعتمد في تمويله على الاستقطاعات من العاملين في الدولة والشركات التي توظف أكثر من ثلاثة عمال، وعلى مساهمة ديوان الزكاة في الدفع لأسر الشهداء والفقراء وعلى المشتركين المستقلين من المواطنين وفقا للرسوم التي يحددها مجلس الإدارة.
صدر القانون الأول للتأمين الصحي عام 1994 وألغي عام 2001 ليستبدل بقانون الصندوق القومي للتأمين الصحي والذي له مجالس اتحادية وولائية للتأمين الصحي ويقسم القانون المؤمن عليهم لفئات:-
(أ) العمال وعائلاتهم ، (ب) أرباب المعاشات وعائلاتهم ، (ج) الأسر الفقيرة ،(د ) أسر الشهداء ، (هـ) العمال لأنفسهم ، (و ) الفئات الأخرى .
ويصدر بطاقات تأمين لكل فئة ويقدم لهم الخدمات التالية:-
الخدمات الطبية على مستوى الممارس العام .
الخدمات الطبية على مستوى الأخصائيين ، إذ اقتضى ذلك الأمر العلاج بالمستشفيات .
الفحص بالأشعة عند الاقتضاء والفحوصات المعملية والمختبرية وغيرها من الخدمـات الطبية وما في حكمها .
صرف الأدوية اللازمة في جميع الحالات المشار إليها في الفقرات (1 ) ، (2) و (3 )
العلاج والرعاية الطبية اللازمة أثناء الحمل والولادة.
علاج الأورام الخبيثة.
نلاحظ أن القانون لا ينص على صرف الأدوية للحالات 5 و6. ونلاحظ أيضا أن هذه الخدمات محددة بالسياسة التي يحددها مجلس الصندوق وكذلك نوع الأدوية المدرجة تحت غطاء التأمين .
إن إنشاء الصندوق هو إحدى محاولات الدولة للتهرب من العلاج المجاني وتحميل الفئات المغطية بالتأمين عبء علاجهم عبر الاستقطاعات خارج وفوق ما يدفعونه من ضرائب للدولة، وهو خطوة مباشرة لجعل المستشفيات العامة تعالج المواطنين وفقا لما يدفعه الصندوق وبالتالي من لا يغطيه التأمين مسؤول عن مصروفات علاجه وأن متوسط حجم من يقطيهم الصندوق في السودان الآن حوالي 34% بينما النسبة المستهدفة حوالي 75%. إن التأمين الصحي في البلاد التي تستقطع رسوم للتأمين من مواطنيها هو علاج عام شامل لا يتم التفريق فيه بين المؤمنين وغير المؤمنين. إن الصندوق هو خلق إدارات وبيروقراطية جديدة تستهلك حوالي 10% من مجمل الاستقطاعات وفقا للقانون في الإدارة، المهمة التي كانت تقوم بها وزارة الصحة وإداراتها وكان من الممكن إجراء نفس الاستقطاعات واضافة ما يعادلها للنظام الضريبي العام أو المحلي لزيادة ميزانية الخدمات الصحية وبحيث يحدث تكافل اجتماعي حقيقي يسهم فيه المواطنون وفقا لحالتهم الاقتصادية بينما يتساوون في التمتع بالخدمات الصحية.
إن التأمين الصحي بشكله الحالي هو تنفيذ لسياسات سابقة للبنك الدولي، في فرض الرسوم على الخدمات العلاجية كما انه يخضع للإستغلال السياسي للمؤتمر الوطني الذي يستعمله لاستقطاب الفقراء لعضويته مقابل منحهم بطاقات مجانيا للتأمين الصحي. ومازال امام الحزب الدراسة التفصيلية النقدية لقانون التأمين الصحى وما يدور فيه .
نقص الكوادر الطبية واهمال التدريب
صنفت منظمة الصحة العالمية السودان ضمن (37) دولة أفريقية نامية تشهد نقصاً حاداً في إعداد الكوادر الطبية وتعتبر الصورة قاتمة عن أوضاع التمريض بالبلاد كما ان تدهور الوضع والخدمات الطبية أدى لتزايد هجرة الكوادر المساعدة للخارج بسبب نقص التمويل وضعف الصرف الحكومي على الصحة حيث لايتجاوز الصرف على الصحة نسبة 2% من ميزانية 2013 مقارنة بالامن والدفاع وبحسب معايير منظمة الصحة العالمية فإن السودان من أقل خمس دول انفاقا على الصحة .
ان التوسع العشوائى فى قيام كليات الطب والتى بلغ عددها (30) تخرج حوالى (1000) طبيب سنويا فى مقابل (14) كلية تمريض تخرج (500) تقنى تمريض سنويا ، و تدهور التمريض وضعف النظام الصحي بالبلاد أديا للسفر للعلاج بالخارج، والواقع أن هناك نقصاً حاداً في الكوادر وان الكوادرالطبية العاملة في الخدمة حاليا تبلغ حوالي (18) الف ممرض، و(12) الف طبيب، مقارنة بالمطلوب وهو (80 ) الف بفجوة قدرها (62) الف ، ومما يفاقم اشكالية التمريض بالسودان ان الغالبية منهم خريجو مدارس تقليدية للتمريض مقابل (6%) فقط جامعيين ، وهذه الفجوة فى عدد كادر التمريض تظهر جليا مقارنة بالمعدل العالمى فبدلا عن (4-6 ) مقابل كل طبيب نجد ممرض ̸ ة امام كل (6 ) اطباء امتياز ، كما ان هذا الوضع فرض على كادر التمريض وضعا مغايرا للنظام العالمى المعمول به ممرض ̸ ة لكل( 4 )مرضى فى اقسام الجراحة و( 6-7) فى اقسام الباطنية ، نجد ان هنالك ممرض ̸ ة يغطى عنبر بأكمله فى مستشفيات السودان .
جاءت الفجوة الكبيرة في كوادر التمريض والقبالة والمهن الطبية المساعدة نتيجة لإهمال التوسع في كليات ومدارس المهن الصحية وتطويرها . مع عدم وجود عداله في التوزيع الجغرافي للقوى العاملة وتمركز الأطباء والكوادر في المدن والعاصمة على حساب الولايات والأرياف، فان (70%) من الكوادر يقدمون الخدمة لحوالي (30%) فقط من السكان.
يقف شح التمويل حاجزا دون تأهيل وتدريب الكوادر ، وماترتب على ذلك هو التدهور الذي تشهده المؤسسات المعنية بالصحة في وسط البلاد واطرافها ، وقلة التمويل لقطاع الصحة دفعت المستشفيات الى فرض رسوم على المرضى مقابل تلقي الخدمات العلاجية في محاولة لتغطية العجز الذي تواجهه وايضا دفعت بالاطباء للجوء الى العمل في عياداتهم الخاصة اكثر من المستشفيات بحثا عن وضع مادي افضل اضافة الى هجرة الآلاف من الاطباء والكوادر الطبية المساعدة بعد تفشي التردي في القطاع الصحي. وانعكست السياسات الرعناء للرأسمالية الطفيلية فى قطاع الصحة وتمثل فى :-
1- في سنة 2012 كان عدد المهاجرين 1067 واضعاف ذلك من الكوادر الطبية المساعدة (تمريض،معامل، مساعدين صحة،.. إلخ) هذا نتاج طبيعي لضعف الرواتب والتعيين الانتقائي وغلاء المعيشة المتزايد.
2- تزايد الاستثمار الخاص في قطاع الصحة مثلها مثل التعليم والتجارة والمطاعم والفنادق وغيرها من الاستثمارات المجزية للطفيلية الإسلامية.
3- تهميش لدرجة الالغاء احيانا للخدمات الصحية الاسعافية والضرورية للمناطق النائية والقرى والمدن الصغيرة والتي تتمثل في نقاط الغيار والشفخانات والمراكز الصحية رغم الحاجة الماسة لها جميعا كنتاج للحروب والفقر .
4- التركيز على جمع الاموال من المواطنين في المستشفيات الحكومية بدلا عن التوعية الصحية والالتزام بالتطعيم الذي توفره هيئة الصحة العالمية بلا مقابل من اجل تحقيق مبدأ (الوقاية افضل من العلاج).
5- عدم الالتزام بمبادئ هيئة الصحة العالمية بالاعلان عن الاوبئة.
6- كافة ما تبقى من الكوادر الصحية الموجودة يعانون الارهاق بسبب النسبة العالية من المرضى الخاصة لكل منهم والفصل التعسفي لبعض افراد اسرهم، والحروب التي ادت لتزايد النزوح اضافة الى غلاء المعيشة الذي يجبرهم على العمل ساعات طويلة في اكثر من موقع للتمكن من اعاشة اسرهم .
7- القبول في كليات التمريض لا يتمشى مع المتطلبات العالمية للقبول.
8- عدد كادر التمريض لا يتكافأ مع عدد المرضى في المستشفيات بما فيها المستشفيات الخاصة حتى في غرف العناية المركزة والانعاش ) CCU & ICU ) .
9- عدد كليات التمريض اقل بكثير من كليات الطب وهذا خلل بين يدفع ثمنه المريض (المفروض ان يتوفر لكل طبيب 8 كوادر صحية وسيطة).
10- عدم الالتزام بالتدريب اثناء الخدمة للاطباء والكوادر المساعدة كما هو مطلوب لمواكبة المستجدات في العالم.

سياسة الدواء
ان الشق الثانى للخدمات الصحية فى السودان ، هو توفير الدواء اللازم والضرورى لعلاج المرضى ،وباسعار يتمكن المواطن من توفيرها ، بعد ان تخلت الدولة عن العلاج المجانى .
ان مايحدث فى السودان هو استكمال للازمة فى الخدمات الصحية ، حيث هنالك ادوية اساسية غير متوفرة ، كالادوية المنقذة للحياة ، وادوية تليف الكبد ،والصرع وغيرها ، اما من حيث الاسعار فقد تضاعفت بنسبة تجاوزت ال 100% علما بان التأمين الصحى لايغطى للفقراء الكثير من الادوية الحيوية .
ان مسئولية توفير الدواء على مستوى الدولة تقع على عاتق الهيئة العامة للامدادت الطبية والتى تم تحويلها من ادارة تتبع لوزارة الصحة لهيئة شبه مستقلة تعمل على اسس تجارية ربحية مما فتح شهية الراسمالية الطفيلية الإسلامية فأصدر مجلس الوزراء قرارا بخصخصتها فى عام 2006 . وقد بلغت ارباحها نسبة 247% فى عام 2009 . وتقف المقاومة الشرسة التى خاضها ويخوضها الاطباء ،الصيادلة ، العاملون بالامدادات والوطنيون ضد بيع وخصخصة الامدادات .
ان الازمة الحالية فى اسعار الدواء وفى عدم توفره تتفاقم مع تدهور الوضع الاقتصادى وانخفاض سعر العملة المحلية و ارتفاع اسعار العملات الحرة وندرتها وقلة المرصود منها لاستيراد الدواء وتلك التى ينبغى توفيرها لشراء مدخلات الانتاج لمصانع الادوية . لقد ادى كل ذلك الى خروج شركات وصيدليات من سوق الادوية نتيجة الخسائر التى تكبدتها .
ان امر الدواء يتطلب ان تلتفت الدولة الى حاجة المواطنين الملحة والبالغة الحساسية للدواء وهذه مسؤولية اساسية من صميم مسؤولياتها ،وعليها توفير النقد الاجنبى لاستيراد الدواء ومدخلات انتاجه ،كما عليها ان تقوم باجراءات تنفيذية ورقابية تشمل هيئة الامدادات الطبية ،وشركات الادوية والمصانع ،والصيدليات لتوفير الدواء وخفض اسعاره .وكذلك متابعة توفير الدواء بالمستشفيات خاصة المنقذة للحياة وتوفير العلاج المجانى باقسام الحوادث التى يؤمها الاف المرضى يوميا ، وكذلك بالمراكز والوحدات الصحية بالعاصمة والاقاليم .
استراتيجية صحية خاطئة
تقوم الخدمات الصحية في عهد الانقاذ على منظومة صحية مختلة وممارسات خاطئة، فهي تهمل الاهتمام بالصحة الوقائية التى تشمل صحة البيئة، التطعيم ضد الأمراض، التثقيف الصحي وصحة المجتمع، الصحة المهنية، الصحة المدرسية، وتركز على الصحة العلاجية و تهمل توفير مقتضيات الصحة العلاجية الأولية التي ترتكز على المركز الصحي والشفخانة ونقطة الغيار، وعلى الطبيب العمومي، ومساعد الحكيم والممرض المدرب لمعالجة الامراض الطارئة واسعاف الحالات الخفيفة.
لن تحل مشاكل الخدمات الصحية دون وضع استرايجية فعالة تمنع حدوث الأمراض أساسا وتكافح وتجتث الأمراض المستوطنة والأمراض المستحدثة المتعلقة بسوء التغذية، وبتدهور البيئة فى الطبيعة و السكن ومؤسسات العمل ،الاهتمام بخدمات الصحة الأولية المرتكزة على الوقاية من الأمراض بالتطعيم وبالتثقيف الصحي وبعلاج الأمراض في طورها الأولى، ولن يتحقق ذلك دون ايلاء مراكز الصحة العلاجية العناية وتطويرها ثم الانتقال للمستشفى العمومي والعيادات المحولة للأخصائيين والمستشفيات المتخصصة مثل مستشفيات الولادة والأطفال والدرن والعيون والأسنان والسرطان والقلب والكلى… الخ ،غنى عن القول ان لا نجاح لتطوير الطب العلاجي إستراتيجيا دون ان يشمل ذلك تطوير تكنلوجيا الطب من معامل فحص ومراكز اشعة بانواعها المختلفة وتدريب الاطباء والتقنيين على الوسائل الحديثة من مناظير وعلاج بالليزر وبالذرة، وتدريب عال لأطباء التخدير ومساعديهم والممرضين والممرضات والاهتمام ببيئة المؤسسات الصحية.
إن أي استراتيجية لاتوفر ميزانيات معتبرة من الدخل القومى ولا تتبنى التوزيع العادل للخدمات الصحية جميعها من شاكلة الخدمات الوقائية والعلاجية على مستوى القطر كله، ستكرس الأوضاع الصحية الحالية التي يسودها التفاوت في توزيع الخدمات الصحية ، خاصة توزيع المستشفيات والأطباء والأخصائيين وارهاق الصحة العلاجية دون طائل .
الفصل السابع
البيئة
يمثل نظام الإنقاذ أسوأ الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان في إداراته للبيئة وللموارد البيئية. وعلى الرغم من كثرة أحاديث النظام وقادته عن البيئة وتأسيس المجلس الاعلى للبيئة عام 1992 وأسس وزارة البيئة في العام 1994 ، ووقع على الكثير من الاتفاقيات البيئية فأن هذا النظام قد تسبب في كوارث بيئية عديدة، ويمثل السجل البيئي تراكم للأخطاء واللامبالاة والفساد الذي سيلازم الأجيال المقبلة ويتطلب إصلاحه الكثير من الجهد والمال والزمن.
أن البيئة هي قاعدة الموارد الأساسية للانتاج . والإدارة السليمة للبيئة كما حدد مؤتمر قمة الأرض( 1992 ) في ريودي جانيرو تتطلب الاستدامة ، و بأن لا يتم استغلال الموارد بمعزل عن احتياجات الأجيال المقبلة ، وبمعزل عن ضرورة صيانة الموارد والحفاظ عليها وترشيد استخدامها ، وتجديدها حتى نضمن استمرارية عطائها، وأن يتم استخدام الموارد وفق أسس العدالة الاجتماعية ، ومن خلال توسيع المشاركة واستهداف اشراك المرأة والشباب وصون التراث الطبيعي .
بسبب السياسات الرعناء للإنقاذ فأنه يتم إهدار كبير للقاعدة الموردية ، وتتراكم الديون البيئية المتمثلة في إزالة الغطاء النباتي وتدهور الأراضي والزحف الصحراوي، وإضاعة التنوع الإحيائي وتلوث التربة والهواء والمياه، وكل ذلك ينعكس سلباً على حياة الإنسان السوداني ومعيشته وصحته.
مما لا شك فيه أن فصل الجنوب والذي نتج عن تخطيط وسياسات الإنقاذ ، تبعته أثار بيئية بالغة الخطورة لم يكترث لها النظام وهو يسعى لبسط سيطرته على ما تبقى من السودان المسلم – العربي ( كما توهم وخطط!). إن أبلغ أثار فصل الجنوب هو فقدان مناطق التنوع الإحيائي ، ومساقط المياه، والغابات والحياة البرية ، والمراعي – بالاضافة لإنسان الجنوب وثقافاته .
إن ما تبقى من السودان يقع في المنطقة القاحلة الجافة، حيث تشكل مساحات الصحراء وشبه الصحراء 70% منه ، مما يتطلب رؤية إستراتيجية جديدة وتبني سياسات مختلفة لإدارة الاراضي والموارد. ولا شك في أنه في غياب ذلك ستتفاقم الصراعات القبلية وتتزايد الاحتكاكات بين المزارعين والرعاة في كل انحاء السودان، وأن ما حدث في ولايات دارفور وكردفان يتكرر الآن في النيل الأزرق وسنار والقضارف ، نسبة لتوجه الرعاة الذين كانوا يستفيدون من مراعي الجنوب نحو هذه المناطق .
ان مشكلة الجفاف والتصحر، هي المشكلة البيئية الأولى في السودان . وتمتد آثارها في 13 ولاية وتؤثر على أكثر من 60% من السكان، و على حزام الصمغ العربي ولكن حديث الانقاذ عنه جعجعة بدون طحن.. فقد تم تهميش إدارة مكافحة التصحر وقلصت إلى وحدة صغيرة في وزارة الزراعة وغاب عنها الدعم وظلت الخطة الوطنية لمكافحة التصحر منذ عام 2007 بدون أي تنفيذ أو اهتمام او ميزانية. فقد أجاز المجلس الوطني قانوناً لمجلس قومي لمكافحة التصحر وصندوق لمكافحة التصحر،ولكن لم يجتمع المجلس ولم يفعّل الصندوق!!.
على الرغم من أن البعد البيئي في النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق شكل جذور تلكم المشاكل فأنه على كثرة التداول حول حل تلك النزاعات لم تطرح الحكومة قضايا الأراضي والموارد الطبيعية بما تستحق من جدية واهتمام . إن تناول تلك القضايا اتسم بالسطحية .. وقد تمددت مشاكل غياب الأسس للتعامل مع الموارد الطبيعية و الأراضي فشملت العديد من المناطق . نذكر قضايا مشروع الجزيرة وخصخصته، والتبرع بالأراضي والمياه للمستثمر العربي والأجنبي ( دون إكثرات لاحتياجات المواطن، ودون استشارة للمجتمعات وفي نهج يتسم بالعشوائية والفساد). بل أن آثار الحرب على البيئة يتم تجاهلها، مثل حريق الغابات والقرى، القصف الجوي الذي يقتل الناس ومواشيهم ويترك جثثهم في العراء، وتسميم مياه الشرب وزرع الألغام وانتقال النازحين الناجين بمواشيهم لمناطق أخرى، ألخ.
قدرت دراسة برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن 0.84% من الغابات تزال كل عام دون تعويض ، وأنه إذا استمرت هذه المعدلات فأنه سيتم القضاء على ما تبقى من غابات السودان في قترة لا تتجاوز 15 عاما . وعلى الرغم من خطورة هذه المعلومات فأنه لم يتم أي إجراء تجاهها.. استمرت التعديات على الغابات والتي تضمنت اعتداءات وزارة السدود المدعومة من رئاسة الجمهورية ، وقطعها لمساحات مقدرة من غابة الرواشدة بالقضارف لإقامة مطار ! رغم احتجاج هيئة الغابات ومنظمات المجتمع المدني ومجتمعات الرعاة . وقد تعرض العاملون بالغابات لعدة اعتداءات من قبل منسوبي القوات النظامية الذين يمارسون أوسع قطع للغابات في شتى أنحاء الوطن!.
على الرغم من كثرة حديث الإنقاذ عن الثروة الحيوانية وإهميتها فأنه لم يتم وضع أي قانون لحماية المراعي ، ولم تبذل أي جهود للارتقاء بالرعي وحرفته وتنميتهما..
أن 75% من سكان السودان يعتمدون على الزراعة والتي تتسم بتراجع مريع بسبب سياسات الدولة ، وتتمثل المشاكل البيئية التي تواجه الزراعة في تدهور التربة والهدام وقطع الغابات والتغول على أراضي المراعي والغابات والحياة البرية وسوء أدارة موارد المياه ، واستخدام المبيدات العشوائى وإدخال البذور المحورة وراثياً ( والبذور الفاسدة والسماد والمبيدات بدون اخضاعها للضوابط البحث العلمى وفحص الجودة ).
هنالك ارتباط جدلى بين الإصلاح الزراعي وصيانة التربة والبيئة مما يتطلب إعادة النظر في توزيع الأراضي ، وفي الاهتمام بالقطاع التقليدي، وايقاف التوزيع العشوائى للحيازات الاستثمارية دون الايفاء بشروط زراعة الغابات،وفي الاهتمام بزيادة الإنتاجية. ومن الملاحظ زيادة الحيازات في الزراعة ( الآلية ) المطرية من حوالي 2 مليون فدان في عام 1961 إلى 31 مليون فدان في 2005 ، بنسبة زيادة بلغت 1450% ويتم التوزيع لكبار الضباط والموظفين ، ويتم ذلك على حساب المنتج الصغير والرعاة ، وفي انحياز فاضح لحكم الإنقاذ للرأسماليين الجدد ضد القطاعات التقليدية.
قضايا المياه
اكثر من 60%من مساحة السودان عبارة عن صحراء وشبه صحراء، ومعظم النظم البيئية فى السودان قاحلة او شبه قاحلة ، وبالتالى فأن قضايا المياه تكتسب اهمية كبيرة . وحاليا فان معظم سكان السودان يعانون من شح المياه النظيفة المتاحة للشرب، وامدادات المياه المؤكدة للزراعة . ويعزى ذلك لاسباب طبيعية او لاسباب تتعلق بضعف التنمية، وسوء الادارة ، و مما لاشك فيه ان تغير المناخ من الاسباب التى تؤثر على توفر المياه واستخداماتها .وقد حددت الدراسات التى قام بها المجلس الاعلى للبيئة (1994و 2007 م) ان قطاع المياه هو من اكثر القطاعات المتأثرة بتغير المناخ .
كميات المياه المتاحة حاليا تقدر بحوالى 30 بليون متر مكعب من المصادر الاتية :-
أ- (19.5) مليار متر مكعب نصيب السودان من مياه النيل، ويخضع توفرها للعوامل المرتبطة بمواسم شح جريان النيل، وقلة مواعين التخزين .
ب- من( 5 الى 7 ) مليار متر مكعب من الوديان (غير نيلية ) .
ج- (4) مليار متر مكعب المياه الجوفية المتجددة .
يتوقع خبراء المياه ان السودان سيواجه مشاكل شح مياه حادة فى السنوات الاتية .اذ أن الاحتياج لمياه النيل يتزايد الى 33 مليار متر مكعب .
تتزايد احتياجات السودان الى معدلات اعلى اذا استمر التوسع فى زراعة قصب السكر .ويلاحظ أن هذه الاحتياجات تتزايد فى ظروف التنافس مع دول حوض النيل الاخرى .وعدم الاتفاق حتى الان مع هذه الدول ومطالبة دولة جنوب السودان بنصيبها من المياه.
الكميات الاكبر من المياه تستغل فى الزراعة حيث يقدر احتياجات الزراعة ب 90% وتقدر المساحات المروية فى عام 2009- 2010 م بحوالى 3,2 مليون فدان يخطط لزيادتها الى 5,5مليون فدان .وتحدد الاستراتيجية ربع القرنية احتياجات المياه باكثر من 42,5 بليون متر مكعب كما هو موضح بالجدول ادناه :

السنة احتياجات الرى الشرب للانسان الحيوان واخرى الجملةبليون متر مكعب
2012 27,1 1,1 3,9 32,1
2020 32,6 1,9 5,1 39,6
2025 40,3 2,5 5,3 48,0
2027 42,5 2,8 7,3 52,6

من المقدر ان يبلغ تعداد السكان فى السودان فى عام 2027 م حوالى 56 مليون نسمة . ان تقديرات المساحة المزروعة رياً فى نفس العام ستكون 7,487 مليون فدان وهى تشكل اقل من 4% من المساحات الممكن زراعتها .
ان المطلوب فى هذا الجانب اتخاذ منحى مستقل وتعاون مع دول حوض النيل .
تبرز مشاكل الاطماء كأبرز مشاكل تؤثر فى ادارة المياه وفى نوعية المياه ، ففى دراسة بمشروع الجزيرة حددت سنويا كمية الاطماء المتراكمة بين 10 بليون متر مكعب و10,6 مليون متر مكعب فى الفترة من( 1982 الى 1988 م ) ويتطلب الامر ازالة 5,6 مليون متر مكعب سنويا، ويؤثر الاطماء فى فاقد التخزين فى الخزانات حيث يقدر فى خزان الروصيرص ب 44% وفى سنار ب 57% و61% فى خزان خشم القربة .وتعالج مشكلة تعلية خزان الروصيرص بحوالى 10 امتار و المشكلة بالنسبة لخزان الروصيرص لتوفير احتياجات الرى والكهرباء ، كما ان مشكلة تعرجات النهر والهدام تؤثر سلبا فى كفاءة طلمبات الرى ويؤثر سلبا فى استقرار الزراعة .
ومن الملاحظات تزايد معدلات الفيضانات والتى رصدت فى اعوام ( 1946،1975، 1988،1994، 1998 ،1999،2006، 2007، 2009 م) وتسبب الفيضانات فى كوارث كبرى اذا تزامنت مع معدلات امطار عالية .وكذلك تتزايد معدلات الجفاف وتنتج عنها فشل المواسم الزراعية وموت الحيوانات ونزوح السكان ,وقد يكون الجفاف عاما فى كل القطر كما حدث فى 1980- 1984 م او محدودا تمتد اثاره الى (5) ولايات او اكثر كما حدث فى الاعوام ( 1967، 1973 ،1987 ، 1989 ،1991، 1999 ،2000 م ) .
ان كوارث الفيضانات والجفاف تتطلب ادارة للكوارث وضبط انسياب الاغاثات والمساعدات والتخطيط لتفادى الاثار السيئة على السكان .
ادارة الموارد المائية تتطلب التنسيق واشراك السكان ووضع خطط ومعالجات و برامج للانذار المبكر ، وبدلا عن ذلك نجد ان حكومة الانقاذ قد قلصت من دور وزارة الرى وكرست كل السلطات فى وزارة السدود التى تفتقر للخبرات والرؤية الواضحة . كما تدار بعقلية امنية قاصرة مما سيؤدى الى الكثير من الاشكالات فى هذا المجال الحيوى والهام .
من ضمن القضايا التى تستوجب المعالجة العاجلة تبرز مشاكل تلوث المياه وتعزى هذه المشكلة للاتى :-
1- غياب الرصد والمتابعة لنوعية المياه ولعوامل التلوث المختلفة وغياب القياسات لمدى التلوث .
2- انسياب الملوثات نتيجة لتزايد استخدام الكيماويات الزراعية ومن الصرف الصحى .
3- التلوث الناتج من الصرف الصناعى (صناعات السكر ، المدابغ .. الخ )
4- نسبة الاطماء العالية .
5- التلوث بالفضلات البشرية فى اعقاب هطول الامطار .
لقد امتد التلوث للمياه الجوفية فى البيئات الحضرية بسبب انتشار حفر ابار الصرف الصحى ، وعدم التقيد بالضوابط حول اعماق الحفر المسموح بها حتى لاتختلط مياه الصرف الصحى بالمياه الجوفية .
تتأثر الثروة السمكية بسوء ادارة موارد المياه ، وبعوامل الصيد الجائر واستخدام شباك غير قانونية يتم من خلالها صيد صغار الاسماك وتتعرض بعض الانواع للابادة والانقراض .
فشلت حكومة الإنقاذ في وضع أية سياسة مائية ، تتسم بالاستقلالية . وعلى المستوى المؤسسي تم إلغاء وزارة الري ودمجت في وزارة الكهرباء والسدود وأصبح كل الاهتمام يرتبط بإقامة السدود دون إجراء الدراسات الضرورية، ودون استشارة المجتمعات او تعويض المتأثرين. وأن الجدوى من قيام سد مروي مشكوك فيها وبصفه خاصة بعد تشييد سد الألفية في أثيوبيا. وعلى الرغم من ذلك تمضي الإنقاذ في سياسة بناء السدود بدون دراسات فنية / اجتماعية/ اقتصادية وفي تجاهل للمجتمعات وحقوقها.
يصل التلوث إلى المياه الجوفيه حيث تلوثت العديد من آبار مياه الشرب بالخرطوم. وقد أصدر مجلس الوزراء قراراً باستخدام البوليمر في تنقية مياه الشرب ، وذلك رغماً عن نصح الأخصائيين بخطورة ذلك على صحة المواطن.
تقرير الامم المتحدة للتنمية البشرية يحدد بعض الدول العربية (جيبوتى ، السودان ، الصومال ، و اليمن ) بانها لن تتمكن من تحقيق اهداف الالفية الثالثة بحلول العام 2015 فيما يتعلق بالمياه والصرف الصحى .
نظام الصرف الصحى المائى يخدم 6% فقط من السكان (الخرطوم القديمة ، والعمارات والمنطقة الصناعية بحرى ) . التوسع العمرانى الرأسى زاد الضغط على الشبكة وكذلك ادت ازالة الحزام الاخضر لاشكالات حول كيفية التخلص من المياه المعالجة (30.000 متر مكعب يوميا فى سوبا وتتسرب كمية منها للنيل الابيض .
توجد نظم ابار الصرف الصحى المنزلية (سبتك تنك ) والتى قد ينتج عنها تلوث المياه الجوفية التى يعتمد عليها السكان لتوفير مياه الشرب .يستخدم المصاص فى العديد من المناطق وله بعض القصور اذ انه يلوث المياه ويختلط بشبكات المياه تحت سطح الارض ، المراحيض نجد انها مستخدمة فى اجزاء كبيرة من البلاد وبدون ضوابط صحية ، وتوجد نسب كبيرة من السكان لاتوجد لديهم اى خدمات صرف صحى ويتم التخلص من الفضلات فى الاماكن المفتوحة .
لعل أبرز خطايا الإنقاذ البيئية تتجلي في مجال استخراج النفط ومؤخراً في التعدين العشوائي . النفط والمعادن تعتبر من الموارد الطبيعية الناضبة والتي توجد بكميات محدودة، واستخراجها سيحرم منها الأجيال المقبلة فلذلك يجب أن يتم استخدام عائداتها في تنمية طويلة الأجل أو يتم اقتطاع جزء منها بنسبة معتبرة في صندوق لدعم الأجيال المقبلة. أن مال النفط أهدر في دعم الحروب والنزاعات والفساد. وارتبط استخراج النفط باحاطته بسياج أمني وتم تشريد الكوادر الوطنية، ووظفت مجموعات غير مدربة مما أفرز الكثير من المشاكل مثل التلوث وقطع الغابات والتأثير في مجاري المياه والمياه الجوفية والمراعي والحياة البرية فقد تم تقدير ان أكثر من 500 مليون شجرة قطعت بسبب مناشط النفط.. ولم يتم أي تعويض للمجتمعات التي تأثرت بمناشط النفط. ومع نضوب كميات النفط فأن المياه المنتجة المصاحبة للنفط تتزايد ، ففي حقل هجليج قد بلغت 80% وتتراكم هذه المياه الملوثة والتي تصعب معالجتها وتؤثر على استمرارية الحياة في هذه المناطق.. وتصاحب مناشط النفط تراكم كميات كبيرة من المواد الكيميائية التي لايتم التخلص منها بالطرق السليمة . يشمل التلوث الناتج عن صناعة البترول التلوث الناتج من المصافي في شمال الخرطوم بحري وفي بورتسودان والأبيض. ويمتد خطر التلوث البيئي لصناعات أخرى كالتلوث الناجم عن الصناعات الكيمائية المختلفة وعن صناعة البلاستيك وعن استخدامه اليومي وعدم وجود ضوابط لكيفية استعماله وخطورة استعماله في حمل الأغذية الساخنة وكيفية التخلص منه.
– افراز النفايات الصلبة حوالى 0.5 كيلو جرام للفرد ̸ اليوم .
– النفايات المشعة عبارة عن ذرية تستخدم فى مجالات مختلفة (الطب – الزراعة – البيطرة – البحوث – معدات الحريق ) ونفايات النفط وكذلك المياه المنتجة المصاحبة للنفط وعمليات النقل والتكرير.
– نفايات القطاع الصناعى ونفايات الزراعة والغابات (20 موقع للمبيدات منتهية الصلاحية ) ونفايات الثروة الحيوانية والسمكية ونفايات الرعاية الصحية (وهى نفايات تتطلب الحرص فى التخلص منها ) (( 5018 موقع مختلف )) كما توجد النفايات الاليكترونية وتشمل (التلفزيونات ، الحواسيب ، الثلاجات ، الموبايلات )وتحتوى على مواد خطرة .
– نفايات البطاريات النافذة (283,429 ) بطارية يعاد تصديرها سنويا .
ان الوضع المؤسسى يتطلب المراجعة حيث لاتوجد خطط معتمدة لمعالجات شاملة وان الحاجة لوضع القوانين والمعايير والعمل على انفاذها وتاكيد الرصد والرقابة .
إن النزاعات المتزايدة في مناطق التعدين العشوائي عن الذهب تفضح هذا النظام الفاسد الذي لا يهتم بصحة المواطن ولا بأمنه ولا يهتم بما يتسبب فيه تزايد استخدام الزئبق وآثاره على المياه السطحية والجوفية – وينظر للتعدين بأفق ضيق محدود لايتجاوز حلول وقتيه لن تخرجه من أزمته الاقتصادية العميقة المستفحلة.
مشاكل سوء الإدارة البيئية تمتد لساحل البحر الأحمر ، والذي يتميز ببئيات الشعب المرجانية والعديد من الجزر الساحلية التي تؤهل الساحل السوداني لتطوير السياحة البيئية . وتبرز مشاكل بيئة عديدة أهمها الفساد ، حيث تم الإعلان عن قيام مدينة ساحلية بمنطقة دنقناب وهي منطقة بيئية هامة مرشحة لتصبح منطقة تراث عالمية. وذلك بواسطة احد المستثمرين العرب وشركائه من الفاسدين بالنظام . وورد بأن المدينة ستكون بها أبراج عالية واضخم نافورة مياه في العالم ، وذلك بدون إجراء أي دراسة لآثارها البيئة . كما أن وزير الكهرباء يصر على إقامة محطة كهربائية تستخدم الفحم الحجري الذي سيتم استيراده من جنوب أفريقيا ، وبذلك سيتسبب في إحداث تلوث كبير في ساحل مرشح للتنمية السياحية.
إن قضايا البيئة الحضرية وتدهور مستويات الإصلاح البيئي تزداد أهمية من خلال تزايد النزوح من الريف للحضر. وتمدد البيئات الحضرية ، وقد تزايد معدلات نمو الخرطوم من 5% للفترة من 1973 لـ 1993 إلى 7% . وتوسعت وتعددت مناطق السكن العشوائي إلى أكثر من 96 منطقة، وبسبب غياب التنمية في الريف وبسبب التصحر والجفاف والفقر والنزاعات ، فأن سكان الحضر تزايدوا إلى 33% من السكان ، وانعكس ذلك سلباً على البنية الحضرية . فإمدادات المياه الصحية لاتتجاوز 60% ، والذين يستمتعون بالصرف الصحي لا يتجاوز 28% ، وحوالي 25% بدون أي مرافق وتتفاقم مشكلة التخلص من النفايات .
الخرطوم من خلال خطط الانقاذ لتنميتها تتحول لمدينة تسودها الفوضى المعمارية، تبرز فيها اعداد من المباني العالية والأبراج في الواجهات المائية وأحياء فقيرة ذات مباني متواضعة و مكتظة بالسكان ،وتغيب عنها الخدمات وتزدحم شوارعها (بالركشات ) وتستقبل الوافدين من مناطق النزاع ، وتعاني من مشاكل النفايات والصرف الصحي وعدم تصريف مياه الامطار والسيول .
بصورة عامة فأن بلادنا تعيش أزمة بيئية ، تراجعت فيها الأوضاع البيئية وأهدرت حقوق المواطن في يئية صحية وردت في الدستور الانتقالي 2005 . وتم تجاوز المؤسسية وبناء الكوادر الي المحاصصة واقتطاع الوزارات والمجالس والإدارات لمصلحة الأحزاب المتحالفة مع المؤتمر الوطني . وسيطر المؤتمر الوطني على ” مؤسسة” النهضة الزراعية والتي يمارس فيها النهب والفساد باسم الإصلاح الزراعي وفي غياب الإدارات الفنية والبحثية في هذا المجال .
إن اشكالية قسمة السلطات بين المركز والولايات تخلق واقعاً بيئياً سيئاً.. فالولايات تدمر البيئة باسم استغلال الموارد للايفاء باحتياجات جهاز مترهل. في عهد الانقاذ تم إلغاء أول محمية طبيعية في تاريخ السودان في بداية التسعينات ،إذ تم إلغاء حجز منطقة الرهد التي كانت محجوزة كمنطقة طبيعية ، وكذلك تمت التجاوزات بزراعة مساحات واسعة من محمية الدندر بواسطة آل المتعافي في ولاية النيل الأزرق ويزداد تعدي والي سنار على محمية الدندر بدعوى الاستثمار وزيادة الموارد المالية الولائية. تزداد الاحتكاكات بين دعاة الاستثمار في المركز والولايات ، وتزداد حدة الصراع حول الأرض والموارد بمنأى عن المجتمعات وحقوقها.
إن تدهور البيئة قد إنتقل إلى تدهور بيئة العمل في المصانع والمعامل، خاصة المعامل الصغيرة ، وتدهورت الرقابة والصحة المهنية ، مما يعرض أعداد أكبر من العمال لإصابات العمل أو الأمراض الناتجة عن بيئة العمل.
إن استمرار هذا النظام الغاشم يعنى المزيد من الدمار للبيئات الطبيعية ويصبح واضحاً وجلياً بأن معالجة مشاكل البيئة غير ممكنة في ظل هذا النظام !.
الفصل الثامن
نظام الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة والثقافة
كما شمل التخريب في عهد الطفيلية المتأسلمة كل المجالات التي رصدناها من قبل كالوحدة الوطنية من خلال الفشل في حل المسألة القومية، والاقتصاد الوطني والخدمات الاجتماعية والاقتصادية والبيئة، فإنه شمل أيضا تخريبا واسعا في الثقافة، واتخذ ذلك التخريب طرق متعددة منها المباشر ومنها غير المباشر:
1- تحطيم التراث الثقافي للشعب مثل احراق المخزون الغنائي في الإذاعة والتلفزيون ومنع فنانين بعينهم ارتبطوا بالثقافة الديمقراطية من الظهور في الأجهزة الإعلامية ومحاربة حفلاتهم الخاصة فصل الاساتذة الديمقراطيين من معهد الموسيقى وتحجيم المعهد والحاقه ككلية بجامعة السودان. محاربة الفرق الحداثية للغناء الجماعي مثل السمندل وعقد الجلاد التي تدخل جهاز الأمن في فترات زمنية في منعها من غناء أغاني بعينها.
2- تحطيم التراث التاريخي خاصة قبل الاسلامي والنوبي بتحجيم هيئة الآثار ومتحف السودان وإغراق الآثار بمشاريع خزانات الشمال أمثال مروي وكجبار.
3- محاربة الفنون الشعبية وتحجيم فرقتها الرسمية والتدخل في أزيائها ورقصاتها.
4- محاربة العمل المسرحي ومضايقة الفرق المسرحية كفرقة الاصدقاء.
5- محاربة الفنون التشكيلية والبصرية وإزالة التماثيل والمنحوتات من الشوارع ومن مصلحة الثقافة. واعتقال وتشريد الفنانين التشكيليين ومحاربتهم في سبل عيشهم.
6- حل اتحاد الكتاب السودانيين عام 1989 وعدم السماح له بالعمل حتى عودته عام 2005 وفقا لجو الانفتاح النسبي بعد نيفاشا
7- حل ومنع وسحب تراخيص المراكز الثقافية مثل مركز الدراسات السودانية ومركز الخاتم عدلان وتقييد عمل مراكز اخرى مثل عبد الكريم ميرغني التي تخضع نشاطاته لاذن من الأمن. ومحاربة الجمعيات والمنتديات الثقافية في العاصمة والأقاليم مثل منتدى شروق في القضارف واعتقال القائمين على أمره ومصادرة أدواته.
8- محاربة النشر ودور النشر وفرض رسوم جمركية على أدوات الطباعة والمطبوعات المستوردة وتحويل هيئة المصنفات للجنة أمنية تمنع نشر الكتب مثل روايات المبدع السوداني عبدالعزيز بركة الحائز على جائزة الطيب صالح في الرواية. وفرض الرقابة على المستورد من الكتب والمجلات حتى وصل الحد إزالة صفحات بكاملها من مجلات مستوردة (مثل الدوحة) أو منع توزيع مجلات لا يتجاوز عدد توزيعها في السودان 250 عددا فقط (مثل مجلة المستقبل العربي). وفرض الرقابة على معرض الخرطوم الدولي للكتاب ومنع عرض كتب وأعتقال عارضين بعضهم أجنبي.
9- إحتكار وسائل الاعلام المسموعة والمرئية بواسطة الدولة أو حلفائها من رأس المال الأجنبي والمحلي وتعيين قيادات هذه الأجهزة من مؤيدي النظام والمسبحين بحمده. وإذا اضفنا إلى ذلك الرقابة المحكمة على الصحافة المقروءة وبالتالي تضييق فرص التثاقف الحر والديمقراطي.
ويمكن النظر لكل هذه الاجراءات في نطاق:
(أ‌) مصادرة الديمقراطية والتي لا يمكن أن تزدهر الثقافة وتتطور وتنتشر إلا في ظل الديمقراطية كحقوق، كالحق في حرية الاعتقاد وحرية الفكر والتعبير والنشر والتجمع والتنظيم والحصول على المعلومات ألخ وأن مصادرة الديمقراطية تقود كنتيجة لمصادرة الثقافة وخاصة الثقافة الديمقراطية.
(ب‌) سعي النظام بشكل مباشر وغير مباشر لنشر ثقافته التي تعتمد آيديولوجية الطفيلية المتأسلمة والتي بطبعها استعلائية واقصائية، فهي تحتقر الثقافات الشعبية وتقصي الثقافات المناقضة لها وتحاربها وتكفر من يدعو لها، وتعلي من روح الاستهلاك البذخي والتفاخر في البنيان والعربات وتعدد الزوجات، وتنشر ثقافة العنف البدني واللفظي وتلغي ثقافة تقاليد التسامح والتعاون واحترام وتوقير الكبار وثقافة سيادة القوة والثروة بدلا من ثقافة حكم القانون والعرف الثقافي.
(ت‌) ترويج ثقافة الحرب التي تقلل من قيمة الحياة عموما عبر ثقافة اجازة قتل الخصوم وثقافة الاستشهاد التي تعتبر من تحاربهم إما كفارا أو خارجين على الدولة الاسلامية أو عملاء، وفي نفس الوقت تحطم ثقفاتهم بالنزوح القسري أو الفرار خارج الوطن كلاجئين وإقتلاعهم من مجتمعاتهم.
(ث‌) تعظيم روح ثقافة القبلية والجهوية وما يتبع ذلك من اضعاف ثقافة الانتماء الوطني والاخاء بين شعوب وقبائل السودان وتنمية الشعور بالتهميش والاضطهاد والتفرقة العنصرية.
(ج‌) ترسيخ ثقافة معادية للمرأة وحقوقها وانسانيتها تجعل منها موضوعا للجنس والتحرش الجنسي المستمر وتشعرها بأنها عورة وأنها تحتاج لمن يسترها وضعيفة تحتاج لمن يحميها.
(ح‌) شراء بعض المثقفين من خلال صفحات الرأي والتكريم من قبل مؤسسات الدولة بغرض الدعاية السياسية وابعاد بعض رموز الثقافة الوطنية والديمقراطية من وجدان الشعب وتشكيك الشعب فيهم. وإقحام رموز النظام في المناسبات الثقافية لنفس الأغراض.
ان الخطر الذي ينبعث الان وفي المستقبل انما مصدره تلك العقلية التي تحاول ان تفرض النمطية الايديولوجية علي الفكر الثقافي وعلي قوانين الابداع وعلي المشاكل الحصرية للثقافة باعتبارها نوعاً متميزاً من النشاط الانساني.. لهذا، فالثقافة الرسمية مهما بذل نظام الانقاذ جهده لتجميلها وتحسينها تغص الان بجيوش من الخرافات والشعوذة والدجل، ومساعي النظام مبذولة وباصرار لسد الفراغات الناجمة عن الحاق الثقافة بالاجهزة القمعية حتي لا تفرز نموذجها الثقافي سوي تلك الافرازات المشوهة التي تسمح بها الاجهزة الرسمية وترعاها، لقناعتها بان الدائرة المفرغة التي يدور فيها نموذجهاً الثقافي لن ينتج اية ثقافة حرة او مبدعة او خلاقة… انها الكارثة..
إن هذا النوع من الثقافة الطفيلية هي التي تشوه الوعي الاجتماعي وتساعد على بقاء الطفيلية مسيطرة على الدولة، وضمن مقاومة الشعب فقد قاومت قطاعات المثقفين سيطرة الطفيلية وتخريبها للثقافة وناضلوا من أجل حقوقهم في التعبير والنشر والتنظيم والابداع الثقافي بكافة أشكاله، ورغم ما حققوه من حقوق نسبية، إلا أن حقوقهم الكاملة لا تتحقق إلا باستعادة الديمقراطية.
ويظل موقفنا في الحزب الشيوعي مستندا على برنامجنا المنادي بثورة ثقافية وطنية ديمقراطية ترتكز على ثقافة الديمقراطية وديمقراطية الثقافة المعترفة بتعدد الثقافات في بلادنا والتي تحترم حقوق الانسان وتفتح ابواب حرية التعبير والنشر امام مبدعينا وتوفر أدوات المعرفة والثقافة وتدعمها حتى تصبح في متناول جماهير شعبنا. ان نشر وتعزيز الثقافة الديمقراطية يعتبر هدفا محوريا من اهداف حزبنا اذ بها نتوسل لبعث الوعى الضرورى لتحرر الانسان السودانى من الخوف والتعصب والفزع من قوانين الطبيعة ،ومن غمة الجهل الذى تركه فريسة للاستغلال الاجتماعى ايا كان نوعه ، وللتعصب الاعمى ايا كان منشاه . نستعصم بالفكر الانسانى العلمى منهجا واداة فى ما يشمل ما دشنته الماركسية من افق الفكر والممارسة تحت عنوان التراث التحررى للبشرية ، ولاننقطع عن هذا التراث بدعوى اصولية يسارية او شوفينية قومية . ان التحرر من اسر الوعى المزيف لايتم بتشريع قاهر، او بقانون مبتسر او بوصاية علوية ، انما بنشر المعرفة بين الجماهير وبتطوير ما لشعبنا من سليقة ديمقراطية نعتمدها مفتاحا لثورة ثقافية تخرج من منابت المجتمع وتهز قاعه حركة وضجيجا وتصل بالانسان الفرد وبالمجتمع الى معرفة الحقيقة ومقام الاختيار الحر.
الثقافة الديمقراطية وسيلتنا لبعث تراثنا القومى بمختلف جذوره العربية والاسلامية والافريقية ببصيرة نقدية لا تنكفئ على الماضى ، وانما تستشرف المستقبل محاربة لما فى تراثنا متعدد المصادر من تخلف وانغلاق وقهر ،خاصة فى شأن المراة والطفولة ،وتعزيزا لما فيه من عناصر تقدم وثورية بحيث تكون الثقافة الديمقراطية سلاحا نحارب به التعصب والاستعلاء العرقى والدينى والنوعى والانغلاق والجمود الفكرى ودواء نبرأ به من الغائر فى جسد شعبنا من دمامل ورثها عن تاريخ الرق والاسترقاق الشائن ،واداة تمحو عن الشعب عار الامية والجهل والخرافة .

الفصل التاسع
عزلة السودان الدولية والتدخل الأجنبي في شؤون البلاد
عزلة السودان 1989-1999
أهمية السودان في العلاقات الدولية
ظل السودان يمثل كغيره من الدول الافريقية وبقية دول المستعمرات فى القارات الاخرى هدفاً لأطماع القوى الخارجية منذ وقت طويل . ويشكل الموقع الجغرافي عاملاً رئيسياً في هذا الصدد ،حيث يلعب السودان دوراً هاماً كحلقة اتصال بين شمال القارة وجنوبها، وكذلك بربط دول غرب القارة بشرقها عن طريق الطرق التجارية البرية الممتدة من السنغال إلى سواكن وبورتسودان، خاصة قوافل الحجاج الذين يستخدمون هذا الطريق كل عام منذ قرون سحيقة. ويساعد الممر النيلي الممتد من مناطق البحيرات إلى البحرالابيض المتوسط في أقصي الشمال في حركة التجارة والسكان، وقد تم استخدامه بواسطة الغزاة على مر التاريخ .
كما تشكل الثروات الطبيعية والأراضي الزراعية الواسعة والخصبة حافزاً أكبر للتدخل الخارجي المباشر وغير المباشر،حيث غزا محمد على باشا السودان من أجل الذهب والرجال .وكان هدف الاستعمار الإنجليزي هو الاستفادة من أراضي الجزيرة الزراعية لإنتاج القطن الى جانب الاستفادة من الثروات الاخرى .
يشكل السودان موقعاً عسكرياً ممتازاً في قلب القارة الأفريقية وقد ظهر ذلك بوضوح أثناء الحرب العالمية الثانية حيث اعتمد عليه الإنجليز في حسم معاركهم مع الإيطاليين في أثيوبيا وفى الحدود الغربية مع الفرنسيين والبلجيكيين.
بداية عزلة النظام واسباب التدخل فى الشؤون الداخلية :
يعتبر السودان ضمن اوائل الدول الافريقية التى تمكنت من نيل استقلالها عبر نضالات ابنائها من كافة المناطق .لقد كسب الشعب السودانى احترام شعوب دول التحرر الوطنى فى القارة الافريقية ومن بقية شعوب المستعمرات الاخرى فى العديد من مناطق العالم بسبب مساندته وانحيازه لنضالات وكفاح هذه الشعوب من اجل الحرية واسترداد سيادتها الوطنية ، فلا تزال الكثير من الاحياء السكنية فى المدن السودانية تحمل اسماء ، مثل الكنغو تخليدا لذكرى المناضل باتريس لوممبا ، واسم كوريا ، وغيرها من الاسماء التى ارتبطت بنضالات هذه الشعوب . حاز الشعب السودانى على اعجاب الملايين من شعوب دول التحرر الوطنى المناهضين لانظمة القمع والديكتاتوريات الحديثة بسبب تفجيره لثورة اكتوبر المجيدة فى مطلع ستينيات القرن الماضى بدماء الشهداء وبتضحيات ابنائه وبناته .
ساهم السودان بادوار مؤثرة فى قيام منظمة الوحدة الافريقية وفى بناء مؤسساتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية كما ساهم بجهود مقدرة فى دعم برامج الجامعة الدول العربية ودول عدم الانحياز .
بوادر العزلة :
ظل السودان يتمتع باحترام دول الجوار والكثير من الاصدقاء من مختلف انحاء العالم بعد حصوله على الاستقلال ،الا ان بوادر العزلة بدأت تلوح فى الافق عندما فشلت حكومات مابعد الاستقلال فى ارساء المشروع الوطنى المتكامل لمستقبل البلاد ابتداءا من حسم قضية الهوية وتحديد المصالح المشتركة مع دول القارة الافريقية وكذلك المصالح المشتركة مع دول المحيط العربى . لقد بات واضحا انحياز غالبية الحكومات الوطنية الى الثقافة العربية الاسلامية دون الافريقية وكان طرد نواب الحزب الشيوعى من برلمان اكتوبر بدعاوى تستند الى نصوص الشريعة الاسلامية انعطافا حقيقيا فى ذلك الاتجاه وتمثل فترة حكم الديكتاتور جعفرنميرى انحيازاآخر في نفس الوجهة بلغ أوجه بتطبيقات قوانين سبتمبر الجائرة، الامر الذى ادى الى صدور ادانات واسعة من الكثير من دول العالم ومن المنظمات الحقوقية أزاء وقوع المجازر والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وللقانون الدولى الانسانى .
تفاقمت عزلة السودان الدولية عندما استولت الجبهة الاسلامية على السلطة عن طريق الانقلاب العسكرى فى يونيو 1989 ،وما تبعه من صدور القرارات التى قضت بحل الاحزاب السياسية ومصادرة الحريات العامة وانتهاكاته الفظة لحقوق الانسان فى الجنوب وضد معارضيه فى الشمال ،وانشاء المحاكم الاستثنائية وفرض حالة الطؤارى .وقد ازدادت عزلة النظام فى المحيط العربى عندما اتخذ موقفا داعما للديكتاتور صدام حسين ابان غزوه للكويت . وكذلك بدعوته لقادة الجماعات الاصولية من نحو (45) دولة عربية واسلامية تم تصنيفهم بانهم ارهابيون معادون لحكومات بلدانهم وضد مصالح شعوبهم ، وقد تم ذلك تحت مظلة المؤتمر الشعبى العربى الاسلامى ،بالاضافة الى ايوائه لاسامة بن لادن فى عام 1991وكارلوس. وبضلوعه فى محاولة اغتيال الرئيس المصرى السابق محمد حسنى مبارك فى عام 1995 ،الى جانب الاتهامات بضلوعه فى تفجيرات سفارتى الولايات المتحدة فى كينيا وتنزانيا فى العام 1998 وكذلك لضلوعه فى سياسة المحاور التى تضم المنظمات المصنفة بالارهابية ك(حزب الله ) ومع الدول المنبوذة مثل ايران وسوريا .
أعطت سلطة الإنقاذ المبررات الكافية للمجتمع الدولي في التدخل المباشر في شئون البلاد عندما أصرت الحكومة على اللجوء للخيار العسكري لمعالجة الأوضاع في المناطق المهمشة بصورة عامة،وفي دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق بصفة خاصة . كما أصرت على حكم البلاد عن طريق النظام الشمولي الأمر الذي نتج عنه مصادرة الحريات الأساسية ، وعدم احترام حقوق الإنسان ، ومبدأ سيادة حكم القانون ، وتشجيع ثقافة عدم المساءلة والإفلات من العقوبة.
زادت وتائر التدخل بسبب تفجر الكارثة الإنسانية في دارفور،والتي أسفرت عن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حيث أصدر مجلس الأمن العديد من القرارات تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتم بموجب بعضها إحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي ونشر القوات المشتركة في دارفور بغرض حماية المدنيين والمساعدة في عودتهم إلى قراهم الأصلية.
ويمكن تلخيص مواقف المؤسسات الدولية والاقليمية وبعض الدول الاعضاء فى مجلس الامن على النحو الاتى :
ساند مجلس الامن والاتحاد الافريقى والاتحاد الاوروبى وبعض الدول مثل الولايات المتحدة ،وكندا صدور القرارات المتعلقة بالوضع فى دارفور حول ارسال فريق تقصى الحقائق الى جانب احالة الوضع الى المحكمة الجنائية الدولية ، ونشر القوات المشتركة بموجب قرارات مجلس الامن تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة . كما لعبت المنظمات الحقوقية غير الحكومية ادوارا مقدرة فى التضامن مع ضحايا الانتهاكات فى السودان وفى دارفور بصفة خاصة ، وعلى الرغم من انحياز الصين وروسيا للحكومة السودانية الا انهما لم تمارسا حق النقض او الفيتو بخصوص القرارات الصادرة حول الوضع فى دارفور .
انه من المؤسف ان دولا مثل فنزويلا ، كوبا ،وبعض الاحزاب اليسارية فى اوروبا وافريقيا ومن المنطقة العربية ظلت تساند حكومة الانقاذ متوهمة انها تجابه عداءا من الدول الامبريالية بسبب خياراتها الوطنية المتمثلة فى اهداف المشروع الحضارى . وهذا موقف خاطئ لا يضع في الاعتبار طبيعة النظام المعادية للشعب، والتي تلحق الاقتصاد السوداني بالرأسمالية العالمية من خلال تدمير إنتاجه واعتماده الكامل على السوق العالمي في تلبية إحتياجات الشعب، وفي علاقات النظام السرية، والتي أصبحت مكشوفة الآن، بالمخابرات الأمريكية.
مقترحات للخروج من العزلة والاستفادة من المواقف الايجابية من بعض اعضاء الاسرة الدولية والاقليمية :
من المؤكد ان مصالح الدول والتحالفات الدولية والاقليمية تتبدل وتتغير وفقا لمصالحها الذاتية او الجماعية وكذلك بسبب التطورات التى تنتج عن العديد من العوامل المتحركة . ومن المؤكد كذلك ان لدينا مصالح مشتركة مع الكثيرين من اعضاء الاسرة الدولية يجب الحفاظ عليها وتطويرها لصالح مستقبل الاجيال القادمة ، ومن اجل انجاز مهام برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية .
ان النظام العالمى الجديد يتيح العديد من الفرص للتدخل فى الشئون الداخلية للدول فى حالات وقوع مجازر او الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان او بغرض تقديم المساعدات الانسانية الضرورية ،فانه وفى مثل هذه الظروف يصعب على اى دولة القدرة على الوقوف بمناى عن التدخلات الخارجية المباشرة او غير المباشرة دون ان توحد جبهتها الداخلية ، ودون ان تسعى لخلق التحالفات الاقليمية او الدولية على مستوى الحكومات والشعوب بغرض حماية استقلالها الوطنى .
ان المطلوب هو حسم قضية الهوية السودانية فى اطار الانتماء لمحيطنا الافريقى والعربى وخلق التوازن المطلوب فى التعامل مع حقيقة انتمائنا للمحيطيين ، بما يحفظ لنا مصالحنا الوطنية اولا ، والمطلوب ايضا انتهاج سياسة حكيمة تستند على مبدأ عدم التدخل فى شؤون جيراننا والخروج من سياسات المحاور الاقليمية والدولية الضارة بمصالح الشعب السودانى . وبالتالى علينا وضع خطة زمنية محددة الأهداف والاتصال مع المجموعات المذكورة لتحقيق الأهداف الآتية:-
1- تشجيع المواقف الإيجابية لهذه المجموعات بغرض خدمة الأهداف الوطنية الواردة في برنامج الحزب، خاصة الاتحاد الأفريقي الذي يتيح له ميثاق الاتحاد لحقوق الإنسان والشعوب مساحة واسعة لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة حكم القانون.
2- إقناع بعض هذه المجموعات بضرورة سحب مساندتها ودعمها لحكومة الإنقاذ، وتحويلها لصالح جماهير الشعب السوداني بالاستناد إلى قرارات مجلس الأمن و المؤسسات الإقليمية المختلفة.
3- بذل الجهد لتحييد الجهات الداعمة والمناصرة لحكومة الإنقاذ ما أمكن ذلك.
4- التعامل مع مناصري الإنقاذ وتأسيس مواقفنا السياسية بناء على الحقائق الواردة في هذا التقرير.
ويجب أن تشكل القضايا الآتية موضوعاً رئيسياً وأساساً للحوار مع الجهات المذكورة وهي:-
أ- وقف الحرب فوراً في كل المناطق المتأثرة.
ب- مخاطبة الوضع الإنساني بكافة جوانبه في جميع المناطق المتأثرة بالكارثة الإنسانية بسبب الحرب والمواجهات المسلحة , بما يمكن من خلق المناخ والظروف الآمنة التي تمكن ملايين الناس من العودة إلى مناطقهم الأصلية بحرية وبأمان وبكرامتهم عن طريق خلق أوسع جبهة للتضامن والنضال من أجل تحقيق المطالب المشروعة.
ج- حق الشعب السوداني في اسقاط النظام والانتقال إلى حكم ديمقراطي يؤسس لعقد مؤتمر دستورى قومى يشارك فيه جميع اهل السودان للتواضع حول كيف يحكم السودان واستدامة السلام .
ه- بناء علاقات السودان الخارجية على الندية والصداقة والسلام بين الشعوب والمنفعة المتبادلة بين الدول والناى عن المحاور والاحلاف العسكرية وعدم التدخل فى شؤون الاخرين .
و- خلق علاقات متميزة مع دول الجوار والمحيط الافريقى والعربى والنضال المشترك من اجل جعل المنطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل .
تفريط النظام فى سيادة السودان على اراضيه
مثلث حلايب – شلاتين
ظل الحزب الشيوعي السوداني خلال تاريخه يناضل من اجل علاقات صداقة وتضامن مع الشعب المصري الشقيق، وكان الحزب الشيوعي قد رفع أيام الاستعمار شعار الكفاح المشترك مع الشعب المصري لأجل تقرير مصير الشعبين السوداني والمصري، كما كان الحزب الشيوعي من أوائل المتضامنين مع الشعب المصري أبان العدوان الثلاثي بعد تأميم قناة السويس، وأرسل المتطوعين للحرب مع الشعب المصري، ووقف الحزب الشيوعي السوداني مؤيدا التحولات الاجتماعية التقدمية في مصر الناصرية، ووقف بحزم ضد العدوان الإسرائيلي في حرب حزيران وظل يؤيد بلا شروط خطوات النظام المصري لتحرير أرضه المحتلة وأيد الشيوعيون السودانيون إنتفاضة شعب مصر في 25 يناير و30 يونيو. وما زال الحزب الشيوعي يدعو لتمتين العلاقات بين الشعبين السوداني والمصري مهما أختلفت الحكومات والأنظمة، ولكن كل ذلك لا يمنع الشيوعيون السودانيون من إعلان موقفهم المبدئي من قضية مثلث حلايب- شلاتين الذي تحتله القوات المصرية والشيوعيون ينطلقون من موقفهم المبـدِـي في الدفاع عن سيادة السودان على أرضه وموارده.
يقع المثلث شمال خط عرض 22 ويطل على البحر الاحمر وتبلغ مساحته 20,580 كلم مربع . اهم مدنه حلايب وشلاتين وابو رماد ويبلغ عدد سكانه ( 19500) نسمة والمنطقة عموما واعدة بالسياحة البحرية والصحراوية وكوامن المعادن فى باطن الارض .
مثلث حلايب مصدر توترات بين دولتى السودان ومصر منذ يناير 1958 تعلو وتيرتها حين تسوء العلاقات بين البلدين وتنقشع حين تتحسن لمصلحة النظام وليس المصالح الوطنية، فمصر تدعى ان الخط الحدودى الفاصل بين السودان ومصر هو خط عرض 22 شمالا ومن ثم تبعية مثلث حلايب لدولة مصر غاضة النظر عن الوقائع على الارض والوثائق التاريخية التى تؤكد تبعية حلايب لدولة السودان التى تقع ضمن الحدود التى ورثها السودان حين جلاء الاستعمار البريطانى المصرى فى يناير 1956 والتى اعترفت بها مصر وسيادة السودان على كامل اراضيه بما فى ذلك مثلث حلايب فى الشمال الشرقى من دولة السودان المستقلة وكذلك بالنتوء الواقع شمال خط عرض 22 شمال مجرى النيل فى منطقة وادى حلفا التى هجر سكان القرى الواقعة داخل النتوء الى داخل السودان فى منطقة البطانة واعادة اسكانهم فى 9 قرى بمشروع حلفا الجديدة الزراعى حين قيام السد العالى واغراق منطقة وادى حلفا فى عام 1964 .بل كانت مصر من اوائل من تبنت قرار منظمة الوحدة الافريقية –الاتحاد الافريقى حاليا – القاضى بقدسية الحدود الموروثة من الاستعمار حين جلائه من اقطار افريقيا .
قبلت دولة مصر بتبعية حلايب للسودان طوال فترة الاستعمار وامتدت لعامين بعد الاستقلال الفترة من 1902 الى 1958 وبرز الخلاف فى يناير 1958 حيث قدمت مصر مذكرة احتجاج على نية السودان عقد انتخابات نيابية عامة فى السودان بما فى ذلك منطقة حلايب واعتبار المنطقة تابعة لها بموجب اتفاقية الحكم الثنائى 1899 الموقعة بين بريطانيا ومصر ودعمت مصر مذكرتها بارسال فرقة عسكرية الى حلايب واعقبت ذلك بمذكرة جديدة لحكومة السودان فى فبراير 1958 اعلنت فيها النية لاجراء استفتاء بين سكان المثلث حول خيار الوحدة المصرية السورية انذاك . رفضت حكومة السودان ماجاء بالمذكرة واجراء استفتاء على ارض سودانية وفق تعديلات اتفاقية الحكم الثنائى والتفاهمات التى تلتها والاجراءات العملية الادارية التى قامت بها دولة السودان فى المثلث منذ فترة الحكم الثنائى وعقب الاستقلال بعامين (1902 – 1958 ) ولم تثمر المفاوضات التى جرت بين حكومتى السودان ومصر التى اقترحت على السودان عدم اجراء انتخابات سودانية او استفتاء مصرى فى منطقة حلايب وقد رفض السودان المقترح والاصرار على سودانية المنطقة دون قيد او شرط ورفع شكوى رسمية لمجلس الامن الدولى الذى اجتمع فى 21فبراير 1958 للنظر فى الشكوى الا ان مصر تراجعت عن قرارها بعقد الاستفتاء وسمحت لحكومة السودان باجراء الانتخابات فى المثلث واعلان انسحابها لفرقتها العسكرية بالكامل وقرر مجلس الامن حفظ الشكوى والاجتماع لاحقا بناء على طلب اى طرف من الطرفين وموافقة اعضاء المجلس وبقيت حلايب سودانية منذ ذلك الحين دون اعتراض من مصر طوال 37 عاما.
برز الصراع على المنطقة بين الدولتين فى العام 1992 واصرار مصر على حدودها الجنوبية على خط عرض 22 شمال وتبعية حلايب كرد فعل على تدهور العلاقات مع حكومة السودان واعلان ضم حلايب رسميا لمصر فى عام 1995 بعد فشل محاولة اغتيال الرئيس المصرى الاسبق حسنى مبارك فى اثيوبيا والذى اتهمت فيه حكومة السودان بتدبير المؤامرة وسكتت حكومة السودان على الضم ،و الحديث من وقت لاخر عن سودانية حلايب حينا وجعل منطقة حلايب منطقة تكامل بين دولتى مصر والسودان حينا اخر .
موقف حكومة السودان تجاه احتلال المصرى يتسم بقدر كبير من الاستهانة والتهاون رغم ان قضية حلايب ومنطقة الفشقة فى الحدود الشرقية مع دولة اثيوبيا من مطلوبات اتفاقية الشرق 2006 مع تنظيم جبهة الشرق وما يسببه هذا التهاون من تفريط فى سيادة السودان على اراضيه وموارده وما يعانيه سكان المثلث من ازدواجية الانتماء والفصل القسرى لارحام قبائل البجا السودانية وضعف التنمية والخدمات كمنطقة متنازع عليها بين الدولتين دون حسم .
اثارت حكومة السودان الصراع على حلايب من جديد كرد فعل على اطاحة شعب مصر بالرئيس محمد مرسى المحسوب على الاخوان المسلمين فى مصر فى انتفاضة 3 يوليو 2013 والتى تبعتها الخلافات حول الدولتين حول الموافقة على قيام سد النهضة الاثيوبى .
إن مسألة الموقف من قضية مثلث حلايب وشلاتين ينبغي ألا تخضع للصراع السياسي بين الحكومات والأنظمة التي تتوالى على كل من السودان ومصر، فهي قضية تخص سيادة السودان على أراضيه وموارده ومن الضروري تعاملها دولة السودان بجدية وحسم لحل الصراع حول المثلث مع دولة مصر بشكل سلمي اما بتجديد الشكوى المقدمة لمجلس الامن فى فبراير 1958 للبت في الصراع او اللجؤ الى محكمة العدل الدولية أوللجنة للتحكيم دولية يتفق عليها الطرفان للفصل فى انتماء المثلث.
منطقة الفشقة فى الشرق
مثلث الفشقة اراضى زراعية تمتاز بالخصوبة العالية ويقع على الحدود مع دولة اثيوبيا وتبلغ مساحته 250 كلم مربع تحتوى على 600 الف فدان موقع نزاع دائم بين المزارعين السودانيين اصحاب الارض ومليشيات اثيوبية تصر على الاعتداء على الارض وزراعتها قسرا تحت قوة السلاح رغم ان دولة اثيوبيا تعترف بسودانية المثلث منذ عام 1902 وسبق ان تم حسم تبعية المنطقة للسودان مجددا فى عام 1972 باتفاق بين حكومة جعفر نميرى وامبراطور اثيوبيا هيلاسلاسى ورغم ذلك الاتفاق استمر استخدام المزارعين الاثيوبيين للارض وشكلت مصدر ازعاج وتوترات بين السودان واثيوبيا واعتداء المليشيات الاثيوبية مما دعا الى عقد اجتماعات امنية بين الحكومتين لاطفاء النزاعات وتأمين المشروعات الزراعية .
فى ديسمبر2012 تم عقد اتفاق بين الخرطوم واثيوبيا لانهاء الوجود الاثيوبى فى المنطقة السودانية واستعادة السودانيين الارض وايفاد خبراء لترسيم الحدود وبذلك يتمكن السودانيون من زراعة 450 الف فدان داخل مثلث الفشقة دون مضايقات غير ان المزارعين مازالوا يشتكون من استيلاء المزارعين على الارض ويساعدهم فى ذلك انعزال منطقة الفشقة عن السودان بسبب الاودية والانهار من جانب وانشغال حكومة السودان بالحروب فى دارفوروالنيل الازرق وجنوب كردفان وتصعيد التوترات مع حكومة دولة الجنوب .

الباب الثالث
الحركة الجماهيرية: المقاومة وآفاق التطور

الفصل الأول:
مقاومة الدكتاتورية
الحركة النقابية تواجه النظام:
سجلت حركة الجماهير حضوراً فاعلاً في مقاومة نظام 30 يونيو 1989 كما تجلى في مذكرة القادة النقابيين في 30 يوليو 1989 لرئيس الانقلاب ، و التي طالبت بالحريات النقابية وشرعية النقابات ، وفي إضراب الأطباء في نوفمبر 1989 وإضرابات العاملين بالسكة حديد في 1990 و1991.
ورغم القوانين التي تحرم الاضرابات وسيطرة الانتهازيين بمساعدة نظام الرأسمالية الاسلامية الطفيلية على النقابات فقد ظلت جذوة نضال جماهير الحركة النقابية متقدة تمارس الضغط على قيادتها حينا وتتمرد عليها حينا آخر، وقد شمل ذلك نضال المعلمين في كافة ولايات السودان من اجل صرف مرتباتهم وحقوقهم، كما شملت الآطباء بدءا بمعارك النواب المتعددة وحتى معارك الدفاع عن المستشفيات والمنشآت الصحية والمعارك التي خاضها العاملين ضد تصفية المرافق والمؤسسات العامة مثل معارك البريد والبرق والطيران المدني والمصانع الحكومية
الطلاب في مقاومة النظام:
كانت مقاومة الطلاب والشباب لنظام 30 يونيو مقاومة باسلة أستمرت منذ قيام الانقلاب وحتى يومنا هذا، وقد تجلت فى الإضرابات والإحتجاجات الطلابية وفي المظاهرات التي وصلت ذروتها في انتفاضتي 1995 وسبتمبر 1996 وتواصلت بمختلف الأشكال ضد سلبيات ما سمي بثورة التعليم العالي ، ومشاكل السكن والإعاشة والنشاط النقابى وضد الديكتاتورية ومصادرة الحريات وضد الغلاء وتدهور الحياة المعيشية للشعب ، وتضامنا مع مطالب أهل دارفور وطلابها. وقدمت حركة الطلاب الشهداء وتعرض مناضلوها للإعتقال والتعذيب.
مقاومة النساء:
لقد لعبت المراة السودانية وكالعهد بها منذ معركة الاستقلال وماقبلها دورا كبيرا فى المقاومة الوطنية ، وكان لها ولازال دورا هاما فى منازلة نظام 30يونيو 1989، الذى خصها بقدر اكبر من القهر والاستبداد وسلب الحقوق تماشيا مع طبيعته الرجعية والمتخلفة . وقد شهدت الساحة السودانية تظاهرات النساء ومواكبهن لاطلاق سراح المعتلقين السياسيين ، والمواكب التى نظمتها وقادتها النساء من اسر شهداء حركة 28 رمضان ، الذين اغتيلوا ظلما وبليل دون محاكمات ودفنوا احياء ولم تعرف قبورهم حتى الان . وواصل هذا التنظيم مناهضة النظام بكافة الاشكال وتعرضت عضواته للاعتقال والمطاردة والملاحقة من النظام .
لقد استهدف النظام ومنذ الوهلة الاولى النساء بفرض القوانين التى تكبل وتحد من حركة النساء ، مثل قوانين النظام العام وامن المجتمع حيث تعرضت المرأة السودانية للاهانة وللمساس بكرامتها كانسان ، كما تعرضت للاعتقال والجلد وللتحرش بما يتعارض مع تقاليدنا السمحة ، تصدت النساء وبكل جسارة من خلال التنظيمات النسائية القديم منها والحديث ، الاتحاد النسائى السودانى والتجمع النسائى الوطنى الديمقراطى والنساء داخل الاحزاب،ومنظمات المجتمع المدنى النسائية ومنها مبادرة لا لقهر النساء والتى وقفت ضد جلد النساء وضد التحرش بهن من قبل الاجهزة الامنية وسيرن المسيرات والتظاهرات ورفعن المذكرات مما عرضهن للضرب والاعتقال.
تعرضت الحقوق التى اكتسبتها المرأة السودانية عبر تاريخها ونضالها خاصة حقها فى العمل للانتقاص، حيث اصدر والى الخرطوم قرارا يمنع بموجبه النساء من العمل فى الكافتيريات ومحطات الوقود، وحاول تعديل قانون العمل ليفتح الباب لسلب حق العمل بمنع النساء من الاعمال التى تخدش الحياء والكرامة كما ادعى . تحركت النساء من كافة التنظيمات والاتجاهات احتجاجا ، وتكونت مجموعة التضامن النسوى والتى رفعت مذكرة للمحكمة الدستورية كما سيرت المواكب الاحتجاجية حتى اوقفت المحكمة قرار الوالى وتراجعت الدولة عن تعديل قانون العمل بعدم تمرير الامر المؤقت من المجلس الوطنى .
ولان قانون الاحوال الشخصية من اكثر القوانين التى انتقصت من حقوق المرأة وكرامتها وانسانيتها بتشويه مؤسسة الزواج الاجتماعية التى كرمتها الاديان ، وتحويلها الى مؤسسة مادية نفعية وقمعية .حيث جوز القانون زواج الطفلات وحرم المراة من حقها فى العمل بعد الزواج بربطه بموافقة الزوج فقد وجد هذا القانون مقاومة من النساء ولازالت مستمرة فى كافة المواقع واجريت دراسات ورفعت مذكرات للمسؤولين لالغائه لاجحافه ولتخلفه ولتعارضه فى الكثير من مواده مع حقوق الانسان .
على المستوى السياسى قاومت جماهير النساء من خلال التجمع النسائى الوطنى الديمقراطى مصادرة الديمقراطية ومن اجل حقوق المرأة المسلوبة، وضد تفويج الطلاب للخدمة الوطنية ومعسكرات التدريب . ووقفن ضد الاعتقالات وضد قرارات الوالى الجائرة بالخرطوم ، كما طالبن بالمشاركة السياسية وضد غلاء المعيشة . كما قام منبر النساء السياسيات والذى يمثل نساء الاحزاب بعدة انشطة متصديا لتمثيل المرأة فى المجالس التشريعية عن طريق (الكوتة النسائية ) نجح مع منظمات المجتمع المدنى من خلال رفع المذكرات والتظاهرات والوقفات الاحتجاجية امام البرلمان و تحقيق بعض المطالب بتضمين نسبة (25%) للنساء .
لعبت االمرأة دورا مقدرا فى الدعوة للسلام وضد الحرب من خلال منظماتها باعتبارها المتضرر الاكبر من الحروب هى واطفالها ، وقمن بتكوين مجموعة تمكين المرأة من اجل السلام ، وتضم هذه المجموعة نساء من المجتمع المدنى من جبال النوبة ومن الاحزاب السياسية المعارضة (التجمع الوطنى ) ومثلت فيها نساء من جنوب السودان ، كما ضمت عاملات من وزارة التخطيط الاجتماعى . وطالبت هذه المجموعة باشراك النساء فى مفاوضات السلام وحمايتهن واطفالهن فى مواقع النزاعات وعدم استخدام الاطفال فى الحروب كما طالبن بالديمقراطية واحلال السلام وتمثيلهن فى مواقع اتخاذ القرار، وبعثن بوفد الى نيفاشا يحمل مذكرة تحوى مطالب النساء لتضمينها فى الاتفاق القادم انذاك .وقد ساهمت مجهودات هذه المجموعة فى تضمين حقوق المرأة فى دستور 2005 الانتقالى . وفى الحصول على الكوتة فى المجالس التشريعية، كما بذلت المجموعة مجهودات لدعم المتأثرين بالحرب ورفع الوعى وسط النساء . كما لعبت النساء مع منظمات المجتمع المدنى دورا بارزا فى مناهضة الحرب فى جنوب كردفان والنيل الازرق .
كما نشأت العديد من منظمات المجتمع المدنى والتى اسست منابر للتطوع وللمشاركة والتدريب وبناء القدرات فى العديد من المجالات الا ان بعضها صاحبته بعض الاشكالات ونواحى الضعف مثل ضعف الممارسة الديمقراطية واحتكار مجموعة محدودة لقياداتها واعتمادها على مصادر تمويل اجنبية مرتبطة باجندة خارجية وعدم التزام بعضها باسس الانضباط المالى والمحاسبيى والشفافية
لقد أوضحت مقاومة المرأة السودانية للنظام الديكتاتوري، قدرة نساء السودان على إبتداع أشكال جديدة ومتنوعة لنضالها. وقد كنّ منذ ثورة أكتوبر 1964 وبعد المؤتمر الرابع لحزبنا، نرى كيف أن الحركة النسائية لا يمكن حبسها في نطاق تنظيم نسائي واحد أو شكل واحد للنشاط أو النضال نتاج الفرز الطبقى البين وسط النساء . إن المهم بالنسبة لنا أن نسعى ضمن الحوار الفكري لتوحيد الحركة النسائية للتحالف حول برنامج واضح لحقوق المرأة السودانية ، يبني فوق ما حققته الحركة النسائية تاريخيا بقيادة الإتحاد النسائي السوداني، ولا يشترط هذا البرنامج أن يكون هناك تنظيما نسائيا واحدا جامعا، وفي نفس الوقت لا ينفي أن تصل الحركة النسائية لشكل من أشكال التنسيق بين تنظيماتها المتعددة، فقد أثبتت تجربة النضال ضد الديكتاتورية وبوجود أشكال تنسيق مثل التجمع النسائي وتنظيم نساء الأحزاب، أن الظروف الموضوعية قد تفرض هذا الشكل أو ذاك من أشكال التنسيق. وأثبتت تجارب منظمات المجتمع المدني إمكانية قيام منظمات تهتم بهذا الشأن أو ذاك من قضايا النساء، بل أثبتت إمكانية التعاون حول قضايا معينة (مثل محاربة الخفاض وكل أشكال العنف وتمثيل المرأة في البرلمان والمجالس التشريعية وقانون الأحوال الشخصية) وأثبتت إمكانية إجراء حوار إجتماعي واسع مثل ما جرى حول إتفاقية سيداو.
الشباب والمقاومة :-
لقد واجهت حركات الشباب الديمقراطية والوطنية عموما وفى كافة مواقعها القمع والمطاردة منذ بداية انقلاب 30 يونيو 1989 ، حيث قامت السلطة بحل التنظيمات الشبابية ومنها اتحاد الشباب السودانى ،واعتقلت قياداتها وعرضتها للتعذيب والتنكيل فى بيوت الاشباح وكونت السلطة (الانقاذ) تنظيمات بديلة موالية لها ( شباب الوطن ، واتحاد الشباب الوطنى ) لتحل محل التنظيمات الديمقراطية والوطنية . الا ان الشباب ظل يقاوم هذه السلطة ، رغم تشتت الكثير منهم فى دول المهجر اضطرارا وقسرا ، حيث يعملون لاستعادة الديمقراطية والتقدم والسلام .ولقد ساعدت ثورة الاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعى من تبادل الشباب الافكار والمعلومات ، ويديرون من خلالها حوارا بينهم ويكونون حركات لمقاومة النظام والتصدى لسياساته وممارساته بانشطة ووسائل متنوعة .
لعبت هذه الحركات دورا كبيرا ، بل وبادرت احيانا فى تسيير المواكب الاحتجاجية والتظاهرات ضد الاجراءات الاقتصادية وضد غلاء المعيشة والتشريد واشعال الحروب ، وتبلور موقفها كجزء من المعارضة السياسية الرامية الى اسقاط النظام .
لابد من الاهتمام بقضية مجموعات التنظيمات الشبابية المختلفة التى تكونت من مختلف انتماءات الشباب السياسى الداعية لاحداث التغيير ودورنا المحدد هو :-
اولا : – معرفة طبيعة واهداف هذه التنظيمات ، حتى نتعامل معها حسب تركيبتها التنظيمية (حركة ، جبهة ، مجموعة ضغط ،مبادرات ) حتى لايختلط الامر علينا ونخرق مبدأ دستورى حزبى بالاشتراك فى تنظيمين سياسيين . ومن ثم العمل معها وبصبر شديد لتوضيح ان التغيير عملية معقدة وطويلة وتحتاج الى صبر وممارسة عملية قد تطول بين الجماهير . والتغيير لن يتم الا اذا اقتنعت الجماهير بضرورته الحتمية وشعاراته الواقعية وادواته القادرة على تنفيذها وتنظيم صفوفها والبرنامج البديل المقنع للشعب ، والسلطة البديلة التى تنبع من بين الذين ناضلوا لاسقاط النظام .
ثانيا :- نضع فى الاعتبار ان بعض هذه التنظيمات مخترقة من جهاز الامن ، ويعمل لتفتيتها ووقف اى تقارب لها مع الحزب الشيوعى وتجمع قوى المعارضة .وهذا يحتاج الى اليقظة العالية والمرونة فى التعامل والصبر على الجادين منهم .
ثالثا :- كل من يعمل فى اى تنظيم وفق المعايير الواردة فى اولا واسس وقواعد الدستور يجب ان يوافق عليه فرع الحزب ويدعمه بالتداول والنقاش حول طروحات ونشاط هذا التنظيم.
رابعا :- يدعو الحزب الشيوعى داخل التحالف قوى الاجماع ان يتم توسيع التحالف ليشمل المجموعات الشبابية التى لاتتبع لتنظيمات سياسية مثل التجمعات الشبابية المناهضة للسدود ،و شباب المناطق المهمشة والنازحين .
الحزب الشيوعي يقيم تقييما عاليا ظهور حراك شبابي واسع معاد للديكتاتورية ، ومناضل من أجل حقوق الشباب والحقوق والحريات الأساسية لمجمل الشعب وللديمقراطية، حركات شبابية تتجاوز الاستعلاء العرقي والثقافي وتعمل على وحدة الوطن على اساس مفهوم المواطنة والإعتراف بالتعددية الثقافية والعرقية والديمقراطية. إننا نعمل مع هذه الحركات دون أي شروط ودون أن نملي عليهم آراءنا أو مواقفنا السياسية والآيديولوجية، لأننا نعتقد أن ذلك يوسع الحراك التحالفى العام في بلادنا يدعو الحزب الشيوعى داخل التحالف قوى الاجماع ان يتم توسيع التحالف ليشمل المجموعات الشبابية التى لاتتبع لتنظيمات سياسية مثل التجمعات الشبابية المناهضة للسدود ،و شباب المناطق المهمشة والنازحين . ولا نرى في ترحيبنا بهذه الحركات تناقضا مع سعينا الحثيث لإعادة بناء وتجميع حركة الشباب التي تحالفنا معها تاريخيا في إتحاد الشباب السوداني. لقد دعونا منذ ثورة إكتوبر لحركة شباب متعددة الاهتمامات والنشاطات والمنابر، ولا يمكن لهذه الحركة إلا أن تكون متعددة في تنظيماتها ونترك لنشاطها الفعلي أن يخلق أطر تعاونها ووحدتها في المستقبل.
مقاومة انتهاك الحريات الصحفية وحرية التعبير :-
كان تكميم الافواه ومصادرة حق التعبير وانتهاك الحريات الصحفية من الوسائل الهامة لتمكين نظام الانقاذ وانفراده وفرض سيطرته على المجال الاعلامى ، فاغلق الصحف منذ بيانه الاول وعمل على احتكار المجال الصحفى باصدار صحف (الانقاذ ، والسودان الحديث ،والقوات المسلحة ) لتسبح باسمه فى سنواته الاولى ،وفى العام 1993 اصدر قانون للصحافة والمطبوعات ، انشأ بموجبه مجلس الصحافة والمطبوعات ليكبل حرية التعبير ويصبح الجهة الرسمية التى تمنح حق اصدار الصحف والقيد الصحفى وهو ما كانت تقوم به نقابة الصحفيين .
بعد صدور دستور 2005 الانتقالى الذى تضمن وثيقة الحقوق ، بما فيها كفالة حرية التعبير وحرية الصحافة بدأت الصحف المستقلة فى الصدور ، ونشط الصحفيون فى ممارسة حقهم الدستورى بكشف الفساد والانتهاكات ونقد السياسات، لم يرق ذلك للحكومة وجهاز امنها فبدأوا التضييق على الصحف وفرض الرقابة القبلية والبعدية مستهدفين صحفا بعينها ، باستخدام القيود الامنية من خلال الرقابة وقيودا قانونية كقانون الصحافة والامن والقانون الجنائى ، وكذلك قيودا اقتصادية برفع رسوم التأسيس وحجب الاعلانات . وخلاف الممارسات المتنوعة فى الرقابة كانت الصحف ولازالت تتعرض للمصادرة بعد الطبع او ايقاف طبعها وظلت الميدان الورقية محظورة من الصدور العلنى لعام ونصف رغم الاحتجاجات والقضايا المرفوعة وكل ذلك دون سند قانونى ويتعارض مع الدستور الانتقالى والمواثيق الدولية التى صادق عليها السودان .فى مواجهة كل ذلك لم يقف الصحفيون وانصار حرية الراى والتعبير مكتوفى الايدى بل قاموا بمختلف الاشكال والاساليب وبالاعتصامات والاحتجاجات وتم اعتقالهم فى منطقة كجبار ، كما ظلت صحيفة (الميدان) ترفع البلاغات ضد جهاز الامن خاصة بعد ان قام بحرق العدد (2037 ) ، كما ظل المجتمع الصحفى ينظم الحملات الاحتجاجية السلمية ضد الرقابة ويحرر المذكرات والبيانات وتوجيه الانتقادات بوتيرة متواصلة لممارسات الاجهزة الامنية، ويسعى للحصول على المناصرة العالمية من منظمات حقوق الانسان لاحترام وتعزيز حرية الصحافة فى السودان وذلك بالتضامن مع منظمات حقوق الانسان السودانية . اضافة للضغوط العالمية عبر تفقد اوضاع الصحافة فى السودان،وترفع التقارير الى الاليات الاقليمية والعالمية (مجلس حقوق الانسان بجنيف ،ولجنة حقوق الانسان والشعوب الافريقية ببانجول ) كما ترفع تقارير دورية لحكومة السودان تطالبها بمراعاة حقوق الانسان بما فيها حرية التعبير والصحافة .
اكتست مقاومة الصحف اشكال مختلفة ،فقد تكونت لجنة ثلاثية من (الميدان اجراس الحرية ورأى الشعب ) والتى قامت بتنظيم الندوات والوقفات الاحتجاجية ورفع المذكرات وانتهت برفع قضية دستورية ضد جهاز الامن الا ان المحكمة وللاسف اعطت الحق لجهاز الامن فى الرقابة على الصحف . وفى وجهة توسيع قاعدة المقاومة تم تكوين شبكة الصحفيين السودانيين ، والتى تصدت بجسارة لكل اشكال الرقابة وحققت نجاحات فى الدفاع عن الصحفيين عبر الوسائل المختلفة ، منها توحيد الصحفيين وعدد من رؤساء تحرير الصحف ضد سياسات جهاز الامن ووصلت العضوية الى اكثر من 350 عضو ا،هذا الى جانب تنظيم الوقفات الاحتجاجية و التضامنية ورفع المذكرات الى مفوضية حقوق الانسان ،والمجلس الوطنى فى نوفمبر 2008 ، والتى اعتقل على اثرها اكثر من (66) صحفىا وصحفية من امام المجلس الوطنى وتبع ذلك توقف الرقابة لفترة طويلة من الزمن .
مقاومة الفصل من الخدمة والتشريد :-
لضمان تمكين نظامها المشئوم فى الحكم ومنذ استيلائها على السلطة فى 30 يونيو 1989 بدأ ت الانقاذ بهجمة شرسة ضد العاملين فى الدولة ،وعلى وجه اخص النقابيين والمنتمين او غير المنتمين لاحزاب سياسية ، الذين لاينتمون للمؤتمر الوطنى، وقد ابتدع نظام الانقاذ الخدمة الوطنية الالزامية ذلك بغرض تشريد وفصل من يرفض الانصياع ولوضع الاخرين فى برامج الاستقطاب السياسى والدينى، وتم ذلك تحت ستار الصالح العام او فائض العمالة او من خلال اجراءات خصخصة المؤسسات والهيئات العامة ولم تسلم حتى القوات النظامية من الجيش او الشرطة او السجون من طوفان التشريد حتى طال التشريد اعدادا بالالا ف فى وقت وجيز،وكان لابد لهذه الالاف من الكفاءات والخبرات ان تقاوم وتطالب بارجاعها للعمل، فتم تكوين اللجنة القومية للمفصولين وضمت كل تلك الفئات وتم تتويج نشاطها مؤخرا بارجاع عدد من المفصولين وتوفيق اوضاع البعض الاخر ، وان لم يتم منحهم حقوقهم اوتعويضهم بماهو متوقع – بعد معارك طويلة خاضها المفصولون برفع المذكرات واللجوء للمحاكم والتظاهرات والندوات والاعتصامات واجهوا خلالها الاعتقالات والتعذيب والعنف غير المبرر من الشرطة واجهزة الامن المختلفة – ومازالت اللجنة تواصل نشاطها ودورها .
مقاومة المزارعين:
عانى عموم المزارعين في مختلف قطاعات الإنتاج الزراعي من تبنى نظام الانقاذ سياسات الاقتصاد الحر وسحب دور الدولة الإنتاجي والخدمي وذلك من خلال :-
- تقليص مخصصات الزراعة في موازنات الدولة العامة اذ لم تتجاوز فى المتوسط 300- 500 مليون جنيه فى العام ، بجانب انخفاض معدلات تمويل الانتاج من المصارف والبنوك التجارية التى لم تتجاوز 7- 8 % مقارنة ب 72% لتمويل النشاط التجارى والعقارى . كما اهمل مكافحة الافات الزراعية وامراض الحيوان وتجفيف مراكز الابحاث الزراعية والبيطرية واستجلاب عينات قطن محورة وراثيا دون اجازة من مراكز البحوث العلمية المسؤولة وعدم وضع وتنفيذ البرامج التى تحد من زحف الصحراء وتؤدى لتدهور المراعى والتعدى على مسارات العرب الرحل وتؤدى الى التزاعات ..الخ .
– توجه النظام نحو خصخصة تدريجية للمشاريع الزراعية المروية القومية وتجفيف اقسامها الفنية والتقنية، واحلال القطاع الخاص فى عمليات التمويل الزراعى وانتاج واكثار البذور وعمليات التحضير الزراعى ووقاية النباتات وحفريات الرى والحلج والنشاط البيطرى ،وفرض صيغة تمويل اشبه بصيغ الشيل التقليدى ورهن الارض مقابل التمويل لفتح الطريق لبيع الارض فى المشاريع المروية القومية، علاوة على بيع الأراضي الزراعية الخصبة على نهر النيل ومناطق السافنا ثقيلة الأمطار للأجانب والوكلاء المحليين .
– لجأ النظام لتحقيق مراده الطفيلى ووضع سياسات الخصخصة موضع التنفيذ بتدمير المشاريع القائمة واجبار المزارعين على هجرة الارض :-
أ‌- تغيير اسبقيات إقامة الخزانات والسدود وتفضيل اقامة سد مروى لتوليد طاقة كهربائية وتأخير تعلية خزان الروصيرص و خزان ستيت حسبما كان مرسوما فى العهد الديمقراطى قبل الانقلاب لانقاذ مشروعى الجزيرة والمناقل ، وحلفا الجديدة الزراعيين من العطش وايقافا لتمدد مساحات البور على اراضيهما .
ب‌- اهمال صيانة التربة،وتدمير الغابات ،وتخريب البيئة وزحف الصحراء ومحاصرة المراعى ومسالك الحيوانات وزرع الفتن بين المزارعين والرعاة واشعال الحروب فى مناطق الزراعة التقليدية وغض الطرف وتشجيع احلال مجموعات اثنية من دول الجوار للسكن على اراضى وحواكير دارفور .
ج- فرض رسوم وجبايات عالية على الانتاج الزراعى واستخدام اشرس انواع العنف وزج المزارعين بالسجون لاستخلاص الديون الزراعية منهم نقدا او عينا عند الحصاد دون ارجاء لميسرة .
جأر المزارعون بالشكوى ولم يجدوا غير أذن صماء من الحكومة و من قادة اتحادات المزارعين الموالين للنظام ،مما أضطرهم إلى ابتداع أشكال مختلفة للمقاومة. بدأت في المشاريع الزراعية المروية العامة والخاصة بتجمعات المزارعين عند الحصاد رافضة استيلاء الحكومة على كامل منتوجهم مقابل سداد لديون زراعية لعدم قناعتهم بها مطالبين باحتفاظ المزارع بجزء من إنتاجه لضمان قوته وتوفير تقاوى الموسم الذي يليه. وتوسعت التجربة فيما بعد الى تكوين تجمعات أكبر في مواسم انتخابات اتحادات المزارعين لإسقاط العناصر الموالية للنظام واسترداد أستقلالية الاتحاد . وقد فشلت التجمعات في تحقيق مرادها إزاء التزوير والإرهاب والمراوغة وتدخل الحكومة لفرض عناصرها من جديد على قمة الاتحاد .
– أخذت المقاومة شكلاً أكثر ثباتاً وتنظيماً في المشاريع الزراعية المروية القومية .
– كوُن مزارعو مشروع الجزيرة والمناقل تنظيم تحالف المزارعين وقد نال ثقة مزارعي المشروع بمختلف انتماءاتهم السياسية و الحزبية،مما مكنه من شن هجوم واسع على سياسات الدولة الزراعية وتكوين راى عام وسط المزارعين ضد خصخصة المشروع الزراعي ، وتنظيم عمل مشترك مع لجنة ملاك ارض الجزيرة على قاعدة منع خصخصة المشروع .
رفض تحالف المزارعين مبدأ تمويل زراعة القطن برهن الارض ونفذ قرار المزارعين القاضي بالإضراب عن زراعة القطن ، تحت شعار ” تمويل كامل أو إضراب شامل” كما قام برفع مذكرات عدة للمسؤولين في الولاية والمركز و مخاطبة رئيس الجمهورية بمذكرة ترفض الخصخصة، مطالبة بالحفاظ على وحدة المشروع تحت إدارة واحدة وتبعيته للدولة وإعادة تأهيل المشروع الزراعى .
عقد التحالف لقاءات مع القوى السياسية في المركز وعقد مؤتمرات صحفية عدة لشرح المسألة الزراعية،اكتسبت القضية رأيا عاما سودانيا واسعا داخل وخارج السودان وأبدى استعداده للتضامن والدفاع ضد خصخصة الجزيرة وباقي المشاريع المروية القومية الامر الذى جعل الحكومة تتراجع مؤقتا عن المضى فى تحويل الارض لشركات .
– طرح تحالف مزراعى الجزيرة والمناقل برنامجا لإعادة تأهيل المشروع الزراعي وخاض بموجبه انتخابات اتحاد المزارعين في دورتين و كاد أن يحقق نجاحاً في عام 2009 م ، مما دعا المسجل العام لاتحادات المزارعين غض الطرف عن إعلان انتهاء الدورة ومن ثم البدء في إجراء انتخابات الدورة الجديدة ،واعطاء النظام فسحة من الوقت لاعلان قانون أصحاب الإنتاج الزراعي والحيواني 2010م ، الذي ألغي تنظيمات اتحادات المزارعين واستبدالها بجمعيات زراعية إنتاجية خدمية وتسويقية على شاكلة الشركات وقانون 1925م ، وقد أوصى القانون باستمرار قيادات اتحادات المزارعين في أداء دورها الوظيفى لحين قيام الجمعيات وفق قانون 2010 م التي لم تنشأ حتى يومنا هذا، وهكذا واصل الاتحاد الموالي دوره ممسكاً بمنبر الاتحاد لفترة تجاوزت الثلاث سنوات بعد انتهاء دورته.
– أضطر النظام تحت ضغط التحالف والرأي العام الإعلان عن مراجعة قانون مشروع الجزيرة 2005 م، وتكوين لجان تحقيق حول الدمار الذي حاق بالمشروع وتقديم مقترحات لإنقاذه،ورفع تحالف مرازعي الجزيرة والمناقل مذكرة لنائب رئيس الجمهورية بتاريخ 25/2/2013م موضحاً ما حاق بالمشروع الزراعي من دمار وهلاك حاثاً ومطالباً بـ:-
إيقاف تصفية وبيع أصول المشروع الزراعي فوراً.
إعادة تأهيل بنيات المشروع الزراعي.
التحقق حول أسباب تدهور المشروع ومحاسبة ومحاكمة المتسببين فيه.
أهابت بالباحثين والأكاديميين تقديم اسهاماتهم من أجل حياة أفضل للمشروع والوطن.
ومما يجدر ذكره أن تحالف مزراعي مشروع الجزيرة والمناقل عضو في تحالف قوى الإجماع الوطني. وتكونت تحالفات مزارعين في منطقتي سنار والسوكي ومشروع حلفا الجديدة الزراعي . عملت على خوض المعارك الانتخابية لاتحادات المزارعين لإسقاط عناصر النظام واستعادة منبر الاتحاد ونجحت في الوصول لعدد من الاتحادات الفرعية ولجان الإنتاج بالقرى والتفاتيش الزراعية ولم تتمكن من توصيل أي عضو إلى قيادة اتحاد المزراعين.
شاركت عضوية تحالف مزارعي حلفا في إرجاع أصول ومؤسسات تعاونيات حلفا الزراعية الذي استولى عليه النظام في صدر انقلابه. رفع تحالف مزارعي مشاريع النيل الأزرق والسوكي مذكرات للمسؤولين في الولاية ورئيس الجمهورية في المركز ، إعلاناً لرفضهم قانون أيلولة مشاريع النيل الأزرق المملوكة للمزراعين لحكومة الولاية وإعلان رفضهم للسياسات الجارية في مشروع السوكي الزراعي وتوجهات خصخصة المشروع ، كما عقد تحالف ( النيل الأزرق والسوكي) عدة مؤتمرات صحفية بالخرطوم لطرح قضايا المزارعين و أصدر عدة بيانات لتنوير المزارعين بنشاطهم.
– قاوم مزارعو مشروع الرهد الزراعي سياسات الشراكة الذكية التي ابتدعتها الحكومة لإدخال شركات الزراعة الخاصة في شراكات مع المزارعين يتنازل المزارعون بموجبها عن نصف مساحة حيازاتهم للشركات لاستثمارها وتقاسم الربح المحقق بعد خصم التكاليف . وقد منيت شركة كنانة الزراعية المتعاقدة مع المزارعين بفشل مدو لموسمين كاملين مما اجبر اتحاد المزارعين وإدارة المشروع فك الشراكة الذكية.
– ونجح مزارعو مشروع الباوقة الزراعي بولاية نهر النيل فى استعادة منبر اتحاد مزارعي المشروع وتحقيق بعض مطالبهم المتمثلة في إعادة تأهيل طلمبات وقنوات المشروع الزراعي وتصدت لاعتداء الدولة على الأرض الزراعية.
– ان قضايا الارض المتفاقمة فى شتى انحاء البلاد هى جزء من اسباب النزاع وتفاقم الصراعات المسلحة وفي الفترة الأخيرة تصدى مزارعو الزراعة المطرية في منطقة سنار لمحاولات والي سنار بيع 660 ألف فدان من أملاكهم بدعوى فتح مسارات الحيوانات باللجوء إلى القضاء. وفى حادث مماثل في منطقة ود حامد بمحلية المتمة ولاية نهر النيل قاوم المزارعون استيلاء المحلية على أراضي مملوكة لمزارعي الحسانية لصالح شركة زراعية أجنبية مستثمرة. كما يمثل المزارعون قوام مقاومة سد الشريك وإغراق المنطقة والمزارع وكذلك في كجبار ودال. واتخذت قضية الثروة و الأرض وتنميتها والدعوة لتكوين مفوضيات للارض حيزا متميزا ومحورا أساسيا في مفاوضات الحركات المسلحة ومؤتمرات أصحاب الشأن فى درافور ، مما يستوجب على الحزب ايلاء قضية الأرض في السودان أهمية قصوى فى دراسات برنامج الحزب .
مقاومة القوات المسلحة:
رغم موقفنا الثابت من الإنقلابات العسكرية والاعتماد على النضال الجماهيرى للتغيير إلا أننا موضوعيا لا يمكن أن نتجاوز مقاومة ضباط وأفراد القوات المسلحة والتي تمثلت في محاولات الإطاحة بالديكتاتورية، دفع بعض القائمين بها حياتهم كشهداء رمضان، ودفع آخرون سنين من عمرهم في معتقلات وسجون النظام. غير أن أحد أهم صور مقاومة القوات المسلحة هو محاولة الضباط المفصولين بالخارج في تنظيم أنفسهم تحت مسمى القيادة الشرعية وانضمامهم تحت قيادة القائد الراحل الفريق فتحي احمد علي للتجمع الوطني الديمقراطي، والتي أعلنت بوضوح وقوف ذلك النفر من الضباط مع الديمقراطية وحقوق الشعب السوداني ودولة المواطنة التي يتساوى فيها كل السودانيين.كما مثلت مقاومة المسرحين من الخدمة ومعوقو الحروب معلما بارزا فى المقاومة من خلال المواكب الاحتجاجية التى اغقلت الطرق والكبارى للاشارة الى قضيتهم والمطالبة باستحقاقهم .
امتدت مقاومة القوات المسلحة الى داخل الضباط وضباط الصف والجنود والى ما تسمى نفسها بالحركة الاسلامية .حيث جرت اكثر من محاولة منهم للاطاحة بالنظام ،والمطالبة باجراء اصلاحات جذرية فى داخل الجيش تشمل الرتب العليا والمتاجرين منهم بالسلاح الفاسد والذين اثروا من الاموال المرصودة لتدريب وتطوير القوات المسلحة .وامتد التمرد للقوات النظامية وشبه النظامية الموالية للنظام واتخذ اشكال مختلفة فى اكثر من موقع .
مقاومة الحركات والفصائل المسلحة:
إختار حزبنا منذ الخمسينات، طريق النضال السلمي المعتمد على تنظيم الجماهير وتجميعها لإحداث التغييرات الديمقراطية والثورية، ولكن حزبنا ليس عرابا للنضال ولا يملك الحق فى أن يحدد لمختلف قطاعات الشعب الطريق الذي يختارونه، وهو يفهم تماما الدوافع التي أدت لحمل السلاح ضد النظام الذي أصر على مصادرة الديمقراطية والحقوق السياسية واستخدامه سياسة الارض المحروقة وتحديه الجماهير بأنه استلم السلطة بالقوة ولن يتركها إلا بالقوة. ومن ذلك المنطلق فنحن نقيم دور الحركات المسلحة التي قاومت وما زالت تقاوم النظام، دون أن نمثل عليها دور المعلم. إن هذه الحركات ساعدت في اضعاف النظام ولكن الثمن الذي دفعته جماهير المناطق التي تدور فيها الحروب من قتل جماعي وتهجير قسري ونزوح ولجوء لدول الجوار، يجعلنا من المنادين بالحلول السلمية لمشاكل السودان ولتشديد النضال الجماهيري لاسقاط النظام لأن ذلك هو السبيل لاسقاط نظام المؤتمرالوطنى العنصري الديكتاتوري والدموي.
دور منظمات حقوق الانسان:-
لعبت منظمات وناشطو حقوق الانسان دورا كبيرا في مقاومة النظام وفي الدفاع عن ضحايا الانتهاكات ، وكان لمنظمات العفو الدولية وآفريكا ووتش والمنظمة السودانية لحقوق الانسان بلندن والقاهرة وفروعها باوروبا ومنظمة ضحايا التعذيب، والمنظمة الأفريقية للعدالة والسلام ، دورا كبيرا في الحملات ضد القتل خارج القضاء ،والقتل الجماعي والتعذيب والاعتقال التحفظي والأحكام القضائية الجائرة. إن ذلك النضال الذي حشد تضامنا واسعا لشعبنا والذي دفع بقضيته للجنة حقوق الانسان (مجلس حقوق الانسان الآن) بالأمم المتحدة، ساعد كثيرا في لجم يد السلطة.
إن استمرار الانتهاكات، حتى بعد دستور 2005 الانتقالي والذي يضع الالتزام بمواثيق حقوق الانسان ضمن مواده، يوضح أن معركة حقوق الانسان لم تنته وأن الحاجة لمزيد من العمل في هذه الجبهة ما زال ضروريا ولذا ظهرت منظمات سودانية جديدة كالهيئة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات.
إن دعم الشيوعيين والديمقراطيين وكل أهل السودان لنشاط حقوق الانسان يصب في وجهة استعادة الديمقراطية ،النظام الوحيد الذي يكفل حقوق الانسان وهذا أيضا يتطلب أوسع جبهة للتضامن العالمي خاصة عندما يتعرض آلاف المدنيين والنازحين في مناطق الحرب والناشطين من الطلاب والسياسيين لإنتهاكات بالغة لحقوق الإنسان.
انتفاضة يونيو يوليو 2012 نقلة جديدة في المقاومة:
بدأت انتفاضة يونيو- يوليو 2012 مساء السبت 16/6 /2012م من داخليات الطالبات بجامعة الخرطوم وامتدت لتشمل بقية الجامعات وأحياء العاصمة القومية والأقاليم ، وشاركت فيها فئات أخري مثل : المحامين ،الاطباء، الصحفيين ، الصيادلة، والوقفات الاحتجاجية لاسر المعتقلين..الخ، اضافة لمظاهرات السودانيين في الخارج والتي شملت 14 مدينة و نددت بوحشية نظام البشير وانتهاكه لحقوق الانسان، وتضامنا مع انتفاضة الجماهير في الداخل من اجل اسقاط النظام.
*استمرت الاحداث لمدة شهرين و هزت النظام وكشفت عن ضعفه وهلعه من مصيره المحتوم الي مزبلة التاريخ. كان الانفجار طبيعيا ومشروعا ومتوقعا نتيجة للزيادات الكبيرة في اسعار البنزين والجازولين والسكر وبقية السلع اضافة للضرائب الجديدة الباهظة التي فرضت علي المواطنين، حتي اصبحت الحياة لاتطاق تحت ظل هذا النظام الذي يقتل الطلاب، ويمارس سياسة القمع والتجويع والنهب لثروات البلاد ويكدسها في ايدي قلة من الرأسماليين الطفيليين الاسلامويين، اضافة الي حروب الابادة التي شنها في دارفور وجنوبي النيل الأزرق وكردفان وتمزيقه لوحدة الوطن بفصل جنوب السودان.
* اكدت الأحداث بسالة وشجاعة الطالبات و الطلاب والشباب والنساء وبقية المتظاهرين أمام القمع المفرط للمظاهرات، كما اكدت حرص المتظاهرين علي الممتلكات العامة ، واتضح للجميع أن المخربين هم “مليشيات المؤتمر الوطني ” الرباطة” الذين استخدموا “المدي” و”السواطير” و”السيخ”..الخ في ضرب المتظاهرين العزل واشاعوا الفوضي والتخريب لتبرير القمع الوحشي للمظاهرات، ومارسوا ابشع الانتهاكات لحقوق الانسان.
* لقد وجدت ممارسات النظام المفضوحة والمنافية لحقوق الانسان، من قمع وحشي للمظاهرات والتعذيب للمعتقلين السياسيين، استنكارا واسعا في كل انحاء العالم.
أكاذيب النظام:
اصاب الهلع اركان النظام ،ولجأوا فى نشر الاكاذيب حول الاحداث والهبات الجماهيرية لبذر بذور الاحباط فى اواسطها ،كما هددوا بانزال المجاهدين لكبح التظاهر فى دعوة صريحة لابادة المتظاهرين وارتكاب جرائم جديدة تضاف لسجل النظام فى انتهاكات حقوق الانسان .
* اكدت الأحداث الأزمة العميقة التي يعيشها النظام ،وستظل انتفاضة يونيو – يوليو 2012 معلما ابارزا فى مقاومة نظام 30 يونيو الديكتاتورى لطبيعتها الشبابية حيث التحم الطلاب والشباب ، ولانها عمت كافة مدن البلاد تقريبا ، وتميزت بطول نفسها واستمرارها لحوالى الشهرين ولم يوقفها الا شهر رمضان . ان انتفاضة يونيو يوليو تعبر عن التراكم النضالى لشعبنا يتجه نحو الانتفاضة الكاملة التى ستطيح بالنظام .
مقاومة المدن والأحياء:
لقد ابتكرت المدن السودانية والأحياء الشعبية تقليد المقاومة واضرابات واعتصامات المدن منذ المقاومة ضد مايو 1969، ولقد شهدت فترة الديكتاتورية الإسلاموية الطفيلية الحالية تطورا ملحوظا في مقاومة واعتصامات المدن شملت مدنا كثيرة في انحاء البلاد مثل بورتسودان، أبو حمد، بابنوسة، الفولة والمجلد والضعين ونيالا والفاشر وحلفا الجديدة والقضارف وأحياء مثل بري والحلفايا وأم دوم وغيرها.
كما كان اعتصام المناصير اصحاب الخيار المحلي دفاعا عن حقوقهم دفاعا عن حقوقهم بعاصمة ولاية نهر النيل الدامر من اكبر الاعتصامات وصور المقاومة والتي امتدت لمائة يوم عام 2011 .
إن هذه المظاهرات والاضرابات والاعتصامات تعبر عن نهوض في الحركة الجماهيرية وعن قدرة الشعب في ابداع أشكال متعددة للمقاومة وللدفاع عن حقوقهم، وربطت بين مطالب محددة لأهل المدينة أو الحي وبين المطالب الوطنية ورفعت الوعي بطبيعة النظام الديكتاتوري وبفساده وبإهماله للخدمات الأساسية.
هبة سبتمبر 2013 نقطة تحول في مقاومة الجماهير:
وهب الشعب من جديد في سبتمبر 2013 أثر قرار الحكومة برفع اسعار المواد البترولية وبعض السلع الأخرى، وقد تميزت هبة سبتمبر ،2013 فيما أورد المكتب السياسي للحزب الشيوعي في خطابه الداخلي إلى لجان المناطق والمكاتب والفروع في 22 أكتوبر وأكدت عليه اللجنة المركزية للحزب في دورتها في 8 نوفمبر 2013، بالسمات التالية:
1- انها كانت شاملة لأغلب مدن السودان وأشتركت فيها قطاعات واسعة من الجماهير شملت طلبة الجامعة وطلاب الثانويات وتلاميذ مدارس الاساس. وشملت الاحياء والقرى، الرجال والنساء، الشيب والشباب، وكان للشباب والنساء فيها دورا بارزا وشجاعا.
2- كانت ترفع شعارات واضحة “الشعب يريد اسقاط النظام.
3- واجهتها السلطة بالعنف المفرط والذي أدى لمقتل 250 شهيدا ومئات الجرحى؛ اضافة لاعتقال أكثر من ألف شخص.
4- أحدثت هزة في الضمير الوطني وفجرت الأزمة الوطنية العامة من جذورها، كما أحدثت هزة عميقة داخل النظام، وادت الى شرخ داخله بمذكرة 31 من قيادة الحزب الحاكم التي استنكرت الزيادات، واحدثت تملما واضحا وسط قواعد الاتحادي (الأصل) والتي طالبت معظمها بالانسحاب من الشراكة مع النظام وقد اصيبت السلطة بهلع شديد مما تجلى في استخدامها للعنف المفرط واغلاقها للانترنت، والمدارس والصحف وبعض مكاتب القنوات الفضائية الاجنبية كالعربية واسكاي نيوز، …الخ. ولجأت السلطة للتخريب كحرق محطات البنزين وبعض المتاجر والاسواق وحتى بعض دور العبادة ليبرر العنف المفرط وضرب المتظاهرين واستعمال الذخيرة الحية واعتقال النشطاء.
5- اصدار كل القوى السياسية والحركات الحية في المجتمع بيانات استنكرت فيها الزيادات والقمع المفرط، وطالبت بمحاسبة مرتكبي جرائم القتل. كما اصدرت التنظيمات المهنية بيانات مثل نقابة الاطباء، تجمع اساتذة جامعة الخرطوم، الجبهة الديمقراطية للمحامين، …ألخ. كما اصدرت مركزية الجباه الديمقراطية بثانويات العاصمة بيانا.
6- لعب السودانيون بالمهجر دورا كبيرا في حملة التضامن مع الانتفاضة بالداخل وتمت محاصرة النظام بالخارج عن طريق المظاهرات التي حاصرت السفارات والحملات الاعلامية وجلب تضامن المنظمات والشخصيات العالمية والاحزاب السياسية. وقد نجحت الحملة العالمية في ادانة النظام لانتهاكه حقوق الانسان، وادانة قتل المتظاهرين السلميين وساهمت في الحملة منظمات حقوق الانسان وأكثر من 45 حزبا شيوعيا وعماليا، اضافة لبعض الدول مثل الولايات المتحدة، المانيا، فرنسا، انجلترا، …الخ والاتحاد الأوربي.
7- لقد تم تشييع وتـأبين مهيبيين لبعض الشهداء ساهم في توسيع الحملة الجماهيرية ؛ كما حدثت وقفات احتجاجية قام بها الاطباء وطلاب الطب بجامعة الخرطوم والصحفيون واسر المعتقلين الذين كان لوقفاتهم الاحتجاجية دورا في نجاح الحملة لاطلاق سراح المعتقلين

الفصل الثاني
استراتيجية الحزب الشيوعي: استكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية
فترة جديدة في طريق التطور الوطني الديمقراطي:
ظل الحزب يتبني استراتيجية عامة قائمة على أساس إستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، وظلت قضايا البرنامج الوطني الديمقراطي قضايا للصراع السياسي والفكري كتجليات ظاهرية لصراع طبقي أعمق منذ فترة الحكم الذاتي (1954-1956)، من جانب الشيوعيين فقد عبر المؤتمر الثالث للحزب في فبراير 1956 أن الإستقلال السياسي لن يستكمل إلا باستكمال ما سماه البرنامج المشروع الوطني الديمقراطي وقد أكد ذلك المؤتمر الرابع في عام 1967 والذي رأى في فترة ما بعد أكتوبر فترة متقدمة للثورة الوطنية الديمقراطية، ولقد توقف المؤتمر الخامس في يناير 2009 عند قضية الثورة الوطنية الديمقراطية في الصفحات 65-68، ورغم صحة معالجة المؤتمر الخامس لتلك القضية وبعض المتغيرات التي حدثت تحتاج لفحص أكثر تدقيقا.
لقد أرتبط استكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية بتكتيك ملزم هو بناء الجبهة الوطنية الديمقراطية ووصولها للسلطة، ولكن هذه القضايا التي هي في جوهرها ليست برنامجا خطه الشيوعيون من خيالهم، بل قضايا تعالج الواقع الإقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي والقومي في البلاد. و هي قضايا يدور حولها صراع يومي وسط الجماهير قبل وصول القوى الوطنية الديمقراطية للسلطة، وتقترب منها كل طبقة بأفقها ووفقا لمصالحها. وهذا يجعل هذه القضايا تتم فيها بعض الإجراءات والانجازات، التى يقترب من أفق وجوهر البرنامج الوطني الديمقراطي، والبعض يبتعد عنه او يشوهه او يقف ضده ، فمثلا بينما أستطاعت الجماهير في فترات مختلفة من نهوض حركتها تحقيق بعض المطالب التي تصب في مجرى البرنامج الوطني الديمقراطي ، فإن ما يميز الفترة الحالية الممتدة من إنقلاب الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة منذ 30 يونيو 1989 هو المعاداة الكاملة والوقوف ضد اى سمة من سمات البرنامج الوطني الديمقراطي فمثلا:
1- حدث تراجع كامل عن الاستقلال الاقتصادي للبلاد، و قد بدأ ذلك منذ ايام النظام العسكرى الاول 1958 بفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي، وواصله نظام مايو العسكرى 1969 بتسليم القرار الإقتصادي لصندوق النقد والبنك الدوليين منذ عام 1976، إلا أن نظام الطفيلية الإسلاموية(الانقاذ) الذى صفى كل ركائز الاستقلال وأصبحت بلادنا مرهونة بالكامل لرأس المال الأجنبي: الصيني، الماليزي، الخليجي، المصري، التركي وغيرها. فإنتاج البترول والذهب والمعادن الأخرى موضوع لشراكات اليد العليا فيها للأجانب، بيعت ملايين الأفدنة الزراعية لمختلف الشركات والدول الأجنبية، عادت البنوك المؤممة لملكية الأجانب، ملكت مؤسسات مثل النقل النهري للأجانب، حتى التجارة الخارجية والداخلية (والتي دعا برنامج الصادق المهدي الإصلاحي لسودنتها في 1966 وقامت مايو بتأميم جزء منها وسودنة الباقي 1970) أصبح بعضها مملوكا للأجانب من لبنانيين وأتراك ومصريين وأمتدت حتى شملت بيع السندوشات والمرطبات. والاغراق فى الدين الخارجي الذي بلغ لحظة كتابة التقرير 45 مليار دولار. إن هذا يجعل البرنامج الوطني الديمقراطي يبدأ من نقطة أكثر تخلفا مما كان عليه الوضع عام 1956 أو 1967 أو عندما كتب عبد الخالق حول البرنامج في عام 1970/1971.
2- تفاقم المسألة القومية وإنفصال الجنوب وقيام حروب جديدة مزقت النسيج الاجتماعي السوداني، مما يطرح المسألة القومية بإلحاح في برنامجنا للحفاظ على تماسك ما تبقى من وطننا والتمهيد والدعوة لوحدته من جديد ولن يتم ذلك إلا بالحل العادل والديمقراطي للمسألة القومية.
3- تراجع كامل في مجالات الخدمات الإقتصادية والاجتماعية، فقد فقد السودان عمليا السكك الحديدية ، الخطوط الجوية والبحرية واصبح أكثر تخلفا في مجال النقل العام ،كما فقد شعب السودان مجانية خدمات التعليم العام التى سبق ان حققها عبر نضالات فى عام 1963 وواصل النضال للمزيد دمقرطة التعليم توسيعا وتحسينا لنوعه اما فيما يتعلق بالخدمات الصحية فهى لم تفقد مجانيتها فحسب تحت ظل نظام الانقاذ بل تدهورت نوعيا رغم التطور العلمي والتقني في هذا المجال عالميا. و ينطبق الأمر على التعليم العالي والمهني والفني.
4- أصبحت قضية الاصلاح الزراعي الديمقراطي أكثر إلحاحا وتعقيدا، لارتباط ذلك بالإستقلال الإقتصادي، مما يستدعى اعادة تعمير وتحديث مشاريع زراعية كاملة كانت قائمة دمرها رأس المال الطفيلي،وهبط بانتاجها وانتاجيتها وأفقر المزارعين وأجبرهم على الهجرة. واجراء اصلاح زراعي واسع في مناطق الزراعة المطرية والرعي التقليدي صونا لحقوق المواطنين على الارض بعد ان اعتدت عليها الراسمالية الطفيلية بيعا وايجارا للارض والحواكير لفترات طويلة لمستثمرين اجانب ومحليين ،و الإصلاح الزراعي في تلك المناطق هو قضية التنمية المتوازنة وتطوير حياة الناس وهوالسبيل الوحيد لإيقاف الحرب بشكل نهائي وإقامة سلم وطيد في الريف السوداني وتكامل اقاليم السودان اقتصاديا واجتماعيا ، كما أنه هو الطريق الوحيد لوقف الزحف الصحراوي وتدهور البيئة وصيانة الارض وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
5- استعادة دور وتطوير الصناعة السودانية (القطاع العام والخاص ) فقد تراجعت الصناعة السودانية وتدهور الانتاج الصناعي في مجالات أساسية متعلقة بحياة المواطنين كصناعة زيوت الطعام وصناعة الغزل والنسيج والمنسوجات، وأغلقت مصانع كثيرة أبوابها وشرد آلاف العاملين وألحق الضرر بنواة الرأسمالية الصناعية السودانية، والمصانع التي ما زالت تعمل بطاقة إنتاجية متدنية تتراوح بين 9 و27% مما يضعها على حافة الافلاس.
6- إن تفاقم الأزمة الإقتصادية في البلاد كما أوضحنا من قبل، يطرح من جديد ما ظل الشيوعيون يرددونه، حول أنه لا سبيل لحل الأزمات الإقتصادية المتكررة في بلادنا إلا بانتهاج طريق وطني ديمقراطي لتطور الإقتصاد الوطني، إقتصاد وطني حديث مترابط قطاعيا وإقليميا، متوازن في تنميته الاقليمية يهدف من خلال تطوير القوى المنتجة والانتاج في البلاد لتلبية الاحتياجات الأساسية لشعب السودان .إنه ما زال صحيحا أنه بإمكان حركة الجماهير أن تحقق بعض بنود اصلاح إقتصادي محدودة عبر نضالاتها اليومية ولكن ذلك لن يقفل طريق الأزمات الإقتصادية العميقة التي تمر بالبلاد،الذى لن يتم إلا بوصول القوى الوطنية الديمقراطية للسلطة.
تغيير الخارطة الطبقية:
حدثت متغيرات اقتصادية واجتماعية منذ المؤتمر الرابع لحزبنا كان لها أثرها في تكوين الطبقات والفئات الإجتماعية وفي تكوين الأحزاب والمنظمات التي تمثلها، وهذه قضية لا بد أن نوليها عنايتنا بالدراسة والتحليل المستمر، ولن تنتهي دراستها وتحليلها بما نتوصل إليه في مؤتمرنا هذا، بل يجب أن تستمر دراستها بشكل دائم لأن التغييرات التي تحدث في الخارطة هي تغييرات مستمرة تعتمد على التطور والأزمات التي يمر بها المجتمع السوداني ونبرز اهم النغييرات فى الاتى :-
أ‌- الأرستقراطية الدينية والقبلية:
حدثت تغييرات في الخارطة الطبقية للأرستقراطية الدينية والقبلية (قوى شبه الإقطاع)، فقد أدت الضربات التي وجهها نظام مايو 1969 في صدر حكمه لهاتين الفئتين لضعف سلطانهما وتدهور وضعهما الإقتصادي ونفوذهما الإجتماعي، فقد قل او توقف ماكانوا ينالونه ريعا من أتباعهم وضعفت التبعية القبلية أو الدينية التى اقتصرت على بعض المناطق ووسط مجموعات عمرية معينة . تحولت اعداد واسعة من الارستقراطية الدينية والقبلية لفئات الراسمالية السودانية والاستثمار فى التجارة والزراعة الالية والمطرية التقليدية وفى الصناعة وقاسمت الحركات الاقليمية النفوذ والولاء السياسى مع الارستقراطية القبلية والدينية لكونها اكثر تعبيرا عن مصالح جماهير المناطق التقليدية وطموحاتها فى رد المظالم والتنمية المتوازنة . إن إعادة تنظيم الطوائف الدينية على أسس حديثة يجد أساسه المادى في هذه التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت و تحدث في البلاد، بل ان الانقسامات في الأحزاب التقليدية يعبر عن ضعف نفوذ وسلطة الآرستقراطية الدينية والقبلية التي تشكل قيادة هذه الأحزاب وفقدانها القدرة على فرض الولاء الابوى الطائفي أو القبلي السائدة من قبل ولم يعد كافيا للحفاظ على وحدة هذه الاحزاب اضفاء ديمقراطية شكلية لقيادة الارستقراطية الدينية والقبلية لتلك الاحزاب مع انتشار الوعى السياسى النسبى والفرز والوعى الطبقى الجنينى الذى اجتاح مناطق النفوذ التقليدى لتلك الاحزاب .لقد سعى نظام الانقاذ كعهد الانظمة الديكتاتورية قبله الى تحجيم وتبديل الولاءات الطائفية للاحزاب التقليدية واحتضان واعلاء شأن طوائف دينية مغمورة وكذلك تبديل القيادات التقليدية للادارة الاهلية بعناصر موالية للنظام وربط القيادات الطائفية والقبلية بمصالح الراسمالية الطفيلية فى المنطقة دون وعى وادراك للمتغيرات فى الوعى السياسى والطبقى الجنينى فى المناطق التقليدية كما لجأ النظام فى سعيه لتطوير نفوذ ه للتحالف مع بعض القبائل فاذكى النعرة القبلية وكان لانحياز النظام لجانب دون الاخر اعطاء الصراع بعدا عنصرى.
ب‌- الرأسمالية السودانية:
حدثت تغييرات واسعة في الطبقة الرأسمالية السودانية منذ المؤتمر الرابع للحزب في عام 1967 ،وقد تناولت اللجنة المركزية تلك المتغيرات في دوراتها في عام 1977 وأغسطس 2001. إذا كان نظام عبود (1958-1964) قد فتح الطريق لتطور الرأسمالية السودانية، فإن نظام نميري بعد عام 1971 قد اطلق لها العنان فنمت في كافة المجالات، ففي الزراعة الآلية بلغت الأراضي التي تستثمرها 9 مليون فدان في مناطق السودان المختلفة الممتدة من القضارف وسمسم في الشرق حتى هبيلا في الوسط وام عجاج في الغرب وحتى الدمازين والمقينص وبلغ عدد أصحاب المشاريع 4آلاف راسمالي زراعي، وفي مجال الصناعات مثل النسيج وزيوت الطعام والصناعات الغذائية والهندسية حتى بلغت مجمل استثماراتها عام 1981 أكثر من مليون جنيه سوداني (ما يزيد عن 2 مليون دولار) وتمثل 53% من راس المال المستثمر في الصناعة وكانت توظف 73% من القوى العاملة الصناعية، بل وشهدت الفترة نموا نسبيا في الصناعات الكبيرة الدالة على تراكم رأس المال الصناعي، فرغم أن المنشأت التي كانت توظف أكثر من 100 عامل كانت تشكل 39.5% من عدد المنشآت الصناعية فإنها كانت توظف 90% من القوى العاملة بالقطاع الصناعي الخاص وتنتج 83.3% من اجمالي إنتاجه.
كذلك حدث تطور كبير للرأسمالية السودانية في مجالات التجارة والعقارات، إلا أن التطور الأكبر حدث في مجال المصارف والتأمينات، خاصة بعد أن سمح نميري بإنشاء البنوك الإسلامية والتي أعادت من جديد السيطرة على المصارف لرأس المال الأجنبي . لقد تملك السودانيون 42% فقط من رؤوس أموال البنوك الإسلامية حتى عام 1985 وكان عددهم حوالي 18 ألف، بينما تملك ال 42% الباقية 3 ألف مواطن عربي. كانت المصارف الإسلامية بحلول عام 1985 تملك 52% من رؤوس أموال المصارف التجارية العاملة في السودان ويساهم فيها رأس المال الأجنبي ب 93 مليون دولار.
كان للبنوك الاسلاموية تأثير كبير في نهوض الطفيلية المتأسلمة وفي إعاقة تمويل تسيير و تطور الصناعة والزراعة ، وفي تحطيم الرأسمالية التقليدية واستبدالها بالرأسمالية الطفيلية المتأسلمة في كل مجالات التجارة الخارجية والداخلية. لقد استفادت حركة الاسلام السياسى من سياسة نميري بالسماح بتأسيس البنوك الاسلاموية وسيطرت كوادرها على إدارة البنوك والشركات التابعة لها من شركات تأمين وتجارة، وفتحت الطريق لرأسمالية تجارية جديدة. إن هذه العملية التي بدأت في أواخر السبعينات في عهد نميري أكتملت دائرتها بقيام إنقلاب 30 يونيو 1989. لقد توسع هجوم الرأسمالية المتأسلمة الجديدة على نظيرتها التقليدية بعد إستيلائها على السلطة وتحكمها على الجهازين المصرفي والضريبي، ثم استعملت وزارة التجارة قبل تصفية دورها في التحكم على التجارة الخارجية لاعادة تخصيص رخص الصادر والوارد وألغت وزارة الأشغال والتشييد وأعطت مهامها عن طريق مقاولات لم تعرض للتنافس العام عن طريق الاعلان عن عطاءات لشركاتها التي تم تكوينها حديثا لتقوم باعمال من الصيانة حتى بناء الطرق والمباني، ثم قرى ومدن تهجير سد مروي وتعلية خزان الرصيرص، بل اعطوا عمليات النقل الحكومي والأعمال المساعدة في حقول البترول. وأتخذت سياسة تحرير التجارة الخارجية محطمة الانتاج الصناعي المحلي والذي قامت استراتيجته على السلع البديلة للإستيراد. ولاحقت التجار ورجال الاعمال غير المؤيدين لها بالضرائب الباهظة وبحجز الممتلكات والزج في السجون. وصفت مؤسسات القطاع العام لمصلحتها وكما قالت اللجنة المركزية في دورتها في أغسطس 2001 “بعد أن وضعت مايو القطاع العام في خدمة القطاع الخاص، أكملت الجبهة مشوار إمامها نميري وسلمت القطاع العام للقطاع الخاص” (ص 28).
ويوضح مسحا قامت به وزارة العمل في 2007 شمل ( 3078 )منشأة كانت حصة ولایة الخرطوم منھا 2849منشأة، وباقي الولايات الشمالية 229 منشأة في باقي ولايات السودان الشمالية . واوضح ذلك المسح أن 49% من المنشآت كانت من الحجم الصغير الذي يوظف بين 5 إلى 9 اشخاص وأن 22.2% توظف بين 10 إلى 19 شخص وأن 17.3% توظف بين 20 و49 شخص وأن 5.5% يوظفون بين 50 إلى 99 شخص بينما 5.9% توظف أكثر من 100 شخص.
ويوضح المسح حداثة هذه المنشآت وانها تعبر عن جزء من التراكم الرأسمالي في ظل حكم الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، إذ أن أغلب هذه المنشآت (65.2%) قد نشأت بين الأعوام 2000 إلى 2007 وأن 19% منها قد نشأت بين عام 1990 وعام 1999، مما يعني أن حوالي 84.2% من المنشآت قد تأسست في زمن حكم الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة وأن الباقي ما يساوي 15.8% هي منشآت ما قبل إنقلاب 1989. ويسيطر القطاع الخاص المحلي على أغلبية هذه المنشآت إذ تبلغ نسبته 86.9% بينما يملك القطاع المختلط (أجنبي ومحلي) 3.8% والأجنبي 3ز6%. وتدهور بشكل واضح وضع القطاع العام والقطاع التعاوني، فبينما يملك القطاع العام الخدمي 0.8% والقطاع العام الانتاجي 0.2%، فإن القطاع التعاوني يملك 0.6%.
ويلاحظ من المسح أن أغلبية المنشآت مسجلة قانونيا كمنشآت فردية (حوالي 69.2%) بينما الشركات التضامنية بلغت 11ز9% والشراكات المحدودة بلغت 7.5%.
ويوضح المسح سمة هامة لرأسمالية عهد الرأسمالية الطفيلية فإن 63% من أصحاب هذه المنشآت هم من حملة الدرجات الجامعية بمستوياتها الثلاث (بكالوريوس، ماجستير ودكتوراه) و36% ممن أكملوا تعليمهم العام والتديب المهني و1% منهم اميون.
ضمور دور حركة الطبقة العاملة السياسي والنقابي
لقد شهدت الفترة من 1973 وحتى استيلاء الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة على السلطة، نموا واضحا لأعداد الطبقة العاملة في مجالي الصناعة والخدمات فمثلا فقد أرتفع عدد العمال الصناعيين من 49 الف عامل عام 1971/1972 إلى 145 ألف عامل في عام 1981/1982 بزيادة بلغت 194%. وتميزت هذه الفترة بتغيير في توزيع الطبقة العاملة الصناعية بين المنشآت التي توظف 25 عامل وأكثر وتلك التي توظف أقل من 25 عامل. فقد زاد العاملون في المنشآت الصغيرة من حوالي 6 الف عامل في 1971/1972 إلى 36 ألف عامل في عام 1981/1982 وهي زيادة ضخمة تصل 6 أضعاف أدت الى زيادة نسبة العمال في المنشآت الصغيرة من 14% إلى 27% في نفس الفترة. ورغم الزيادة المطلقة لعمال المنشآت الكبيرة من 43 ألف عامل إلى 105 ألف عامل في نفس الفترة فإن وزنهم النسبي انخفض من 87% الى 72%. ووفقا للأحصائيات الرسمية لمصلحة العمل فإن عمال الخدمات كانوا قد بلغوا في عام 1980 450 ألف عامل في القطاع العام و144 ألف عامل في القطاع الخاص مما يجعل مجمل الطبقة العاملة في مجال الصناعة والخدمات في مطلع الثمانينات يبلغ حوالي 700 ألف عامل.
لقد حدثت تغييرات هامة في الطبقة العاملة السودانية منذ انقلاب 1989:
1- لقد تقلص عدد العمال في القطاع العام الخدمي والصناعي نتيجة لتصفية مؤسسات للدولة فمثلا انخفض عدد عمال السكة الحديد من 30 ألف عام 1986 إلى 11ألف في عام 2007. وتمت تصفية كاملة وتشريد للعاملين في النقل الميكانيكي والمخازن والمهمات والأشغال والري والحفريات والعاملين بمشروع الجزيرة والمؤسسات الزراعية الأخرى.
2- أدت سياسة التحرير الاقتصادي والسياسات المالية والاقتصادية للدولة وسياسات التمويل المصرفي لإنهيار صناعات سودانية بأكملها من إغلاق المصانع لأبوابها وتشريد عامليها أو تخفيض الطاقة الانتاجية فمصانع كالنسيج الياباني والنسيج السوداني، أغلقت أبوابها تماما. انخفض انتاج النسيج من حوالي 300 مليون متر في عام 1985 إلى 48 مليون متر في عام 1990 ليصل 15 مليون متر عام 2003 ويرتفع ل 30 مليون متر عام 2008 ويعود لينخفض ل 11 مليون متر في 2012. وهذا ما حدث لصناعات أخرى مثل الزيوت والأحذية ودباغة وأعداد الجلود، …ألخ. وأدى ذلك لتقلص عدد العاملين في هذه الصناعات .
3- قامت صناعات جديدة في مجالات النفط والتعدين والأسمنت والغذائيات. ولكن رغم ذلك ظلت صناعة الغذائيات توظف 57% من جملة العمال الصناعيين وان مصانع السكر الخمسة (قبل إنشاء النيل الأبيض) كانت لوحدها توظف 19% من العدد الكلي للعمال الصناعيين. وجاءت الصناعات التعدينية غير المعدنية في المرتبة الثانية بتوظيفها 13% وصناعة المعادن 7% والنسيج 6% وذلك وفقا لمسح 2001 الصناعي الذي قدر العمالة الصناعية ب 162682 عامل. ويوضح مسح لوزارة العمل في 2007 أن العاملين في 3078 منشأة تم مسحها في السودان يبلغون 112 الف عامل منهم 92 الف يعملون بأجر في وظائف مستديمة بدوام كامل و10 آلاف يعملون بأجر في وظائف غير دائمة بدوام جزئي وشكل اصحاب العمل واسرهم الذين يعملون بانفسهم حوالي 6 آلاف وحوالي 4 آلاف عامل يعملون تحت التدريب.
لقد واجهت حركة الطبقة العاملة النقابية والسياسية هجمات واسعة من قبل خاصة بعد يوليو 1971، ولكنها استطاعت الصمود في وجه هذه الهجمات وكانت تعيد تنظيم نفسها والنهوض من جديد في كل مرة، فخلال فترة نميري برز ذلك النهوض في عدة اضرابات منذ أغسطس 1973 ومرورا باضرابات عام 1979 وحتى الانتفاضة في مارس – أبريل 1985. ولقد كانت الطبقة العاملة تستند في نهوضها على مخزونها من الخبرة والتجارب النقابية والسياسية للطبقة العاملة التي يحملها العمال في المجالات التي شهدت تكونها الأول في المجتمع السوداني: السكة الحديد، النقل الميكنيكي، الأشغال، الوابورات، المخازن والمهمات وفي مجالات القطاع الصناعي في النسيج والصناعات الغذائية.
ولكن ببلوغ الصراع الطبقي ذروته بإنقلاب 30 يونيو واستلام الطفيلية المتأسلمة للسلطة، صفت مواقع الخبرة النقابية والسياسية للطبقة العاملة وشردت العاملين فيها ومنعت توظيفهم حتى في القطاع الخاص لكي لا ينقلوا خبرتهم النقابية والسياسية مثلما فعل العمال الذين أنتقلوا للصناعة بعد تشريدهم أيام عبود ونميري. إن المسألة ليست في نقص عدد العمال أو زيادتهم، فقد نشأت صناعات جديدة للأسمنت وللبترول وصناعات التعبئة والغذائيات، ولكن عمالها يفتقدون الخبرة النقابية والسياسية. ولقد أدى تشريد المهنيين والمعلمين والموظفين واجبارهم عبر الاعتقالات والتعذيب ومنعهم من العمل إلى الهجرة لإفقار الحركة النقابية للمهنيين والمعلمين والموظفين وافراغها من كوادرها التي تحمل الخبرات النقابية والسياسية وخبرات ثورة أكتوبر وإنتفاضة مارس – أبريل.
تواجه حركة الطبقة العاملة السياسية والنقابية فترة جديدة من الثورة الوطنية الديمقراطية وهي في حاجة لتجميع خبراتها المخزونة، ونقلها لأجيال جديدة من الطبقة العاملة في مواقع عمل جديدة وقديمة.وفق خطط وبرامج تتوافق مع المتغيرات الداخلية والتطور الذى حدث فى حركة التقنية العالمية وتدويلها .
ث‌- فئات البرجوازية الصغيرة :-
البرجوازية الصغيرة في بلادنا من اوسع الطبقات انتشارا، فنجد البرجوازية الصغيرة التقليدية التي تتشكل من صغار المزارعين والحرفيين (الذين يمكلكون وسائل إنتاجهم ويقومون بالعمل بأنفسهم) وصغار التجار يكادوا يشكلون غالبية أهالي السودان. أضاف التعليم الحديث لهذه الفئة الطبقية شرائح مهمة ظلت تلعب دورا هاما في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في السودان كشرائح المهنيين من أطباء ومحامين وقضاة ومهندسين ومعلمين وغيرهم وموظفي خدمة مدنية وضباط قوات مسلحة وموظفي القطاع العام والخاص والبنوك ممن أصبح يطلق عليهم في العلوم الاجتماعية البرجوازية الطبقة الوسطى، ومن الصعب وصفهم كطبقة لأن موقعهم في العملية الانتاجية وعلاقات الانتاج ليس واحدا، ففيهم الشرائح العليا التي تعمل بمرتبات وأمتيازات عالية كما فيهم الذين يعملون لحساب أنفسهم كأصحاب العيادات الخاصة ومكاتب المحاماة والاستشارات الهندسية والاقتصادية و مكاتب المراجعة والمحاسبة وفيهم الشرائح الوسطى التي تعمل بمرتبات فوق متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي وتعيش حياة محدودي الدخل الذين يعتمدون على مرتباتهم، أما الشرائح الدنيا منهم فهي تتشكل من صغار الموظفين وصف الضباط في الخدمة المدنية وفي القطاعين العام والخاص والتي تقترب أوضاعهم من الطبقة العاملة ويعيشون على حوالي خط الفقر.
إذا نظرنا لما حدث لهده الشرائح من البرجوازية الصغيرة أو الطبقة الوسطى خلال فترة ديكتاتورية الرأسمالية الطفيلية فإننا نجد تغييرات عميقة حدثت وسط مختلف شرائحها:
1- تدهور وضع المزارعين في القطاع المروي والمطري مما فصلنا سابقا بفضل سياسات النظام التي حطمت الزراعة المروية وأفقرت الزراعة المطرية، وتأثر القطاع المطري بالحرب والتصحر والجفاف المتكرر وسوء وتدهور شروط التبادل التجاري بين الريف السوداني والسوق الحضري والسوق الالعالمي نتيجة لتصفية شركات الامتياز مثل الصمغ العربي والحبوب الزيتية والفساد الذي ساد شركة الأقطان وما لحق من تخريب بالبنك الزراعي والمؤسسات الزراعية وهيمنة رأس المال الطفيلي على المصارف وتجارة الصادر والوارد والتجارة المحلية، مما أدى لتدهور وضع المزارعين المعيشي وإجبار أعداد ضخمة منهم وعائلاتهم (خاصة الشباب والأطفال والنساء) للهجرة للمدن والإلتحاق بالأعمال الهامشية التي نقلتهم طبقيا للبروليتاريا الرثة والتشرد والعمل في القطاع غير المنظم.
2- توسعت بشكل واسع أعداد شرائح المتعلمين نسبة للتوسع غير المخطط والعشوائي للتعليم العام والعالي، وتدهورت نوع كفاءاتهم وقدراتهم المعرفية والمهنية وقلت قدراتهم التنافسية في سوق العمل المحلي والإقليمي، ومع تدهور الإنتاج والمؤسسات الإنتاجية في البلاد وتفاقم الأزمة الإقتصادية، تفشت العطالة وسط شرائح المتعلمين حتى المهنيين منهم فلم تعود الدولة ملتزمة بتشغيل الخريجين حتى الأطباء والصيادلة والمهندسين والتقنيين وزادت معدلات الهجرة وسطهم بشكل عالي وأصبح الكثيرون ينضمون للإقتصاد غير المنظم ويعملون في وظائف لا تتناسب مع تعليمهم وشهاداتهم (في الركشات وأمجاد والمركبات العامة والباعة المتجولين) الامر الذى يتطلب مبادرة الشيوعيين النقابين المتواجدين فى القطاعات المهنية للعب دورهم فى قيادة العمل.
3- زادت حملات الفصل للصالح العام والإحالة للمعاش المبكر وخصخصة المؤسسات والشركات العامة وتصفيتها لزيادة عدد العاطلين والمهاجرين من الشرائح العليا والوسطى من البرجوازية الصغيرة.
4- أدى التضخم وتدهور الأجور الحقيقية لافقار كل شرائح البرجوازية الصغيرة إلا من باع نفسه للنظام الطفيلي او انتقل طبقيا للراسمالية الطفيلية، الفئات العليا من المهنيين كالأطباء والمحامين والمهندسين وحتى بعض المعلمين اصبحوا يبيعون خدماتهم للجمهور بأسعار عالية فأرتفعت أسعار العيادات والخدمات القانونية والهندسية والدروس الخاصة، والفئات الوسطى منها التي لا يكفيها المرتب والأجر اصبحت تبيع خدماتها لأكثر من مستشفى وجامعة ومدرسة وبيت خبرة، يرهقهم الجري وراء الوظيفة الإضافية فتخلوا عن الإطلاع وتطوير مهاراتهم وتتبع الجديد في مهنهم ووهنت أجسادهم وقلت معارفهم وبعدوا عن العمل والهم العام، والفئات الدنيا ألتحقوا في مستوى معيشتهم بفقراء المدن والطبقة العاملة والسوق غير المنظم.
5- رغم أن النظام سعى لرشوة الشرائح التي تعمل بالقوات النظامية، إلا أن الحروب والتصدي للإحتجاجات الطلابية والشعبية، وتأثرهم بتدهور احوالهم وأحوال أهلهم المعيشة، ينمي التذمر داخلهم، وتتجه الدولة لتجديد من يعمل معها منهم بشكل دوري عن طريق الإحالة المبكرة للإستيداع والمعاش وتخرج كليات الحربية والشرطة والأمن الآلاف سنويا لسرعة التبديل السنوي.
6- ولقد ظلت شرائح البرجوازية الصغيرة من أنشط الفئات الاجتماعية سياسيا سواء في الإستمرار في ركب الطفيلية المتأسلمة بعد إستيلاء الأخيرة تماما على الحركة الإسلامية أو في النضال ضدها بالإلتحاق بالقوى الديمقراطية والحزب الشيوعي وسط حركة الطلاب وحركات المهنيين والمعلمين، أو في بحثها عن تنظيمات سياسية جديدة.
إن إتساع شرائح البرجوازية الصغيرة يشكل القاعدة لانتشار أفكارها التي تمتد من اليسار المتطرف وحتى اليمين المتطرف، فظهرت أفكار وتنظيمات تعبر عن البرجوازية الصغيرة بدءا من تيارات وطنية معادية للاسلام السياسي ونظام الطفيلية المتأسلمة وحركات شبابية تطمع في تخطي الواقع السياسي الموضوعي وتستعجل النتائج وترى في كل حراك شعبي نهاية الديكتاتورية، وفي نفس الوقت تراجعت جزء من شريحة البرجوازية لنوع من التدين يرفض النظام وينجو بنفسه إما إلى الصوفية أو السلفية، بينما يلجأ جزء منها للتطرف الديني بدعوة إقامة الشريعة التي تخلت عنها الطفيلية. ويلجأ أطراف منها للحلول الفردية بالهجرة للخارج أمام الضغوط الاقتصادية وضغوط العمل العام.
ويظل خط الحزب الشيوعي تجاه شرائح البرجوازية الصغيرة قائم على النشاط الفكري والسياسي وسطها بهدف جذب طلائعها لمواقع الفكر الماركسي والديمقراطية والوطنية السودانية ونقد تياراتها اليسارية المتطرفة واليمنية خاصة الملتحفة بالاسلام السياسي والسلفية والداعية للتطرف الديني. إن جبهة العمل الفكري والثقافي لهي أهم جبهات نضالنا وسط هذه الشرائح وتحتاج منا للإهتمام والتجويد. إننا في الجبهة السياسية نتحالف مع تياراتها الديمقراطية والوطنية مع ممارستنا للنقد والحوار.
نهوض جماهير الريف وابتداعها تنظيمات مستقلة:
أن متغيرات المسألة القومية ، قد أدت لتطورات هامة في جماهير الريف، وكانت ثورة أكتوبر 1964 قد أدت لنهوض نسبي في قوى الريف فقامت الحركات الإقليمية والروابط القبلية، ورغم سنين ديكتاتورية نميري والديكتاتورية الحالية استمرت حركات الريف في النمو ، وما الحركات المسلحة في دارفور والحركات السياسية في الشرق ،وما يحدث في جبال النوبة والنيل الأزرق ، ومقاومة السدود في الشمال ، إلا ظواهر لهذه التطورات والتي أيضا تتطلب من حزبنا لا مجرد دراستها وتحليلها بل الإقتراب منها، خاصة أن اللجنة المركزية للحزب كانت قد أشارت منذ 1975 لأهمية ذلك “إن تدرك القوى الثورية في المدن انه مهما علا شأنها، ووجدت من الدعم النشط من المزارعين في القطاع الحديث، لن تكتمل مسيرتها نحو النصر في الثورة الاجتماعية الديمقراطية إلا بمشاركة نشطة وثورية من جماهير القطاع التقليدي – حيث أغلبية سكان السودان، أي لا يكفي التأييد والتعاطف كما كان الحال في ثورة أكتوبر. إن السلطة الوطنية الديمقراطية مهما توفرت لها مقومات الذكاء ووضوح الرؤية والقدرات القيادية الفذة، لا تستطيع إنجاز الإصلاح الزراعي والتحرر الاجتماعي – والتحرر الإداري من نير الإدارة الأهلية – بدون النشاط الثوري المستقل لجماهير القطاع التقليدي، ومشاركتها بالفعل والرأي وبالتصور… فمحنة محاولات تطبيق الإصلاح الاجتماعي والزراعي والإداري من أعلى ماثلة إمامنا في تجارب أنظمة البرجوازية الصغيرة العسكرية في المنطقة العربية والأفريقية و في السودان” (دورة اللجنة المركزية يونيو 1975 ص 36)
إن النهوض الجديد لقوى الريف والذي تعبر عنه الحركات الاقليمية المتعددة ، من يحمل السلاح منها ومن يناضل سلميا، يضع أمام الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية تحديا كبيرا للإقتراب من هذه القوى وإدارة حوار ديمقراطي عميق معها حول برامجها وتكتيكاتها وتحالفاتها الراهنة والمستقبلية. إن هذه القوى هي جزء أصيل من قوى الثورة الوطنية الديمقراطية. إن إقتراب قياداتها من قضايا الثورة الوطنية الديمقراطية يظهر في بعض فقرات من برامجها ومواثيقها، ولكنه يختبر بالنضال اليومي والنضال المشترك مع مجموع القوى الوطنية الديمقراطية، إن أهم نقاط ضعف بعض هذه الحركات هو عدم خبرتها في العمل السياسي وفي التنظيم السياسي، واختصارها نشاطها على العمل المسلح، إن العمل السياسي المشترك سيكون له أثر إيجابي على هذه الحركات وعلى القوى الديمقراطية والشيوعية بإقترابها أكثر من قضايا تلك المناطق. إن قدرة الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية من الإقتراب من هذه القضية وحلها سيكون له آثار إيجابية في تطور الثورة الوطنية الديمقراطية في بلادنا
ج‌- فشل تجربة الاسلام السياسي في بلادنا:
تتميز الفترة الجديدة بسمة هامة هي فشل تجربة الاسلام السياسي في بلادنا والتي تناولنا جوانبها في الباب الثاني من هذا التقرير.
إن فشل التجربة في حكم البلاد لفترة ربع قرن من الزمان، يضع أساسا لعمل دعائي وفكري واسع ضد الإسلام السياسي وتعريته ، بحيث ينتهي كغطاء آيديولوجي للرأسمالية الطفيلية وللقوى المناهضة للمشروع الديمقراطي . الاسلام كدين لأغلبية مواطني السودان يمارسونه في عباداتهم وفي حياتهم اليومية، دون أن يقف حاجزا بينهم وتحقيق تطلعاتهم المشروعة في السلام والديمقراطية والتنمية. ان فشل تجربة الاسلام السياسي يضعنا في مواقع الهجوم في الجبهة الفكرية ولا بد من الاستعداد الفكري والثقافي لها. إننا في هذا المجال لا بد أن نمد أيدينا للقوى المناهضة لحركات الإسلام السياسى خاصة في بلدان الربيع العربي وفي مصر على وجه التحديد،و دعم القوى المناهضة لهذه الحركات في البلدان الأخرى يستدعى عكس تجربتنا وما لحق ببلادنا من تخريب على يد نظام الانقاذ الديكتاتورى .
ح‌- الهجمة الاستعمارية على المنطقة:
لقد فصلنا في الباب الأول الظروف العالمية التي تتسم بها هذه الفترة الجديدة من الثورة الوطنية الديمقراطية. وقد أوضحنا في الفصل الثالث من ذلك الباب والفصل الثاني عشر من الباب الثاني التدخلات الأجنبية في بلادنا. ان بلادنا والمنطقة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط كلها تواجه هجمة استعمارية جديدة وتصبح ميدانا للتنافس بين الدول الرأسمالية الصناعية القديمة (بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) والدول الرأسمالية الصناعية الجديدة (الصين وماليزيا والهند وتركيا وروسيا والبرازيل وكوريا الجنوبية). إن هذه السمات الهامة تضع أعباء إضافية على حركة الثورة الوطنية الديمقراطية، سواء كان في بناء تحالفاتها الخارجية، أو في تكتيكاتها في التعامل مع المجتمع الدولي. اننا نحتاج لأن نعطي هذه القضية مزيدا من الاهتمام والدراسة وأن نوسع ونجود نشاطنا في المجال الدولي.
قضايا هامة ومهام صعبة
هكذا تطرح علينا الفترة الجديدة من مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية قضايا هامة ومهام صعبة في نفس الوقت. إن الثورة الوطنية الديمقراطية تطرق الباب بشدة ، ويعتمد على مجمل تكتيكاتنا السياسية فتح ذلك الباب لينقذ شعبنا من الحروب والديكتاتوريات والأزمات الإقتصادية، وان يتمكن من تلبية احتياجاته الأساسية ويقيم دولة مدنية ديمقراطية واقتصاد زراعي وصناعي حديث على أساس من التنمية المتوازنة وبذلك يكمل مهام الثورة الديمقراطية ويفتح الطريق نحو التحول الاشتراكي .
إن حل قضايا هذه الفترة يبدأ باسقاط نظام الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة الديكتاتوري واستعادة الديمقراطية ووقف الحرب والوقوف ضد مخططات ومطامع القوى الاستعمارية الحديثة فى بلادنا . ويصبح السؤال الاساسي كيف تستعيد القوى الديمقراطية بثبات وخطوة خطوة ودون تضخيم للذات او تقصير في حشد الطاقات المبادرة وسط الحركة الجماهيرية؟
إن هذا السؤال يطرح قضايا مهمة لمجمل حركة الجماهير والحركة الديمقراطية، ولكنه بالتحديد يطرح قضية مواصلة بناء وتجديد الحزب واسهامه في بناء تحالفاته الاستراتيجية وتبنيه التكتيكات المناسبة لاستعادة الديمقراطية، ذلك أن الديمقراطية تفتح الطريق لنهوض حركة الجماهير ولاستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية .
ونحن نناضل من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان والتنمية المتوازنة والسلام، علينا أن ندرك اننا لسنا وحدنا في ساحات النضال المحلي والإقليمي والعالمي، فهذه القضايا تجذب يوميا مناضلين جدد لتحقيقها لأنها قضايا عادلة توحد جماهير واسعة في وجه العولمة المتوحشة.
الفصل الثالث:
قضايا بناء الحزب والتحالف الديمقراطي
مهام كبيرة تواجه الحزب الشيوعي والحركة الديمقراطية:
يواجه الحزب الشيوعي مهام كبيرة في استنهاض الحركة الجماهيرية والعمل مع الجماهير لبناء منظماتها الديمقراطية لتحويل السخط الشعبي ضد نظام 30 يونيو الديكتاتوري المتأسلم، لعمل نشط يؤدي للإنتفاضة الشعبية التي تستعيد الديمقراطية ،وتفتح الطريق من جديد لاستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية . وفي هذا الصدد، وفي الوقت الذي نبني فيه اوسع تحالف وطني ممكن لاستعادة الديمقراطية، تظل أهم الواجبات أثناء معركة أستعادة الديمقراطية وبعد نجاحها هو اعادة تأهيل وتجديد الحزب الشيوعي. والمساهمة الفعالة في بناء التحالفات الديمقراطية الأساسية ، والتي تكون القاعدة الصلبة للجبهة الوطنية الديمقراطية. وتمتين العلاقات مع كل القوى الوطنية التي يفرزها النضال المشترك ضد حكم المؤتمر الوطني الشمولي الديكتاتوري.
بناء الحزب واجب مستمر في لحظات الدفاع والهجوم:
إن مهمة مواصلة تأهيل وتجديد الحزب الشيوعي تطرح على الحزب قضية استمرار بنائه،وفقا لمنهج علمي يستند على العلم والتجارب الثورية وفقا للمتغيرات في الظروف الوطنية والعالمية ، ووفقا للتطور التكنولوجى ووسائل الاتصال الجماهيري. ولقد توصل حزبنا من خلال تجاربه ان عملية بنائه دائمة ومستمرة في لحظات الهجوم والدفاع، التوسع أو الإنحسار، العلنية أو السرية. والمقصود بالبناء الحزبي هو مجمل عملية بناء فروع الحزب والمناطق والقطاعات والمكاتب المركزية وأعداد الكوادر الحزبية في كل جبهات العمل وبناء حلقاته وبناء أدوات الطباعة ووسائل الدعاية ودور الحزب ومقراته وقنوات الاتصال التنظيمية والجماهيرية ومطبوعاته الداخلية والجماهيرية. وتعلمنا من خلال تجاربنا دروس هامة:
أولا : أن المؤتمر الخامس حسم بعض القضايا حول طبيعة الحزب ونظريته ولكن:
(1) أن طبيعة الحزب ونظريته ليست قضية تحسم في الوثائق فقط بل هي قضية عملية تظهر في النضال اليومي وفي عملية البناء المخطط الواعي.
(2) قضايا البناء هي موضوع للصراع الفكري المنظم، والذي يرعاه الحزب وينقيه من مظاهر الشخصنة والفردية. وهي تطرح نفسها في فترات التراجع والنهوض معا، عندما يلقي اشتداد الصراع الطبقي بظلاله داخل الحزب فتصبح قضايا التكتيك والاستراتيجية لمجمل الحركة الثورية هي مجال للصراع الفكري.
(3) إختلاف الآراء داخل الحزب حول مناهج وسبل العمل اليومي وتكيتكاته واختيار الاشكال التنظيمية المناسبة ووضع الأولويات مسألة طبيعية ،ناتجة عن تفاوت الخبرة والثقافة والتعليم والأصول الطبقية للزملاء ومجال حسمها هو النقاش في الاجتماع الحزبي للفرع والهيئة، بحرية تامة وفي وقت كافي واتخاذ القرار حولها بديمقراطية وتلخيص المناقشات ونشرها في المجلات الداخلية وتقييم ما توصل له الزملاء من قرارات على فترات لامتحان صحة ما اتخذ من قرارات.
(4) القاعدة الجوهرية هي ألا ينشغل الشيوعيون بصراعاتهم الفكرية عن الالتحام بالجماهير والعمل الجماهيري، حيث تختبر القضايا الفكرية بالنشاط العملي ، ومن ثم تبرز بشكل عملي قضايا بناء الحزب وقضايا تطوير كادره في كافة أوجه النشاط السياسي والتنظيمي والثقافي والفكري، وتطوير تكتيكات وبرنامج الحزب وخطه السياسي .
ثانيا: أن بناء الحزب وتطوره لا يتم بشكل عفوي بل من خلال التخطيط والتكتيكات الصحيحة: أن البناء الحزبي يتطلب التخلص من البدائية في عملنا وتحسين قدراتنا في العمل، يجب أن نخضع عملية البناء الحزبي للتخطيط ونخضع تطور حزبنا للتكتيكات الصحيحة الملتحمة مع الجماهير وقضاياها، فلا عمل جماهيري بدون بناء حزبي، ولكن لا تطور لبناء حزبي بدون عمل جماهيري، إنها علاقة تكاملية وتبادلية (جدلية )، نتنظم لننظم الجماهير، نعلم الجماهير ونتعلم منها، ندافع عن حقوق الجماهير وتحمينا الجماهير، فهي التي تؤمننا زمن السرية وتؤمن حركتنا وسكننا وتمول نشاطنا وهي التي تحدث التغيير والانتفاضات والثورات.
ثالثا: أن الطبيعة العمالية لحزبنا نكتسبها بنشاطنا، فهي ليست ماركة مسجلة أو ختم تم ختم الحزب به فقط ، فعن طريق التخطيط نتوجه للطبقة العاملة ونكتشف مواقعها ونبني صلتنا معها من خلال إجتذاب طلائعها لصفوف الحزب ومن خلال بناء الجبهة النقابية أو التحالف الديمقراطي، ومن خلال إهتمامنا بقضاياها الإقتصادية والسياسية والثقافية والإجتماعية. وقد أكدت مؤتمرات الحزب وبرنامجه ونشاطه العملى اليومى اهمية تحسين التركيبة الاجتماعية للحزب (قواعد وقيادة) على ضوء اهدافه وطبيعته النضالية. ولن يتم ذلك الا بتركيز قضية البناء الحزبى وسط العمال والمهنين والعمال المهرة من خريجى المدارس الصناعية، ومراكز التدريب المهنى والفني، لرفع المستويات، و فى المواقع القائمة الان فى مجالات البترول،النقل البرى،ومجموعة مصانع السكر، والاسمنت حيث الكثافة العمالية. ونتوج كل ذلك ببناء فروع الحزب فى مواقع الطبقة العاملة. ومعالجة هذا الخلل بوجهة فكرية ثاقبة، لرفع نسب وعدد عضوية العمال فى الحزب وترقيتهم فكرياً وعملياً. لخلق كادر عمالى جديد (شاب ). ولا بد أن نلاحظ المتغيرات الموضوعية التالية:
(1) أدت سياسات التحرير الاقتصادى (السوق الحر) ومصادرة الحريات السياسية الى تدمير ركائز الاقتصاد الوطنى، وتخريب وتعطيل حركة الطبقة العاملة بالتشريد السياسى،وبيع وخصخصة المؤسسات الرابحة وغير الرابحة،مع انعدام التنمية الصناعية والزراعية،والتوظيف بالانتماء السياسى(الولاءات) وازدياد هجرة الكوادر العمالية والمهنية. أدى ذلك لمتغيرات كمية ونوعية فى تركيبة الطبقة العاملة السودانية. مما اضعف حركتها النضالية السياسية والمهنية. هذه المتغيرات لن تبدل او توقف اهداف الحزب الاسترتيجية تجاه الطبقة العاملة بل تستوجب تطوير تاكتيكاتنا وايضاً نضع الخطط والبرامج لتنظيم ودعم الوافدين الجدد لحركة الطبقة العاملة بتاريخ وتجارب وتقاليد حركة الطبقة العاملة ونضالها وعلاقاتها التاريخية والنضالية بالحزب الشيوعى. واقع اليوم يتطلب مواصلة علاقة الحزب بالطبقة العاملة،وترقية هذه العلاقة وتجويدها. عبر اللقاءات المباشرة والندوات والمحاضرات والدراسات عن الاجور،ومستوى المعيشة والاوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فى البلاد، دراسة خريطة المتغيرات الاقتصادية، وماطرأ فى التركيب العضوى لجماهير العمال سيساعد كثيراً فى ابتداع اشكال واساليب ومناهج مناسبة للتعامل مع هذا الواقع (راجع الماركسية وقضايا الثورة السودانية)
(2) تراجع ملحوظ للوجود الحزبي وسط الطبقة العاملة ، مما يلزم التقويم والتخطيط لإعادة بناء الحزب وسطها وفي مجالات العمل عموماً بدءاً بالمجالات ذات الكثافة العالية للعمال، وأحياء الجباه النقابية وسط العمال وتنظيمات العاملين الديمقراطية وتخطي المصاعب التي تواجه العمل .
(3) وجود الأعداد الكبيرة من النساء فى سوق العمل تحت ظروف مختلفة، عاملات في المصانع ومراكز الخدمات ( تمثل أعدادهن في بعض المصانع 60- 100 % من العاملين) يعملن تحت ظروف عمل قاهرة من تدني فى الأجور وبيئات عمل غير مناسبة وعقود إذعان تسحب كل مكتسبات المرأة العاملة تحت ضغط الفقر والاضطرار الناتج عن تشريد الأزواج وقلة أجور العاملين منهم ( الحد الأدنى لتكلفة المعيشة لأسرة من زوجين و3 أطفال حسب دراسة اجراءها مكتب النقابات المركزى بالحزب الشيوعى فى يناير 2012بلغت 3450 جنيه شهرياً والحد الأدنى للأجور في الدولة يعادل 365جنيه شهرياً) هذا مع قلة فرص عمل الشباب والأبناء والهجرة للخارج بحثاً عن عمل . هذا يتطلب التفات وتوجه الحزب نحو النساء العاملات وتشجيع عملهن وممارستهن لحقهن في العمل والإسهام المباشر في الناتج القومي، و الاهتمام برفع وعيهن النقابي والطبقي والحقوقي والسياسي واستيعاب الناشطات الواعدات في الحزب.
(4) العمل وسط القطاع غير المنظم من النساء من بائعات الطعام والشاى وسائقى الركشات والحافلات ..
رابعا: بينما نهتم بتحسين تكوين الحزب الطبقي، لا بد لنا في عملية البناء أن نهتم بالتكوين النظري والمعرفي لعضوية الحزب من خلال توسيع عملية التعليم الحزبي والعمل الثقافي داخل الحزب. وهذا يتطلب تطوير وتحسين عمل مكتب التعليم الحزبي وتحسين وتطوير إعداد المعلمين الحزبيين والمدرسة الحزبية المركزية والنظر في إقامة مدارس حزبية مستقرة للمناطق والمدن الحزبية الرئيسية ورد الاعتبار للاجتماع الحزبي الثقافي، والاهتمام بدور المثقفين الحزبيين والكوادر المهنية المتخصصة. وتحويل المكاتب المركزية المتخصصة لمراكز للإشعاع الفكري والثقافي في مجالات تخصصها وفي مجال دراسة الواقع والمجتمع ،والدراسات النقدية للفكر والثقافة السودانية ،وإثراء الفكر الثوري والديمقراطي السوداني. وفي هذا الصدد لا بد من تطوير المجلة النظرية الداخلية للحزب و النظر في صدور مجلة فكرية (الوعي أو الفجر الجديد مثلا) وتأسيس دار النشر الحزبية. وإذا كان للحزب أن يستعيد دوره الرائد في نشر الوعي وسط الجماهير فلا بد أن يؤهل عضويته للقيام بذلك الدور التنويري.
خامسأ: تحتل مسألة المتفرغين الحزبيين حيزا مهما في البناء الحزبي، وقد ظلت مطروحة في الحزب من وقت طويل. المتفرغ الحزبي ليس موظفا عاديا في الحزب، فهو مناضل تم تفرغه بموافقة أو تكليف هيئة حزبية وبقرار من اللجنة المركزية، لأداء مهام حزبية نضالية محددة، لذا لا بد من التدقيق في إختيار المتفرغين ومراجعة وتقييم دورهم ونشاطهم وأدائهم الحزبي، كما أنه لا بد من تحسين وضعهم المعيشي وتدريبهم المستمر وتسليحهم بالمعرفة النظرية والعملية، والاستفادة من تجربة سابقة عندما خصص مكتب التعليم الحزبي زملاء لتقديم كورسات لزملاء من حلقات المتفرغين وحلقات العمل السري. ولا بد من الاهتمام بقضية الكادر المتخصص المتفرغ تفرغا كاملا، تفرغا جزئيا أو تفرغا مؤقتا للعمل في جبهة من جبهات العمل الفكري او الدراسات الحزبية، وهذه قضية مطروحة منذ المؤتمر الرابع ولم تعالج بشكل واضح وكامل للاسهام في ترقية البناء الحزبي وتطوير العمل الحزبي والبرنامج الحزبى. وعموما فإن قضية المتفرغين يجب أن تتصدر أجندة اللجنة المركزية وقيادات المناطق ، حيث تقدم التقارير عن الأداء والتطور بشكل دوري .
سادسا: يطرح علينا تطور نظام الحكم في السودان، قضية توسيع الحزب وانتشاره في ولايات السودان المختلفة واتخاذ الشكل التنظيمي المناسب ليكون الحزب في هذه الولايات قادرا على تقديم البرامج وتطويرها وتلبية احتياجات الجماهير واقامة التحالفات المناسبة لانجاز تلك البرامج ،والتصدي للحكومات الولائية التي تهدر المال العام ولا تقدم الخدمات الأساسية للمواطنين في مجالات الانتاج والتعليم والصحة وخدمات المياه والصرف الصحي وصيانة البيئة. إن هذه قضية تنظيمية وسياسية وفكرية في عملية بناء الحزب وتصب مباشرةً في توسيع نفوذ الحزب السياسي والجماهيري . إن البناء الحزبي الجغرافي الأفقي يعني تأسيس وتكوين مناطق حزبية جديدة ، وقطاعات و فروع حزب جديدة ، وهي المقياس الواضح لتوسيع نفوذ الحزب السياسي والجماهيري ،وهو يعني نشاط حزبي داخلي مستمر ومنفتح على المدن والأرياف واطرافها البعيدة ، حيث الأغلبية السكانية الفقيرة والمعدمة . ويعني أيضا الوصول للمصانع والمؤسسات الجديدة في كل مناطق السودان لتنظيم العاملين وتأسيس الهئيات النقابية والفروع الحزبية .
سابعا: إن البناء الحزبي يستند على أسس تنظيمية تطورت واستقرت عبر تاريخ الحزب وتجاربه ،ومازال المجال واسعا لتطورها وترسيخ الإيجابي من تقاليدها وأهم تلك الأسسس :-
1- أن الحزب الشيوعي إتحاد طوعي بين مناضلين ثوريين، وهذا الاتحاد الطوعي قائم على قبول برنامج ودستور الحزب. واللذين يقررهما مؤتمره العام ويتم تعديلهما وفقا لما يتفق عليه في دستور الحزب. ودستور الحزب يحدد بوضوح حقوق وواجبات العضو والهيئات المختلفة، ويحدد كيف يكتسب الفرد عضوية الحزب ، وكيف تتخذ القرارات فيه، وكيف تدار الصراعات الفكرية فيه، وكيف تحدد أوعيتها. إن الوضوح في هذه المسائل وإلتزام الأعضاء والهيئات بها هو الأساس المتين لبنا ء حزب يملك وحدة الفكر والإرادة،وقادر على تنظيم الجماهير، فالجماهير لا تحترم حزبا غير متحد في خطابه وعمله وسطها. وهذه مسألة فكرية هامة يعتمد على إدراكها والالتزام بها بقاء وبناء وتطور الحزب، وهي ليست مصادرة لتعدد الآراء داخل الحزب، فتلك قضية تعالجها مسألة الديمقراطية داخل الحزب وهي ما سنتناوله.
2- يقوم بناء الحزب على أسس الديمقراطية وتمارس الديمقراطية داخله من انتخاب الفروع لقيادتها وممثليها في مؤتمرات المدن والقطاعات والمناطق والمؤتمر العام ، وحتى انتخاب هذه المؤتمرات لقيادات المدن والقطاعات والمناطق واللجنة المركزية. وتتخذ القرارات داخل كل الهيئات الحزبية بعد مناقشة مستفيضة، وتوضيح كافة الآراء بطريقة ديمقراطية، أي بالتصويت، الذي يجعل قرار الأغلبية ملزما بالدفاع عنه حتى يتم تغييره بنفس الأسس الديمقراطية مع حق الاقلية الاحتفاظ برايها وطرحه داخل الحزب والدفاع عنه . وهذا هو الأساس لوحدة إرادة الشيوعيين التي تمكنهم من العمل الجماعي وقيادة الجماهير. وتعتبر المجلات الداخلية للحزب أحد منابر الممارسة الديمقراطية داخل الحزب باتاحة الفرصة للآراء المختلفة لتصل مجموع الحزب ويتم مناقشتها وتداولها، وبالتالي تجد فرصة أوسع للنقاش قبل الاجتماعات العامة والمؤتمرات. وقد إبتكر حزبنا توسيعا للديمقراطية عقد الاجتماعات الموسعة للجنة المركزية التي يشارك فيها مندوبو قيادات المناطق والمكاتب المركزية المتخصصة، واجتماعات الكادر الموسعة للمناطق والمدن وذلك بهدف اشراك أوسع للكادر الحزبي في اتخاذ القرارات ومناقشة القضايا الهامة.
3- فرع الحزب هو الحزب في مجاله سواء كان مجال سكن ،عمل او دراسة ، وهذا يجعل فرع الحزب مسؤولا مباشرة عن رسم برنامج لمجاله بما يتسق مع برنامج الحزب المقر في مؤتمره العام. فرع الحزب الموحد هو الذى ينظم العاملين للدفاع عن قضايا المؤسسة وقضايا العاملين فيها بمختلفة فئاتهم ، ويبرز في داخله دور المثقفين بمساعدة الفئات الاخرى من العمال وغيرهم وقيادة حملة الوعى . هناك قضية مثارة في مجالات العمل تحمل رأيين الاول ان يتم انشاء الفرع على اساس المهنة ، فتتعدد الفروع ذات المهن المختلفة فى المجال الواحد والثانية ان ينشأ فرع الحزب الموحد فى مجال العمل لكل الشيوعيين العاملين فيه وفى سمنار منطقة الخرطوم الخاص بفرع الحزب الموحد تعددت الاراء . فى الواقع العملى هنالك قطاعات تعمل بطريقة فرع الحزب الموحد ،وقد ساعدهم ذلك فى توحيد جهودهم ونضالهم فى المجال المعين ،وتوحيد كل العاملين حول قضايا العمل والسياسات العامة التى تحكم المجال وقضايا وطنية مختلفة ، بينما ظل بعض الزملاء والزميلات يدافعون عن رايهم فى اهمية فرع المهنة الواحدة . وعلى الرغم من ان فرع الحزب الموحد يمثل الخط الاساسى لبناء الحزب فى مجالات العمل الا ان هذه المسألة لايمكن ان تحل بقرار حزبى قيادى او استنادا على تجارب سابقة او حالية فقط، بل على استراتيجية وتاكتيكات الحزب وطبيعته الثورية ومناهجه المتجددة والمتطورة بسمنارات وورش ،وقد اثبتت التجربة العملية فى المجالات المتعددة الفروع المهنية ان التنسيق بينها عند الضرورة لايغنى عن الوحدة برغم اهميته وقيمته العالية ، لان فرع الحزب الموحد يسهم بشكل اساسى فى عملية نقل الوعى للطبقة العاملة بواسطة المثقفين الثوريين (المهنيين ) اضافة الى انه يوحد الشيوعيين فى القضايا والسياسات المختلفة فى المجال المحدد او العامة ،كما ان مجالات العمل هى اكثر المواقع التى يتجلى فيها الصراع الطبقى وكذلك الحزب الفئوى يميل للاصلاح وليس التغيير .
4- إن تلخيص التجارب قضية هامة في البناء الحزبي وهى ذات اهمية قصوى اذ تمثل التطبيق العملي لنظرية الثورة السودانية والأساس لتطوير تلك النظرية. ان تلخيص التجربة ، مراجعتها ودراستها ثم تعميمها بعد الأختبار العملي بالحوار والنقاش والممارسة . طريقة واسلوب للعمل تواصلت انجازاته وتراكمت حتى اصبح منهج حزبي راسخ لنشاط الحزب التنظيمي ، السياسي والفكري . تعتمد هذه العملية على نظرة ناقدة للتجارب يمتحن فيها خط الحزب وسط الجماهير ومن ثم يتم استخلاص افكار ، رؤى سياسية ونظريات لتطوير الخط السياسي والتنظيمي، بمعنى تطوير نظرية الحزب للثورة السودانية بمعرفة أكثر للواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي والإثني وكيفية العمل على تغييره وتحديثه. لذا يصبح نشر التجارب وتقييمها والمستخلص منها نظريا في الوثائق الحزبية ذا أهمية كبيرة حتى يتسنى لكل عضوية الحزب دراستها ومناقشتها والاستفادة من تلك التجارب ومن تقييمها. إن التداول الديمقراطي داخل المؤتمرات والاجتماعات الحزبية وفي المجلات الداخلية يزود عضوية الحزب بحصيلة مهمة في خوضها المعارك السياسية والصراع الفكري وفي الاسهام النظري والعملي في الفكر السياسي الثوري والتقدمي والإشتراكي . أن تلخيص ودراسة التجارب مسئولية حزبية يجب أن يهتم بها مجموع الحزب فروعه وهيئاته من اجل التطوير والتحسين فى علاقة جدلية بين التجربة العملية والجهد الفكري والنظري، يستند عليها رسم وبناء التاكتيكات الحزبية والمواقف السياسية.
5- يعتمد الحزب في بنائه وتطوره على ممارسته للنقد والنقد الذاتي كأساس من اسسه التنظيمية، والنظرة النقدية للتجربة والممارسة هي التي تسمح باستخلاص الدروس بإيجابياتها وسلبياتها، وممارسة النقد يسمح بتوضيح السلبيات لدى الزملاء والهيئات وعلى أساسه يتم النقد الذاتي بقبول حقيقة وجود السلبيات او الممارسات أو العمل الخاطئ والعمل على تصحيحه. إن النقد والنقد الذاتي يعملان داخل الحزب ووسط الجماهيرإذ أن مجال النقد ينتقل لإنتقاد أخطائنا ومواقفنا أمام الجماهير دون تبرير، وقبول نقد الجماهير وتصحيح مواقفنا ان كانت خاطئة .
ثامنا: بينما يطور الحزب أدوات ووسائل عمله وفقا للتطور العلمي والتقني، لا يستغنى عن وسائل وأدوات مجربة تقليدية ، فالمهم في كل أدوات عملنا هو الوصول للجماهير، توصيل رأينا لها، استنهاضها والاسهام في تنظيمها، وفي سبيل ذلك نستخدم الوسائل التقليدية والحديثة، من الدرداقة ومكنة الرونيو وحتى الكمبيوتر والناسخة والناسخة الضوئية، من شعار الحائط حتى الملصق الأنيق المصقول ومن حلقات قراءة الميدان والمنشور و الندوة المقفولة والندوة الجماهيرية وحتى الإنترنت والارسال الإذاعي والتلفزيوني. نستغل الإمكانيات الموجودة ونخطط للحديث والمتطور، لا نرضى بتخلف أدواتنا ولا نخجل من إستخدامها إذا إضطرتنا الظروف والإمكانيات ولكننا في نفس الوقت نتطلع ونخطط بجدية لاستخدام ادوات أكثر حداثة. إن تطوير جبهة الإعلام الحزبي يتطلب منا تخطيطا علميا يرتقي بها سواء في مستوى المنشور أو الجريدة، او المخاطبة المسموعة أو المرئية أو اللقاء الجماهيري. ولا بد من أن نستفيد من تجاربنا السابقة منذ انتخابات 1986 في تدريب الكادر الخطابي وتدريب الصحفيين والاستفادة القصوى من كادرنا الفني والإعلامي.
تاسعا: لا بد للحزب من تطوير مصادره المالية، خاصة في ظروف الأزمة الاقتصادية وتشريد العاملين. صحيح أن جماهير شعبنا وأصدقاء حزبنا ظلوا دائما على أهبة الاستعداد لدعم حزبنا ماليا، ولكن لا بد من تطوير مصادرنا عبر الاستثمار ,والتعامل مع قضية تطوير المصادر المالية على مستوى كل المناطق الحزبية.
العمل المالي هو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها عملنا السياسي والتنظيمي لذلك أولى حزبنا منذ بواكير تأسيسه أهمية فائقة بوضع أسس وقواعد لإدارة عملنا المالي، التي تمثلت في إعداد الكوادر وتأهيلها ووضع أسس ولوائح تنظيم عملنا المالي، وكانت أجندة العمل المالي حاضرة في كل اجتماعات حزبنا من أعلى الهيئات حتى أدناها، لقد مر أداء عملنا المالي بفترات صعود وهبوط حسب فترات العمل السياسي التي مررنا بها، واستطعنا رغم الضربات التي وجهت لنا سراً وعلانية من محاولات تجفيف منابع عملنا المالي التي تمثلت في التشريد المستمر لعضوية حزبنا من العمل، والتضييق على الميدان والمصادرة المتعددة بهدف الإرهاق المالي وحجب الإعلانات عنها، وبفضل أعضاء حزبنا وجماهير شعبنا أن نحافظ ونلبي المتطلبات الأساسية لاحتياجات عملنا السياسي والتنظيمي وذلك من خلال توفير المرتبات وإيجارات الدور ودعم العمل الجماهيري وتمويل الاحتياجات التنظيمية والأنشطة السياسية، ولكن هذا لا يعني أننا لا نعاني من نقاط ضعف عدة أثرت و حدت من قدرتنا على الحركة والعمل بصورة أكبر والتي تمثلت في الضعف الشديد في هياكل عملنا المالي الذي كانت نتيجة تدني سداد نسبة المقوى او انعدامه في أحيان كثيرة مع عدم القدرة على زيادة الموارد الحزبية عن طريق فتح مجالات أو قنوات إضافية كانت من الممكن أن ترفد الحزب بأموال إضافية مع ضعف وعدم قدرة على توسيع دائرة التبرعات وربطها بالنشاط السياسي العام. نعم نعلم أننا نعمل في مواجهة الصعاب لفتح مجالات ارحب بالعمل الجاد لذلك نرى أن يتم مناقشة بند المالية بعقل مفتوح وبنظرة جادة وأن يكون من أهم أولويات أجندة المؤتمر السادس.
توفير المال الضروري لعمل الحزب هو أساس استقلال الحزب ومنعته ولا مجال أمامنا سوى عضوية الحزب وأصدقائه، وجماهير الشعب السوداني بصفة عامة. وفي ظروف التشريد والملاحقة ، فإن أعداء الحزب يعملون على تجفيف كل مصادر الدخل. وهذا ما يتطلب من عضويتنا التصدي لهذه المهمة بكل جدية وحرص وبابتداع كل الوسائل الممكنة.. فإن توفير مصادر الدخل الضرورية تتيح للحزب حيويته واستقلاله.
الحزب والطبقة العاملة : البناء وسط الطبقة العاملة:
اكدت مؤتمرات الحزب وبرنامجه ونشاطه العملى اليومى، مواصلة العمل على تحسين تركيبته الطبقية، على ضوء اهداف وطبيعته النضالية. حتى تنطبق على الحزب مقولة (حزب الطبقة العاملة) ، لايكون الا بتركيز البناء وسط الطبقة العاملة ،عمال يدويين، ومهرة من خريجى المدارس الصناعية، مراكز التدريب المهنى لرفع المستويات، وفى مواقع العمل ذات الكثافة العمالية والموثرة اقتصادياً وذات الانتاج الاهم . ويهتم الحزب بالاجيال الجديدة من العمالة الوافدة من الريف وتنظيمهم وبث الوعى الطبقى وسطهم ونتوج ذلك ببناء فروع الحزب، ومعالجة الاخطاء وسد الثغرات بوجهة علمية لرفع مستوى نسب وعدد عضوية الطبقة العاملة فى الحزب،وترقيتهم فكرياً وعملياً لخلق كادر عمالى جديد.
ان الهدف الاستراتيجى ضمن قضايا بناء الحزب الاخرى هو بنائه وتوسيعه وسط الطبقة العاملة،وفق دراسات علمية واضحة،تحدد مواقع كثافة العمال والعاملات ، وكيفية الوصول اليها عبر دراسة قضاياهم ومطالبهم المشروعة بهدف الوصول الى تحديد طلائعهم من الجنسين وهو المدخل العلمى السليم لتوسيع بناء الحزب.
نقول ذلك ونؤكد عليه لان الحزب وهو حزب الطبقة العاملة هذا لايعنى ان اغلبية عضوية الحزب يجب ان تكون من الطبقة العاملة.فهذا ليس قصدنا الراهن فحزب الطبقة العاملة مفتوح لكل الذين يؤمنون بالماركسية اللينينية وقوانينها الجدلية التى بالاسترشاد بها واستنادا الى الواقع تؤدى فى نهاية المطاف الى تنفيذ البرنامج الوطنى الديمقراطى الذى يفتح الباب للولوج الى الاشتراكية ويصنعون البرنامج والدستور. المعنى بصورة اكثر تحديدا ، ان يكون فى قيادة الحزب ومفاصله القيادية الاخرى اكبر عدد من العمال الواعين والمتمرسين ماركسيا وتنظيميا واصبحوا فى النشاط العملى وبرهنوا على صمودهم وثباتهم ومقدرتهم على كسب ثقة اعضاء الحزب بادائهم المميز وموقفهم المبدئى ضد الافكار المعادية للماركسية أوالمحرفة لها .
عندما سمى ماركس الحزب بحزب الطبقة العاملة كان يقصد الوجود الفعلى للعمال الواعين فى اهم مواقعه القيادية لاسباب عدة على رأسها استعدادهم للتضحية حتى الموت لانهم لايفقدون شيئا سوى قيودهم ،ويعنى انهم لايخافون من ضياع ما لايملكونه ،فهم يبيعون قوة عملهم لقاء اجر زهيد . عبر عن ذلك لينين فى كتابه _(افلاس الاممية الثانية ) فى .ص 2 (( ان الاشتراكية بالنسبة للعمال الواعين ، عقيدة جدية ، لا قناعا ملائما لستر نزعات التوثيق البرجوازية الصغيرة )) . ولهذا فان الطبقة العاملة عندما تتحرر من قيودها ،تحرر المجتمع بأكمله .فالماركسية هى نظرية الحركة التحررية للطبقة العاملة .
هذا الوجود الفعلى للطبقة العاملة هو احد الضمانات لوحدة الحزب وتماسكه وترسيخ تقاليد الطبقة العاملة المتعلقة بالتضحية والتضامن والنظام والانضابط فى داخله . كذلك هو الضمان ضد سيادة تقاليد وعقلية البرجوازية الصغيرة غير المستقرة والمتوازنة بسبب موقعها فى الانتاج . لهذا ليس كل من صار ماركسيا من هذه الطبقة او غيرها – غير العمالية – يصبح عاملا بفضل انحيازه لفكر الطبقة العاملة واقتناعه بالماركسية ودخوله الحزب الشيوعى .بل يظل اصله الطبقى متجذرا فيه رغم كل ماحدث من تطورات فى العلوم والتكنولوجيا وتعرضه لاستغلال لايقل عن ذلك الذى تتعرض اليه الطبقة العاملة .
عندما نقصد بناء الحزب وتوسيعه وسط الطبقة العاملة ، فاننا نقصدها لذاتها بخصائصها المختلفة المعلومة.وهذا يستوجب ان يحدد المؤتمرالسادس النسبة المئوية المقدور على تنفيذها لتوسيع الحزب وسط الطبقة العاملة .وتلزم كل منطقة حزبية وفرع حزب بتحديد ما يستطيع تنفيذه من هذه النسبة .ونقصد هنا المناطق ذات الكثافة العمالية من الجنسين وكذلك فروع الحزب فى المناطق الصناعية والاحياء التى اصبحت تضم ورشا صناعية للحدادة والنجارة وغيرها وبين سائقى الحافلات والشاحنات وغيرها من الناقلات من العاملين فيها بأجر.
نركز على العمال الزراعيين المهرة فى مناطق الانتاج المختلفة من العاملين فى التراكترات والحاصدات والدراست وآليات القلع والقطع والعاملين فى ورش اصلاحها ..الخ مستفيدين من تجربة الحزب الشيوعى فى جنوب افريقيا الذى قرر مضاعفة عضويته بين المؤتمرين ففعلها .
الحركة النقابية:
ينطلق الشيوعيون من طبيعة الحركة النقابية باعتبارها تنظيما ديمقراطى النشأة والتكوين. تأسس ونشأ على النضال المطلبى المرتبط بحقوق العاملين فى الاجر المتساوى للعمل المتساوى، تحسين مستوى بيئة العمل. الصحة المهنية وحرية التنظيم، تزامناً مع الحفاظ على المكاسب التى تحققت. والمطالبة بالحريات السياسية،حرية التنظيم والتعبير واحترام وتقدير كرامة الانسان، والدفاع عن القضايا الوطنية القومية العادلة المرتبطة بالاقتصاد والاجتماع والسياسة الداخلية والخارجية، فهى تؤدى دورها النقابى والتوعوى فى مجالات الصراع العنيف و هى احدى اليات العاملين فى ادارة وممارسة الصراع الطبقى ضد ممارسات الراسمالية الطفيلية القمعية والاستغلالية والدولة الديكتاتورية باعتبارها المخدم فى القطاع العام والمشترك.
استهدفت السلطة الحركة النقابية، ووجهت لها ضربات موجعة، انهكتها ولكنها لم تستطع ان تبعدها عن الصراع السياسى والنقابى الداخلى. وامام النقابيين الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين مهام وواجبات حقيقية لاسترداد الدور الحيوى للحركة النقابية التى كانت رقماً ورمحاً وقلماً وضابطا ومنظما لحركة العمل والانتاج المتطور ولاداء العاملين والمشاركة فى مجالس الانتاج فى المصانع والمؤسسات (فى القطاعين العام والخاص). ولان الانظمة الشمولية،وحليفتها الراسمالية غير الوطنية تعى تماماً ما معنى ان تنظم العمال فى نقابات حرة،مستقلة وديمقراطية وفق ارادتهم .
تلجأ السلطة لكبت الحريات ومصادرتها استناداً على قوانين جائرة، وتبدأ بحل النقابات، تشريد واعتقال واغتيال كوادرها لتدجينها بكل الوسائل التعسفية والقمعية ، أو تاسيس حركة نقابية،بطرق ملتوية تلبى متطلباتها وتدور فى فلكها. ولجأت حكومة الانقاذ للتزوير والترهيب والترغيب حتى فى قفل وبيع المصانع والمؤسسات الرابحة. الموقف الحالى للحركة النقابية السودانية. يتطلب المبادرة المستندة على خطط وبرامج لاستعادة الوضع الطبيعى للحركة النقابية السودانية. ونبدأ من المكاتب المتخصصة فى العمل النقابى فى المركز والمناطق. ثم المسؤولين النقابيين فى القطاعات المهنية والعمالية والحزب لا تنقصه التجربة او الخبرة النقابية، أوالكادر المؤهل لقيادة هذه المبادرة.ولدينا رصيدغنى بالعمل التحالفى والتنسيقى فى الحركة النقابية مع الديمقراطيين والمستقلين،والنقابيين فى الاحزاب السياسية المعارضة للنظام الحاكم. كما ان قضايا التركيز واضحة ومحاور الصراع مع السلطة الحاكمة هى :-
1/ القوانين واللوائح النقابية .
2/ قوانين العمل فى القطاعين الخاص والعام .
3/ قوانين الصحة المهنية .
4/ قوانين التدريب المهنى ورفع المستويات .
وكلها قوانين ولوائح تكبل الحركة النقابية،ولا تتيح لها حرية التنظيم، والاستقلال. وتبعدها عن مواقع المشاركة والمساهمة فى القضايا الوطنية والقومية الا بتوجيه من السلطة وتحت قيادتها. وابعدتها عملياً عن التنظيمات النقابية العالمية والاقليمية والمشاركة والمساهمة فى قضاياها الحيوية مثل :- التضامن النقابى، قضايا تلوث البيئة والتصحر البيئى، السلام العالمى،مخاطر تصنيع السلاح النووى.
ان تنشيط العمل وسط النقابات يتطلب استعادة نشاط فروع الحزب والتنظيمات الديمقراطية فى مجالات العمل لتسهم فى الاتى :-
1/ دراسة نقدية للقوانين واللوائح النقابية وقوانين العمل .
2/ تقديم كورسات نقابية، سياسية،اقتصادية للعاملين والنقابيين الجدد المرشحين للعمل النقابى .
3/ ترشيح الشباب من العاملين للانخراط فى العمل السياسى والنقابى .
4/ التركيز على مراكز التدريب المهنى .
النقابات الفئوية:
إن الحزب الشيوعى يقف من حيث المبدأ ومنذ نشأة الحركة النقابية مع التكوين النقابى الفئوى، موظفين،عمال، معلمين، مهنيين. هذه هى التنظيمات التى يعرفها النقابيون السودانيون وخبروها تجربة وممارسة عملية،واختارها النقابيون وفق ارادتهم الحرة، ويمكن لهم وبارادتهم الحرة ايضاً ان ينشأوا مجالس للتنسيق فيما بينها بعد تكوينها فى المرفق او الورشة الواحدة .
نقابة المنشأة:
يقف الحزب الشيوعى مبدئياً ضد نقابة المنشأة. ولكن نقابات المنشأة القائمة والموجودة عملياً والمعترف بها قانوناً رغم رايه فيها، يدعو الحزب للعمل من داخلها، لا مقاطعتها. لا يقاطع الشيوعيون العمل النقابى مهما كان رأيهم فى القانون الذى يحكم نشاطه وتحت كل الظروف السياسية ، الديكتاتورية والديمقراطية. فالشيوعيون اذا قاطعوا المشاركة فى الحركة النقابية فهذا يعنى انعزالهم عن القواعد النقابية وابتعادهم عن مواقع الصراع الطبقى، والسياسى، الاقتصادى والاجتماعى. وبذلك لايستطيعوا ان يغيروا من شأنها . اما اذا عملوا من داخلها فانهم يعملوا مع قواعدها، يستنهضونها، ينشروا الوعي وسطها ويحرضوها ويصلوا معها تدريجياً الى مواقف مصادمة دفاعاً عن مطالبها وحريتها وديمقراطيتها واستقلالها. بذلك يستطيعوا ان يوسعوا من حلقات التضامن النقابى داخل وخارج النقابات وتحديداً مع المهنين فى مجالات العمل الاخرى. وايضاً يستطيعوا ان يغيروا توازن القوى لمصلحة اصدار قانون النقابات الفئوية ومواجهة ما حدث من تخريب فى الحركة النقابية السودانية، والوقوف بثبات الى جانب النقابة الفئوية فى البنيان النقابى،وايضاً فى ذات الوقت الرفض المبدئى لنقابة المنشأة، دون الانعزال عن المشاركة فيها ، والعمل من داخلها و لارساء قواعد العمل النقابى وعقد الجمعيات العمومية، اصدار النشرات النقابية، التحضير القاعدى الواسع للمعارك النقابية مهما صغرت، وتفعيل النشاط ضد نقابة المنشأة وسط الكليات الانتخابية. ثم المحاسبة فى نهاية كل دورة نقابية على خطابى الدورة والميزانية لانتزاع حق العمل بقانون نقابات ديمقراطى .
وقد ناضل النقابيون الشيوعيون مع الاخرين، ضد قانون المنشأة لسنة 1992 حتى عدل لقانون 2001، ثم الى قانون 2010. ولازلنا فى الحزب نحرض على النضال ضد هذا القانون حتى يلغى قانون نقابة المنشأة ويصدر القانون النقابى الذى يعيد النقابات الفئوية وتكتسب حريتها وديمقراطيتها واستقلالها.
يشرع الان بعض المهنيين فى مجالات عملهم فى اقامة نقابتهم الفئوية، ولا يمكن ان نعترض على ارادتهم،بل معهم قولاً وفعلاً فى اقامة هذه النقابات الفئوية. وسنشترك معهم فى عملية بنائها، وفى انتزاع الاعتراف بها، وفى انتزاع التفاوض من اجل تحقيقها،ومن اجل تعزيز المقدرة على تحقيق مطالب الاعضاء والحشد لهذا المطلب حتى يفرض المهنيون الاعتراف بالنقابة الفئوية عملياً. وهذا لن يتم الا بمعرفة مستوى الرغبة،المزاج والارادة الجماعية للقواعد النقابية. وكل العاملين والمهنيين فى مجالات العمل وبمشاركة المهنيين والتنظيمات الديمقراطية ثم بعد ذلك نعمل على تقريب وجهات النظر بالحوار والنقاش النقابى المفتوح. مع النقابات والمجموعات الرافضة لنقابة المنشأة،وجعل المواقف التضامنية حقيقة ووسيلة للضغط المباشر لتحقيق مطلب العمل بقانون النقابات الفئوية الشرط الاساسى لنجاح انتزاع نقابة الفئة وتعبيرها عن ارادة جماعية للقواعد النقابية من غير ذلك ستظل هذه التنظيمات سياسية او مجموعات ضغط وليست تنظيمات نقابية. حتى يهزم قانون النقابات الحالى ويستبدل بقانون نقابى ديمقراطى.
الجبهة النقابية:
الجبهة النقابية تحالف إستراتيجي هام بين الشيوعيين والعمال الديمقراطيين. ويرتكز على برنامج عمل نقابي وسياسي، مرحلي وبعيد الأجل. وهو تحالف يؤطر لعلاقة الحزب الشيوعي بالطبقة العاملة السودانية وترقية هذه العلاقة وتجويدها.وقد أكد التقرير السياسي المقدم للمؤتمر الخامس أهمية بناء هذه الجبهة بقوله ” إحياء الجبهة النقابية، التحالف القاعدي بين العمال، لمعاودة تنظيم كتلة العمال الديمقراطيين والشيوعيين بما يرفع من أثر نضالهم، وذلك استناداً إلى تقييم التجربة السابقة، وإعادة النظر في البرنامج والاسم بعد التشاور الواسع مع العمال الديمقراطيين.”، ونؤكد هنا على هذا التوجه وعلى أهمية قيام هذه الجبهة في أماكن العمل. حتى نصل لمستوى جديد فى العمل النقابى، مستصحبين معنا تجربة الحزب فى هذا المجال. لاستعادة الوضع الطبيعى للحركة النقابية، نواصل المبادرة التى جبلنا عليها فى هذا الحقل بوضع الخطط والبرامج، نبدأ بترشيح الشباب من الجنسين للعمل فى هذا المجال، تقديم الكورسات وتأسيس المدارس النقابية الدائمة وليست الموسمية. كما على القطاعات المهنية والعمالية تقديم المرشحين للعمل فى المكاتب النقابية فى المناطق الحزبية. وعلى المثقفين والمهنين ايضاً لعب الدور المحورى فى هذه العملية بتقديم المحاضرات والندوات عن الصراع الطبقى ،والاستغلال الطبقى، واستخلاص فائض القيمة لرفع مستوى الوعى الطبقى للعاملين، لنحقق البناء الحقيقى وسط الطبقة العاملة وحركتها النضالية
التحالفات الديمقراطية وسط المهنيين
ان استعادة النشاط التحالف القاعدى بين الشيوعيين والديمقراطيين اصبح ضرورة موضوعية ملحة فى اقامة تنظيمات الجبهة الديمقراطية للمحاميين والمهندسيين ورابطة الاطباء الاشتراكيين ورابطة المعلمين الاشتراكيين والتنظيمات الديمقراطية الاخرى لكافة المهنيين والموظفيين ويتطلب ذلك اولا تقييم التجربة السابقة واعادة النظر فى البرنامج والاسم بعد التشاور الواسع بين الشيوعيين والديمقراطيين..
أندية العمال وجمعياتهم التعاونية والخيرية:
يدخل في مجال العمل وسط الطبقة العاملة العمل الثقافي والترفيهي والتعاوني والخيري.
1- لقد كان تأسيس أندية العمال سابقا لقيام الحركة النقابية، بل أن الهيئات النقابية الأولى نشأت في كنف الأندية العمالية كهيئة شؤون العمال بالسكة حديد. إن أندية العمال أساسا مكان للنشاط الثقافي والتعليمي (محو الأمية وتعلم اللغة الإنجليزية وتأسيس المكتبات حسب الإحتياج) ومجال الترفيه عن العمال وأسرهم وإقامة مناسباتهم، وهي مكان إلتقائهم خارج مكان العمل للأنس والمفاكرة، ولذا لا بد أن نعمل على استعادة دور أندية العمال وتطويرها وإثراء نشاطاتها، وإقامة أندية عمالية جديدة في مناطق سكنهم أو في المجمعات الصناعية مثل مجمعات مصانع السكر والأسمنت وأماكن إنتاج النفط وتكريره.
2- لعبت الجمعيات التعاونية سواء المستقلة عن النقابات مثل جمعية عمال الشحن والتفريغ ببورتسودان أو الجمعيات التي ساهمت في إنشائها النقابات دورا كبيرا في تخفيف الضائقة المعيشية على العاملين، وتوفير السلع الأساسية وبعض السلع المعمرة (عن طريق التقسيط). والواقع الحالي يتطلب إحياء تقاليد الحركة النقابية في مجال التعاون.
3- أن نهتم بتنظيم العمل الخيري للعمال لمساعدتهم في أفراحهم وأتراحهم، ليس ذلك بديلا عن التأمين الاجتماعي، ولكنه طريق لاحياء التضامن بين العاملين وتخفيف عبء الحياة عليهم.
إن الأندية العمالية والجمعيات التعاونية والخيرية إلى جانب ما تحققه للعمال في حياتهم من فوائد، فهي مدارس لتدريب العمال على الإدارة الذاتية لشؤونهم و لتولي مواقع في نقاباتهم وفي المجالس المحلية وفي العمل العام، وهي تزيد من أواصر وحدة الطبقة العاملة وتقوي روح العمل الجماعي وسطها.
الحزب الشيوعى والمزارعين:
لقد أهتم الحزب الشيوعي منذ العقد الأول لتأسيسه بتنظيم حركة المزارعين بإعتبار ان المزارعين والعمال يشكلون قاعدة التحالف الأساسية للجبهة الوطنية الديمقراطية، ونظرا للطبيعة الزراعية للإقتصاد السوداني فان الإصلاح الزراعي الديمقراطي هو أهم ركائز بنود البرنامج الوطني الديمقراطي. إهتم الحزب بتنظيم المزارعين في الزراعة المروية في الجزيرة والشمالية ودلتا طوكر والقاش والنيلين الأبيض والأزرق، وأهتم بتنظيم المزارعين في جبال النوبة وأنزار في الجنوب.
يناضل الحزب الشيوعى والمزارعون الديمقراطيون لخلق قاعدة مادية وتقنية لتنمية اقتصادية- اجتماعية وفق اسس وطنية ديمقراطية، وتحقيق فائض اقتصادى للتنمية والتوسع فى الانتاج و تطوير قوى الانتاج وزيادة الانتاجية والدفع نحو تحقيق برنامج الاصلاح الزراعى بمشاركة فاعلة وقناعة تامة من المزارعين ومنظماتهم وتطوير علاقات الانتاج وفق اسس وطنية ديمقراطية .
يصبح تنظيم المزارعين الآن في القطاعين المروي والتقليدي أكثر أهمية لما تعانيه الزراعة والمزارعون من مشاكل وذلك من خلال:
1- إيلاء الحزب والمناطق الحزبية ذات الخط التنظيمي الزراعي في الجزيرة وغيرها لقضية الأرض في السودان أهمية فائقة، حيث الهجمة الشرسة على الأرض من قبل نظام الإنقاذ والتصرف فيها بيعاً وإيجارً لفترات طويلة تصل لقرن من الزمان ،وبيع المشاريع الزراعية القائمة تحت دعاوى الاستثمار الواسع وطرد المزارعين منها أو تحويل الأراضي الزراعية إلى اراضي سكنية.
2- إلتصاق ودعم الحزب في المشاريع الزراعية بتحالفات المزارعين الواسعة والقائمة حالياً في بعض المشاريع، والعمل على تأسيسها في المناطق الأخرى، مع مراعاة الاختلاف والتنوع في أسلوب وعلاقات الإنتاج الزراعي في السودان والوعي العام وسط المزارعين.
3- أهمية تنظيمات تحالف المزارعين الديمقراطيين (وحدة المزارعين) والتي لا يشكل التحالف العريض للمزارعين بديلا عنها لأن لها دورها في طرح برنامج الإصلاح الزراعي الديمقراطي وسط المزارعين ، بديلاً لبرنامج وسياسات نظام الإنقاذ والسياسات الرأسمالية.
4- أن تولي المناطق والفروع الحزبية في مناطق الزراعة المطرية التقليدية والآلية المسألة الزراعية ومسألة تنظيم المزارعين أهمية قصوى في عملها، وابتكار أشكال الصلة معهم ومع تنظيماتهم.
5- تشديد النضال ضد قانون تنظيم اصحاب الانتاج الزراعى والحيوانى والذى الغى كليا تنظيم اتحاد المزارعين فى السودان .
عمل الحزب وسط النساء:
تشكل النساء من حيث النوع نصف المجتمع. ويعانى الحزب من ضعف نشاطه وضعف تنظيمه وسط النساء رغم انهن يشكلن قوى اجتماعية مؤثرة وفاعلة ،وأنهن قمن ويقمن بدور فعال في مقاومة الديكتاتورية. علينا مراجعة نقصهن العددى فى الحزب ونسبة تواجدهن فى المواقع القيادية للحزب مراعين ما استجد من نظام الكوتة النسائية التى شارك حزبنا فى تاسيسه،وتوضيح رؤيتنا حول قضية المراّة وقضايا المراّة السودانية على وجه الخصوص. كما علينا مراعاة المستجدات فى الساحة السياسية والاجتماعية المحلية والعالمية.
يعمل ويركز الحزب فى كل مستوياته على النضال مع المرأة لرفع قدراتها الكفاحية ضد الهجمة الشرسة على المرأة ومكتسباتها، التي تهدف للرجوع بالنساء لعهد الحريم من قبل السلفيين والنظام من جهة، وفي مواجهة حركة العولمة الرأسمالية التي تستلب المرأة الكرامة الإنسانية من جهة أخرى.
إن تجربة نضال النساء السودانيات ضد الديكتاتورية وإكتشافهن لأشكال جبهوية متعددة مثل التجمع النسوي الديمقراطي، وهو احد روافد التجمع الوطني الديمقراطي، الذي تكون بعد انقلاب 30 يونيو 1989 وضمت عضويته جميع الاحزاب السياسية والشخصيات الوطنية المعارضة ، ثم تم تمثيل النقابيات لاحقا. قام التجمع النسوي بالعديد من الانشطة في المستجدات المرتبطة بالقهر والعنف والغلاء والفصل التعسفي والاعتقالات والقوانين المقيدة للحريات او المهينة والضارة بالمرأة او الطفل . وقد شارك الحزب بمندوبة عنه اضافة الى مندوبتي الاتحاد النسائي والنقابات. وقد قام التجمع بتنظيم العديد من الانشطة الاحتجاجية والتضامنية مثال ذلك:
مواكب الغلاء .
موكب ومذكرة ضد التجنيد القسري لطلاب المدارس واستشهاد مئات من منسوبي معسكر العيلفون غرقا.
اصدار بيانات في كل المناسبات الوطنية الهامة .
المشاركة في ندوات المعارضة الجماهيرية المختلفة .
رغم أنه قد دبت الخلافات في التجمع متمثلة في انسحاب حزب الامة وتغيب البعض مما اثر سلبا على استمراريته إلا انه كان من الممكن ان يبقى كشكل سياسي تحالفي يعبر عن هموم المرأة والطفل.
هناك تجربة منبر النساء السياسيات ( سويب) والذي بدء العمل بمبادرة من وكالة الامم المتحدة للتنمية، وشاركت الزميلات فى هذا المنبر الذى راكم على عمل التجمع النسوى وفقا للمراحل التاريخبة المتعاقبة . توج المنبر بوضع الحد الادنى للاجندة النسوية الحزبية ( المنبر كان يضم نساء كل الاحزاب السياسية السودانية) وبدأ العمل بالتوافق على الضغط على طرفى اتفاق السلام الشامل للنص على التمييز الايجابى للنساء فى الدستور، وتضمين اتفاقية حقوق الطفل فى الدستور وقد تم ذلك. خاض المنبر معركة الكوتا داخل قانون الانتخابات بالمشاركة مع القوى النسوية المختلفة ، كما قاد المنبر كل العمل المتعلق بكيفية انفاذ الكوتا عبر كل الوسائل وفى كل المواقع داخل الاحزاب ووسط منظمات المجتمع المدني المختلفة، وكاد المنبر ان ينجح فى خوض الانتخابات بقائمة موحدة لولا تعنت بعض الاحزاب الا انها تجربة يمكن البناء عليها مستقبلا.
وهناك تجربة “لا لقهر النساء” وهي مبادرة أخرى لعمل جبهوي يضم النساء في صراعهن مع النظام.
إن التعدد في اشكال العمل الجبهوي النسائي لا يلغي دور العمل الحزبي وسط النساء، كما لا يلغي دور الاتحاد النسائي كتنظيم ديمقراطي مستقل له عضويته وبرنامجه ولوائحه وقيادته المستقلة. بل أن التركيز على طبيعة الاتحاد النسائي هذه تمثل جوهر وأساس حل الصراعات القائمة داخله واستعادة التنظيم حيويته كتنظيم ديمقراطى نسوى متنوع الانشطة تفرضه الاختلافات النوعية بين النساء في المستوى التعليمي والطبقي والوضع الجغرافي في المدن والريف. إن فتح وإتاحة فرص أوسع لعضوات الاتحاد من الديمقراطيات في قيادة التنظيم يساعد على صقل وإبراز قدراتهن وتأهيلهن كقائدات للمرأة والمجتمع، يساهم في توسيع عمل الاتحاد النسائى .
مهم ان نضع فى الاعتبار خلاصة ماتوصلنا اليه من تجارب فى الاتى :-
اولا :- الاتحاد النسائى بارثه ودوره التاريخى هو التنظيم الديمقراطى الذى يضم الديمقراطيات والشيوعيات من النساء ويسهم فى ترويج البرنامج الوطنى الديمقراطى وتنفيذه وسط النساء والمجتمع .
ثانيا :- فى عملنا وسط النساء نراعى خصوصية كل منطقة وواقع المرأة فيها عند تكوين الاتحاد النسائى بحيث يستوعب النشاطات المتنوعة والمتعددة وفق اهتمامات المرأة فى ذلك الواقع .
ثالثا:- لسنا ضد تنظيمات المجتمع المدنى ولايمنع الحزب المشاركة فيها ، ولكن امتلات الساحة بوجود تنظيمات مجتمع مدنى متنوعة ويمكن المشاركة فى نشاطها الا ان ذلك ليس بديلا للاتحاد النسائى (التحالف الاستراتيجى ) وسط النساء و نضع فى الاعتبار ان هنالك قوى اجنبية مختلفة تحاول ان تكون هذه التنظيمات بديلا للمنظمات التاريخية التى توسل بها شعب السودان لتحسين احواله المعيشية والخدمية مثل الجمعيات النسائية لربات البيوت،والجمعيات التعاونية،وحماية البيئة،الجمعيات الاستثمارية المختلفة ..الخ ومن داخلها نعمل لتصب فى تنفيذ البرنامج الوطنى الديمقراطى .
رابعا :- دخولنا فى تنظيم تجمع نساء الاحزاب ليس بديلا للاتحاد النسائى أو اى تنظيم نسوى اخر تبتدعه النساء اثناء النضال ، بل نعمل من داخله لتنفيذ البرنامج البديل الديمقراطى الذى توافق عليه النساء كأداة من ادوات توسيع الجبهة العريضة بين النساء لاسقاط النظام .
عملنا وسط النساء يتطلب ان نراعى الآتي:-
أ‌- التعامل مع قضايا النساء باعتبارها قضايا المجتمع .
ب‌- اتباع المناهج العلمية حزبيا في توجيه المبادرات والعمل الجبهوي .
ت‌- ضرورة التنسيق بين مختلف الهيئات الحزبية .
ث‌- الاستفادة من ظروف المد الديمقراطي للتوسع الحزبي وسط النساء .
ج‌- العمل على ايجاد وسائل للتنسيق بين الزميلات العاملات في منظمات المجتمع المدني بهدف زيادة فعالية وجودنا داخلها .
الحزب الشيوعي والطلاب:
تراجع عمل الشيوعيين والديمقراطيين وسط الطلاب، رغم الزيادة العددية لعدد المدارس والجامعات والمعاهد، ورغم التجارب الحزبية الغنية في العمل وسط الطلاب منذ نهاية أربعينات القرن الماضي. وهذه مسألة تحتاج لتوقف ودراسة من قبل المكتب المركزي للطلاب، ومن قبل لجان المناطق والمدن والفروع ، ومن قبل فروع الطلاب أنفسهم. صحيح أن الهجمة الواسعة على حركة الطلبة على طول الديكتاتوريات العسكرية الثلاثة وبالتحديد على مدى ربع قرن من الديكتاتورية الحالية، خلق صعوبات كثيرة أمام العمل الحزبي ككل وعلى العمل الحزبي وسط الطلاب. ولكن ذلك ليس كافيا لغياب تنظيمات الشيوعيين في المدارس الثانوية ومن قبل كان يوجد طلائع للطلاب الشيوعيين حتى في المدارس المتوسطة. لا توجد عصا سحرية للعودة للماضي أو حل مشاكل الحاضر سوى المثابرة والعمل الدؤوب للفروع والمناطق ومكتب الطلاب وفروع الطلبة، بوضعهم قضية بناء فروع الطلاب من المدارس الثانوية حتى الجامعات في أجندتهم واستدامة المتابعة.
لقد توصل الحزب الشيوعي منذ أكتوبر (آخر مؤتمر لرابطة الطلاب الشيوعيين في يناير 1965 قبل حلها في اكتوبر 1967) أن العمل في حركة الطلاب لابد أن يأخذ في الاعتبار طبيعة اهتمامات الطلاب المتعددة ، من اهتمامات اكاديمية وثقافية وفنية ورياضية الى جانب الاهتمام السياسي والاهتمام بالقضايا الوطنية. إن ذلك الاستنتاج ما زال صحيحا وما زال من المهم الاهتمام به ومحاولة بناء نشاط الشيوعيين والديمقراطيين وفقا له مستفيدين من تجاربهم المتعددة في بناء الطلائع في الثانويات ، كطلائع الهدهد والقندول والنخيل، وبناء الجمعيات الثقافية وجماعة المسرح الجامعي في الجامعات.
إن العمل الثقافي والفكري وسط الطلاب ضرورة لمناهضة الفكر الرجعي واليميني الذي تبثة السلطة والحركات الاسلامية، والنهوض به يتطلب تطوير وتأهيل كوادرنا في مجال العمل الثقافي والفكري.
الجبهة الديمقراطية للطلاب:
الجبهة الديمقراطية للطلاب أول أشكال التحالف الديمقراطي بين الشيوعيين والديمقراطيين، ورغم أنها تأسست في عام 1954 إلا أنها الإمتداد الديمقراطي لمؤتمر الطلبة وقد لعبت دورا هاما في تاريخ حركة الطلاب السودانيين والنضال الوطني من اجل الاستقلال والديمقراطية وتطوير التعليم العام والعالي في البلاد .
دور الحزب في المدارس الثانوية وغياب الجباه الديمقراطية وسط الطلاب نتج عنهما الخواء الفكري والثقافي وسط الطلاب ، بتأثير من المناهج المدرسية القائمة على التلقين والحفظ وتحجيم العقل الإبداعي،واحتكار حزب المؤتمر الوطني و السلفيين النشاط الطلابي في الثانويات.
يعمل الحزب على تلافي هذا النقص بالعمل وسط طلاب الثانويات في مجالات السكن وفي المدارس وبناء الجباه الديمقراطية، وإحياء دور المعلمين الاشتراكيين في إصلاح التعليم وبيئة المدرسة ومساعدة الطلاب لبناء وتأسيس التنظيمات الخاصة بهم .
مراجعة النشاط الحزبي بالجامعات وتصحيح علاقة فرع الحزب بالجبهة الديمقراطية الممثل لتحالف الطلاب الشيوعيين والديمقراطيين في الكليات، والجامعات مما يلزم استقلالية التنظيم الديمقراطي للجبهة واحترام برنامجه ودستوره المتوافق عليهما في مؤتمرات التنظيم العامة.
هناك ضرورة لتعاون الجباه الديمقراطية للطلاب مع تنظيمات أساتذة الجامعات الديمقراطيين داخل الجامعة، للإسهام معاً في تحسين الأوضاع الأكاديمية والاجتماعية والحياتية بالجامعة ، واستعادة حرية العمل النقابي والنشاط الفكري والثقافي ، واستقلالية الجامعات، وتحول ديمقراطي في أروقة الجامعات والمجتمع.
لا بد لنا في عملنا وسط الطلاب أن نراعي أسبقية قضايا ديمقراطية التعليم وتطوره كسبيل لحل مشاكل الطلاب وارتباط ذلك بالقضايا الوطنية العامة والنضال من أجل الديمقراطية والسلام والتنمية في البلاد. في نفس الوقت نهتم باهتمامات الطلاب الثقافية والاجتماعية مستفيدين من تجارب تاريخية للجبهة الديمقراطية للطلاب في انشاء الجمعيات الثقافية والمسرح الجامعي.
التحالف الديمقراطي في المدن والأحياء وقوى الريف:-
برزت فكرة التحالف الديمقراطي إبان معركة الانتخابات العامة في 1986م ، وهو الشكل الذي اتفق حوله الشيوعيون والديمقراطيون لقيادة النشاط في المعركة الانتخابية في الأحياء والقرى في إطار فرع الحزب والقوى الديمقراطية من حوله. واتخذ التحالف الديمقراطي اسمه من طبيعة المعركة الانتخابية ، وتعبيراً عن المهام الوطنية الديمقراطية المعلنة فى برنامج الحزب والبرنامج الانتخابي للمرشحين.
– طبيعة التحالف الديمقراطي ليس تنظيماً عمودياً له شكل هرمي صارم ويقتصر نشاطه على الحي أو القرية منطلقاً من دار الحزب أو دار التحالف الديمقراطي أن وجد، أو نادي الحي او القرية موقعاً لتجميع قوى التحالف وتنظيم العمل وتنفيذ برنامجه المبسط المتفق عليه، سياسي اجتماعي ثقافي، النابع من الواقع المحلي للمنطقة أو المدينة أو الحي أوالقرية.
– العامل الحاسم في نشاط التحالف الديمقراطي هو وجود فرع الحزب النشط والفعال المدرك جيداً لتعدد الانتماءات الطبقية والفئوية لأعضاء التحالف ،وطبيعة نشاطه العام وعدم الخلط بينه وبين لجان اتحاد الشباب السوداني أو لجان الاتحاد النسائي في المجال، والتي تتسم بطبيعة جماهيرية فئوية لها خصائصها وتاريخها
– لا بد لنا من التعاون مع الجباه الديمقراطية والتحالفات الديمقراطية وسط المهنيين واستيعاب خريجي الجبهات الديمقراطية بالتحالف الديمقراطي ، واعطاء أهمية توصيلهم بالأحياء والمدن والمناطق عقب تخرجهم .
الحزب وجماهير المناطق الأقل نموا (الهامش):
منذ الاستقلال والحزب الشيوعي يرفض ويناهض طريق التطور والتنمية الرأسمالية ، وتتبع خطى الاستعمار الانجليزي مكرساً التنمية غير المتوازنة والتهميش في البلاد. ودوران اقتصاد السودان في فلك النظام الرأسمالي والتبعية الاقتصادية. انتفضت قوى الريف المهمش وبرزت وسطها قيادات مدنية وقوى تحمل السلاح دفاعاً عن الحقوق في السلطة والثروة و التنمية والخدمات ومطالبه بالتعويض عما لحق أهلهم من مظالم تاريخية منذ الاستقلال.
– يواصل الحزب نشاطه وسط هذه المجموعات السكانية في مناطقها الأصلية، وفي الأحزمة الطرفية حول المدن وفي معسكرات النزوح ، وابتداع الأشكال المناسبة والمتنوعة لكسب ثقتهم واستيعاب الطلائع في الحزب،وفتح النقاش والحوار معهم لتحسين أوضاعهم الحالية الآنية والتفكير معها حول الحلول الدائمة ومستقبل الحياة في مناطقهم الأصلية،وإشاعة روح التسامح بين مختلف المكونات القبلية في المنطقة ورتق النسيج الاجتماعي الذي انفرط تحت سياسات وحروب نظام الإنقاذ.
– يولي الحزب وفروعه خاصة وسط الطلاب في الخارج والزملاء العاملين في مجالات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني عناية خاصة، وجهد أكبر لرص أكبر جبهة تضامن شعبية وعالمية مع سكان المناطق التي تجري فيها عمليات حربية، والنازحين منهم في أطراف المدن ومعسكرات النازحين.
– جذب طلائع هذه المجموعات نحو الحزب يثري برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، الذي لن يتحقق إلا عبر نهوض كامل ومتكامل للقوى الحديثة في المدن ومناطق الإنتاج الحديث، ونهوض قوى الريف التقليدي لتغيير المجتمع. إن تلاحم القوى الديمقراطية في القطاع الحديث (في المدن والزراعة الحديثة) مع قوى الريف التقليدي الناهضة، يفتح الطريق لانجاز الثورة الوطنية الديمقراطية ويبقى من واجبنا العمل على انجاز ذلك التلاحم عبر العمل السياسي والمدني المشترك الذي يتطور لعمل جبهوي ذو برنامج وطني ديمقراطي .
الشباب:
إن الهدف الأساسي لعملنا وسط الشباب هو بناء حركة شبابية غنية المحتوى ، متعددة المنابر تعكس واقع التعدد والتنوع في السودان، وتفجر النهوض الاجتماعي لوطن ديمقراطي مزدهر ثقافياً وفنياً يسوده السلام والتسامح والتعايش وتبادل التجارب والزيارات والعمل المشترك بين شباب الوطن يستدعي إصلاح اتحاد الشباب السوداني تأسيساً على تلخيص تجارب الاتحاد وتقويمه ودراسة المتغيرات واستيعاب مناشط الشباب المتنوعة.
مثلما تاثرت الاغلبية العظمى من آبناء وبنات الشعب السودانى من التداول الديكتاتورى ،والاسلام السياسى المتسلط للسلطة لسنين طويلة، كان أيضا التاثير السياسى والثقافى والاجتماعى المباشر على نشاط الاحزاب والتنظيمات الديمقراطية . وهذا التسلط والتعسف والمطاردة اعاقت نمو وتواصل حركة الشباب الديمقراطية – وفرضت الديكتاتوريات تنظيمات شبابية اقتطعتها من جسمها، لتدعمها فى نشاطها التخريبى وسط الشباب الديمقراطى . تواترت موجات الأغتراب والهجرة وسط الشباب من الجنسين ،وماتبقى منهم انهكته دوامة الحياة القاسية وسادت ثقافة جديدة،ومفاهيم تدعو لليآس والاحباط وتوسعت حتى طالت الفنون الغنائية والمسرحية والتشكيلية والرياضة . وفى صراعها ضد نظام الانقاذ انتظمت حركة الشباب فى مجموعات متنوعة لها برامج وآساليب عمل متعددة، كسبت ونالت رضى الجماهير والاحزاب والحركات السياسية . وآثبتت مواقفها الشجاعة والجريئة بحسن تنظيمها ورسوخ قناعاتها بالنضال ضد نظام الانقاذ حتى آسقاطه، غير متراجعه جراء الارهاب والتعذيب والضرب وممارسة التعذيب النفسى داخل معتقلات النظام ومن خلال معاركها من آجل اسقاط نظام الانقاذ، تبين لنا استعداد بعض هذه المجموعات الشبابية للتنسيق مع الحزب فى قضايا العمل الديمقراطى والجماهيرى . وهذا الامر يستدعى ويستوجب تنسيق العمل معها على ضوء برنامج حد آدنى يشمل القضايا القومية النابعة من مستلزمات السلام والتحول الديمقراطى ، لتوسيع حركة الشباب الديمقراطى ليسهم فى اسقاط النظام .
ان تعامل الحزب الشيوعى مع اتحاد الشباب السودانى كتنظيم ديمقراطى مستقل له جذور تاريخية،تعامل يهتم بقضايا الشباب وحقوقه الديمقراطية والقانونية فى التنظيم والنشاط المتعدد الداعم للديمقراطية والسلام والتنمية .
ان اتحاد الشباب السودانى اليوم مواجه بمواصلة عمله على اسس سليمة و تلخيص تجاربه السابقة ، ودراسة خريطة المتغيرات فى واقع الشباب السودانى اليوم على المستوى الوطنى وتآسيس عمله على ضوئها . وهنالك ضرورة آيضاً لمواءمة نشاط اتحاد الشباب السودانى مع واقع بروز تنظيمات متعددة للشباب فى السودان اليوم، وهذا يستدعى تبادل التجارب والخبرات فى لقاءات مشتركة لتوحيد الجهود ليدعم حركة الجماهير المعارضة لاسقاط النظام . وكذلك مواصلة الجهد الفكرى لتلخيص اهم الدروس التى وقعت عليها فى العمل مع المنظمات الديمقراطية وفق برامجها ونظمها . على رأس هذه الدروس المرونة وتعدد المنابر والاشكال، والالتزام بالاسس الديمقراطية فى سائر آوجه العمل والإدراك العميق للإختلاف النوعي بين تنظيم ديمقراطي للشباب والتنظيم الحزبي، فنحن لا نريد استنساخ التنظيم الحزبي وسط الشباب. إنه دون هذا تقعد هذه المنظمات عن الايفاء بمتطلبات تكوينها كتحالفات نضالية توسع من دائرة نفوذ البرنامج الوطنى الديمقراطي وسط الشباب وإغنائه باهتمامتهم وما يلبي احتياجاتهم الثقافية والرياضة والاجتماعية. لا بد لنا أن نمسك بحزم بالاسس الديمقراطية فى الحياة الداخلية للحزب والتي تنص بوضوح على كيفية تعامل الحزب مع حركة الجماهير وتنظيماتها .
منظمات المجتمع المدنى:
خلال العقدين الاخيرين تصاعد نشاط ونفوذ عدد كبير من الجمعيات الطوعية ومنظمات المجتمع المدنى التى استكملت شروط ومقومات تكوينها وتسجيلها حتى تجاوز عددها الالف. وقد ارتبط الكثير منها باهداف ديمقراطية انسانية ومناشط متنوعة،وكان لها دور فعال فى استقطاب التضامن مع شعب السودان فى جبهة حقوق الانسان واستجلاب الدعم لمعسكرات النازحين،ورعاية المرأة والطفل،وانشاء مراكز البحث والثقافة والنشر …الخ.
اولى الحزب الشيوعى الجمعيات الطوعية ومنظمات المجتمع المدنى اهتماماً مستحقا هى جديرة به ، بدعم نشاطها فى حدود مهامها المعلنة ويسعى لان تتقيد بضوابط وعلى راس هذه الضوابط ترد الدساتير واللوائح التى تحدد الاهداف ومجالات النشاط واساليب العمل ووسائل التمويل ، وكيفية اختيار القيادات والتمسك بالديمقراطية والشفافية والمحاسبة فى سائر اوجه العمل. وقد تناولت اللجنة المركزية للحزب الموضوع فى (دورة اغسطس 2001 ص 14-15 ) باعتبارها (ظاهرة عالمية متعددة الاهداف، مراكزها ومصادر تمويلها غرب اوروبا والولايات المتحدة وكندا ..) مازال المجتمع السودانى يحتاج لخدماتها ومساعداتها شريطة ان تصل مباشرة للمحتاجين اليها،أو الشرائح المستهدفة دون سماسرة ووسطاء ومنتفعين، وشبهات الفساد والسياحة والاسترواح. ولعل فى هذه المحاذير مايفسر الصراعات الشخصية والمناقشات العبثية التى تتناقلها المجالس، وتنحدر احيانا الى درجة المقاضاة فى المحاكم، كانما التجربة الوليدة لم يكفها تشوها واعاقة ما لحق بها من ممارسات حزب الجبهة الاسلامية الحاكم وسلطته السياسية التى أنشأت مئات الجمعيات والمنظمات الطوعية – اسماً – واعفتها من الرسوم والضرائب والجمارك،وانعمت عليها (بالايلولة) وملكتها بعض مؤسسات القطاع العام المخصخصة وغير ذلك مما كشفه وزير المالية الاسبق، الدكتور عبد الوهاب عثمان، من بين عوامل تدهور الايرادات. وفى عام 2003 اصدر الحزب بياناً داخلياً اورد فيه مايلى … وبما ان هذه الجمعيات والمنظمات قد ارتبطت باهداف انسانية وديمقراطية تلبى احتياجات ماسة للمجتمع السودانى يصبح لزاماً عليها ان تتقيد بضوابط ذاتية تسمو باهدافها،وتحمى سمعتها من التجريح .. ومن تلك الضوابط : –
1/ ان تسجل كجمعية طوعية لاداء نشاط طوعى لايشترط المكافأة أو العائد المادى فى صيغة اجور ومرتبات او حوافز.
2/ ان تمتنع عن التسجيل كاسم تجارى أو شخصية اعتبارية وهمية، وان تلتزم بكافة اجراءات التسجيل حتى الاشهار.
3/ ان تظل عضويتها مفتوحة لكل راغب فى المشاركة وفق اهدافها ونظمها، وان تعقد جمعياتها العمومية الدورية وتجرى انتخاباتها وتعلن نتيجتها فى الصحف أو اى وسيلة اعلامية اخرى – هذا تقليد راسخ فى مؤسسات النشاط الاهلى فى المجتمع السودانى: الاندية، الهيئات الخيرية،اتحادات الطلاب،…الخ.
4/ ان تنشر ميزانيتها وتوضح اى دعم مالى أو عينى تتلقاه من الداخل او الخارج وان تخضع ميزانيتها وحساباتها لمراجعة قانونية يتولاها، مقابل اجر زهيد، مكتب مراجعة قانونى ناشط فى الجمعيات الطوعية أو منظمات المجتمع المدنى أو تحت اشراف اتحاد المراجعين القانونين بوصفه احد منظمات المجتمع المدنى.
5/ ان تعلن التزامها بتقاليد النشاط الاهلى الطوعى، ذى الجذور الضاربة عميقاً فى نسيج المجتمع السودانى، والذى شيّد صروح تنظيماته ومؤسساته الاهلية بالجهد الذاتى وتبرعات المجتمع الذى اقتنع بجدوى تلك المؤسسات.
فاستناداً الى تجربة الجمعيات الطوعية فى الاعوام الماضية،والى جانب مراعاة الاسس والقواعد الديمقراطية فى كافة مؤسسات المجتمع المدنى،لابد من مراعاة الدروس والاستنتاجات التالية :
لايزال العديد من الجمعيات الطوعية ومنظمات المجتمع المدنى، لحداثة التكوين والتجربة فى حيز النخبة والصفوة واحياناً (الشلة) وعليها ان تجتاز تحديات الالتصاق الحميم ببسطاء الناس الذين نشأت اصلاً لخدمتهم.
ضرورة الوضوح الفكرى حول ان المنظمات الطوعية ليست بديلاً عن التنظيمات السياسية والنقابية والتعاونية والشبابية والنسائية. فالمنظمات الانسانية لها اهدافها وجبهات عملها المحددة.
ضرورة (اقلمة) التدريب الذى توفره بعض هذه المنظمات وفق احتياجات السودان وظروفه مما يقتضى التركيز على قضايا ملموسة فى الواقع السودانى مثل تقنين وممارسة الحقوق الدستورية،وتنظيم العمل التعاونى ديمقراطياً ..الخ.
تفادى جمع المعلومات عن الاحزاب السياسية فى الاستبيانات وورش العمل التى تنظمها بعض هذه الجمعيات والمنظمات. فالمعلومات المتعلقة بعدد العضوية ومصادر التمويل وماشابه ذلك لاغبار عليها فى النظم الديمقراطية الراسخة. اما فى العالم الثالث حيث يسود عدم الاستقرار وقفز العسكر لسدة الحكم مثل هذه المعلومات قد تستغل فى توجيه ضربات قاسية للحركة السياسية.
فى الختام،من المهم الحفاظ على استقلال هذه المنظمات الطوعية وحرية نشاطها لذلك نرى انه لابد من :-
التكوين القومى لمفوضية العون الانسانى بدلاً من الاّحادية التى فرضتها سلطة الانقاذ الشمولية منفردة وبصورة اّحادية لخدمة مؤسساتها. لتحقيق ذلك لجأت المفوضية الحالية بوضع عراقيل عديدة فى وجهة الجمعيات والمنظمات الطوعية ومراقبة نشاطها والحد منه بواسطة الاجهزة الامنية.
اِجراء تعديلات أساسية فى القانون الذى صدر من المجلس الوطنى عام 2006 المتعلق بالمنظمات الطوعية بحيث اصبح تشريعاً داعماً لهذه المنظمات بتسهيل اجراءات التسجيل وكفالة حق النشاط المستقل عن الدولة فى كافة ارجاء الوطن وينبغى ان يدرج هذا الحق،بنصوص واضحة وقاطعة فى دستور البلاد.
اضافة لكل ذلك ان عصرنا يرفض الفكر ذو الطابع التلقينى الذى يحد من التفكير المستقل ويحد من تعلم تحمل المسؤولية من بداية المعرفة فالانسان يتعلم من داخل المسؤولية وليس من خارجها . ولهذا يدعو حزبناً للتفكير الجماعى وعددّ ألياته وأدواته ومن ضمنها ان القرارات تتخذ داخل المؤسسات بالارادة الجماعية ولايتخذها فرد كما ورد فى الدستور . ان صياغة نظرية او مفهوم للفكر التنظيمى خاص بحزبنا واجب طرحته المناقشة العامة للتجديد وفق متغيرات العصر والتقدم التكنلوجى الذى تزداد وتائره اليوم تلو الاخر، لان فى كثير من الاحيان نجد ان اسبقيات الحزب ليست اسبقيات منظمات المجتمع المدنى،وايضاً مناهج العمل واسلوب معالجة القضايا المحلية والقومية. طبيعى ان يكون للمساهمين الاجانب والداعمين لبعض منظمات المجتمع المدنى اهداف واغراض محددة تلبيها وتحققها المنظمات ذات التوجه والتخصص المحدد، وفق المناهج التى يحددها الداعمين. ومن المهم أن تكون تلك الأهداف لا تتناقض مع مصالح الوطن ووحدته وسلامة أراضيه.
الحزب ومنظمات المجتمع المدنى والتنظيمات الديمقراطية:
1- المجتمع السودانى والبشرية اجمع فى حاجة ماسة للمنظمات التى ابتدعتها فى خضم النضال لسد الحاجة الموضوعية لتحسين الحياة ، ودرء مخاطر نظام ونمط انتاج راسمالى ديدنه الاساسى هو تحقيق الارباح الخاصة وتمجيد الملكية الفردية وعلاقات السوق كأفضل اشكال التفاعل الفردى الاجتماعى . اسفر النظام الراسمالى عن آفات اجتماعية واقتصادية اعتداءا على الطبيعة والبيئة والمجتمع ، وتهديد الحياة على الارض ،وصناعة الحروب وتنافسا على النفوذ ، والمواد الاولية والايدى الرخيصة ، وعلى الاسواق ونهب موارد وخيرات الشعوب الضعيفة، واغراقها بالديون لاستغلالها ، وزرع فقر مدقع ومهانة الجهل والمرض . ونتج عنها تنمية غير متوازنة على المستوى العالمى والقومى وفقر مستدام احدثه نمط الانتاج الراسمالى ،وماتبع ذلك من تشرد وفساد واحباط فى الحياة وتغذية العنصرية والتعصب القومى والعرقى فى ظل اليأس والسخط والمستقبل القاتم للشباب تحت خطر البطالة ومعاناة الاذى والحرمان من جرائها تحت علاقات انتاج غير ديمقراطية وخدمات تخضع لنظام السوق وتقدم للمقتدر على دفع نفقاتها ورضاء الغالبية العظمى بالمستويات المتدنية من الخدمات العامة والموت قهرا تحت العجز بايفاء تكلفة العلاج ونقصه وحرمان الابناء من التعليم وتوفير مياه شرب نقية … الخ
2- بالطبع لم تبتدع الانظمة الراسمالية منظمات المجتمع المدنى بل هى نتاج لها برزت لسد الحاجة المجتمعية لصيانة حياة ملايين البشر من الهلاك جراء اسلوب نمط الانتاج الراسمالى .
3- لن ينتفى دور منظمات المجتمع تحت كل الانظمة الاجتماعية بما فى ذلك النظام الاشتراكى بحكم دورها كألية مجتمعية للمتابعة والمراقبة وصنع الحياة ودق ناقوس الخطر ان دعا اعتداء على مكونات الحياة او تعكير صفوها حيث تكون المنظمات اكثر فعالية وتمثل اداة ديمقراطية مجتمعية تسهم فى ادارة الحياة .
4- الحزب لايعزل العضوية عن المشاركة فى منظمات المجتمع المدنى التى تبتدعها الجماهير للاصلاح وصيانة الحياة والتضامن والتكافل ،الا انه يدعو للالتزام بما ورد من ضوابط ولوازم العمل فى المنظمات والتفريق بينها والمنظمات المنشاة من قبل مؤسسات ومراكز النظام الراسمالى العالمى بغية تخريب وتصفية النضال الثورى وتغيير المجتمع .
– النظام الراسمالى يستخدم جزءً يسيراً للغاية من الفائض الاقتصادى الذى يتحقق عبر الاستغلال ونهب خيرات وموارد الشعوب الضعيفة وتوظيفها لاغراء الشباب الثورى فى بلدان العالم النامى لخدمة مراميه بتفريغ شحنة ثورة التغيير الجذرى الكامنة فى صدور الشباب والمجتمعات واغراءا بالدعم المالى واللوجستى اللامحدود وفتح فرص التدريب بالخارج وتحويلهم الى اصلاحيين فى اطار النظام الراسمالى وانسنته – حسب زعمه – بديلا عن النضال الثورى من اجل التغيير الجذرى للنظام وبناء الاشتراكية .
– فى اطار الصراع العالمى الدائر بعد انهيار الانموذج الاشتراكى السوفيتى وبروز امكانية بناء امبراطورية امريكية تهيمن على العالم وموارده روجت الراسمالية العالمية لابدية النظام الراسمالى وتسويغه كافضل نظام اجتماعى بشرى لتطوير الحياة والمجتمع فالاشتراكية حسب زعمهم وهم باطل والافضل توجيه النضال من اجل تحسينات ممكنة التحقق فى النظام الراسمالى فمن المرجح ان تؤدى التحسينات مع مرور الوقت الى نظام امثل فى اطار نمط الانتاج الراسمالى والملكية الفردية وتخليصه بمدافعة البشر ومنظمات المجتمع المدنى وتوظيف العلوم عما يشوبه من وحشية وتدمير البيئة والطبيعة والتوجه نحو مجتمع اكثر انسانية مماهو كائن الان وهو امر لايتحقق فى اطار علاقات الانتاج الراسمالية القائمة على الاستغلال .
– النظام الراسمالى يسعى لتحقيق مراده فى تجفيف الحركة الثورية وتصفية الاحزاب الشيوعية والعمالية التى تناضل من اجل تغيير جذرى وهدم نمط الانتاج الراسمالى وبناء الاشتراكية . كما يوظف التنظيمات الملحقة بمخططاته لاختراق وزرع الخلاف بغرض اضعاف وتفكيك او احتواء التحالفات المعارضة للانظمة التى تدور فى فلكه وحصارها فى الزاوية التى تخدم مصالحه .
– اداة النظام الراسمالى لتحقيق مخططه هى سحب الشابات والشباب الثورى الملتزم فى الاحزاب الشيوعية والعمالية واستقطابهم بشتى السبل للنشاط الاصلاحى بهدف تفريغ الاحزاب الثورية والمنظمات الديمقراطية الملتحق بها من الكوادر الشابة والعضوية الجديدة وحرمان القوى الثورية من تجديد الدماء والاستمرار ومواصلة اجيال الثوريين وهو امر لايتحقق لان الراسمالية تنتج من يقبرها بالضرورة.
– بعض منظمات المجتمع المدنى تستغلها الدول الراسمالية والامبريالية العالمية كوسيلة جديدة واكثر امانا من التجسس المباشر عن طريق عملاء فى المجتمع المعين او السفارات وهذه طريقة غير مباشرة لضخ وجمع المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن طريق الشباب .
– يعنى الشيوعيون وهيئات الحزب ببناء التنظيمات الديمقراطية ( تحالفات الشيوعيين والديمقراطيين ) فى مجالات السكن والعمل والدراسة فهى المواعين الثورية التى لامناص منها فى العمل المشترك والنضال من اجل تغيير المجتمع وانجاز مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وبناء الاشتراكية .
نخلص الى ان منظمات المجتمع المدنى ليست بديلا عن التنظيمات الديمقراطية فالكادر والعضوية العاملة فى داخل منظمات المجتمع المدنى تلتزم بطرح خط الحزب ودفع العمل نحوه ديمقراطيا فى المجال الاجتماعى المتخصص فيه التنظيم مع الالتزام بالضوابط المطروحة اعلاه .ولايتعارض وجود العضو فى منظمة المجتمع المدنى ومواصلة نشاطه فى التنظيم الديمقراطى وبقائه .
– يحدد الحزب عبر سمنار تشارك فيه العضوية العاملة فى منظمات المجتمع المدنى العلاقة التنظيمية وشكل العلاقة بين الناشطين من العضوية والحزب .
– يعمل العضو الناشط فى المنظمات على جذب الطلائع النشطة والمبادرة للانخرط فى العمل الثورى فى الحزب والمنظمات الديمقراطية مع احتفاظه بعضوية المنظمة ومواصلة نشاطه داخلها .
5- نلحظ ان منظمات المجتمع المدنى تؤسس فى الغالب على مستوى المدن او المراكز عكس التنظيمات الديمقراطية التى تؤسس حول فرع او هئية حزبية وو سط جماهير المجال وتبنى قضاياها والارتقاء بمعارفها السياسية والاجتماعية والثقافية ودفعها للاسهام فى تغيير المجتمع واستكمال مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وبناء الاشتراكية .
6- محاصرة اختراق المنظمات المشبوهة للحزب وعضويته لاتحقق عبر اجراءات التنظيمية والادارية فحسب بل الترياق الواقى هو رفع القدرات والوعى السياسى والتنظيمى والفكرى وسط العضوية مما يضفى اليقظة وكشف نشاط المنظمات المخربة مبكرا .
الحركة التعاونية
التخريب السياسى،الاقتصادى، الاجتماعى والثقافى الذى مارسته الانقاذ، طال كل مناحى الحياة، ووسط العاملين وفى مجالات عملهم وفى الاحياء السكنية. لم تنج الحركة التعاونية من ذلك التخريب وتلاشت، ولكن لم تتلاش الفكرة والمضمون والاهداف وايضاً لم تنتف اهميتها وضرورتها. فالناس فى اشد الحاجة اليها الان ، فى زمن تدنت فيه مستويات المعيشة،وارتفعت فيها اسعار السلع الضرورية، واستجداء العلاج والتعليم وانتشار الفساد والسعى وراء الربح السريع مع غياب الرقابة، وارتفاع الضرائب. فى هذا الواقع السلبى لايجدى معه التراجع عن موروثات الشعب وابداعاته ذات القيم النبيلة من اجل العيش الكريم ومحاربة الجشع و الفساد. لذلك ندعو ونعمل من اجل استعادة الحركة التعاونية لمواقعها وممارسة دورها التضامنى والانسانى من اجل ان تعيش وتنتصر.
اولاً: الضرورة والاهمية:-
1/ توفير السلع والخدمات الضرورية .
2/ توفير فرص العمالة للعاطلين .
3/ تسهم فى دعم الانتاج القومى .
4/ تسهم فى رفع الوعى وتخلق ترابط اجتماعى .
5 ̸ تسهم فى ارساء قيم الادارة الديمقراطية فى قواعد المجتمع .
ثانياً: لماذا تراجعت الجمعيات:-
1/ حل سلطة الانقاذ للجمعيات والاتحادات التعاونية وتعيين لجان تسيير من خارجها .
2/ سياسة الخصخصة وتحرير الاسعار .
3/ الغاء الدعم والاعفاء الضريبى للجمعيات .
4/ عدم عقد جمعيات عمومية لاجراء المحاسبة وتكوين مجالس ادارات للجمعيات .
ثالثاً: كيفية احياء النشاط التعاونى. بها ثلاث محاور
1/ المحور التشريعى :-
أ/ الغاء كافة القوانين والتشريعات الحالية .
ب/ اشراك التعاونيين فى وضع قانون ديمقراطى مستمد من المبادئ الاساسية للحركة التعاونية .
ج/ فتح مجال للمساهمين الجدد وتكوين جمعيات تعاونية .
2/ اعادة التكوين والتنظيم :-
الاستفادة من الارث التعاونى السابق فى اعادة تكوين وتنظيم الجمعيات التعاونية .
3/ العمل التعبوى والدعائى :-
لابد للمثقفين والملتزمين بالفكر التعاونى عقد ندوات وسمنارات للتوعية باهمية وضرورة قيام الجمعيات التعاونية ونشر فكر ومبادئ الحركة التعاونية ونظمها واثرها الاجتماعى والاقتصادى واضعين فى الاعتبار كل مجالات التعاون التى ناضل الشعب السودانى لقيامها لتخفف من معاناته .وهى ليست قاصرة على الجمعيات الاستهلاكية ، فهنالك العديد من الجمعيات التى تعمل فى الاستثمار مثل مصانع القمح فى حلفا الجديدة ، والناقلات والبصات ، وجمعيات الحصاد للدارسات والتراكترات ومطاحن الدقيق فى قوز كبرو ومصانع النسيج فى الجزيرة، وغيرها .
الفصل الرابع
تكتيكات الحزب الشيوعي: قضايا وتجارب الديمقراطية ما زالت مفتاحاً للحل
يوضح نضال شعب السودان خلال ما يقارب ربع القرن ضد ديكتاتورية نظام 30 يونيو الطفيلي الاسلامي، أن الديمقراطية ما زالت هي الحل الذي يفتح الطريق أمام شعبنا للسلام والتنمية المستدامة.
1- تطوير الحزب الشيوعي السوداني لموقفه من الديمقراطية تم بصبر ومن خلال استخلاص تجربة شعبنا وشعوب حركة التحرر الوطني والتجارب الاشتراكية .
2- ثورات الربيع العربي تؤكد ما توصل له حزبنا .
3- التفاف الجماهير والاحزاب السودانية حول البديل الديمقراطي يوضح سلامة خطنا السياسي
4- الديمقراطية، إلى جانب أنها ضرورة وغاية في حد ذاتها لصيانة حقوق الانسان السوداني وخياراته، فهي أيضا تفتح الطريق للسلام،وللمؤتمر القومي السوداني الذي يناقش مشاكل البلاد ، وبالتالي تفتح الطريق السلمي على مصراعيه لتطور الثورة السودانية.
أوسع جبهة لاستعادة الديمقراطية وترسيخ السلام والاصلاح الاقتصادي والتنمية:
لقد توصل الحزب الشيوعي إلى أن استعادة الديمقراطية لا تتم إلا بجبهة واسعة تمثل كل طبقات وفئات الشعب السوداني، وبالتالي تضم تلك الجبهة أوسع عدد ممكن من الأحزاب ومنظمات الشعب التي يكونها مهما أختلفت برامجها المستقبلية، ومن خلال العمل الجماهيرى الذي يتصاعد إلى إنتفاضة شعبية عارمة. وقد أكدت اللجنة المركزية ذلك في دورتها في يونيو 2010 عندما قالت:
“إننا نعمل على وحدة وتوسيع تحالف قوى المعارضة الساعية لإسقاط النظام، وذلك عبر العمل الجماهيري المتعدد الأشكال وبعيداً عن الاتجاهات اليمينية الساعية للمصالحة مع النظام واستمرار التفاوض معه ،والذي لا يفضي إلا إلى المزيد من مد عمر النظام ، وأيضاً بعيداً عن الاتجاهات اليسارية المعزولة … إننا بوضوح نسعى لأوسع تحالف للقوى الوطنية المعارضة للنظام والتي تسعى لإسقاطه .”
ولكن التوصل لهذا الاستنتاج لايعني ان الجبهة الواسعة تلغي الصراع السياسي أوالآيديولوجي أو الطبقي، فالجبهة الواسعة هي تحالف يتم وفقا للشروط التالية:
– يقوم التحالف على قواعد راسخة معلومة لأطرافه والتعامل بثقة متبادلة وندية لا تمييز لطرف على الآخر.
– يقوم التحالف على احترام الاستقلال التنظيمي والفكري والسياسي لكل الأطراف المشاركة في التحالف وحق كل طرف مواصلة نشاطه المستقل في منبره الحزبي والفكري.
– مناديب الأحزاب في التحالف يحملون مواقف الحزب وهيئاتهم القيادية حول القضايا المطروحة ولا يتخذون قرارا دون الرجوع لهيئاتهم القائدة.
– يصيغ أطراف التحالف البرامج وخطط العمل بحرية تامة وبصياغة جيدة غير ملتبسة وأن يصدروا القرارات والمواقف بإجماع الأطراف.
– لا يجوز لأي طرف التحدث باسم التحالف أو اتخاذ قرار من وراء ظهر الحليف أو الحلفاء الآخرين.
– التعامل بشفافية مع الحق لكل طرف في التحالف نقد الطرف الحليف في حالة خرقه للميثاق أو البرنامج أو قرار متفق عليه أو الإتيان بفعل يضر بالتحالف، مما ينقي الأجواء بين الحلفاء.
– الجبهة الواسعة يجب ان تكون جبهة للنضال اليومي بين الجماهير ويتم ذلك عن طريق تنزيل قرارات التحالف للقواعد الحزبية لأطراف التحالف ودفعها لبناء التحالفات في القاعدة حتى لا يبقي التحالف تحالفاً فوقياً على مستوى القيادة وفقدان الفعالية وسط الجماهير.
– الجبهة العريضة يجب ان تمتد لتشمل كل القوى السياسية والاجتماعية في البلاد بما في ذلك التي تحمل السلاح.
ظل الحزب الشيوعي يسعى لبناء هذا التحالف منذ استيلاء الجبهة الاسلامية للحكم في يونيو 1989 ولعل من المفيد التعرض لتجربتي التحالف: التجمع الوطني الديمقراطي وتحالف قوى الاجماع الوطني وكذلك التعرض لتقييم محاولة نقل التحالف إلى انتخابات معركة اللجان الشعبية في مثالي منطقة الخرطوموعطبرة .
التجمع الوطني الديمقراطي و تحالف قوى الإجماع:
 نطرح تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، وتجربة تحالف قوى الإجماع، في التقرير السياسي المقدم للمؤتمر السادس، لا بهدف الدخول في مناقشات مطولة حول تفاصيل التجربتين من نشاط في مختلف جبهات العمل المختلفة، وإنما بهدف ربط مناقشة تقييم التجربتين بالمناقشات حول تاكتيكات الحزب. فما قام به التجمع أو تحالف قوى الإجماع، سواء سلبا أو إيجابا، وما مرت به التجربتان من صعود وهبوط، معروف للجميع. ولكن تظل قضية تاكتيكات الحزب مسألة أساسية في تقييم عملنا الحزبي، وتحتاج لشحذ العقل الجمعي للحزب.
 مسيرة النشاط في التجربتين طرحت قضايا مختلفة ومتشعبة، لابد من معالجتها بالدراسة المتأنية والمناقشات العميقة، في كل مجموع الحزب، بدءا من فروعه وهيئاته المختلفة حتى اللجنة المركزية. فهكذا يمكن أن يتوصل الحزب إلى التقييم الحقيقي لمسيرة التجربتين ودور حزبنا في هذه المسيرة، دون حصر المناقشة وإبتسار التقييم في سلبيات وإيجابيات الأداء، وإنما بفتح حوار داخل الحزب حول التاكتيكات، مع الأخذ في الإعتبار أن قيام التجربتين فرضتهما ظروف البلاد، وأنهما لا يمثلان تحالفا استراتيجيا بالنسبة للحزب، على الرغم من أن مواثيقهما وبرامجهما لا تتناقض مع خط الحزب.
 ظللنا نكرر بإستمرار إن مواثيق التجمع والتحالف، ليست حكرا للأحزاب والقيادات سواء في داخل أو خارج التنظيمين. وهذه المواثيق تتطور وترتقى كلما أخضعت إلى نقاش واسع من كافة القطاعات، تساهم في صياغتها الكوادر المؤهلة والمتخصصة في مجالاتها غض النظر عن انتماءاتها السياسية مادامت تؤمن بصيغة التحالف الجبهوي. وكلما كان نقاش المواثيق أوسع وأعمق وسط الجماهير، كلما تمسكت هذه الجماهير بحمايتها والدفاع عنها ضد محاولات التنصل والالتفاف.
 في كل تحالف واسع مستند إلى ميثاق حد أدنى، يصعب استقرار هذا التحالف وترجمة نواياه وتوجهاته إلى نشاط ملموس وفعًال دون برنامج عمل تسهم كل أطراف التحالف في صياغته والالتزام بتنفيذه، ثم مراجعته وتطويره عند كل منعطف. لذلك ظللنا نردد أنه لا يمكن أن نتوقع استقرار قيادة تنفيذية فاعلة للتجمع أو التحالف قبل الاتفاق على برنامج عمل مرن ومتحرك ومتجاوب مع متغيرات الوضع السياسي ومتطلبات حركة الجماهير وحالات الصعود والهبوط في نشاط المعارضة.
التجمع الوطني الديمقراطي (1989 – 2009):
* صيغة التجمع هي نتاج محصلة التناقضات الملازمة للممارسة السياسية السودانية منذ الاستقلال والتي تتجسد في أشكال عدة أبرزها ما عرف في الأدب السياسي السوداني بالحلقة الشريرة. هذه التناقضات تتقاطع هنا وهناك مع دور كل مكون من المكونات الثلاثة للتجمع في مسار التطور السياسي والاجتماعي للسودان. ونقصد بالمكونات الثلاثة: المؤسسة الحزبية والمؤسسة النقابية والمؤسسة العسكرية.
* التجمع تحالف واسع فضفاض، يحكمه ميثاق ومقررات تشكل برنامج حد أدنى وخطوطاً عامة توحدت حولها تكتيكات قوى المعارضة. وفي هذا الصدد نلاحظ:
أولاً: الحد الأدنى المتفق حوله ليس ثابتا. فمنذ صياغة ميثاق التجمع في أكتوبر 1989 صعد هذا الحد درجات ودرجات وصولاً إلى مقررات اسمرا 1995 ، والتي، بما قدمته من تفاصيل، تشكل حداً أعلى من الميثاق الموقع عليه في 1989.
ثانياً: كل فصيل في التجمع، حسب طبيعته الاجتماعية، يمكن أن يكون لديه تفسيره المستقل لمواثيق ومقررات التجمع، ولكن هنالك عدد من الثوابت المضمنة في هذه المواثيق والمقررات شكلت دافعا لبقاء واستمرار التجمع.
ثالثاً: مواثيق التجمع وبرامج عمله لا تنسخ المواقف المستقلة أو التكتيكات المستقلة لأي طرف من أطرافه، كما لا تلغى صراع هذه الأطراف مع بعضها البعض. لكن الموقف السليم أن يبدأ كل طرف من حيث توحد مع الأطراف الأخرى في الميثاق والتجمع، ويدعم هذا التوحد بقوة، ويعمل على أن لا تكون تكتيكاته الخاصة به كحزب موازية لتكتيكات المعارضة في التجمع أو بديلاً عنها. ولاشك أن التجمع عانى كثيرا من حالة الاضطراب الناتجة عن تضارب التوجهات والتكتيكات بين أطرافه المختلفة مما أدى إلى تعطيل أو شل النشاط، وهذه واحدة من مصاعب التحالفات الواسعة في السودان. و لقد تجلت حالة الاضطراب هذه في عدد من الظواهر منها: مطالبة البعض بإعادة النظر في الميثاق وتعديله، وتمسك البعض بمواقفه لدرجة تجعل وجوده في التجمع شكلياً أو يعلن تجميد عضويته فيه، وتأخر توحد النشاط العسكري للتجمع في الخارج لفترة طويلة…الخ.
رابعاً: نشاط التجمع هو امتداد للنشاط الحزبي ونشاط الحركة السياسية السودانية بإيجابياتها وسلبياتها المعروفة. ولعل من أبرز السلبيات التي صاحبت بدايات عملنا في التجمع أن كل الأطراف، أحزابا ونقابات، انطلقت عقب 30 يونيو من تقديرات ذاتية مريحة فحواها أن السلطة الجديدة لا تملك مقومات البقاء، وأن الجماهير جاهزة للانتفاض، وأن المسألة مسألة وقت..! ومن ثم أسقط التجمع واجب إقناع وكسب الجماهير في ظروف سياسية جديدة اتسمت بتساؤل هذه الجماهير عن ما هو البديل، وهل ننتفض لنعود مرة أخرى إلى المربع الأول، مربع الأزمة ؟
خامساً: في مواجهة الاتجاهات الداعية لعدم انضمام احزاب اخرى للتجمع، طرحنا أن التجمع ليس حكرا على مجموعة من القوى السياسية، بل العكس تماماً، فهو بحكم صيغته وطبيعته يجب أن يكون مفتوحا لاستيعاب كل القوى المعارضة وذلك وفق مواثيقه الأساسية، ولكن وفق معايير تحقق إشراك القوى ذات النشاط الملموس والوجود الحقيقي في الشارع السياسي السوداني، لا أن يكون إشراكها مجرد أداة لدعم هذا الطرف أو ذاك من أطراف التجمع.
* لازم تكوين التجمع الوطنى الديمقراطى بعض السلبيات التى حدت من نشاطه ومستوى ادائه النضالى فقد استصحبت تركيبة التجمع الوطنى الديمقراطى تجربتي اكتوبر 1964 وانتفاضة مارس – ابريل 1985 واتخذت صيغة الاضلاع الثلاث،الاحزاب والنقابات والقوات المسلحة دون امتثال للواقع الجديد الذى طرأ بانقلاب الانقاذ يونيو 1989 من تصفية وتشريد للكوادر النقابية والعناصر الوطنية والديمقراطية فى الخدمة المدنية والعسكرية واستبدالهم بعناصر منتسبة وموالية للنظام مما اجبر التجمع الوطنى الديمقراطى لاستكمال اضلاعه الاستعانة بكوادر نقابية مشردة خارج الخدمة بعيدة عن قواعدها وبقادة عسكريين مسرحين من منظومة القوات المسلحة واضفاء اسم النقابات الشرعية والقيادة الشرعية للقوات المسلحة افتعالا.
من الطبيعى ان يكون مركز قيادة التجمع الوطنى الديمقراطى فى الداخل مع الجماهير وحيث الجماهير في البداية لم تكن هناك معضلة حيث أعتبر الخارج فرعا للداخل وتشكلت ” لجنة تنسيق عمل فروع الخارج”، لكن سرعان ما تغيير الوضع وطرح قضية هل القيادة فى الداخل ام الخارج ، حيث اعتبر البعض إن عدم وجود تجمع فعًال في الداخل في بداية التسعينات يبرر الحديث عن أن القيادة هي الخارج، في حين تمسك آخرون، ونحن منهم، بأن القيادة تكون في موقع الشعب السوداني، أي في الداخل.
* بعد اجتماع هيئة القيادة في مارس 2000 والذي شهد خلافا واضحا حول قضية الحل السياسي وقراءة المستجدات في الساحة السودانية وحولها، بين حزب الأمة من جانب وبقية فصائل التجمع من جانب آخر، طرح حزب الأمة مرة أخرى قضية العلاقة ما بين الداخل والخارج مشيرا بأن القيادة في الداخل!. الا ان الموقف التبريرى الرسمي الذي ظلت تتمسك به كل أطراف التجمع الأخرى بالخارج هو التكامل ما بين الداخل والخارج. فالتجمع في الداخل والخارج كيان واحد، ولا يمكن الحديث عن وجود تضاد بين الداخل والخارج أو أن الداخل سيتولى ملف الحل السياسي وحده دون التنسيق مع الخارج. كما دعموا تبريرهم الخاطى أنه من الصعوبة تجاهل الدور القيادي الذي ظلت تضطلع به هيئة القيادة منذ مؤتمر القضايا المصيرية. من ناحية أخرى لا بد أن نضع في البال أن عددا من الفصائل غير موجودة في الداخل، أو موجودة بتمثيل أقل من تمثيلها في الخارج. وامعانا فى التبرير طرحوا سؤالا عن المقصود بالداخل هل هو الخرطوم فقط ؟ فالعديد من فصائل التجمع تعمل بنشاط، بل وتسيطر على مواقع عديدة في مختلف بقاع السودان. بالنسبة للنقابات: كيف يمثل هذا الضلع في الخارج؟ هذا السؤال طرح منذ أول وهلة، وهو لاشك سؤال حقيقي ويعبر عن معضلة حقيقية، لكنه أيضا طرح من زاوية أخرى تتساءل عن علاقة هذا الضلع بالسياسة! وهذه قطعا زاوية ضيقة لا ترى أهمية الضلع النقابي في العمل الوطني، وذلك من حيث دور النقابات في تنظيم الجماهير، في التنمية، في معارك الحقوق والحريات الديمقراطية، وفي الوحدة الوطنية حيث النقابات من أكثر التنظيمات التي تضم المواطنين على اختلاف أعراقهم ودياناتهم ..الخ.
* وفي البدء جرت محاولات لتكوين كيانات نقابية في الخارج، لكن هذه المحاولات واجهها سؤال، معضلة، أساسي: هل يمكن أصلاً تشكيل نقابات في الخارج؟ وكيف؟. بالطبع النقابة مرتبطة بالمنشأة، بالعاملين، بالمخدم…الخ. ومن ناحية أخرى لم يكن واردا آنذاك تشكيل فروع في الخارج للنقابات الأم في الداخل. ومن ثم ظهرت أفكار من نوع تشكيل تنظيمات للنقابيين في الخارج، أو تكوين مكاتب مفوضة من الداخل لتمثيل نقابات بعينها. بالنسبة للعمال أصلاً كان هنالك مكتب في القاهرة مفوض لتمثيل قيادة اتحاد العمال الشرعي في الداخل، وقد مكن هذا الوضع من إيجاد صيغة “مخارجة ” لتمثيل النقابات في مؤتمر القضايا المصيرية ( مناديب العمال + مندوب المهنيين). عموما هذا الواقع شكل ناتجاً سلبيا حيث قلل من تأثير الضلع النقابي في أداء التجمع بالخارج. صحيح أن الوضع بعد فترة أصبح أكثر استقرارا بعد انتظام العمل النقابي المعارض في الداخل وتحديده لممثليه المفوضين في الخارج، وفى ظل وجود العديد من الكوادر النقابية في الخارج التي تتمسك بمبدأ الديمقراطية النقابية وترفض عن حق أي محاولات للتدخل الحزبي.
* بالنسبة للقوات المسلحة: كان الافتراض أن هذا الضلع يمثله في الخارج القيادة الشرعية “. وفى الحقيقة لا يمكن تجاهل الأثر الإيجابي الكبير لوجود القائد العام الراحل الفريق فتحي احمد علي وسائر ضباط القوات المسلحة في صفوف التجمع بالخارج. لكن من الواضح أن بعض أطراف التجمع لم تكن تعترف أصلاً بوجود دور لهذا الضلع، وإذا اعترفت به، فلم تكن تقبل بالقيادة الشرعية ممثلاً له في التجمع. وقد وضح هذا جليا عندما لاحت فرص العمل العسكري الملموس إذ هرع كل فصيل لتأسيس وجوده العسكري المستقل بعيدا عن “القيادة الشرعية ” ومحاولاً استباق الآخرين في ضم ضباط القوات المسلحة الذين جاءوا لتقديم أنفسهم لخدمة التجمع. ثم هنالك الإنشقاقات التي حدثت في” القيادة الشرعية وما أحدثته من ردود أفعال وسطها، واخيرا تحولها إلى ما أشبه بالتنظيم المستقل مثله مثل أي تنظيم آخر في التجمع. عموما من الناحية العملية تم تجاوز هذه المسألة مع تقدم العمل وتطوره في التجمع، خاصة بعد توحيد القوات العسكرية للتجمع تحت قيادة موحدة. لكن لم يكن المقصود بهذا الضلع وجود جناح عسكري للتجمع، وإنما وجود المؤسسة العسكرية باعتبار دورها المعروف في المعادلة السياسية في السودان منذ الاستقلال. وعندما نقول القوات المسلحة فنحن نقصد القوات النظامية كافة.
* لاشك أن التجمع استفاد من المناخ الملائم في الخارج لإدارة حوار واسع حول قضايا بناء الدولة السودانية، حيث تم التوصل إلى نقاط اتفاق واسعة ضمنت في مواثيق ومقررات التجمع. ولعل أكبر إنجاز كان عقد مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في 30 يونيو 1995 والذي نجح في تقديم التجمع كبديل مقنع لطغمة الجبهة الإسلامية أمام شعبنا والرأي العام العالمي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مؤتمر أسمرا شكل قمة أو مرحلة متقدمة في سلسلة عمليات تواصلت منذ توقيع ميثاق التجمع في الداخل في أكتوبر 1989 ثم في اجتماعات أديس أبابا في يوليو 1990 ومارس 1991، واجتماعات لندن في يناير وفبراير 1992، وإعلان القاهرة في 1992، وإعلان نيروبي في أبريل 1993. وعلى الرغم من هذه المسيرة الطويلة نسبيا، وإن كان الطول مبرراً بحسب تركيبة التجمع، لصياغة المواثيق، فإن عددا من القضايا التفصيلية ظلت بدون حسم، وفى مقدمتها كيفية تنفيذ المشروع الانتقالي. ومعروف أن هذه ليست بالعملية الفنية أو التطبيقية لمشروع نظري متفق حوله، وإنما هي قضية سياسية ساخنة، وقضية صراع سياسي بالأساس، كانت بالنسبة لبعض الفصائل مدخلا لمراجعة وإعادة النظر في العديد من بنود مواثيق التجمع التي لا تتفق ورؤاها الايدولوجية السياسية، والتي لم تعترض عليها حتى توازنت القوى داخل التجمع الوطنى الديمقراطى فى ذاك الحين حيث اجيزت المواثيق او الموافقة فى اطار عقد صفقات للقبول بامر لايتفق ومبادئه مقابل نيل منصب حساس ومؤثر داخل هيئة قيادة التجمع الوطنى الديمقراطى كحالة حزب الامة القومى وقبوله مبدأ فصل الدين عن السياسة مقابل تولى السيد مبارك الفاضل امانة التجمع وقد لعب بالفعل من موقعه دورا مؤثرا فى عرقلة تنفيذ القرارات التى لاتتفق ومصالح حزبه فما كان ممكنا كمثال التوافق مع حزب الامة القومى والاتحادى الديمقراطى صاحبى برنامج الصحوة الاسلامية والدستور الاسلامى حول مبدأ فصل الدين عن السياسة والحزبان قائمان على الولاء الطائفى والدينى . مواثيق التحالفات تبنى على برنامج حد ادنى متوافق عليه عن قناعة كاملة وراسخة من اطراف التحالف لانكوص عنها او تراجع مع احتفاظ كل طرف فى التحالف بحقه للدعوة لبرنامجه الخاص المستقل متجاوزا الحد الادنى للتحالف دون نكوص عنه .
* على الرغم من الاتفاق على الهيكلة القيادية للتجمع بعد مؤتمر أسمرا 1995، إلاً أن الأمر بدا وكأن كل اجتماع للهيئات القائدة منعزل عن الاجتماع السابق أو اللاحق له. لذلك ظلت هناك قرارات تلو قرارات دون ترجمتها إلى أفعال ملموسة. ولعل هذا من الأسباب الرئيسية لسريان حالة الجمود والركود في التجمع، وتفشى حالة الإحباط وسط الجماهير وهى ترى توقعاتها العالية الممتلئة بالأمل عقب قرارات أسمرا التاريخية، تتكسر على صخرة عدم الفاعلية التنفيذية لأداء التجمع.
* لفترة طويلة افتقد التجمع التفاعل المؤسسي السريع مع الأحداث وساد عدم التناغم في الخطى بين إيقاع الأحداث وإيقاع أداء التجمع وردة فعله المناسبة، مع استمرار الممارسات التي تجد مكاناً أرحب خارج الإطار المؤسسي للتجمع بدعوى بطء حركة أجهزة التجمع، علما بأن تسريع خطوات التجمع تعتمد على رغبة وإرادة وأداء فصائله المكونة. بعض الفصائل اتخذ من هذا الواقع ذريعة للعزف خارج زمن إيقاع التجمع بينما الحقيقة أن موقفه وتقديراته السياسية أصبحت غير منسجمة مع موقف وتقديرات التجمع، فسعى لتمرير خطه الذي يتناقض مع الخط السياسي المتفق عليه، وكان لابد من حدوث درجة من الصدام. وهكذا نشأ في التجمع وضع جديد عقب لقاءات حزب الأمة مع أركان نظام الإنقاذ، في جنيف (مايو 1999) وجيبوتي (نوفمبر 2000) وما ترتب على ذلك من تجميد حزب الأمة لنشاطه في التجمع للمرة الثانية منذ تأسيس التجمع، الأولى كانت عقب إعلان القاهرة (1992).
تحالف قوي الاجماع (2009 – ….):
* بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005م، وما تلاها من إتفاقيات، خاصة إتفاقية القاهرة بين التجمع الوطني الديمقراطي ونظام الانقاذ، نشأ واقع جديد في البلاد تمثل في بدء النشاط العلني للأحزاب، وظهور العديد من المنابر الجماهيرية، مثل: منبر دارفور، التضامن النقابي، تحالف مزارعي الجزيرة، لجنة المفصولين للصالح العام، لجان تنظيم مظاهرات السكر…الخ. وفي مقابل هذا الزخم في النشاط السياسي والجماهيري، إنحسر دور التجمع الوطني الديمقراطي ودخل مرحلة الإحتضار، رغم العديد من المحاولات التي بذلت لإعادة نفخ الروح فيه، خاصة وقد كانت أمامه مهمة متابعة تنفيذ إتفاق القاهرة. وفي النهاية، باءت كل تلك المحاولات بالفشل ليتقلص دور التجمع ويقتصر فقط على نشاط الهيئة البرلمانية لنواب التجمع في المجلس التشريعي الانتقالي.
* قبل أن يتسع ويتمدد النشاط السياسي والجماهيري في تلك الفترة، إستجمع نظام الإنقاذ أنفاسه، وبدأ يشن هجوما على مكتسبات تلك الإتفاقيات، خاصة في جبهة الحريات. ناقشنا ذلك الوضع متناولين عددا من المقترحات للتعامل معه، إلى أن تبلور إقتراح بدعوة القوى السياسية لإجتماع يناقش كيفية التصدي لهجمة النظام على الحريات ومستحقات التحول الديمقراطي. ومن هنا جاءت دعوة الحزب الشيوعي للقوي السياسية للإجتماع في أغسطس 2007م للتفاكر حول مالآت ذلك الوضع، وحول تنكر المؤتمر الوطني للإتفاقيات. وبعد عدة إجتماعات، شاركت فيها كل القوى السياسية خارج النظام، تم الاتفاق على تأسيس الهيئة السودانية للدفاع عن الحريات، كمنبر جديد يمارس نشاطه بالتنسيق مع المنابر الموجودة أصلا، مثل منبر دارفور، التضامن النقابي، تحالف مزارعي الجزيرة، لجنة المفصولين للصالح العام، لجان تنظيم مظاهرات السكر…الخ.
* مع تزايد وتيرة التطورات في الحالة السياسية في البلاد، بدأ المنبر يناقش قضايا سياسية أوسع من قضايا الحريات. وفي فترة لاحقة، وبعد تكوين لجنة الانتخابات في الحزب، بدأت اللجنة إجراء اتصالات مع القوى السياسية للتنسيق حول بدء إجراءات الانتخابات العامة في البلاد. وقد تلاحظ أن مناديب القوى السياسية في اجتماعات التنسيق للإنتخابات هم نفس المناديب في هيئة الدفاع عن الحريات. وكان هذا الوضع داعما للقرار الذي اتخذته الهيئة بدمج نشاط لجنة الانتخابات فيها.
* هكذا، تدريجيا تحولت هيئة الدفاع عن الحريات إلى منبر يناقش كل تفاصيل الوضع السياسي في البلاد. هذا الوضع دفع بمناقشات داخل الأحزاب، بما فيها حزبنا، حول هل الأفضل تعدد المنابر الموجودة آنذاك أم دمجها في مركز معارض واحد؟. وكانت الإجابة أن توصلت القوي السياسية الي ضرورة خلق مركز للعمل المعارض، ينسق جهود المعارضة في إدارة قضايا العمل السياسي، مستفيدة من تجربة التجمع الوطني الديمقراطي دون أن تكون الخطوة الجديدة تكرارا لها.
* رغم أن وجهة نظرنا كانت الاكتفاء بالاتفاق على برنامج عمل للنشاط المعارض، دون الدخول في صياغة مواثيق جديدة، إلا أن القوى السياسية الأخرى رأت ضرورة صياغة ميثاق جديد، وفي نفس الوقت وافقت على رؤيتنا حول عدم خلق أي هيكل معقد لتنظيم النشاط والاكتفاء بهيئة عامة تنسق العمل. وبالفعل، تم الاتفاق على ميثاق تناول قضايا التحول الديمقراطي بما في ذلك العمل المشترك للتحضير للإنتخابات العامة، قضية دارفور، وحدة السودان، رفض هيمنة المؤتمر الوطني على أجهزة الدولة، قضايا المفصولين، الوضع الاقتصادي وقضايا المعيشة، قضية أبيي والمشورة الشعبية في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، قضايا المتضررين من قيام السدود، تنفيذ الاتفاقات الموقعة. وتم التوقيع علي هذا الميثاق في كرنفال سياسي في اكتوبر 2008م من قبل رؤساء الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني (22 حزب و5 منظمات). وهكذا، تطور منبر الدفاع عن الحريات ليتأسس “تحالف قوى المعارضة”. وفي فترة لاحقة، ورغم وجودها في السلطة، إنضمت حركة تحرير السودان (جناح مناوي) إلى التحالف، ولذلك تغير الاسم إلى “تحالف القوى السياسية”. وبعد مؤتمر جوبا، 2009، وإنضمام الحركة الشعبية إلى التحالف، تغير الإسم مرة أخرى ليصبح “تحالف قوى الإجماع الوطني”.
* تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، القت بظلالها على بدايات تأسيس التحالف. من ناحيتنا، ظللنا لفترة طويلة نتمسك بضرورة العمل التنسيقي المرن بين القوى السياسية وعدم خلق تنظيم جديد قبل حسم مسألة وجود التجمع. ومن جانبه، سعى حزب الأمة، والذي كان خارج التجمع منذ اتفاقه مع النظام في جيبوتي، لتكوين تحالف القوى الوطنية، لكنا رفضنا ذلك وتبعنا في الرفض المؤتمر الشعبي والاتحادي الديمقراطي. وبالمثل، تنادت أحزاب المؤتمر السوداني وأحزاب القومية العربية وحق واتحاد القوى، والتي كانت علاقتها متعثرة مع التجمع الوطني الديمقراطي، تنادت لتأسيس تنظيم بإسم “تضامن القوي الديمقراطية”، لكن التجربة لم تر النور.
* هيئة الدفاع عن الحريات، كانت أول تجربة لعمل مشترك مع المؤتمر الشعبي بعد إنقلاب يونيو 89. تلك التجربة أثارت إعتراضات واسعة في قواعد الحزب والتي أيضا كان بعضها، خاصة وسط الطلاب، يطالب بخروج الحزب من البرلمان.
* الحركة الشعبية لم تشارك في التأسيس، إلا أنها لم تكن بعيدة عن نشاط التحالف، وذلك من خلال مشاركتها في عدد من الاجتماعات، وكذلك التنسيق مع بعض قيادات التحالف. ورغم إنضمامها إلي التحالف، بعد مؤتمر جوبا، إلا أن مساهمتها في نشاطه ظلت شبه معدومة.
* كل القوى السياسية في تلك الفترة كانت مشغولة بإعادة تنظيم أوضاعها الداخلية.
* من أميز إيجابيات تجربة التحالف، خلق مركز للمعارضة مستقر ومستمر حتى الآن، يسير دولاب العمل السياسي اليومي المعارض، ويشكل منصة تنطلق منها القوى السياسية الأخرى لتغيير النظام. كذلك، ساهم التحالف في مواصلة الحوار الواسع بين أطرافه حول قضايا الأزمة السودانية، وحول الخلافات بينها، وتوافق هذه الأطراف على عدد من القواسم المشتركة في مواجهة مشروع النظام، كما إستطاع تعميم تفاصيل قضايا الأزمة وسط قطاعات جماهيرية واسعة. أيضا، شكل التحالف منبرا للتعامل الموحد مع المجتمع الدولي.
* لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، شابت التجربة الكثير من السلبيات وأوجه القصور، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو على مستوى الحراك العملي، مما قلل كثيرا من قدرة التحالف الإلهامية ومن قوته الدافعة للحراك الجماهيري. من هذه السلبيات وأوجه القصور: أ- ضعف القدرة التنفيذية للتحالف، والتخلف عن إستعمال الطرائق الحديثة في العمل. ب- الفشل في توفير موارد مالية ومادية لتمويل نشاط التحالف، 4 أحزاب فقط تساهم في تغذية مالية التحالف، وهي: الشيوعي، البعث السوداني، الأمة والشعبي. ج- فشل التحالف في خلق هياكل قاعدية، وذلك نتيجة لضعف العمل القاعدي لمكونات التحالف. د- فشله في صياغة برامج عمل متنوعة، وإعتماده فقط على الندوات التي معظم حضورها من كوادر وعضوية الأحزاب. هـ- عدم القدرة على كسر الحصار ومقاومة التعتيم الإعلامي المنظم والمفروض عليه من قبل النظام…الخ. و- لم ينجح التحالف في إجتذاب مجموعات الشباب والمثقفين غير المنتمين حزبيا حوله، وعلاقاته ضعيفة بالمنابر السياسية والثقافية الأخرى.
* صحيح أن ممارسات النظام القمعية، من إعتقال وإرهاب وإختراق وحصار إعلامي..الخ، لعبت دورا في بروز هذه السلبيات، لكن أيضا هنالك عوامل ذاتية شكلت أساسا لأوجه القصور هذه، منها: أ- ضعف قواعد ونفوذ معظم مكونات التحالف. ب- المنظمات النقابية والفئوية المنضوية للتحالف، كلها عبارة عن قيادات بدون قواعد. ج- تجاوز فكرة التنسيق، والإصرار على الشكل التنظيمي الهرمي للتحالف، كما في الأحزاب، أفقده القدرة على العمل الفعال. د- مؤخرا، تفجر الخلافات داخل التحالف حول الهيكلة وتاكتيكات العمل المختلفة.
تجربة إنتخابات 2010:
كان رأي الحزب الاستعداد المبكر للمعركة الانتخابية بإعتبارها أحد معارك التحول الديمقراطي، وأنها تأتي استجابة لإتفاقية نيفاشا ولاتفاقية القاهرة، لهذا شهدت الفترة الإنتقالية توضيح لمواقف الحزب من الإحصاء السكاني، ومن ضرورة أن يسبق إجراء الإنتخابات ملاءمة القوانين السائدة مع الدستور بالإلغاء أو التعديل حتى تتوافق القوانين مع الدستور خاصة تلك المتعلقة بالحريات السياسية وحقوق الإنسان . وأن يسبق السلام في دارفور حيث يوجد 4 مليون من النازحين واللاجئين وضرورة مشاركتهم في العملية الانتخابية. وتناول الحزب الشيوعي قانون الانتخابات وتكوين المفوضية بالنقد. وسعى لتوحيد قوى المعارضة في موقفها من الانتخابات، وأعلن استعداده للتنسيق على الأرض وفي كل دائرة مع القوى السياسية الأخرى، بهدف اسقاط مرشحي المؤتمر الوطنى وانجاح المرشح الأوفر حظا مهما يكن حزبه.
التقويم وفق الاهداف:-
حددت ل.م فى عام 2006 وفق الخطاب الصادر عنها فى اكتوبر من نفس العام اهداف المعركة الانتخابية فى النقاط الاتية :-
هزيمة مرشحي المؤتمرالوطنى ورموز النظام .
فوز أكبر عدد من المرشحين الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين.
استنهاض أوسع قوى جماهيرية من مختلف القطاعات.
بناء الحزب.
بناء التحالفات الثابتة مع القوى الديمقراطية.
بناء التحالفات السياسية مع القوى المعارضة على أساس برنامج حد أدنى قوامه: – تحقيق التحول الديمقراطي،ترسيخ السلام، التنمية المتوازنة،الحفاظ على وحدة الوطن، محاربة الفساد والمفسدين، ومحاسبة كل من أرتكب جريمة في حق الوطن والمواطنين ، وتخفيف اعباء المعيشة على المواطنين .
(1) الى اى مدى تم تحقيق الاهداف التى اشارت اليها ل.م كأهدف اساسية لخوض المعركة الانتخابية ؟
المعركة الانتخابية التي خضناها أحدثت حراكا جماهيريا واسعا مكن الأحزاب بما فيها حزبنا من مخاطبة جماهيرها وإعادة تنظيمها ومخاطبتها بمختلف الوسائل (الندوات الجماهيرية – الندوات المغلقة – المسيرات في حملات تدشين العملية الانتخابية دعائيا – الملصقات الخ )وهذا مكن من العمل الجماعي والتعارف مع مختلف القوي السياسية وخاصة في مراحل التسجيل والطعون في جميع مستوياتها.
* وفق ما جاء في تقارير المناطق فقد تمكنا من توصيل خطوط الحزب السياسية حسب قدراتنا التنفيذية المتواضعة الي مساحات جغرافية واسعة في المدينة والريف، والي إعداد كبيرة من المواطنين ظلت لفترة طويلة بعيدة عن الحزب وغير ملمة برايه السياسي . كما تمكنت مناطق الحزب جميعها التي أسهمت في العملية الانتخابية من صياغة برامجها الولائية وإيصالها للسكان في مواقع مختلفة . وكذلك توصيل برنامج الحزب الانتخابي العام .
* اكتسب العديد من أعضاء الحزب خبرة كبيرة خصوصا الذين لم يشهدوا انتخابات سابقة ، نتيجة التدريب النظري والعملي في كيفية إدارة العمليات الانتخابية، والتعرف علي كل فنون وأشكال التزوير الممنهج التي مارستها سلطة الإنقاذ تحت عين وبصر المفوضية القومية للانتخابات ولجان الانتخابات العليا في الولايات .
* خضنا عملا مشتركا واسعا من خلال لجنة الانتخابات المركزية واللجان في المناطق الحزبية مع قوي سياسية عديدة تعارض النظام . كانت نتيجه العملية العمل المشترك في مرحلة التسجيلات والطعون وبعض التحالفات في بعض الدوائر الانتخابية ، من خلال دعم بعض مرشحي الأحزاب والمستقلين او التحالف في دوائر القوائم كما ورد في تقارير بعض المناطق.
* الفضح الكامل الذي مارسه مرشحو الحزب والأحزاب السياسية الأخرى في الندوات والليالي السياسية، أدي إلي عزلة النظام مما دفع به الي انتهاج التزوير كوسيلة أساسية للهيمنة علي السلطة مرة اخري عن طريق الانتخابات . وقد أدت أدوات التزوير المتبعة الي فضح النظام الذي أجمعت كل المنظمات المراقبة للانتخابات للإقرار بالتزوير الكبير الذي حدث . هذا الموقف أدي إلي عزلة النظام أكثر مما كان عليه قبل الانتخابات وفشل النظام في كسب شرعية له عبر نتائج الانتخابات .
(2) لم نحقق كسبا علي مستوي تحقيق الأهداف السياسية المتمثلة في :-
أ- هزيمة المؤتمر الوطني .
ب- إدخال اكبر عدد من النواب الشيوعيين والديمقراطيين للمجالس التشريعية ومناصب الولاة .
نتيجة لمقاطعة القوى السياسية للانتخابات،ومن ضمنها حزبنا . وأيضاً لان ذلك لم يكن ممكنا في ظل سلطة المؤتمر الوطنى الممسكة بكل مفاصل الدولة ،وحفاظها علي كل القوانين المقيدة للحريات والحركة والتنظيم ، واصرارها علي عدم توفير الشروط الضرورية لقيام انتخابات حرة ونزيهة ،واصرارها علي عدم الغاء تلك القوانين وهيمنتها علي المفوضية القومية للانتخابات وتوجيه سير عملها لمصلحة المؤتمر الوطني .
بالإضافة لموقف الحركة الشعبية تجاه إلغاء القوانين القمعية وعدم جديتها في بناء تحالف مع بقية القوي الديمقراطية والوطنية لتكوين أداة ضغط أمام المؤتمر الوطني وتجييرها كل مواقف المعارضة لمصلحتها دون ان تقدم عملا ملموسا يهدف الي جديتها في تكوين هذه الكتلة الديمقراطية أمام إصرار وعنت المؤتمر الوطني للاستفراد بالسلطة في الشمال مقابل انفرادها بالسلطة في جنوب البلاد
نضيف إلي هذا عدم جدية الأحزاب في إقامة تحالف قوي وفق برنامج الحد الأدنى بهدف إسقاط مرشحي المؤتمر الوطني . وقد استبان هذا مؤخرا في عملية التنسيق لاختيار مرشح واحد في كل دائرة والقائمة الواحدة ومنصب الوالي . وعلي الرغم من وجود تحالف جوبا و مقررات مؤتمر جوبا وتواصل عمل قوي الإجماع الوطني في العمل من خلال منبر واحد،الا ان معظم القوي السياسية لم تستطع إنزال ذلك البرنامج علي ارض الواقع .
* وعلي الرغم من كل هذه المواقف الصادرة من القوى السياسية المختلفة و الحركة الشعبية وبعض القوي المؤثرة من الاحزاب، فقد التزم الشيوعيون في كل المناطق الحزبية بموجهات الحزب ولجنة الانتخابات المركزية لتطوير التنسيق والعمل المشترك في عملية التسجيل والرقابة الي تحالف واسع لإسقاط مرشحي المؤتمر الوطني , بهدف إجراء التحول الديمقراطي من خلال صناديق الانتخابات وفق ما جاء في اتفاقية السلام الشامل . لكن القوي الأخرى ذات الوزن والثقل الجماهيري لم تلتزم بذلك علي الرغم من ان الشعار الأساسي الذي ظل يتردد في منبر تحالف القوي الوطنية ،هو بناء أوسع تحالف ممكن من اجل إسقاط رموز المؤتمر الوطني وإجراء التحول الديمقراطي من خلال صندوق الاقتراع . بل لم تلتزم حتى بمقاطعة الانتخابات بما في ذلك المؤتمر السوداني الذي تحالفنا معه في النيل الأبيض،وحزب المؤتمر الشعبي . أما حزب الأمة القومي بجانب رفضه للتنسيق فقد تباطأ في اتخاذ قرار مقاطعة عملية التصويت ولم يصدر قراره الا في الساعات الأخيرة .
(3) لم نحقق الأهداف التي طرحتها ل. م في أكتوبر 2006 لاننا لم نستعد تماما للمعركة الانتخابية في ظل الضعف التنظيمي الذي كانت تعيشة معظم المناطق الحزبية ، وضعف إمكانياتنا المالية التي كانت تشكل عائقا كبيرا، اضافة لتزامن الاستعداد لمعركة الانتخابات مع التحضير والاعداد للمؤتمر الخامس .
بدا الحزب من ناحية النظرية الاستعداد للمعركة الانتخابية مبكرا، وذلك منذ صدور خطاب ل . م في أكتوبر 2006 وفق التحليل الواضح لأهمية العمل السياسي والتنظيمي المستقل للحزب، والعمل المشترك مع القوي السياسية المعارضة بهدف الوصول بتوازن القوي لمصلحة القوي الديمقراطية والوطنية كهدف استراتيجي، وبناء تحالف واسع لقوي المعارضة بهدف التحول الديمقراطي من خلال صندوق الاقتراع، وتفكيك دولة الشمولية وبناء دولة المواطنة وهزيمة دولة الحزب الواحد . ولكن معظم المناطق الحزبية لم تبدا استعداداتها الجادة الا بعد ثلاث سنوات من صدور الخطاب . فحتى قرار المقاطعة في مارس 2010 لم تنجز أي منطقة حزبية دليلها السياسي وبالتالي لم تقم بتصنيف وتحديد مؤيدي الحزب،وهذا يؤشر بوضوح لضعف العمل السياسي المستقل في المناطق نتيجة عدم التركيز علي الندوات المغلقة بهدف توصيل خطوط الحزب السياسية، وبالتالي بداية الحصر والتصنيف في هذه الندوات مهما كان العدد قليلا . بل ان هذه العملية السياسية والتنظيمية يمكن ان تمنحنا القدرة علي معرفة القوي السياسية الاخري وتصنيفها والوصول اليها وبداية العمل المشترك معها قبل وقت كاف من بداية العملية الانتخابية .
ان البيان والدعاية المتحركة التي استخدمتها كل المناطق كوسيلة للوصول للمواطنين ، وحدها لا تفيد لكن كان المفيد التركيز علي الندوات المغلقة وبداية الحصر والتصنيف مهما كان العدد قليلا.
المعركة الانتخابية أوضحت النشاط الدعائي الواسع الذي مارسه الشيوعيون في العدد الكبير للندوات التي عقدت، والليالي السياسية الحزبية التي أقيمت، والتجارب الجادة التي خاضتها بعض فروع الحزب بهدف جذب الجماهير لهذه المعركة السياسية الكبيرة، كما حدث في احد فروع مدينة الخرطوم الحزبية . بالإضافة إلي الليالي السياسية التي أقيمت علي مستوي المدن الكبيرة والأرياف ووصول برامج المناطق الانتخابية لقطاعات واسعة للجماهير، والي مواقع لم يكن صوتنا يسمع فيها. ولم يكن المردود في عملية البناء الحزبي والديمقراطي يتطابق او يتماشي مع العمل السياسي الواسع الذي تم خلال المعركة الانتخابية . انه مؤشر واضح للضعف الشديد في عملية البناء التي كانت تمثل ركنا أساسيا بل هدفا أساسيا من الأهداف التي خضنا الانتخابات من اجلها . وقد تمثل هذا الضعف في عدد المرشحين الذين توجهوا للحزب وعدد الفروع التي تم إنشاءها خلال فترة الانتخابات وعدد تنظيمات التحالف الاستراتيجي التي اسست علي مستوي المناطق.
نلحظ ايضا من ضمن اوجه الضعف في تحقيق الأهداف ان عدد المتحدثين في الليالي السياسية والندوات لم يكن وفق المطلوب فقط ، بل ايضا لم توضح التقارير عدد المتحدثين من الكادر الخطابي في كل منطقة وما اذا تم تأهيلهم وتدريبهم وفق موجهات الخطاب المركزي الصادر في أكتوبر 2006 . هذا الضعف يشير اليه بوضوح عدد المتحدثين الصغير في معظم ندوات الأقاليم وهذا عبارة عن المجموعة المختارة من لجنة الاتصالات السياسية التي لم يتم توسيعها . وهذا يتطلب حصر الكادر الخطابي في كل المناطق وتدريبه وتاهيله .
عقد اجتماع موسع لتقويم المعركة الانتخابية وتم تلخيص الايجابيات والسلبيات من خوض المعركة فى الاتى :-
الايجابيات :-
تمويل المناطق حملاتها الانتخابية ذاتيا .
المجهودات الكبيرة التى بذلتها لجان الانتخابات رقم قلة عضويتها .
ادخال نظام التمثيل النسبى بعد اقناع القوى السياسية وبذل الكثير من الجهد فى زلك .
بناء فروع فى بعض المناطق وتحالفات ديمقراطية فى البعض الاخر .
تدريب الزملاء والزميلات على مهارات خلال العمل .
اضافة اصول ومعينات جديدة (ادوات واجهزة طباعة )
الوصول الى قرى وارياف كان من الصعب الوصول اليها .
انتزاع حق السودانيين فى دول المهجر فى المشاركة فى الممارسة السياسية .
السلبيات :-
ضعف التدريب على العمل وفق نظام التمثيل النسبى .
عدم التمكن من الطواف على المناطق والمراكز المختلفة بسبب ضعف الامكانيات المالية .
صاحب الخلل عملية الترشيح ، مثال لذلك عدم الترشح لمنصب الوالى ولدوائر كان الحزب يفوز فيها تاريخيا .
عدم وضوح اسس ومعايير لاختيار المرشحين للانتخابات .
عدم توحد عضوية الحزب حول المشاركة او المقاطعة للانتخابات لاسباب منها عدم وصول الوثائق المتعلقة بزلك وتجاهل الالتزام بالقرارات وضعف حملة المقاطعة اضافة لضييق الفترة التى اعلنت فيها .
اضاعة فرصة المشاركة الفاعلة فى مراقبة الاقتراع رغم المقاومة نتيجة لعدم استخراج البطاقات الضرورية لذلك
مهام استخلصت من تجربة الانتخابات:
دروس مستفادة
مراجعة القوة التنفيذية للحزب مقارنة مع التوسع السكاني وذلك بتطوير آليات بناء الحزب بالمقارنة مع انتخابات 65 – 86 – 2010 .
قيادة حملة إعلامية واسعة لإعادة الإحصاء السكاني.
الاهتمام بمدارس الكادر والطواف عليها من قبل قيادة الحزب ، مما يعكس مدي الجدية والاهتمام بجانب تطوير كادر الحزب من قبل القيادة .
مناقشة الزملاء الذين لم يشاركوا في المعركة الانتخابية وهم 40% من عضوية الحزب .
تكثيف العمل في تنظيمات النساء وجذبهن لمواقع التقدم في الحزب، ومراجعة ذلك منهجيا وسياسيا لانه يشكل احد مخاطر العزلة عن الجماهير .
الاستفادة من التكنولوجيا في تأسيس قاعدة معلومات والاستفادة من الكادر المتخصص في هذا الجانب.
تنشيط عمل لجنة العلاقات الخارجية وبناء علاقات مع الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الأخرى والاستفادة منها.
خلق صلات مع السكان الرحل تتناسب مع ظروف حلهم وترحالهم لتجنب أوجه الضعف في هذا الجانب .
تسليط الضوء علي قانوني الأحزاب والانتخابات وتقديم مشاريع بديله لهما .
بناء مؤسسات تساعد في تمويل الحزب ماديا .
مراجعة الهيكل التنظيمي .
توثيق هذه التجربة في كتيب .
اللجان الشعبية – تجارب وتقويم:
إن أهم قضايا البناء الحزبي هي إدراك فرع الحزب بأنه الحزب في مجاله سواء كان فرعا للسكن أو فرعا لمجال العمل او الدراسة . وذلك يطرح أمامه سؤال التصدي لقضايا الجماهير اليومية، والنضال معها لتحقيق مطالبها وتحسين مستوى معيشتها. والجماهير تتخذ أساليب مختلفة لتحسين وسائل عيشها والخدمات الاجتماعية في أحيائها، ومن بين هذه الأساليب الجمعيات التعاونية والخيرية والعمل التطوعي عموما، ولكن من بينها الحكم المحلي واللجان الشعبية.
ان الحزب قد امتنع من الدخول فى اللجان الشعبية خلال الفترات السابقة من حكم 30 يونيو نظرا لممارسات الحزب الحاكم من هيمنة على هذه اللجان وسن قوانين ووضع اللوائح التى تخدم مصالحه فى الاحياء اضافة الى تكالب الانتهازيين والفاسدين عليها وممارسة التزوير والاساليب الملتوية .ولكن الحزب قد استدرك هذا الخطأ الذى يعنى الابتعاد عن قضايا الجماهير اليومية فأصدر المكتب السياسى بعد الانتخابات النيابية خطابا للاعضاء والفروع فحواه الاستعداد الفورى لخوض معركة انتخابات اللجان الشعبية .
تجربة الخرطوم
بدأت مشاركة الحزب بولاية الخرطوم فى انتخبات اللجان الشعبية مبكرا وفى وحدة فكرية وحماس من الشيوعيين والديمقراطيين وعلى اساس ان اللجان الشعبية هى مستوى من مستويات الحكم وشأن جماهيرى وحق ديمقراطى ويشارك الحزب من اجل قضايا الجماهير .
وقد عقدت سكرتارية منطقة الخرطوم اجتماعا موسعا شارك فيه المسؤولون السياسيون للمدن والقطاعات ،ولجنة الانتخابات المركزية ،لجنة انتخابات المنطقة اضافة لتيم المساعدة المركزى . وتبع ذلك خطة عمل وضعتها لجنة انتخابات المنطقة حددت بها الادوار والمهام كالاتى :-
دور فرع الحزب
ان فرع الحزب هو القائد الحقيقى والفعلى لهذه المعركة لانها تدور فى مجاله بين الجماهير فى الاحياء ،لذلك على الفروع ان تصدر البيانات الجماهيرية للتوضيح والتعريف بطبيعة الانتخابات والتحريض على المشاركة بها بكل شجاعة ،كما كان عليها مراجعة مستوى التحضير ومعرفة عدد اللجان ومواقع التركيز واعداد قوائم المرشحيين والمرشحات ،والتصنيف السياسى والعناصر التى ينبغى اسقاطها. كما كان من المهم التنسيق مع قوى الاجماع الوطنى فى الاحياء واقامة الندوات الداخلية للنساء والرجال وكشف الفساد والممارسات عير السليمة للجان السابقة . واخفاقها الذى ادى الى تردى الخدمات بل انعدامها احيانا اضافة الى ضياع حقوق الجماهير ومكاسبها .وقد تم التوجيه بمراعاة نسبة وجود النساء فى تكوين اللجان الشعبية لارتباطهن بالمستوى المحلى فى الحكم داخل الاحياء .
دور القيادة
اما على المستوى القيادى فتقع مسئولية لجنة انتخابات المنطقة فى العمل المباشر مع المسؤوليين السياسيين للمدن وان تصيغ السكرتارية مذكرة سياسية قانونية لوالى الخرطوم لوضع لائحة لتنظيم الانتخابات تنشر فى الصحف اليومية اضافة للمطالبة بكشف انتخابى جديد خالى من التزوير وحث الجماهير للمشاركة باصدار خطاب داخلى وبيان جماهيرى ،كما تضمن الدور القيادى مشاركة لجنة المنطقة وتيم المساعدة المركزى فى فعاليات التعبئة الداخلية والجماهيرية . وقد تم رفع المذكرة السياسية القانونية لوالى ولاية الخرطوم وتم عقد لقاء معه وقد تضمنت المذكرة المطالبة باصدار لائحة انشاء وتكوين اللجان واسس الانتخابات وتنظيم اعمال اللجان الشعبية وفق نصوص القانون بعد صدور قرار حل المجالس التشريعية بمحليات الولاية ،كما تم نقد التجارب السابقة والحاجة الى تلافى الاخطاء التى صاحبتها.
تقييم اولى
– خاضت جماهير شعبنا بالعاصمة القومية معركة انتخابات اللجان الشعبية بفهم انها حكومات الاحياء، وانها أداة رافعة للعمل الجماهيرى العام واسترداد لحق مسلوب ، كان نظام الانقاذ الشمولى قد حور مهامها واهدافها وسعى للاستعانة بها فى تكريس شموليته، بعد ان كانت جزءأ من تراث شعبنا فى العمل الطوعى .. قاوم المواطنون اساليب المؤتمر الوطنى فى الاستغفال والتزوير لتعويق قيام انتخابات حرة ونزيهة.
– المعركة فى شكلها النهائى اكدت ان الحرية والديمقراطية والتصدى لقضاياهما مازال حيا ونشطا وسط الجماهير ادى الى نهوض جماهيري واسع شمل مواطنى العاصمة القومية وان حركات شبابية ونسائية قادت بكفاءة وشجاعة واقتدار . وان شيوعيين وديمقراطيين ووطنيين تسنموا قيادة الكثير من اللجان الشعبية ، انتصرنا فى بعضها وهزمنا فى اخريات .
– المعركة فى جملتها صارت رافعة لعملنا الحزبى السياسى الجماهيرى والبنائى الداخلى ، وبالتالى يصبح الواجب امام فروعنا انجاز المهام التالية :
– فى جبهه العمل الداخلى والتنظيمى لابد من تقييم جاد ومسوؤل للمعركة واستخلاص واجبات ومهام محددة فى اتجاه انجاز دليلنا السياسى، وتوسيع نشاطنا الديمقراطى وبناء تحالفاتنا الاستراتيجية ( اتحاد الشباب – الاتحاد النسائى – التحالف الديمقراطى ) واكتشاف العناصر الطليعية وجذبها وترشيحها لعضوية الحزب .
– فى جبهه العمل الجماهيرى السياسى .. تكريس نشاطنا وسط احزاب تحالف قوى الاجماع القاعدية وتطوير النشاط السياسى الجماهيرى.
– فى جبهه نشاط اللجان الشعبية التى حققنا فيها انتصار وفى اتجاه تقديم تجربة لنشاط اللجان تختلف عن تجارب اللجان الانقاذية المشوهة ، نعمل على وضع الخطط والبرامج ونوسع من دائرة اشراك المؤاطنين فيها وتقديم نشاط جاد ، ممسك بقضايا المواطنين الصحية والتعليمية والخدمية العامة. وفى اللجان التى لم نحقق فيها انتصارا وليس لنا فيها وجود. نعمل على دعوة الجماهير لمحاصرتها والضغط عليها من أجل التصدى لقضاياهم و نصل عبر ذلك الى جمع توقيعات المواطنين من اجل حلها وانتخاب لجان جديده.
– ان معركة انتخابات اللجان الشعبية فتحت نافذة للمواطنين حول ضرورة امساكهم بقضاياهم , نسعى عبرها للتاكيد على خطل الشمولية وترسيخ مفهوم الديمقراطية ، وان اسقاط الشمولية يمر عبر مسارب متعددة ومتعرجة ، وان التاسيس لديمقراطية حقيقية يبدأ من التصدى لها قاعديا عبر توسع حركة ونشاط الجماهير .
فروع الحزب
صاغت فروع الحزب ووزعت البيانات الجماهيرية فى الاحياء، مركزة على القضايا الساسية والخدمية فى مجالاتها من صحة وتعليم ورياضة وبيئة .. الخ والتمسك بالاختيار الديمقراطى للجانها الشعبية ،وتمت الدعوة للمفصولين والمعاشيين ،والشباب والنساء للتصدى لمعركة اللجان الشعبية وانتزاع حقوقهم .
الجمعيات العمومية
فضحت الجماهير اساليب بعض روؤساء اللجان الفنية (ضباط اداريين ) ، وانتقدت اساليب اعضاء اللجان الشعبية السابقة وفشلهم فى ادارة عمل اللجان،والحفاظ على حقوقهم ومكاسبهم،وموالاة السلطة والتكسب من ورائها .كان لهذا النشاط الدور الكبير فى سقوط الكثير من اعضاء اللجان الشعبية من اعضاء ورموز المؤتمر الوطنى بالاحياء.
لمواصلة هذا العمل وتطويره دعت لجنة المنطقة لحصر الزملاء والزميلات الذين دخلوا اللجان الشعبية ، لعقد اجتماعات مشتركة فى المدن لمناقشة قوانين الحكم المحلى ،ولوائح اللجان الشعبية ,ومحاولات السلطة المحلية والتشريعية لتعديلها لتتناسب والوضع الجديد بعد فوز الشيوعيين والديمقراطيين فى الانتخابات (لتحجيم دورهم فيها ) ووضع الخطط والبرامج والتنسيق مع الديمقراطيين فى الاحياء لضبط وتطوير عمل اللجان الشعبية .
نتج عن ذلك النشاط اتفاق اربعة رؤساء للجان شعبية بحى الديوم الشرقية ورفعهم لمذكرة تنتقد وترفض تصريح امام احد المساجد بالديوم لتكفيره الاستاذ محمد ابراهيم نقد.
مازالت قضايا الجماهير فى الاحياء تنتظر الحلول والمعالجات، ومازلنا فى حاجة ماسة لتطوير عملنا فى هذا الجانب الهام باعتباره عملاً جماهيرياً مباشراً مع الجماهير وضد السلطة وجبروتها ،وهنا لايجدى ولاينفع سوى التخطيط الدقيق والمثابرة والاقدام بخطى واعية وثابتة.
راكمنا خبرة في معركة الإنتخابات العامة ، وأنجزنا خطوة متقدمة في طريق محاصرة وهزيمة الشمولية ممثلة في حزبها المؤتمر الوطني والعناصر الإنتهازية الموالية لها . وإسترداد المواطنين لبعض اللجان الشعبية وفرض إرادتهم ، رغم محاولات السلطة وأساليبها الفاسدة .
نواجه مهام مابعد قيام الإنتخابات بفهم أن المعركة قد بدأت ولكنها لم تنته بعد ، نواصلها مستفيدين من الحراك الجماهيري الذي أفرزته والزخم الذي لازم المعركة . ذلك في إتجاه تصعيده ودفعه للأمام إستعداداً لمرحلة إستنهاض الحركة الجماهيرية في المعارك القادمة ، والدفع في إتجاه إمساك المواطنين بقضاياهم والتخلص من حالة العزوف ، وملء الفراغ الذي خطط له النظام، وهي تجربة سوف يقف عندها النظام الشمولي طويلاً.
الواقع والحراك الذي أفرزته إنتخابات اللجان الشعبية يلزم أن تكون اللجنة الشعبية ضمن أجندة فروعنا ونشاطنا، وفي إتجاه ترسيخ شعارنا الذي خضنا به الإنتخابات (اللجان الشعبية حكومة الحي . اللجان الشعبية للجميع) علي أرض الواقع نسعي الي تحقيق التالي:-
– في اللجان التي حققنا فيها إنتصاراً نعمل علي تحقيق إلتصاقها بقضايا ومشاكل المواطنين ، وإشراكهم في نشاطها ومتابعتها وذلك عبر الإجتماعات واللقاءات المتواترة وإشراك المواطنين في لجانها المتخصصة.
– عبر ألية التسليم والتسلم مع اللجان السابقة نستمر في فضح اللجان السابقة وتحقيق مبدأ الشفافية.
– إعداد خطط وبرامج عمل لنشاط اللجان الخدمي والثقافي وعرضها علي المواطنين لتعديلها بالإضافة أو الحذف ليصبح برنامجاً شاركوا في وضعه تحقيقاً لمبدأ الديمقراطية والتشاور.
– التصدي للسلطة في محاولاتها لإحتواء اللجان الشعبية وصرفها عن تحقيق أهدافها. وفضح أساليبها أمام المواطنين.
– في اللجان التي ليس لنا وجود فيها أو تم تزوير إرادة المواطنين لصالح المؤتمر الوطني . نعمل علي محاصرتها عبر المذكرات والدعوة للإجتماعات ومتابعة نشاطها وفضحه والضغط عليها لتحقيق مهام اللجنة في مصلحة المواطنين.
– يسعي المؤتمر الوطني وفق خطة مدروسة للعمل علي إعاقة دور اللجان الشعبية التي خسروا وجودهم فيها وذلك عبر مختلف الأساليب. يؤكد علي ذلك محاولاتهم وتركيزهم علي أن يكون الرئيس والسكرتير من العناصر الموالية لهم بقدر الإمكان، والعمل علي دراسة حالات الذين فازوا من حيث إستمالتهم عبر دراسة أوضاعهم. كما يسعي الي إجراء التعديلات اللازمة في لوائح اللجان الشعبية في إتجاه الحد من صلاحياتها، وطمأنة عناصرهم التي عزلت بأنه سوف يعمل علي حل اللجان بعد إجازة الدستور الجديد ، أو حلها اذا لزم الأمر ذلك.
– الواقع الذي أفرزته إنتخابات اللجان الشعبية ، ظهور قوي واسعة من المواطنين تصدت بحماس من أجل هزيمة عناصر المؤتمر الوطني الفاسدة. نعمل علي الإقتراب أكثر من هذه القوي ورفع مستوي التنسيق والعمل المشترك وذلك بالتركيز علي العناصر الشبابية والنسائية التي برزت في المعركة وتطوير صلاتنا الإجتماعية والسياسية معها.
– نعمل علي تأهيل الزملاء والديمقراطين والعناصر الوطنية الذين نالوا عضوية اللجان ،وذلك برفع قدراتهم الإدارية والفنية وذلك عبر تمليكهم قوانين ولوائح اللجان الشعبية .
تمكنا خلال المعركة من الإلتصاق والتعرف عن قرب علي جماهير الأحياء ، علينا الإستفادة منها في البناء الحزبي والديمقراطي وتطوير مستوي تحالفاتنا مع القوي السياسية الأخري .
إن إستكمال معلوماتنا وتطوير دليلنا السياسي وإعداد ومناقشة تقارير المعركة وتقييمها ورفعها الي قيادة الحزب ونشرها في المجلات الداخلية للحزب يشكل عنصراً هاماً من عناصر تطوير خطنا السياسي والجماهيري . ونحن نصعد من نشاطنا في سبيل إستنهاض الحركة الجماهيرية وتصفية النظام الشمولي.
تجربة منطقة عطبرة:
أثار تقرير منطقة عطبرة عن تجربة انتخابات اللجان الشعبية، قضية ابتعادنا عن التصدي للعمل على مستوى الحكم المحلي والذي تعتبر اللجان الشعبية خلاياه الأساسية، وأستعاد التقرير تجارب حكومة نوفمبر 1958 وما ألقاه إشتراكنا في انتخابات الحكم المحلي والمجلس المركزي من ظلال، وكيف أن سيطرة الاتحاد الاشتراكي على المجالس الشعبية جعلنا أيضا نبتعد عنها، بينما كنا في مجالات العمل نقاوم في النقابات رغم سيطرة الاتحاد الاشتراكي عليها.
جاءت الإنقاذ لتبدأ من حيث انتهت مايو وانتبه قادتها لدور هذه اللجان ، وكان أول ما بدأوا به تعيين أعضاء اللجان وتغيير اسمها لتصبح اللجان الشعبية للإنقاذ . فصار الموقف العام منها يتأرجح بين الخوف والطمع وأصبحت إحدى ركائز فساد الإنقاذ باحتكار الأراضي وشراء الذمم والترغيب والترهيب ، فوطدت لحكمها وساقت الناس لاحتفالاتها سوقا وساهمت في تغبيش وعيهم بالهتافات والتبريرات والإرهاب . ونلاحظ أنهم مارسوا عليها ما مارسوا على الحـركة النقابية بالـحل ثم التعيين والتكتم على موعد انتهاء الدورة ثم الإعلان المفاجئ عن إعادة التكوين في أضيق نطاق لتسهيل السيطرة عليها ، وإصدار لوائح تتسم بالضعف (اجتماع ثاني بعد فشل الأول يكون قانونياً بأي عدد) فيتم تكوين اللجان دون خطاب دورة ودون عرض ميزانية أو كشف حساب- مما جعل هذه اللجان معزولة تماماً عن جماهير الأحياء والقرى بل أصبحت أصابع الاتهام توجه نحو قادتها بالفساد والمحسوبية.
تم الانتباه أخيراً لأهمية العمل في هذه اللجان خاصة بعد الانتخابات الأخيرة ، فسيطرة قواعد وكوادر المؤتمر الوطني على هذه اللجان كان له أثره الواضح في عمليات التسجيل والفساد في الكشوفات والتزوير في السجلات والانتخابات. وفي انتخابات اللجان الأخيرة تلاحظ الآتي:
* هشاشة قواعد النظام هي إحدى نتائج الممارسات الفاسدة التي أصبحت سمته الواضحة من القمة للقاعدة، لذلك أمكن إسقاط رموزه فيها بقليل من التنظيم وقليل من التحالف.
* ركزت دعايتهم ضد التحالف على أن المعارضين لن يستطيعوا تقديم أي خدمة لأن الحكومة لن تستجب إلا لمؤيديها.
* إذا لم نستطع تقديم خدمات واضحة لجماهير المجالات التي يقود لجانها أفراد من التحالف فأن الموازين ستنقلب ضدنا وستقول الجماهير ( علام أسقطنا أولئك إذا) كما قيل في التاريخ العربي بعد عزل رموز الأمويين الذين عينهم عثمان بن عفان وتعيين على بن أبي طالب الهاشميين مكانهم.
* عليه لابد أن يكون لنا منهج واضح في العمل داخل هذه اللجان نلخصه في الآتي:-
1- انتظام عمل اللجان نفسها واجتماعاتها ودفاتر محاضرها وحساباتها.
2- الاجتهاد في وضع برامج عمل واضحة نابعة من حياة الجماهير وهمومها وقضاياها اليومية.
3- الدعوة لجمعيات عمومية بالسرعة اللازمة مع العمل على إنجاحها وذلك بتوجيه دعوات شخصية لكل فرد والأفضل أن تكون دعوات مكتوبة وبأجندة محددة .
نستعين هنا بكشوفات تسجيل الناخبين ومن يعرفون السكان من غير المسجلين و إعلان الدعوة بتاريخ ومكان الاجتماع بالملصقات ومكبرات الصوت في المساجد والأندية والزوايا ودور الجمعيات المختلفة..الخ
4- حصر حضور الاجتماع العام بدقة شديدة.
5- إدارة مثل هذا الاجتماع بوعي تام وسعة صدر وحصافة ونختار أكثر العناصر كفاءة لإدارته حتى نقدم نموذجاً مختلفاً عن كوادر الإنقاذ.
6- الاستماع لكل وجهات النظر وتسجيلها والصبر على التجاوزات غير المخلة بالأجندة، فقد طال عهد الناس بممارسة مثل هذه الحقوق في الاجتماعات العامة.
7- دفع الجماهير لتقديم مطالبها بوضوح وصياغتها وتصنيفها( خطة عمل نابعة من القواعد).
8- العمل على حصر واستقطاب العناصر المبشرة من الشباب والنساء والعمل على تنظيمهم في لجان مساعدة لكل مجال- تعليم ، صحة ، نظافة، تموين.. الخ بغرض تدريبهم وتقديمهم كقيادات مستقبلية لهذه اللجان.
9- نتحاشى في مثل هذه الجمعيات طرح المواضيع السياسية المباشرة. فالجماهير تفهم أن مطالبها الحياتية هي السياسة نفسها لكنها لا ترضى أن تساق سوقاً لتحقيق أي هدف قبل أن تقتنع به. وفي مجال عمل اللجان من داخل وخارج الجمعيات العمومية نراعي ونستهدف الآتي:-
أ/ عدم استعداء التنفيذيين من ضباط المجالس والمهندسين ومسئولي الخدمة المدنية بل نسعى للتعاون معهم والاستفادة مما يقدمونه من معلومات في مقبل عملنا مع المعتمدين والجهات السياسية الحاكمة.
ب/ العمل على أحياء تقليد النفير السوداني في التعاون على خدمة الآخرين دون مقابل في عمليات البناء والتشييد والصيانة في الأندية والمساجد والمراكز الصحية والمدارس وعمليات النظافة وبث الروح في الجمعيات التعاونية المختلفة وإحيائها.
ج/ الشفافية والوضوح الشديد في عرض الحسابات بالتفصيل وإبراء الذمة المالية للجان والأفراد والإصرار على إحياء تقليد نشر الميزانية والحسابات لكل مشروع ولكل دورة.
د- العمل على حصر الأسر والأفراد وتصنيف الفقراء والايتام في كشوفات الزكاة التي طالها الفساد وكشف مواقعه وتجديد كشوفات التموين وتوزيع المواد والسلع بحرص ودقة وشفافية.
هـ/ على الزملاء في الفروع الاستفادة من وجودهم في هذه اللجان للعمل على تصنيف المواطنين بطريقة موضوعية بعيداً عن الذاتية والانطباعية التي سادت كثيراً في هذا المجال على أن يتم هذا العمل بعيداً عن اللجان واجتماعاتها ووثائقها.
العمل في هذه اللجان يرفع وعي عضويتنا ويجعلها أكثر التصاقاً ومعرفة بمجالات سكنها وأكثر معايشة لجماهيرها في حياتها اليومية بنشر الوعي فيها بصبر وثبات وأناة ، نصلح أخطاءنا بينها دائماً. لا نتعالى عليها نظل بينها دائماً نعلمها ونتعلم منها..
خاتمة:
إن نجاح المؤتمر السادس رهين بترسيخه للمبادئ الأساسية والاستنتاجات السليمة التي توصل إليها المؤتمر الخامس حول الإبقاء على اسم الحزب الشيوعي وتوسيع وترسيخ أسس الديمقراطية فيه. وهذا يعني القيادة الجماعية في الحزب وفي كل هيئاته وفروعه وصدور القرارات منها وليس من الأفراد مهما كان ضيق الزمن. وأن تعقد اجتماعات المكتب السياسي واللجنة المركزية ومؤتمرات الحزب في المواعيد المحددة لها. وانتظام إصدار تقارير نشاط كافة الهيئات والمكاتب القائدة. إن الإصرار على أن يصب كل الجهد القيادي في فرع الحزب هو الذي يجعله قولاً وفعلاً القائد الحقيقي لمجاله والواجهة المشرفة التي تمثل الحزب بين الجماهير وبالتالي أداة جاذية لها. هذا هو الذي يوسع من قدراته في بناء التحالفات الإستراتيجية الديمقراطية والتنظيمات الجماهيرية المختلفة سواء في مجال العمل أوالسكن. لإحداث التغيير الديمقراطي وتغيير المجتمع لتحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية وبناء الاشتراكية.
تأكيد استرشاد الحزب بالمنهج الماركسي وقوانين الديالكتيك في تحليله للواقع، لأن هذا مع القيادة الجماعية وانتظام حياة الحزب في كافة مفاصلها هو الذي يجسد ويرسخ وحدة الفكر والإرادة والعمل.
أن يخرج الحزب من الشعارات العامة إلى التخطيط القائم على البرامج المحددة التي تستهدف الاستفادة من دراسة الواقع في تحديد مراكز ثقل الطبقة العاملة والشباب والنساء وفقراء المزارعين والعمال الزراعيين لضم طلائعهم للحزب. وتحدد كل هيئة حزبية بالتنسيق مع فرع الحزب الفترة الزمنية التي تضم فيها نسبة محددة للحزب. ويحاسب كل عضو على كم من المواطنين من تلك الفئات استطاع ضمهم للحزب.
العمل الفكري الدائم والمستقر والدراسات العلمية لكافة القضايا التي تواجه البلاد والحزب يلعب دوراً هاماً في بناء وتطور الحزب وضمان وحدته.وهو يستوجب أن تهتم بها اللجنة المركزية بحكم دورها القيادي للحزب بتخصيص بعض دوراتها لدراسة هذه القضايا ، مستعينة بالمكاتب المتخصصة والأعضاء المتخصصين. ومعتمداً على تجارب والتقارير الواردة من النشاط الفكري والعملي لهيئات وفروع الحزب حول هذه القضايا. هذا هو الذي يسهم في رفع وعي الأعضاء وقدراتهم العملية .
يحتم هذه الدراسات ، المتغيرات المتسارعة في الوضع العالمي والداخلي وهي تنتج تحديات جادة أمام الحزب. لابد من مواجهتها لمصلحة الشعب والوطن. إن سيطرة القطب الرأسمالي الواحد رغم التناقضات التي تنخر عظامه مثل الصراع الدائم والدائر بين بلدانه لاستقطاب مناطق النفوذ والسيطرة على مناطق المواد الخام والأسواق واجهه ويواجهه النظام الراسمالي من أزمات دورية ناتجة عن طبيعة أسلوب الإنتاج الراسمالي المبني على الاستغلال ومراكمة الربح والمال تفرض على الحزب الاهتمام بمركز المعلومات ودور مكتب العلاقات الخارجية . نستفيد من كل تلك المعلومات في فضح وكشف وتعرية نظام الإنقاذ الذي يحاول بكل الطرق المخادعة تزييف الحقائق وتغطية جرائمه في التفريط في السيادة الوطنية والقرار المستقل لشعب السودان .
جوهر نضال حزبنا في هذه الفترة ينصب في تكوين الجبهة الواسعة من كل المعادين لهذا النظام مهما كانت درجة خلافاتنا معهم لاسقاطه واستعادة الديمقراطية لفتح الطريق أمام حركة الجماهير لتنفيذ البرنامج الوطني الديمقراطي الذي يضع الأساس للتحول إلى الاشتراكية.
نوفمبر 2014