سمات الرأسمالية في روسيا بعد السوفياتية

سمير أمين
2015 / 5 / 15

عادت روسيا تحتل مكانتها في الساحة السياسية الدولية بصفتها قوة عظمى. لعل المناسبة أتت لنشر هذين المقالين حول تاريخ روسيا ثم الاتحاد السوفياتي.

كتبت أولهما في أعقاب انهيار النظام السوفياتي وتم نشره بلغات عديدة غير العربية. ثم كتبت الثاني حديثًا.

روسيا: فعل العامل الجغرافي في مسيرة تاريخ روسيا الكبرى

يخاطب الانهير مزدوج الوجهين للنظام السوفياتي بصفته مشروعاً اشتراكياً، ولروسيا بصفتها قوة عظمى، النظريات التي طُرحت في مجال النضال بين الرأسمالية والاشتراكية من جانب، وفي مجال تحليل مكانة ووظيفة مختلف المناطق التي تتشكل منها المنظومة العالمية المعاصرة من الجانب الآخر.

ولذلك كنت اخترت العنوان الفرعي للمقال –”جغرافيا أم تاريخ؟” لافتًا النظر إلى التساؤل عما إذا كانت الظروف التاريخية (والمقصود هنا تلك الظروف التي أتاحت انتصار ثورة 1917) هي التي تحكمت في تطور الأمور، أم إذا كانت سمات جغرافيا المكان هي التي تلقي مزيداً من الضوء على مكانة روسيا القيصرية، ثم الاتحاد السوفياتي، في المنظومة الرأسمالية العالمية المعاصرة.

1- تمحور التحليل الماركسي التاريخي، ولا سيما تعبيره السوفياتي اللينيني، حول قضية الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، وبالتالى قضايا إنجاز الثورة وبناء الاشتراكية.

وتبلورت هذه النظرية – انطلاقاً من لينين- حول النقاط الأربع التالية:
•لابد أن يؤدي صعود الصراع الطبقي الأساسي (الصراع بين البورجوازية والبروليتاريا) إلى الثورة الاشتراكية على صعيد عالمي.
•ينطلق التحرك نحو الثورة ذات البعد العالمي من تلك البلدان (مثل روسيا ثم الصين) التي تمثل “الحلقات الضعيفة” في المنظومة العالمية، وذلك لأسباب يتوجب اكتشافها وتوضيحها.
•يمكن بناء الاشتراكية في تلك البلدان، بالرغم من تخلفها الموروث من تاريخ التوسع الرأسمالى على صعيد عالمي.
•يتجلى الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية في التضاد والمنافسة بين النظامين، أي نظام الدول الاشتراكية من جانب، ونظام الدول التي ظلّت أسيرة الرأسمالية من الجانب الآخر.

يعطى هذا المنهج نوعا من الأولوية للتغيّرات على صعيد أنماط الإنتاج المترتبة على إنماء قوى الإنتاج، وذلك من خلال تركيز، تجريديّ الطابع، على التناقض بين هذين المستويين من الواقع. فيضع الخصوصيات التي تتسم بها مختلف “مناطق” المنظومة العالمية في هذا الإطار المجرد.

وإن كان فكر ماركس لا يتلخص في هذا المنهج، إلا أنه ساد في الماركسية التاريخية. وبالتالى حدث نوع من المغالاة المجردة والتبسيط لفكر ماركس، تجلى في طرح النقاط الأربعة المذكورة في صيغة مطلقة.

بذل التيار الذي أطلق فالرشتين عليه اسم “الاقتصاد- العالم” الجهد لتعديل هذا التبسيط، حتى لوى العصا في الاتجاه المعكوس، أى بعبارة أخرى أحلّ مغالاة معكوسة محلّ المغالاة في التبسيط الماركسي التاريخي. على سبيل المثال قدم هذا التيار تفسيراً لما أصبح دور الاتحاد السوفياتي يُرجِع تطوّرَه إلى فعل القوى التي تحكمت في تطور الكل (والمقصود التي تحكمت على صعيد عالمي). وعلى هذا الأساس قدم تفسيراً لانهيار النظام السوفياتي يرجعه إلى التطور الذي طرأ على صعيد المنظومة العالمية، الأمر الذي شجع خفض تقويم فعل التناقضات الداخلية الخاصة بالنمط الاشتراكى المعني. فإذا كانت الماركسية المبسطة تكاد تهتم فقط بـ “صراع الطبقات” في تفسيرها للتاريخ، فإن تيار “الاقتصاد- العالم” يكاد يتجاهله، فيوصى بأن هذا الصراع لا يُغيّر مسيرة التاريخ، بل يُظهر فقط سرّ المسيرة الإجبارية التي يفرضها تطور المنظومة العالمية، فهنا يتحكّم الكلّ (العالم) في الخاص (مناطق العالم)، بينما النظرة الماركسية المبسطة توحى بأن الطابع اللامتكافيء واللامتوازي في تطور الأطراف (الدول، الأقاليم) يُنتج تطوّرَ الكلّ (المنظومة العالمية).

وبما أن “الأطراف” التي تتشكل منها المنظومة العالمية هي دول أو مجموعة دول (أقاليم) تجد مكانها في جغرافيا العالم، فإن التيار المذكور الذي لوى العصا في الاتجاه المعني يمكن أن يُطلق عليه مصطلح “النظرة الجغرافية”، في مقابل “النظرة التاريخية المفقودة”.

أرفض هذين النهجين المغاليين، وبذلت مجهوداً لتخطى التبسيط الذي يتسم به كل منهما، فقلت إن الخصوصيات (السمات الخاصة لمختلف أقاليم المنظومة العالمية) نتاج تفاعل العام الذي يتجلى في فعل القوى التي تتحكم في مسيرة التاريخ العام لجميع الشعوب، والخاص الذي يتجلى في تنوع أشكال تكيف المسيرات الجزئية لمقتضيات فعل العام.

وهنا، في هذا المقال المخصص لتاريخ روسيا ثم الاتحاد السوفياتي، أنطلقُ من العودة إلى نقاش أطروحات نظرية طُرحت في حلقات علماء التاريخ في روسيا حول “خصوصية الإقليم الأوروبي- الآسيوي”، ومنهم تروبلسكوي الذي تمتع بشهرة في عشرينيات القرن السابق ثم أُطمس فيما بعد مع سيادة النظرة السوفياتية الدغمائية والمبسَّطة. ثم عادت أطروحات تروبلسكوي تحتل مكانها في المسرح، وأثارت صدى في روسيا والصين والهند، وإن ظلت مجهولة في باقي العالم.

أنطلق من هذا النقاش لأنني أعتقد أن تاريخ روسيا/ الاتحاد السوفياتي ضرب من أفضل الأمثلة لما سبق أن قلته حول ضرورة تخطى المنهجين المذكورين في نقدي. علماً بأن هذا التخطي لا يعني “طمس الماركسية”، بل على نقيضه إغناءها ودفعها إلى الأمام في قدرتها التفسيرية.

2- سبق أن كتبت عن “المنظومة العالمية” التي تخص القرون الخمسة بين عام 1000 وعام 1500 ميلادي. ووصفتها بأنها تتشكل من ثلاثة أقاليم “متقدمة”- هي الصين والهند والشرق الأوسط وإضافة إقليم رابع إليها– أوروبا- شهدت تقدماً سريعاً خلال المرحلة المعنية. حتى تجمعت عندها أهم التغيرات التي استعجلت التطور نحو الرأسمالية في هذه المنطقة التي كانت هامشية حتى عام 1000.

وفي هذا الإطار العام اعتبرت أن ما حدث “في المحيط” الشاسع الذي يفصل ويربط معاً أوروبا من جانب وشرق آسيا من الجانب الآخر (أى روسيا الكبرى) نتاج تفاعل آليات التمفصل بين هذه الأقطاب الأربعة المشكلة لما أسميته “منظومة العالم القديم” (أقصد الذي سبق إقامة المنظومة الرأسمالية المعاصرة).

وطرحتُ في هذا الإطار الأسئلة التي تمثل الإجابة عليها جوهر تفسير علمي لنشأة الرأسمالية التاريخية، وهي أسئلة تخص:

أولا : ديناميكيات التحولات التي طرأت على مختلف الأصعدة المحلية لكل من هذه الأقطاب الأربعة) في مواجهة التحدّي العام. علماً بأن الصراع الطبقي– بالمعنى الواسع للكلمة-يتحكم في هذه الديناميكيات فيحدد مدى ومغزى التحولات.

ثانياً : تمفصل ما ترتب على حدوث هذه التحولات المحلية في تكوين المنظومة العالمية المعنية من عناصر تطوّر وتكاملها وتناقضها الأدوار التي لعبها كل إقليم من الأقاليم الأربعة المذكورة خلال المرحلة المعنية (من 1000 إلى 1500 مع امتدادها إلى عام 1800).

3- يُظهر التحرى في تاريخ تطور المنظومة القديمة تفوق الشرق الصيني والهندي. فقد ضمت الصين والهند أغلبية سكان تلك المنظومة العالمية القديمة، بل أخذ عدد سكان آسيا الشرقية والجنوبية في الصعود المتواصل، فارتفع من 50 مليون لكل من الصين والهند قرنين قبل الميلاد إلى 330 و 200 مليون على التوالي حول عام 1800، و 450 و 300 مليون حول عام 1850. هذا بينما ظل عدد سكان “إقليم الشرق الأوسط” ثابتاً إن لم يكن قد تناقص. فبلغ عدد السكان في هذه المنطقة حوالى 50 مليون في العصر الهلنستي (وهو غالباً أرقى مستوى بلغته المنطقة) ثم استتب حول 35 مليون عشية الثورة الصناعية والفتح الأوروبي. فلنتذكر أن عدد سكان مصر الفرعونية الذي بلغ 10 أو 14 مليونا في بعض حقبات تاريخها انخفض إلى حوالي 2 مليون حول عام 1800. وكذلك تدهورت الأمور في بلاد الرافدين والشام.

وقد ظل عدد سكان القارة الأوروبية منخفضًا (حوالي 30 مليون) حتى القرن العاشر ميلادى ثم انفجر حتى بلغ 180 مليون حول عام 1800 و 200 مليون حول عام 1850.

يضاف إلى هذه الملاحظات حول تطور حجم سكان أقاليم المنظومة ملاحظة ذات أهمية حاسمة، تخص إنتاجية العمل الاجتماعي التي ظلت في صالح الصين طوال الحقبة الطويلة (إلى ما بعد الثورة الصناعية). فتمتعت الصين بمستوى أعلى من الرفاهية، وهذا صحيح أيضاً بالنسبة إلى الهند حتى الغزو البريطانى (بين النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التالي).

تتجلى في هذه الأوضاع الأسباب التي روت- عندما وعت أوروبا بتقدمها انطلاقاً من النهضة (حول 1500)- الطموحات الأوروبية الحاسدة في التوصل إلى الشرق الآسيوي الثري. وذكر كتاب إتيامبل المشهور (“أوروبا الصينية”) هذا الوعى بأن الصين قدّمت أفضل نمط في إدارة الدولة والاقتصاد، والتكنولوجيات الأكثر تقدماً. كما أوضح إميابجشى دور نهب ثروات الهند في تفوق بريطانيا على منافسيها في القرن التاسع عشر، فقام تقدم الصناعات الإنجليزية الأولى (النسيج) على أساس تفكيك القدرات الإنتاجية الهندية المتفوقة، وذلك من خلال متابعة برامج ممنهجة لهدمها.

ينبغي وضع مسيرة الإقليم الوسيط، المشكل من الشرق الأوسط من جانب وروسيا الكبرى من الجانب الآخر، في هذا الإطار.

ورثت منطقة الشرق الأوسط وضعية متقدمة نشأت مع جمع الحضارات القديمة (مصر وإيران وبلاد الرافدين والشام واليونان) في ظل الحضارة الهلنستية ثم الإسلامية، بالإضافة إلى أن الإقليم قد استفاد من مركزه الوسيط المحتكر للعلاقات التجارية بين أوروبا وشرق/ جنوب آسيا. بيد أن أوضاع المنطقة أخذت في الركود المتواصل أو يكاد فيما بعد. فأنتج هذا الركود نتيجتين هامتين. أولاهما إدراك الوعي الأوروبي- انطلاقاً من حروب الأفرنج (“الحروب الصليبية”) أن أهمية الشرق الأدنى لا تكمن في ثرواتها الذاتية بل في مكانتها للسيطرة على طرق التجارة البعيدة. الأمر الذي دفع الأوروبيين في اتجاه البحث عن طرق بديلة؛ وفتح الطرق عبر المحيط الأطلسي والمحيط الهندي وبحر الصين. والنتيجة الثانية أن الصين والهند حولتا نظرهما من التوجّه نحو الغرب إلى التوجّه نحو (كوريا واليابان) والجنوب الشرقي المشكّل من الهند الصينية (فيتنام وتايلاند وبورما وماليزيا). فلم يعد القطبان الصيني والهندي ينظران إلى الشرق الأدنى المتدهور.

هكذا انتقلت المبادرة إلى أوروبا فأصبحت السيطرة على البحار من جانب، وعلى الإقليم القاري الوسيط الروسي من الجانب الآخر، الوسيلة الجديدة المفضلة لتأسيس علاقات تجارية مربحة بين القطب الأوروبي الصاعد والقطبين الآسيويين (الصين والهند). وتنافس كلا الطريقين (الطريق البحرى والطريق القاري عبر روسيا) من أجل تحقيق الهدف.

4- أصبحت سيطرة أوروبا على البحار تمثل جوهر التحدي بالنسبة إلى إقليم الشرق العربي/ التركي/ الإيراني الإسلامي وإلى إقليم أور-آسيا الروسي.

ظلت أوروبا- شمال شرق المتوسط الروماني الإغريقي سابقاً- في وضع هامشي في النظام العالمي حتى القرن العاشر، فكانت تشكيلاتها الاجتماعية- شأنها في ذلك شأن أفريقيا جنوب الصحراء- لم تتخط بعد حدود المشاعات الأولى. كما شهدت القارة موجات متتالية من هجرة “القبائل” المكونة لشعوبها وذلك على مسافات طويلة.

بيد أن هذه المنطقة المتخلفة قد انتقلت إلى نهضتها باكراً. وقد قدّمتُ تفسيراً لهذه “المعجزة” قائماً على بيان الميزة التي مثلها الشكل الخاص الذي اتخذه النمط الخراجي في أوروبا. فساد هناك تفتت اقطاعي في ممارسة السلطة على خلاف تمركز هذه السلطة في الشكل المتقدم للنمط الخراجى (لا سيما في الصين). فظلت فكرة مركزية السلطة مقتصرة على طموحات البابا (وريث الإمبراطور الروماني) في تمثيل “وحدة العالم المسيحي”، وهي وحدة رمزية لم تعط للبابا سلطة سياسية حقيقية تذكر في إدارة الممالك الإقطاعية الأوروبية.

ومرّ الانتقال إلى الرأسمالية عبر حقب متتالية سريعة، وتمثلت أولى هذه الحقب في الحروب الإفرنجية التي دفعت “الإفرنج” (فرنسيين وإنجليز وألمان) في سبيل مشروع السيطرة على “طرق الحرير” من خلال الاستيلاء على الشرق الأدنى الإسلامي والشرق الأدنى البيزنطي الأرثوذكسي. وينبغى التشديد في هذه النقطة: “فالعدوّ” لم يكن “المسلمين” فقط، بل كذلك مسيحيّون الدولة البيزنطية. وخسرت أوروبا الإفرنجية حربها ضد الخلافة الإسلامية التي طردتها من الأراضي المحتلة. ولكن هذه الحروب الإفرنجية دمرت الدولة البيزنطية، الأمر الذي يَسَّرَ فيما بعد اختفاءها لصالح الفاتح العثماني.

بيد أن “انتصار” المسلمين أخفي في طياته هزيمة تاريخية. وجّهت أوروبا أنظارها في اتجاه البحر، وفي نهاية المطاف ساهمت سيطرتها على البحر في تدهور الأوضاع في الشرق الأدنى الإسلامي الذي فقد احتكاره على طرق الحرير، وبدوره يَسَّرَ تدهور الإقليم أن تبسط القبائل التركية والمغولية سلطتها على أراضيه. علماً بأن القيادات العربية الإسلامية شاركت في تسهيل استيلاء الأتراك على أراضيها بدعوتها “للإنقاذ من الإفرنج”.

استفادت المدن الإيطالية من حروب الإفرنج، فبسطت سيطرتها على الملاحة في المتوسط. ولنذكر هنا أن شخصين إيطاليين فتحا الطريقين الجديدين للوصول إلى الشرق الآسيوي: كولومبو الذي عبر الأطلسى (واكتشف أمريكا في طريقه إلى آسيا) وماركو بولو الذي عبر المحيط القاري الروسي- المغولي.

5- دخل المحيط القاري الروسي المغولي (الذي أصبح روسيا) في التاريخ المعاصر في هذه اللحظة بالتحديد. فهمّش فتحُ هذا الطريق القارى الجديد بين أوروبا والصين الطريقَ القديم عبر الشرق الأدنى الإسلامي.

فأصبح الصراع بين مختلف الشعوب التي تسكن الإقليم الأورو- آسيوي صراعاً تاريخياً حاسماً. تعارض من خلاله تكتلان: تكتل الشعوب الروسية التي خرجت من منطقة الغابات الدائمة الشمالية من جانب، وتكتل الشعوب المغولية الرعاة الذين احتلوا السهول الواقعة في جنوب الإقليم.

وكسبت روسيا المعركة عبر سلسلة حروب أدت إلى إقامة الإمبراطورية القيصرية واستيلائها على الإقليم بشموله من بولندا إلى المحيط الهادى، ومن المحيط الشمالي إلى بحر قزوين وجبال القوقاز وحدود إيران وأفغانستان.

اكتسبت التشكيلة الاجتماعية لهذا الإقليم الروسي الشاسع سمات خاصة بها، تميزها عن التشكيلات الأوروبية من جانب، وعن التشكيلة الصينية من الجانب الآخر.

يقال عادة بهذا الصدد إن روسيا “نصف أوروبية ونصف آسيوية”، علماً بأن النعت “آسيوي” يحمل معنى سلبياً. أقول إن هذا الحكم سريع وسطحي.

قطعاً كانت الإدارة السياسية للتشكيلة الروسية “أوتوقراطية”. بيد أن السمة ذاتها تنطبق على النظم الملكية الأوروبية المطلقة التي سادت خلال قرون حتى ثورة انجلترا عام 1683 وثورة فرنسا عام 1789.

على أن وسائل إدارة هذه السلطة الأوتوقراطية على منطقة شاسعة (من بولندا إلى أقصى سيبيريا الشرقية) اختلفت عن ممارسات الملكية الأوتوقراطية في دول غرب أوربا الصغيرة. توجهت الممالك الأوروبية الأطلسية الأربع (انجلترا، فرنسا، أسبانيا، البرتغال)- بعد اكتشاف أمريكا- إلى استعمارها. فأقام الأوروبيون فيها نظماً كولونيالية خاضعة لقوانين خاصة بها، متميزة عن القوانين السائدة في الدول الأم. على سبيل المثال أقاموا في أمريكا أشكالاً إنتاجية تعتمد على العبيد المنقولين من أفريقيا، بينما لم يسمحوا بنظام الرق على أراضي الدولة الأم.

سارت روسيا في سبيل مختلف، فأخضع الروس الشعوب ذات الأصول غير الروسية، المقهورة والمنضمة في الإمبراطورية، لنفس القوانين التي حكمت بها الطبقة الروسية القائدة شعبها الأصلي. علماً طبعاً بأن هذه القوانين فرضت القمع الإمبراطوري على الجميع واستغلالهم بنفس الأساليب.

فانحصرت “هيمنة الروس”– وهو أمر حقيقي- على المجال الثقافي (فكانت اللغة الروسية هي الوحيدة المعترف بها).

وعندما تطلق وسائل الإعلام الغربية نفس النعت على “جميع الإمبراطوريات” وتماثلها في نمط واحد (نتحدث عن الإمبراطورية الرومانية القديمة، العثمانية، البريطانية الحديثة، الروسية .. الخ) عبر التاريخ، فإنها تقدم مقولة غير علمية، وخادعة تماماً.

ولكن الإقليم الأورو- آسيوي لم يقم بوظيفة المحيط الرابط لأوروبا بالصين إلا خلال حقبة قصيرة تمتد من 1250 إلى 1500 إذ حل الطريق البحري مكانها انطلاقاً من 1500 ولم يكن هذا التحول جغرافيّا بحتاً. فقد اكتشف الأوروبيون أمريكا في الطريق واستعمروها وحوّلوها إلى تخوم الرأسمالية الناشئة، وذلك قبل أن يستعمروا آسيا الشرقية والجنوبية وأفريقيا حيث أقاموا نظم استغلال كولونيالي. هذا بينما حافظ الإقليم الأورو- آسيوي الذي أصبح روسيا على استقلاله.

6- همش اكتشاف الطريق البحرى دور الإقليم الأورو- آسيوي انطلاقاً من 1500 إلى 1900 وقد واجه الروس هذا التحدى بأسلوب فعال لامع.

ففي عام 1517، أى بضع سنوات فقط بعد سفر كولومبو عبر الأطلسى، أخرج الراهب فلوفاوس تصريحاً تاريخياً مفاده أن موسكو أصبحت روما الثالثة (بعد روما، ثم القسطنطينية). كان مغزى هذا التصريح إيذاناً بأن روسيا ستتولى مسئولية بسط سيطرتها على الإقليم الأورو- آسيوي الشاسع.

وقد حمَّل بعض المفكرين الروس في العصر الحديث- ومنهم برديايف- المقتنعين بسلامة المنهج والهدف، حملوا روسيا مسئولية تحقيق هذه “النبوءة” لصالح الإنسانية بأجمعها! بل أضاف برديايف بعد قيام ثورة 1917 أن “الشيوعية تمثل الآن هذه النبوءة”!

وإن كان مثل هذا التفسير مرفوضاً (وأنا أرفضه بلا تردد!) لغياب تأسيسه على أدنى قاعدة علمية ولخطورة النتائج التي تترتب على تنفيذه، إلا أنه يفسر أهداف ومنهج السياسة التي اتبعتها روسيا حتى ثورة 1917 التي توجهت اتجاهاً آخر (ولذلك قلت روسيا القيصرية لا الاتحاد السوفياتي!)

فتركز مجهود روسيا على الجمع بين تطوير مجتمع مستقل متمركز على الذات وبين الانفتاح على الغرب (“المسيحي” هو الآخر، ولو “المسيحي المزيف” في نظر الأرثوذكس!).

نجحت روسيا في هذا المشروع الذي لا مثيل له من حيث المساحة الشاسعة التي غطاها، كما نجحت الولايات المتحدة هي الأخرى في بناء دولة/ وطن على صعيد قاري. ويلاحظ أن الأمريكيين لجأو أيضاً إلى لغة النبوءة، فأطلقوا على مشروعهم نعت “إسرائيل الجديدة”. غير أن الروس في توسعهم القاري “استوعبوا” الشعوب المقهورة، بينما الأمريكان لجأوا إلى إبادة الهنود!

ولكن يبدو- مع مرور الزمن- أن نجاح الولايات المتحدة في مشروعها تفوّق بمراحل على إنجازات روسيا في مشروعها. ويلجأ البعض في تفسير الفرق إلى الميزة الخاصة التي تمتعت بها أمريكا: غياب وراثة “إقطاعية”، بحيث أن العلاقات الرأسمالية التي أقيمت على أرضيتها استطاعت أن تنمو بدون عائق في سبيلها، بينما روسيا القيصرية ظلت “إقطاعية” في عقائدها وأشكال تنظيم سلطتها.

أعتقد أن هذا التفسير يحمل شيئاً من الصحة. بيد أن هناك عوامل أخرى قد لعبت في صالح أمريكا. فبالمقارنة مع روسيا استفادت أمريكا من عزلة جغرافية منعت عملياً التدخل في شؤونها، فظلت محمية من إصابتها بالمدافع وذلك حتى العصر الحديث القريب، حين أصبح استخدام الصواريخ لا يترك أي منطقة من الكوكب- دون استثناء- بعيداً عن مناله.

فلم يتواجد أمام مشروع التوسع الأمريكي عدوّ يُذكر. ولم تمثل المكسيك عائقاً، فأصبح هو نفسه فريسة التوسع الأمريكى.

اختلفت الأمور بالنسبة إلى روسيا التي عانت من الصدام العسكري المباشر مع القوى الأوروبية العظمى والذي تجلى في حملة نابوليون، ثم حرب القرم (عام 1854)، ثم الحربين العالميتين.

فلم يكن من الممكن تفادى التفاعل بين سياسة روسيا وسياسة أوروبا. بل اختارت سان بترسبورج هذا السبيل عمدًا إذ لم يتصور النظام القيصرى لحظة اتخاذ موقف “الحياد” إزاء الشؤون الأوروبية، بل اعتبر نفسه طرفاً فيها. وكذلك فإن الاتحاد السوفياتي هو الآخر- ولو من موقف مختلف بشكل جذري- اعتتبر نفسه جزءًا من الصراع الطبقى على صعيد عالمي بين الطبقة العاملة حامل المشروع الاشتراكى وبين رأس المال العالمي، فكلا النظامين- القيصرى والسوفياتي- رفضا العزلة بدعوى الخصوصية المزعومة- سواء كانت خصوصية الشعوب السلافية أم خصوصية الطابع الأوروآسيوي لروسيا.

مكانة الاتحاد السوفياتي في المنظومة العالمية

مثلت ثورة 1917 قطيعة في تاريخ شعوب الاتحاد السوفياتي، وهي شعوب الإمبراطورية القيصرية سابقاً. فلا يصح اعتبار أن هناك مسيرة متواصلة في تاريخ “روسيا الكبرى” مرت بمرحلة “سوفياتية” قبل أن ترجع لأصولها “الروسية” بعد انهيار المشروع الشيوعي.

لقد خلقت سيادة الرأسمالية المعاصرة جديداً حقيقياً وحاسماً أصبح يتحكم في شئون جميع شعوب الكوكب. ويظل تحليل ماركس في هذا الشأن صائباً وحاسماً. ويتجلى التحدى الجديد الذي تواجهه جميع الشعوب في ضرورة تخطى نمط التراكم الرأسمالى. فلم يكن المشروع السوفياتي نتاج إلهام “نبويّ” كما قال برديايف.

تقع الأسئلة الصحيحة التي طرحتها ثورة 1917 في مجالات أخرى تماماً، وهي: أولاً، ما هي الأسباب التي أتاحت انطلاق الحركة نحو الاشتراكية من روسيا “المتأخرة” وليس من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية “المتقدمة”؟ وثانياً: ماذا حقّقت الحقبة السوفياتية وماذا لم تحقق؟

لن أعود هنا إلى هذه الأسئلة التي تناولت نقاشها في كتابات تفصيلية أخرى. فأرجو أن يرجع القارىء في هذا الصدد إلى دراستي الحديثة المعنونة “الوحدة والتعددية في الحركة نحو الاشتراكية”.

أكتفي هنا بالقول إن المجتمع السوفياتي أقيم بالفعل على أساس رغبة منهجية في “بناء الاشتراكية” على أراضيه. ولكن النظام استتب في شكل “اشتراكية دولة”، ثم تحجّر فلم يتخطّ هذه المرحلة الأولى، الأمر الذي أتاح انقلابه في نهاية المطاف لصالح العودة إلى الرأسمالية.

أضيف نقطة تبدو لي رئيسية لإدراك ما حدث بعد انهيار النظام في مجال العلاقات بين الأمة الروسية والأمم الأخرى المكونة الاتحاد السابق.

لم تواصل السياسة السوفياتية ممارسات النظام القيصري في هذا المجال فأقيم الاتحاد على قاعدة تعترف وتحترم تنوع القوميات، حلت محل مبدأ “الاستيعاب” (“التماثل”)- ولو الظاهر أكثر منه الحقيقي- الذي مارسه النظام القيصري.

بل أكثر من ذلك أقيم النظام الاقتصادي السوفياتي على قاعدة إعادة توزيع فوائد التنمية المشتركة لصالح المناطق الأقل نمواً، علماً بأن الشعوب “غير الروسية” هي التي استفادت من هذا الخط العام الجديد. فانتقل استخدام الفائض المستخرج من المناطق الأكثر تقدماً (روسيا الغربية، وأوكرانيا وجمهوريات البلطيق) للاستثمار في المناطق الأقل نمواً (سيبيريا، آسيا الوسطى، الجمهوريات جنوب القوقاز). وساد نظام تماثل ومساواة الأجور والحقوق الاجتماعية. وهو مبدأ يناقض تماماً المبدأ الذي يحكم الرأسمالية، وهو التفاوت في مستوى الأجور بين المراكز والتخوم. بعبارة أخرى اخترعت السلطة السوفيتية مبدأ “المعونة” الحقيقية، وهو مبدأ لا تزال الرأسمالية تتجاهله في ممارساتها الواقعية، بالرغم من كلامها حول “المعونة الدولية”!

أرجع إلى الموضوع الذي أود أن أتناوله هنا: وصف سمات النظام السوفياتي في مرحلته الأخيرة، قبل السقوط. أقصد إذن وصف النظام “المتحجّر” لعصر حكم بريجنيف.

أولاً : نظام قائم على مبدأ “الطائفية”

وليس المقصود “طائفية” قائمة على الانتماء القومى أو الاجتماعى طبعاً، بل المقصود هو تكوين “تكتلات قطاعية” مصلحية تجمع معاً أصحاب القرار والعمال الفاعلين في قطاع إنتاجي معين. على سبيل المثال تكتل يضم أصحاب القرار في الصناعة المعدنية والعمال المستخدمين في هذا القطاع.

فأصبح كل من هذه التكتلات “مركز قوة” يدخل في التفاوض (لعل كلمة مساومة تعطي المعنى!) مع مراكز القوة الأخرى من أجل تصميم أهداف الخطة العامة وتوزيع الفوائد المستخرجة منها: وصار الـ “غوسپلان” المكان الذي حلت فيه هذه “المفاوضات- المساومات”. وصارت النقابات جزءًا من المنظومة بصفتها المؤسسة التي تتناول مسئولية إدارة الشئون الاجتماعية والفوائد المستخرجة منها لصالح العمال (مدارس، مستشفيات، سكن، معاشات الخ).

لعب مبدأ الطائفية الموصوف هنا دوراً حاسماً، فحلّ محلّ “الربحية” التي تتحكم في إعادة تكوين التوسع الرأسمالي. فتجلى عمل هذا المبدأ في “السوق السوفياتية” وأعطى له طابعاً مختلفاً عما هو عليه في واقع عمل السوق في الرأسمالية. علماً بأن الطابع “العقلانى” للخطة الناتجة عن هذه المساومات الجماعية يظل موضوع تساؤل.

أدى العمل طبقاً لمبدأ “الطائفية” في ظروف تحجّر النظام إلى صعود تناقضات جديدة بين مختلف الأقاليم الجغرافية المكونة الاتحاد. فكان لكل تكتل من التكتلات المعنية وجود في مناطق معينة، بينما غاب في مناطق أخرى، علماً أيضاً بأن هذا التقسيم الجغرافي لم يمتّ بصلة إلى تقسيم السلطة بين القوميات. على سبيل المثال هناك تكتل معين يمكن أن يكون له وجود في إقليم روسى وفي إقليم آخر في اوزبكستان ولا وجود له في جورجيا…. الخ.

ثانياً : نظام سلطة أتوقراطية

أقصد هنا غياب ممارسة الديموقراطية في إدارة السياسة العامة، سواء كانت طبقاً للنمط الغربى (القائم على الانتخابات المتعددة الأحزاب) أم للنمط المتفوّق الذي تصورت إقامته ثورة 1917.

على أن هذا القول لا يرادف قبول نظرية “نظام التوتاليتارية” (الشمولية) الذي تكرر وسائل الإعلام الغربية الحديث عنه بلا ملل. فقد اختفي وراء “الأوتوقراطية” الظاهرة في اتخاذ القرار تفاوض حقيقى بين التكتلات التي مثلت تنوع المصالح الجماعية ومراكز القوة.

وبدلاً من الحديث المجرد والمبسط عن “الأتوقراطية” أقول إن النظام تجلى في هرم من السلطات المتجسمة في مؤسسات إقليمية (ولا سيما في توزيع ممارسة القرار بين مختلف الجمهوريات). وقد يسرّ هذا الوضع انفجار الاتحاد في نهاية المطاف.

ثالثاً: استقرار النظام الاجتماعى

لا أنكر على الإطلاق تواجد ممارسة العنف في واقع التاريخ السوفياتي. وتعددت مصادر العنف المعنى.

انفجرت الموجة الأولى من العنف بمناسبة التعارض الصاعد بين هؤلاء “الواقعيين”- الذين أعطوا الأولوية للّحاق– أى إنماء قوى الإنتاج- وأولئك الذين تمسكوا بتنفيذ الوجه الآخر من المشروع، وهو إقامة علاقات اجتماعية جديدة ذات طابع اشتراكي صحيح. علماً بأن هذا التناقض لم يكن مفتعلاً، بل انعكاساً لواقع تناقض صحيح صاحَبَ انتصار الثورة في منطقة تخومية سابقاً في المنظومة الرأسمالية العالمية.

تلت هذه الموجة الأولى ما ترتب على انتصار النظرة “الواقعية”، وهو استخدام العنف من أجل استعجال عملية التصنيع. علماً بأن وسائل عنف شبيهة قد استخدمت في تاريخ التراكم الرأسمالي! اذكر هنا شُح الإسكان وغيرها من ظواهر الفقر.

يحل المصدر الرئيسى في استخدام العنف السوفياتي في مجال ممارساته مع الفلاحين. فقد ألقى قرار إنشاء الكولخوزات عبء تمويل التصنيع على كتف صغار الفلاحين، حتى أنهي هذا القرار تحالف العمال والفلاحين الذي أتاح انتصار الثورة. هذه القصة معروفة تماماً.

وينبغى– عندما نتناول مقارنة درجة العنف بين نمط التراكم الأوّلي “الاشتراكي” والتجارب الرأسمالية السابقة- أن نتذكر أن الغرب استفاد من ظروف أفضل ساعدت على تخفيف نتائج العنف، أقصد الهجرة على نطاق واسع لأمريكا. فارتفع عدد سكان أمريكا ذوى الأصول الأوروبية حتى يعادل عدد سكان أوروبا نفسها ولم تعرف التجربة السوفيتية مثل هذه الميزة.

أضيف أن النمط السوفياتي للتراكم قد أظهر وجهاً إيجابياً بالمقارنة مع النمط الرأسمالي. فوفّر فرصاً للصعود في الهرم الاجتماعي لملايين من أبناء الطبقات الشعبية، وهو ما لم يحققه النمط الرأسمالي.

أخذ النظام يتطور نحو الاستقرار الاجتماعى انطلاقاً من عصر حكم خروتشوف. فبلغ النظام حداً من التنمية أتاح له رفع مستوى المعيشة بشكل ملحوظ ومتواصل.

لم يتمتع استتباب الأمور بطابع “نهائي” طبعاً. فليس هناك نظام– اشتراكي أو رأسمالي- يستطيع أن يزعم ذلك. فعَمِل الاستقرار الاجتماعي السوفياتي– النسبي- في إطار له حدود، ويتسم بالتناقض. لا سيما ذلك التناقض الذي صاحب غياب التقدم في سبيل دمقرطة المجتمع.

فكانت هناك احتمالات مفتوحة متباينة تحكم مستقبل النظام.

كان من الممكن أن يحدث تطوّر تدريجي نحو مزيد من الفعالية الاقتصادية بالانتقال من نمط تراكم توسّعي إلى نمط تراكم كثيف‘ من خلال فتح باب للتبادل في السوق (المصحوب بوضع حدود لعمليات السوق)، ولمزيد من الديموقرطية. بعبارة أخرى كان يحتمل أن يتطور النظام نحو موقع “يساري وسطي” يحفظ المستقبل.

وكان هناك احتمال آخر يمكن حدوثه هو تحجّر النظام وهذا هو ما حدث بالفعل.

رابعاً: فك الارتباط مع الرأسمالية العالمية

لا أقصد بمفهوم فك الارتباط نوعاً من الانعزال والهجرة إلى خارج الكوكب، بل اتخاذ موقف منهجي يتيح قلب العلاقة بين نمط النمو الوطني وبين نمط النمو السائد عالمياً، إذ إن نجاح استراتيجية رأس المال المعولم السائد يقتضي تكيف الأطراف الضعيفة في المنظومة العالمية وخضوعها لمطالب القوى المتحكمة على الصعيد العالمي. أي بمعنى آخر، تفرض الاحتكارات الرأسمالية الإمبريالية القائدة تكيفاً من جهة واحدة. فُيطلب من الاقتصاد التابع إعادة الهيكلة كي تفيد تنميتُه عملية استعجال التراكم في الاقتصاد المركزي القائد. هذا هو برنامج مضمون وهدف “إعادة الهيكلة” للبنك الدولي.

فُيطلب من الكونغو أن يتكيف لما يفيد الولايات المتحدة، ولا يُطلب من الولايات المتحدة إعادة هيكلة نظامها بما يفيد تنمية الكونغو!

على النقيض من ذلك تسعى سياسة فك الارتباط إلى انقلاب هذه العلاقة، أي تحقيق شىء من التكيف المعكوس، تكيف الأقوى للأضعف. أقول “شيئاً من” لأن سياسات الأطراف الضعيفة نسبياً لا تستطيع أن تفرض بشكل كلّي ومطلق تحولاً جذرياً وشاملاً في هيكل الطرف الأقوى. وباللغة الدارجة: تسعى إلى أن يقبل الطرف الأقوى الأمر الواقع، يقبل المنهج الذي يستخدمه الطرف الضعيف من أجل تكريس استقلاله وتحسين وضعه الداخلي ومكانه في المنظومة العالمية، الأمر الذي يتجلى في “تنازلات” من الطرف الأقوى.

ليس هناك إذن “فك ارتباط مطلق”، بل فك ارتباط نسبى فقط. علماً أيضاً بأن “الاستقلال الشامل” لا وجود له في عالم مشكّل من أطراف مرتبطة بعلاقات تبادل تخلق تبعية متبادلة، ولو غير متساوية.

فظَلَّ الاتحاد السوفياتي مصدراً للمواد الخام للأسواق العالمية الرأسمالية. وفي هذه الحدود اضطر أن يتكيف هو لمقتضيات تحكم رأس المال الإمبريالي في هذه الأسواق.

خامساً: بناء قوة سياسية وعسكرية عظمى

نجح الاتحاد السوفياتي في رفع قواته المسلحة إلى مستوى قوة عظمى. فألحق الجيش الأحمر الهزيمة بالقوات النازية، ثم استطاع بعد الحرب العالمية الثانية أن يُنهي في بضع سنوات احتكار الولايات المتحدة للأسلحة النووية والصواريخ.

خلق هذا النجاح “ثنائية عسكرية” اتسم بها النظام العالمي حتى سقوط الاتحاد السوفياتي. ولعبت هذه الثنائية العسكرية دوراً إيجابياً في ساحة السياسة الدولية، فضمنت لدول التخوم الآسيوية، والإفريقية، والعربية المشتركة في كتلة عدم الانحياز، هامشاً للتحرك المستقل دون أن تخشى عدوانًاعسكرياً من واشنطن. فليس من الغريب إذن أن تكون وشنطن قد استفادت فوراً من سقوط الاتحاد السوفياتي لشن حروب عدوانية ضد دول جنوبية انطلاقاً من عام 1990.

لقد فرض الوجود السوفياتي السياسى في الساحة الدولية نوعاً من النظام المتعدد القطبية.

هذا ولم تسعَ السياسة السوفياتية إلى إنجاز أكثر من ذلك، أى حماية استقلالها، فلم ترسم لنفسها هدف “تصدير الثورة الاشتراكية” كما يحلو لوسائل الإعلام الغربية أن تكرر بلا ملل.

ظل النظام السوفياتي نظاماً مستقلاً قاوم المنظومة الرأسمالية العالمية. وذلك سواء اعتبرناه اشتراكي الطابع أم لا.

سمات الرأسمالية في روسيا بعد السوفياتية

توقف تطور النظام السوفياتي بعد انتصار ثورة 1917 عند مرحلته الأولى، مرحلة “اشتراكية الدولة” التي أسس قواعدها لينين ثم ستالين. ثم تحجر النظام عند هذه النقطة حتى أخذ يميل إلى أن يتحول إلى “رأسمالية الدولة” في عصر بريجنيف.

ألجأ هنا إلى مفهومين تناولت توضيح مضمونهما في مقالي المعنون “الوحدة والتعددية في الحركة نحو الاشتراكية” وأطلقت اسم الـ “رأسمالية دون رأسماليين” على هذا النظام في وصفي لتحجّره قبل السقوط.

روى بريجنيف صعود طموحات الطبقة القائدة المستفيدة من النظام “النومنكلا تورا” إلى أن تحوّل أعضاؤها إلى رأسماليين أصحاب الملكية على نمط بورجوازية الغرب، ثم اعتمد يلتسين وغورباتشوف على هذه الطبقة من أجل إنجاز “الإصلاحات” المزعومة تحت عنوان جذاب: “إعادة هيكلة النظام وإضفاء الشفافية عليه”.

أثبتت التطورات التي تلت فراغ الشعار الذي اختفي وراءه مشروع إسقاط النظام بحاله، لتحلّ محلّه رأسمالية منفلتة لصالح بورجوازية خرجت من صفوف النومنكلاتورا.

هل ارتكب يلتسين وغورباتشوف جريمة “الخيانة”؟

ليست إجابتى بالنفي، إذ إن سقوط الاشتراكية المزعومة (في واقع الأمر سقوط رأسمالية الدولة) صاحبته بالضرورة ردّة فاحشة في مجال الحفاظ على ما يمكن تسميته “المصالح الوطنية” لشعوب الاتحاد السوفياتي. فانفجر الاتحاد وأصبحت الجمهوريات المكونة له دولاً تابعة تكاد تكون نيوكولونية بالنسبة إلى بعضها مثل دول البلطيق. ودخلت روسيا نفسها في نفق لم يظهر بعد نور المخرج منه.

اعتمدت خطة الإمبريالية- باشتراك يلتسين وغورباتشوف في تنفيذها– على تبني وصفة “العلاج بالصدمة”، التي صممتها رأسمالية الاحتكارات الغربية من أجل تدمير فوري وشامل لمؤسسات الدولة بحيث يصبح المجتمع عاجزاً في مواجهة الهجوم المنهجي المخطط.

وقد ساهمت قطاعات واسعة من البورجوازية الروسية، ومثيلاتها في الجمهوريات المستقلة الجديدة، في تنفيذ البرنامج، بل قبلت أن تتحول إلى بورجوازيات كومبرادورية لمعرفتها أن هذا هو ثمن إثرائها السريع. وترتب على تضافر هذه العوامل إقامة نظام رأسمالي هش الهيكل، يتسم بالسمات التي سنتناول وصفها فيما يلى.

أولاً: تحول روسيا إلى وضعية تخومية في النظام الرأسمالى العالمي المعاصر

تميل المنظومة الإنتاجية الروسية إلى أن تنحصر في قطاعات إنتاج المواد الخام للتصدير- ومنها النفط والغاز بصفة رئيسية- فلم تقم الحكومة بإصلاح القطاعات الصناعية والزراعية، وهي قطاعات لا يهتم بها رأس المال الدولي ولا البورجوازية الكومبرادورية الجديدة المحتكرة للسلطة العليا.

وتعاني هذه القطاعات من شح الاستثمار المخصص لها. بالإضافة إلى إن الحكومة سمحت بتدمير التعليم والقدرات الإبداعية التي كان النظام السوفياتي يحافظ عليها حفاظه على العين. كان نمط التعليم السوفياتي- لا سيما التعليم العلمي- يُعتبر من أرقى ما أُنجز عالمياً. وقد تم تدمير هذا الإنجاز بأسلوب منهجي صممه “خبراء” أمريكان.

من المسئول عن الكارثة؟ الطبقة الحاكمة التي فُتحت لها أبواب الإثراء الفوري من خلال نهب الملكية العامة. ولا سيما القسم من هذه الطبقة الذي استولى على الكومبينات السوفيتية العظمى في استخراج النفط والغاز. فشكل هذا القسم نواة الأوليغاركية الجديدة، على نمط بلاد الجنوب المنتجة لمثل هذه الثروات من أجل التصدير. فأصبحت الدولة الروسية بمثابة دولة ريعية تعتمد ميزانيتها على الريع ولا غير. وخضع الإصلاح الضريبى “لنصائح” البنك الدولي، فتم تخفيض نسبة الضرائب المحصلة على أرباح الشركات إلى 17% فقط، في مقابل ما يتراوح بين 40 و30% في الدولة الغربية! وكذلك أُلغيت أو تكاد الضرائب على الأرباح الموزعة ونسبتها في روسيا هي أيضاً 17%، في مقابل ما يتراوح بين 70 و40% في الدول الغربية!

ثم تم تفكيك الصناعات التحويلية وبيع أقسام منها بأثمان رمزية لا صلة لها بالقيمة الحقيقية للأصول العينية (نموذج بيع القطاع العام في مصر مبارك ومرسي!) وذلك لإقامة “منشآت” تعمل من الباطن لصالح الاحتكارات الأجنبية التي تمتص الفائض المنتج في نشاطها. أي بعبارة أخرى تبنت روسيا أسوأ نمط من أنماط التبعية الجديدة.

والوضع أسوأ في الجمهوريات الأخرى للاتحاد السوفياتي السابق، فأصبح رأس المال المالى يحكم اوكرانيا كما يحكم مستعمراته الأخرى في أوروبا الشرقية (بولندا، دول البلطيق، المجر الخ). وتقوم “منظمات غير حكومية” تمولها بسخاء أجهزه الإمبريالية بتنظيم “مظاهرات” تدعو أوروبا لتولى أمور إدارة الدولة.

ويعتمد نظام السلطة على طبقة “وسطى” جديدة نشأت مع التحول الكومبرادورى. تتشكل هذه الطبقة من موظفين يقبضون مرتبات مرتفعة وظيفتهم خدمة الكومبرادور في إدارة أعمالهم.

تختلف أوضاع روسيا الموصوفة هنا عن الصين التي رفضت “العلاج بالصدمة” وحافظت على استقلال رأسمالية دولتها ولم تسمح بتحويل صناعاتها إلى منشآت تعمل من الباطن لصالح رأسمال الاحتكارات الإمبريالية (يستطيع القارىء أن يرجع هنا إلى ما كتبته في الدراسة المعنونة “الصعود الناجح: الصين”، المنشورة في كتابي “ثورة مصر بعد 30 يونيو”).

يبدو أن بوتين قد بدأ يدرك مدى التدمير الذي أصاب اقتصاد روسيا ويبدو أنه ينوى اتخاذ مبادرات من أجل إصلاح الأوضاع. سوف نتناول نقاشها فيما بعد.

ثانياً: سلطة أوتوقراطية غير مسئولة

يحول نمط الرأسمالية الروسية دون تقدم ديموقراطى، وليس استمرار الممارسة الأتوقراطية تعبيراً عن “بواقى الماضى”، بل إنّه تعبير عما تقتضيه ممارسة سلطة الأوليغاركية الكومبرادورية الجديدة. وفي هذا الإطار أقام دستور 1993 نظاماً رئاسياً يخفض سلطات الدوما (البرلمان المنتخب) إلى ما يقرب الصفر.

تتجاهل وسائل الإعلام الغربية– عمداً- هذه الحقيقة. فلا تدين النظم التي تتبنى الوصفة الليبرالية بنقص الديموقراطية، وتدينها فقط إذا سارت في سبيل آخر.

يكمن الفرق بين أساليب الأتوقراطية الجديدة وسابقتها السوفياتية في مجال آخر. فتخدم الأتوقراطية الجديدة مصالح الأوليغاركية الكومبرادورية الجديدة. وانعكست النزاعات بين أطراف هذه الأوليغاركية داخل نظام الحكم. فأصبح كبار موظفي الدولة أطرافاً في هذه النزاعات من أجل استخلاص فوائد مالية في مقابل تحيّزهم لطرف أو آخر. ويعتبر هذا الوضع أهم مصدر “للفساد”. وقد رأينا في بعض الأحوال عناصر من الأوليغاركية يدعون “الغرب” لإنقاذهم، باسم الديموقراطية طبعاً!

اندرجت سياسة بوتين في مرحلتها الأولى في هذا الإطار. فاستخدم الرئيس تلك الوسائل ذاتها من أجل وضع أصدقائه من حلقات سان بترسبورج (وهي قاعدته الأصلية في انطلاقه) في وظائف قائدة. وسوف نرى فيما بعد إذا كان هناك احتمال أن يعيد بوتين النظر في هذا المجال، بعد استقراره في السلطة.

يشارك “الشعب الروسي” في مسئولية الانهيار. علماً بأنه وجد نفسه في اضطراب بعد انهيار المؤسسات السوفياتية التي كان قد تعوّد على التعامل معها. ولكن النظام الجديد هو الذي يحمل المسئولية الكبرى في نهاية المطاف. فلجأ هذا النظام إلى استخدام العنف لتدمير ما تبقّى من مؤسسات العصر السوفياتي حتى ضرب بالمدافع أول برلمان منتخب!

ولم يكن “اليمين” الجديد قادراً على تخطّي حدود تكوين جماعات صغيرة ترعد بالضوضاء (وعلقت وسائل الإعلام الغربية على هذه الضوضاء أهمية لا تستحقها!).

ولا يزال هذا اليمين- إلى الآن- عاجزاً عن خلق حزب سياسى بالمعنى الصحيح. كما أنه لم يصبح قادراً على بلورة مشروع بديل للسوفياتية يكون متماسكًا ومقنعًا، يصاحبه خطاب أيديولوجى جاذب.

فظل هذا اليمين أسيراً لبيروقراطية السلطة، ومضطراً إلى الاعتماد على مساندتها لتحقيق أهدافه من نمط شبه رأسمالي في روسيا، مثل ما أسميته في ظروف مصر: النمط المنحطّ لرأسمالية المحاسيب.

ظل الحزب الشيوعى يتمتع بدرجة من الشعبية، الأمر الذي انعكس في قدرته على جمع نصيب محترم من الأصوات في الانتخابات الأولى. إلا أنه ظل متجمّداً، دون تجاوز حدود الشعارات الدغمائية، الموروثة، وبالتالي ظل عاجزاً عن مواجهة التحدي الجديد. وشجّع هذا العجز خشيته وخجله حتى أنه قبل تنازلات- مثل مساندته لدستور 1993- لم تكن الموافقة عليها في مصلحته.

ثم ظهر على يسار هذا الحزب مجموعات “ماركسية” مجددة ولكن هذه المجموعات هي الأخرى لم تخرج– إلى الآن- من عزلتها في حلقات “نقاش” دون كسب جماهيرية.

ثالثاً: تفكك نظام “الطائفية”

كان من المحتمل أن تقوم النقابات– في غياب الحزب الشيوعى- بدور فعال، على الأقل من أجل حماية الإنجازات الاجتماعية المحققة في ظل نظام “الطائفية” (القطاعية) السوفياتية السابق. وفعلاً استمرت الجماهير تثق في نقاباتها، على الأقل خلال العقد الأول للنظام الجديد، أي التسعينيات.

ثم ارتكبت النقابات ما يبدو لى خطأ جسيماً. فتصورت إمكانية استمرار نظام “الطائفية” القديم الذي كانت طرفاً فيه. وقد شجع موقف العديد من كوادر إدارة الاقتصاد السوفياتي السابق دوام هذا التخيّل. فوقف هؤلاء الكوادر مع عمال المنشآت المعنية في مواجهة نهب القطاع العام.

وذهب البعض منهم- مع كوادر نقابات- إلى تصور حل على نمط الاشتراكية الديموقراطية الغربية، أى إقامة مؤسسات ثلاثية الأطراف (أصحاب رأس المال، الدولة، النقابات) تقوم بمفاوضات بينية حتى تصل إلى قرارات جماعية في مختلف القضايا التي تمس إدارة المنشآت والشئون الاجتماعية (شروط التوظيف والعمل، الأجور، المعاشات الخ). ولعل هؤلاء تجاهلوا إن أيام الأسلوب الاشتراكي الديموقراطي المذكور قد فاتت في الغرب نفسه.

لم تمنع خشية النقابات وخجلها صعودَ النضال الطبقي الذي تجلى في إضرابات متكررة قوية. على أن هذه المبادرات ظلت “تلقائية” في معظم الأحوال – ونتاجاً لقرارات صادرة من القاعدة دون موافقة قيادات النقابات- وعاجزة عن دفع النقابات لإصلاح نفسها أو– في غياب حدوث ذلك- عن إنشاء نقابات بديلة.

أدى تضافر هذه العوامل السلبية إلى ردّات متواصلة لوجود النقابات في الساحة، كما حدث في الغرب أيضاً، ولنفس الأسباب.

رابعاً: صعود طموحات إقليمية منفلتة

أنتج سقوط النظام السوفياتي ظروفاً ملائمة لانفجار طموحات إقليمية منفلتة. ولئن كانت هذه الطموحات موجودة في ظل النظام السوفياتي، إلا أن السلطات بذلت المجهود المطلوب بروح من المسؤولية، كي لا تنفلت الأمور باللجوء إلى التفاوض (لعله “المساومة”) مع القوى المعنية، والعنف إن لزم الأمر.

تبخرت روح المسؤولية. وصارت كل فئة تدفع مصالحها الخاصة دون اعتبار للمصالح الأعلى. بل أخذت تكتلات الأوليغاركية تستغل الطموحات الإقليمية عندما وجدتها تفيد مصلحتها.

ليست الحركات الإقليمية في روسيا “قومية” (أو “دينية”) الطابع بالضرورة. فهناك على سبيل المثال طموحات إقليمية في أماكن نائية في سيبريا بالرغم من كون سكانها من الروس. ولكن هناك أيضاً حركات إقليمية ازدهرت على أرضية مطالب قومية، لاسيما في المناطق الإسلامية (مثل إقليم الشيشان). واستغل العدو الإمبريالى (الولايات المتحدة) المناسبة للتدخل السافر في شئون روسيا الداخلية. ثم لجأت السلطة المركزية الروسية إلى استخدام العنف في مواجهة هذه الحركات واستغلت عمليات الإرهاب التي باشرتها بالفعل بعض هذه الحركات لتبرير رد الفعل العسكري.

هناك إشارات توحى أن بوتين بدأ يدرك خطورة الموقف. ولاسيما أن العديد من محافظي الأقاليم المنتخبين طبقاً للدستور قد أصبحوا أطرافاً في الحركات الإقليمية. فأصدرت الرئاسة قانوناً يتيح لها حق تعين موظفين (أسمتهم “مديري الأقاليم”) لهم حق الفيتو ضد قرارات المحافظين. مرة أخرى لا يتجاوز هذا الحل حدود ممارسة الأتوقراطية تفاديا للبحث عن حلول صحيحة من خلال التفاوض.

خامساً : غياب روسيا (مؤقتاً؟) في الساحة الدولية

دعت القوى الإمبريالية العظمى الممثلة في “مجموعة السبعة” روسيا للاشتراك في مجالسها (أصبحت المجموعة مكونة من ثمانية) وذلك بعد سقوط النظام السوفياتي بقليل.

ولا تزال هذه المشاركة رمزية، دون أن يكون لها أي تأثير في مواقف السبعة. فبينما تم حل اتفاقية وارسو العسكرية لا يزال الناتو قائماً، بل صارت ممارساته أكثر استفزازاً وعجرفة. وكذلك قُبِل انضمام روسيا لمجموعة السبعة على أساس تبنيها مبادىء الليبرالية الاقتصادية دون تحفظ.

إلا أن تطور الأمور جعل قيادات روسيا تدرك خطورة الحال. إذ إن حضور روسيا في مجموعة الثمانية (والمفروض أن روسيا أصبحت “صديقاً”) لم يمنع الولايات المتحدة وأوروبا خلفها من التدخل السافر في شئون روسيا الداخلية، والقيام بمؤامرات عدوانية لاسيما في جورجيا ودول وسط آسيا وأوكرانيا.

يبدو أن بوتين قد أدرك أن الغرب لا يزال عدواً لروسيا الأمر الذي يفسر مواقفه الجريئة التي اتخذها في مواجهة الأزمات الدولية الأخيرة (سوريا، إيران، أوكرانيا). ولذلك أعتقد أن زمن غياب روسيا من الساحة الدولية قد انتهي.

أتذكر حوارًا جرى بيني وبين بعض المسئولين الروس (اليمينيين) في أعقاب سقوط النظام السوفياتي. فقال هؤلاء لى (يكاد يكون بالحرف): “خسرنا الحرب، ولكن سوف نكسب السلم، كما أن ألمانيا التي خسرت الحرب لم يمنع هذا صعودها الاقتصادي، فسوف نستفيد نحن أيضاً من تبنّى مبادئ الليبرالية الرأسمالية بعد أن تخلصنا من الأوهام الاشتراكية الخيالية”.

وكانت إجابتي كالآتي: “أنتم لا تدركون اختلاف الظروف. لقد ساعدت الولايات المتحدة ألمانيا على نهضتها بعد الهزيمة، لأن وشنطن كانت بحاجة لأن تكون ألمانيا قوية في مواجهة العدو الحقيقي القائم- الاتحاد السوفياتي. ويختلف الأمر اليوم فليس هناك وجود لأي عدو يذكر أمام الولايات المتحدة. وبالتالي لا تريد وشنطن مساندة صعود روسيا حتى لا تصبح مرة ثانية قوة عظمى، فالأفضل بالنسبة إليها هو مواصلة تدمير بلادكم”.

سادساً: التدهور الأيديولوجى

قامت الأيديولوجيا السوفياتية الرسمية على تكرار بلا ملل لخطاب “الاشتراكية” إذ كان المصدر الوحيد لشرعية النظام قائماً على ذكر ثورة 1917.

طبعاً كانت الفجوة بين الكلام (حول الاشتراكية) والواقع عميقة. ولكن ليس هذا الوضع شاذا يخص الاتحاد السوفياتي فقط.

فلا تقل عمقاً الفجوة التي تفصل الخطاب الأيديولوجي السائد في الغرب (ومفاده أن الليبرالية الاقتصادية مرادفة لتقدم الديموقراطية واستتباب السلم عالمياً) عن الواقع. فوظيفة الخطاب الأيديولوجي المبتذل هي بالتحديد إخفاء الحقيقة.

لجأ الخطاب السوفياتي أيضاً إلى تعبئة الشعور “بالوطنية”- ليس بمعنى الشوفينية بالضرورة. فدعا إلى تكريس وحدة الشعب “وراء زعمائه” في مواجهة العدو الإمبريالي الرأسمالي. ووجد هذا الخطاب صدى ملحوظاً لأنه قام على حقائق العداء للإمبريالية. علماً أيضاً بأن هذا الخطاب قد ساعد الحكام على إخفاء نواقصهم في إنجاز التقدم الموعود.

وليست هذه الممارسة خاصة بالتجربة السوفياتية. إذ يلجأ زعماء دول الجنوب إلى خطاب وطني مماثل حول معاداة الإمبريالية لمشروعهم “المستقل”.

واليوم، في ظروف صعود عداء الغرب لروسيا، يقوم الشعور بالوطنية الروسية بدور إيجابى. إلا أن مثل هذا الخطاب ما زال يؤثر في الشعب الروسي المشغول بمواجهة النتائج الكارثية للسياسة الليبرالية التي ينفذها النظام.

لذا حَلَّ خطاب شوفينى بحت محل تعبئة الوطنية الصحيحة. ويغذي الخطاب الشوفيني كراهية الجار ويحمله مسؤولية (وهمية طبعاً) المصاعب التي يعانى منها الشعب الروسي. فأصبح المهاجر القوقازي أو الآسيوي يمثل هذا العدوّ. مرة أخرى ليست هذه الظاهرة خاصة بروسيا. فأصبحت أداة خداع الشعوب في الغرب “المتقدم” (الحملات ضد المهاجرين) وفي الجنوب “المتخلف” (الحروب الأهلية “الدينية” أو “العرقية” في الوطن العربى وفي أفريقيا المعاصرة).

خروج روسيا من النفق؟

توحى قراءة الصفحات السابقة بأن روسيا تعيش عصر أفولها لدرجة بائسة، وأن مبادرات بوتين لقلب الاتجاه لم تأت بثمار تذكر إلى الآن. وهناك ظواهر اجتماعية توحي بأن الأفول لا يتعلق فقط بتدهور المنظومة الإنتاجية بل يلمس أيضاً المجال الديموغرافي- تعداد سكان روسيا في التنازل- الأمر الذي يدل على أن فقدان الأمل في المستقبل أخذ يتفشى في المجتمع.

ويستنتج بعض شخصيات اليسار الجذري الروسي بأن الأفول المذكور مؤقت. ويقوم تفاؤلهم على ملاحظة غياب شرعية نظام السلطة الراهن في أعين الشعب الروسي، وتشبيه الظروف الراهنة بما كانت عليه روسيا قبل انفجار ثورة 1917. فالمنتظر في نظر هؤلاء إنما هو انفجار موجة متكررة لحركة الثورة الاشتراكية، وليس أقل.

أعتقد أن كلتا وجهتي النظر تفتقران للحجة. فمن جانب لم ينجز النظام الرأسمالي الليبرالي الحاكم أهدافه المعلنة، أي درجة من الاستقرار الاقتصادى والسياسى والاجتماعي تضمن استمراره. وبالتالي تظل الأبواب مفتوحة على تغيرات تمس جوهر الأمور. والمقولة صحيحة بالنسبة إلى روسيا كما هي صحيحة بالنسبة إلى أي منطقة أخرى من الكوكب، بما فيها الدول المركزية القائدة، وبالأولى دول الجنوب الصاعدة وغيرها.

ومن الجانب الآخر لم تظهر بعد- لا في روسيا ولا في غيرها من أقاليم العالم- قوة استطاعت أن تقيم الجبهة الواسعة المطلوبة لانقلاب اتجاه التطور العام.

أقول، انطلاقاً من ملاحظتي المذكورة، إن السؤال الحقيقي المطروح هو الآتي: ما هي الشروط التي تتيح صعود موجة ثانية للحركة نحو الاشتراكية؟ علماً بأن هذه الموجة المطلوبة لا يمكن أن تكون تكراراً للموجة الأولى التي حركت الشعوب خلال معظم القرن العشرين. ثم بعد ذلك يمكننا أن نطرح نفس السؤال بصورة ملموسة وخاصة بظروف روسيا الراهنة: ما هي الخطوات الأولى المطلوبة والممكن تحقيقها والتي تدفع الحركة إلى الأمام في ظروف روسيا؟

تناولت بشىء من التفصيل الوجه الأول– العام- للقضية في مقالي المعنون “الوحدة والتعددية في الحركة نحو الاشتراكية”. فأرجو من القارىء المهتم بالموضوع أن يرجع إليه. وقد تمركزت ملاحظاتي في القضية حول بيان الجديد الذي يمنع اللجوء إلى الاستراتيجيات التي أتت بثمارها خلال الموجة الأولى (القرن العشرين) والتي لم تعد فعالة في ظروف القرن الواحد والعشرين.

كما انطلقت من نظرة مجددة لقضية “بناء الاشتراكية”، قائمة على اعتبار أن السير نحو الاشتراكية يتجسم في مسيرة تاريخية تمتد على عقود من الأعوام، بينما قامت نظرة القرن العشرين على تخيل انتقال سريع للاشتراكية. ثم لفتُّ النظر إلى تحول هام لطرح القضية نظرياً وعملياً، يمس إشكالية تعددية الأطراف المشتركة في الحركة نحو الاشتراكية. ويختلف هذا الطرح هو الآخر عن أطروحات ماركسيات القرن العشرين. فهذه الأخيرة رأت أن هناك طبقة واحدة ووحيدة عليها أن تقود وتنجز التحول الثوري إلى الاشتراكية هي البروليتاريا. كما أن بعض فروع الماركسية التاريخية رأت أنه– في ظروف مجتمعات تخوم المنظومة الرأسمالية المعولمة- يمكن أن تقوم البورجوازية الوطنية (أو الدولة الوطنية) بتحقيق أهداف مرحلية أولى تنخرط في التطلع نحو الاشتراكية.

وترسي خلاصة التحليل الذي قدّمتُه في القضية في طرح مقولة “المشروع المستقل” (“الوطني المستقل”) بصفته الخطوة الأولى على الطريق الطويل للاستمرارية. وأقصد بـ”الاشتراكية” مرحلة أعلى في حضارة الإنسانية تقوم على مبدأ لحم النسيج المجتمعي على أساس سيادة الديموقراطية، ويحل محل لحمه على أساس سيادة السوق.

ويتجلى مضمون “المشروع المستقل” المطلوب والممكن في إقامة “رأسمالية دولة مستقلة” ذات التوجه الاجتماعي الشعبي بصفتها الخطوة التي تفتح الباب لتطويرها إلى “اشتراكية دولة” ثم بالتدريج إلى تقدم الأخيرة نحو الاشتراكية.

كيف يمكن ترجمة هذه الخطوط العامة إلى برنامج عمل ملموس في ظروف روسيا اليوم؟

لقد ناقشت أطروحاتي في هذا المجال في موسكو عام 2013 بشيء من التفصيل مع عدد من الرفاق الروس. ودون أن أجرؤ على القول بأننا “اتفقنا بالضرورة وبالتفصيل” أقول إنه قد بدت لى موافقة شملت النقاط الأساسية الآتية:

1- الخروج من سيادة انفراد نمط الملكية الخاصة في إدارة الاقتصاد وإحلال سيادة “رأسمالية دولة مستقلة” محله.

يقتضي تنفيذ المشروع البديل المذكور العودة إلى تأميم أهم قطاعات الإنتاج الروسي التي يملكها حالياً أعضاء الأوليغاركية بصفتهم أصحاب ملكية خاصة. وتشمل هذه القطاعات النفط والغاز بصفة خاصة، وأيضاً قطاعات صناعية هامة مختلفة. وذلك دون إلغاء مبدأ الملكية الخاصة بشكل عام، بمعنى احترام سيادة هذه الملكية في أنشطة إنتاجية متعددة. بكلمة أخرى بناء “اقتصاد مختلط”.

2- الخروج من سيادة تحكم السوق في إدارة المنشآت تحكماً مطلقاً، وتعويضه بالعمل بمبدأ التفاوض بين ثلاثة أطراف: أصحاب القرار (سواء كانوا موظفين يديرون القطاع العام أم أصحاب رؤوس الأموال الخاصة)، العمال المستخدمون في القطاع المعنى، الدولة (أو السلطات المحلية).

ويقتضى تنفيذ المشروع إبداع الإطارات المؤسساتية المناسبة على جميع الأصعدة من مستوى المنشآة إلى مستوى القطاع والإقليم، ثم إلى مستوى الوطن والدولة. وتمثل هذه الخطوة عاملاً فاعلاً ومتحكماً في دفع رأسمالية الدولة لتحويلها بالتدريج إلى اشتراكية الدولة.

3- الانعتاق من سيادة مبدأ انسحاب الدولة من مجالات الخدمات العامة ونقل مسؤولية إدارتها إلى رأسمال المال الخاص، وتكريس قيام الدولة بإدارة الخدمات المذكورة (التعليم، الصحة، الإسكان، الضمان الاجتماعى… الخ). ولا سيما بالنسبة إلى روسيا العودة إلى النظم التي أعطت للاتحاد السوفياتي سبقاً وتفوقاً على صعيد عالمي (لا سيما في مجالات التعليم).

وتفترض العودة إلى قيام الدولة بدورها القائد في هذه المجالات إصلاحاً جذرياً في النظام الضريبي بحيث توفر الحصيلة الضريبية الموارد المطلوبة بالإضافة إلى خروج الدولة من التبعية الريعية في تمويل أنشطتها.

أقول إن النظام الراهن- القائم على تحديد نسبة خفيفة (17%) للضرائب وتعميم هذه النسبة (أى النظام المسمى بالإنجليزية flat tax الضريبة الموحدة الخفيفة)- هو أسوأ نظام ضريبي يمكن أن يكون، أي على مستوى العالم! وطبعاً نصح البنك الدولي العمل به بدعوى أنه يجعل روسيا مكاناً جذاباً للاستثمار الأجنبي!

وبالفعل هو نظام جذاب، يحوّل الصناعة الروسية إلى منشآت تعمل من الباطن وتتيح امتصاص أرباحها لصالح رأس المال الإمبريالي. ولكنه نظام مدمر يسبب نمط تنمية رثة ولا غير.

4- اتخاذ إجراءات تدفع الديموقراطية إلى الأمام، ولا تنحصر الوصفة هنا على إجراء انتخابات صحيحة فقط. بل يتوج قبل ذلك بخلق مناخ ديموقراطى في المجتمع. الأمر الذي يفترض سن قوانين تتيح حرية تنظيم الأحزاب والنقابات والمؤسسات الأهلية، بل تشجيع ازدهارها بتوفير دعم لها إن لزم الأمر.. الخ.

تمثل هذه الإجراءات الوسيلة الوحيدة التي تفتح مجالاً لتقدّم دمقرطة المجتمع السياسي. وليست هذه مشكلة خاصة بروسيا. فلا يختلف الأمر عالمياً. فقد تسببت عقود من سيادة رأسمالية الدولة في روسيا وفي بلدان أخرى، وعقود من سيادة رأسمالية “الموافقة التامة” في الغرب، ثم عقدين أو ثلاثة من سيادة الرأسمالية الليبرالية المنفلتة، تسبب ذلك التاريخ في تنويم الوعى السياسي وطمس الثقافة السياسية على صعيد عالمي، في البلدان المتقدمة والمتخلفة على قدم المساواة.

فلا ينفع إجراء “انتخابات” فورية في هذه الظروف، بل يحتاج الأمر إصلاح الوضع قبل ذلك لخلق مناخ وممارسات ديموقراطية حقيقية حتى يرتفع مستوى الوعي المسيس إلى المستوى المطلوب. ويتطلب تقدم الديموقراطية مزيداً من الصبر! وينبغى وضع قضية الدستور الروسي في هذا الإطار.

قطعاً ليس دستور روسيا لعام 1993 دستوراً ديموقراطياً، شأنه في ذلك شأن معظم الدساتير القائمة على مبدأ تفوق سلطة الرئيس (ولو المنتخب!) على السلطات الأخرى (البرلمان). وتتلخص مثل هذه الدساتير في أشكالها المتطرفة (وهو وضع الدستور الروسي المعني، وكذلك وضع جميع الدساتير المصرية الناصرية، وبعد الناصرية ومنها مشروع الدستور الأخير) في بند واحد مفاده الحقيقي يُقِرّ أن “للرئيس سلطات”!

بيد أن حل المشكلة لن يأتي من خلال انتخاب فوري لجمعية وطنية مسؤولة تسن مشروع دستور جديد، لا في روسيا، ولا في مصر (وقد أثبتت التجربة التونسية هشاشة الأوهام المعلقة على هذا الأسلوب، بل يستحسن تأجيل اتخاذ هذا الإجراء الضرورى في نهاية المطاف) حتى تخلق ممارسة ديموقراطية فعلية على أرضية الواقع الشعبي الملموس وخلال بضع سنوات، إنعاش الثقافة المسيسة.

5- مثلت البنية السوفياتية المتعددة القوميات انجازاً تقدمياً ليس فقط بالنسبة إلى الشعوب المعنية (الروس وغيرهم) بل أيضاً على صعيد عالمي. فقدّمتْ نموذجاً للمطلوب– مشاركة قوميات مختلفة في بناء مستقبل مشترك- وذلك مهما كانت نواقصها. علماً بأن هذه النواقص لم تكن في مجال التعامل مع قضية القومية- إذ إن النظام السوفياتي قد احترم بالفعل التعددية في هذا المجال- بل كانت في مجالات أخرى تمس إدارة الاقتصاد والسياسة.

وبالتالي أعتبرُ تفكيكَ الاتحاد ظاهرة سلبية تاريخياً، جزءًا لا يتجزأ من الكارثة. أقول أكثر من ذلك: “إن القوى (الرجعية) التي طالبت بالاستقلال المزعوم لم تتمتع في لحظة سقوط الاتحاد بمساندة شعبية واسعة كما قيل، خاصة كما قال به الإعلام الغربى الكاذب والمخادع، وفُرض الاستقلال غير المطلوب على جمهوريات آسيا الوسطى فرضاً. وقد سعت الأوليغاركية الروسية من وراء هذا القرار منها إلى التخلص من “عبء المعونة” المصممة من الداخل في هيكل النظام الاقتصادي السوفياتي كما ذكرت. وفي بعض الجمهوريات الأخرى- أوكرانيا، الدول القوقازية- طرحت هذا المطلب قطاعات من الأوليغاركية المحلية، وليس الشعوب المعنية، وموّلت أجهزة الإمبريالية المؤامرة بسخاء –ولا تزال في أوكرانيا حالياً- كما أن الإعلام الغربي ضخّم صور “الانتفاضات” من أجل الاستقلال تضخماً فاحشاً.

على أنه– بعد الحصول على “الاستقلال”- ازدهرت أوهام في صفوف الجماهير تعلق آمالاً على “معونة” غربية تحل محل الدعم السوفياتي السابق بل تتفوق عليه. وطبعاً لم يحدث ذلك، حدث العكس تماماً: دفع مشروعات الإمبريالية لنهب ثروات الجمهوريات المعنية.

لعل الظروف بدأت تتغير من هذه الوجهة ويلاحظ عودة “الحنين” لأيام الاتحاد، حتى في دول البلطيق.

آن الأوان إذن لفتح مجال لإعادة بناء نوع من التقارب، وربما أكثر، بين الجمهوريات الجديدة وروسيا، وفتح مفاوضات من أجله، ويفترض دفع استراتيجيا فعالة في هذا المجال.

أولاً: تجنب تصوّر العودة إلى إقامة سلطة مركزية (على صعيد الاتحاد المجدد أو التحالف المقيد باتفاقية دولية بين الأطراف) على نمط الاتحاد السوفياتي السابق. الأمر الذي يتطلب من الطرف الروسي أن يدرك سلامة مخاوف الشعوب الأخرى بسبب غياب التوازن بينهم. فلا تخص هذه المخاوف روسيا فقط، إذ نجد تحفظات متماسكة في المفاوضات حول التعاون بين البرازيل– الدولة القارية- وبوليفيا.

ثانياً: تجنب منطق “السوق المشتركة” في بناء العلاقات الجديدة بين روسيا والجمهوريات المعنية، إذ تمثل السوق المشتركة وسيلة تنتج وتعيد إنتاج التفاوت بين أطرافها إذا أقيمت في الأصل بين أطراف غير متساوية.

تضرب التجربة الأوروبية المثل لما يجب تفاديه. فيزعم الإعلام الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي، أقيم من أجل تخطي تواضع قدرات الدول الصغيرة أو المتوسطة الأوروبية في مواجهة ضخامة حجم الولايات المتحدة. وبالتالى يقدم صورة قيام البنية الأوروبية من أجل تكريس استقلالها الجماعي. واقتنع الرأي الأوروبي، بل الرأي السائد أيضاً في روسيا وفي العالم بحقيقة هذا الادعاء. بيد أن الواقع يثبت عكسه تماماً. لم تتح الوحدة الأوروبية المبنية على مبدأ السوق المشتركة الموحدة فرصاً للبلدان الأوروبية الأقل نمواً (خاصة في أوروبا الشرقية سابقاً) لاستعجال لحاقها بالدول الأوروبية الغربية. بل على عكس ذلك فتح أبواب أوروبا الشرقية للنهب لصالح احتكارات الغرب– لا سيما الألمانية. فأصبحت العلاقة بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية غير متوازنة، شأنها شأن العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. أقول إن الوحدة الأوروبية أقيمت من أجل تحقيق هذا الهدف بالتحديد، علماً بأن المشروع نفسه لم يدخل في أى شكل من أشكال المنافسة مع الولايات المتحدة كما يزعم الإعلام الأوروبي، بل كرس تبعية أوروبا السياسية والعسكرية التي تتجلى في قيادة أمريكية للناتو وللسياسة الخارجية لدول الثلاثية (الولايات المتحدة وأوروبا واليابان).

لقد أدركت شعوب أمريكا اللاتينية ذلك تماماً، ولهذا السبب رفضت مشروع بناء سوق قارية أمريكية الذي طرحته وشنطن. وهو مشروع مماثل للمشروع الأوروبي! ولكن للأسف يبدو أن الرأى العام في أوروبا الشرقية وفي روسيا لم يدرك ذلك- إلى الآن.

وبالتالي ينبغي تصوّر قيام البديل بالنسبة إلى العلاقات بين روسيا والجمهوريات المعنية على قاعدة أخرى: بناء تكامل مدروس وموازٍ نتاج تفاوض بين الدول المعنية بحيث يحفظ استقلال رأسمالية الدولة الخاصة بكل طرف من أطراف التحالف. ويضرب مشروع “ألبا” في أمريكا الجنوبية مثالاً للنمط المطلوب، خارج سيادة علاقات السوق.

6- تكريس استقلالية سياسة روسيا في الساحة الدولية ودعم قواتها العسكرية. ففي مواجهة مشروع عسكرة العولمة وبسط السيطرة الأمريكية العسكرية على الكوكب، ليس هناك بديل لتكريس مبادىء احترام السيادة الوطنية في المجالات الدولية ودعمها بالقوة العسكرية على قدر التحدي الإمبريالي.

وبعد هذا العرض المفصل لما يبدو لى مكونات البديل بالنسبة إلى روسيا علينا أن ننظر فيما إذا كان يتواجد في الكيان المجتمعي الروسي قوى تدرك مغزى التحدي وتدفع خياراتها السياسية في سبيل انجاز الأهداف المحددة.

كانت الحكومة التي ترأسها بريماكوف لمدة قصيرة خلال التسعينيات قد شرعت في سبيل الإصلاح، واتخذت بعض المبادرات– ولو المتواضعة- في الاتجاه المطلوب. ولكن الأوليغاركية استطاعت أن تتخلّص من بريماكوف.

ثم بعد مضي سنوات ظهرت مرة أخرى إشارات تدل على أن بعض أقسام من الطبقة السياسية الحاكمة (ولا بد من التمييز بين هذه الطبقة المسؤولة عن إدارة السياسة وبين الطبقة الحاكمة في المجال الاقتصادى، بالرغم من التحالف الذي يربطهما مع بعض) أصبحت تدرك مدى الكارثة. ويبدو أن بوتين ينتمي إلى هذه المجموعة واستغل الفرصة للصعود في سلم السلطة. فتوجهت قيادة بوتين توجهاً جديداً في ثلاثة مجالات هي:

أولاً: السياسة الخارجية. فقد أخذ بوتين درساً من موافقته السابقة على تدخل الإمبريالية في ليبيا (بامتناعه عن استخدام حق الفيتو ضد هذا التدخل في مجلس الأمن). والتالي معروف وواضح. وأدرك أن الإمبريالية لم تزل تمثل الخطر الرئيسي على صعيد عالمي. فلم يكرر الخطأ عندما انفجرت أزمة سوريا. هكذا عادت روسيا تحتل مكانة دولة عظمى في الساحة الدولية.

ثانياً: في مجال إعادة بناء تحالف مع الجمهوريات السوفياتية سابقاً، قاوم بوتين مشروعات الإمبريالية في الاستيلاء على هذه الجمهوريات، لا سيما في جورجيا وأوكرانيا.

الأمر الذي أدى إلى إعلان ما يكاد يكون حرباً إعلامية غربية ضد “الديكتاتورية”، و”القيصر الجديد” وضد الطموحات “الإمبريالية” الروسية إزاء الجمهوريات المعنية الخ..

ثالثاً: في مجال إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية الروسية. شن بوتين معارك ضد بعض عناصر الأوليغاركية- وليس ضد الأوليغاركية بجمعها بصفتها طبقة حاكمة اقتصادياً.

والأسئلة التي تطرح نفسها الآن هي الآتي:

- هل ينوي بوتين فعلاً قلب ميزان القوة وإعادة بناء نوع من رأسمالية دولة مستقلة؟

- هل لديه استراتيجية (ولو “سرية”) لتحقيق هذا الهدف؟

- ما هي شروط نجاحه إذا كان هذا هو هدفه الحقيقي؟ ما هي القوى الاجتماعية في داخل روسيا التي يمكن أن يعتمد عليها في مشروعه؟

- من هم الأعداء الحقيقيون والحلفاء المحتملون في الساحة الدولية؟

تصعب الإجابة على هذه الأسئلة على الأقل بالنسبة لي شخصياً. لعل بعض الرفاق في روسيا الذين يدركون مدى التحدي والذين يعلمون كيف تتحرك القوى الاجتماعية في الساحة الروسية، سوف يقدّمون إجابات أفضل.

أقول بهذا الصدد –ومن حيث المبدأ- إن نجاح مشروع إعادة بناء رأسمالية دولة مستقلة يفترض كسب مساندة “الشعب” بالمعنى الواسع للكلمة. أقول إن هذا المبدأ لا يحكم فقط مستقبل روسيا، فهو مبدأ يحكم أيضاً نجاح مثل هذا المشروع في أي بلد آخر من الكوكب المعاصر.

لن أكرر هنا ما سبق أن كتبته بهذا الصدد حول ضرورة إعطاء مشروع رأسمالية الدولة طابعا “اجتماعيا” تقدميًا (ولا أقول طابعه الـ “اشتراكي”).

الأمر الذي يتطلب بدوره إجراء إصلاحات تتيح المشاركة للأغلبية الكبرى من الطبقات الشعبية في فوائد التنمية الاقتصادية، فلن يقتنع الشعب بمساندة “مشروع وطني بحت” يتجاهل مشاكله تجاهلاً شاملاً

وتأتي بعد ذلك إشكالية التحالفات الخارجية التي يمكن من خلالها دفع مشروع التنمية الوطنية المستقلة.

سادت- ولا تزال تسود- أوهام خطيرة بهذا الصدد، في روسيا وفي العالم. فيعلق البعض آمالاً على “أوروبا”- كما هي أى الاتحاد الأوروبي- ولا يزال العديد من “رجال السياسة” -لاسيما في حلقات “الخبراء” في الشؤون الدولية- مقتنعين بجدية كلام أوروبا عن نفسها: أن المشروع الأوروبي يسعى إلى نشر الرفاهية والديموقراطية وضمان السلام، فيتجاهلون الواقع: اصطفاف أوروبا وراء مشروع بسط الولايات المتحدة سيطرتها العسكرية على الكوكب. ويستمرون في تغذية الآمال بأن يكون هذا الاصطفاف مؤقتا.

ولقد قامت خيارات أوروبا الشرقية- عندما قررت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي- على أساس هذه التخيلات التي يكذبها واقع الأمور.

وكذلك قامت دعوة غورباتشوف إلى بناء “البيت الأوربى المشترك” على الأوهام نفسها. وكانت الحجج المقدمة بهذا الصدد بسيطة.

أولاً: تَشارُك روسيا وأوروبا في “الثقافة” “والإرث التاريخي” (“أوروبا المسيحية”؟). علماً بأن الكلام عن “أمة أوروبية” (لا وجود لها في الواقع) لا يختلف كثيراً عن الكلام الموازي عن “الأمة الإسلامية” (التي هي الأخرى لا وجود لها).

ثانياً: إن روسيا غنية بالثروات الطبيعية التي تحتاج أوروبا إليها –لا سيما البترول والغاز- وتمثل أرضية للتفاهم في صالح الطرفين.

لقد تناسى هذا الخطاب البسيط لدرجة السذاجة أن “أوروبا” تشكيلة اجتماعية تقودها طبقات اجتماعية حاكمة، تمثل مصالح رأسمال الاحتكارات الإمبريالية. وفيما يتعلق بالبترول والغاز بالتحديد فقد طورت أوروبا في الحقيقة استراتيجيات تسعى إلى الاستغناء عن استيرادها من روسيا. ومنها مشروعات تحويل أنابيب آسيا الوسطى والقوقاز دون مرورها عبر روسيا.

لئن اقتنع غورباتشوف بما قال، إلا أن بوتين يبدو واعياً بمغزى التحدي وحقيقة أوروبا الإمبريالية حليفة الولايات المتحدة.

بيد أن هذا “الوعي” الواضح” لا يكفي في حد ذاته طالما لم تُحقق شروط دفع مشروع “رأسمالية دولة مستقلة” التي ذكرناها فيما سبق.

فطالما لم يتحقق جمع هذه الشروط ستظل تحركات بوتين معارضة ولكن هشة. ويدرك الغرب ضعف مبادرات بوتين فلا يقلق منها. ويقول بهذا الصدد “الخبراء” الأوروبيون في شؤون روسيا إن تحركات بوتين لن تضع مصالح أوروبا في خطر. فيظل اقتصاد روسيا في حالة خراب وتنميته مهددة.

وتميل الطبقة السائدة- الأوليغاركية- إلى الاعتراف بالأمر الواقع- أي اختلال ميزان القوى في صالح أوروبا وفي غير صالحها- فتحترم ما يقتضيه حتى تضمن استمرار سيطرتها على الحكم وإثراءها. وتكون النتيجة أنّ روسيا لن تخرج عن آفاق الدولة الكومبرادورية التابعة.

الكرة الآن في يدى بوتين: هل هو قادر أن يدرك ذلك؟ هل هو عازم على أن يتخلص من تحكم الأوليغاركية في شؤون روسيا؟ هل هو مستعد أن يدفع ثمن انقلاب الميزان لصالحه من خلال سياسة اقتصادية واجتماعية تنقض السياسة التي استمر يسير في سبيلها إلى الآن؟

تمثل دول “الجنوب” ولا سيما الدول الصاعدة التي تسعى هي الأخرى إلى إقامة نظم رأسمالية دولة مستقلة، بديلاً بعد تبخر الأوهام حول أوروبا. وسوف يقوّي تكريس تحالفها في السياسة الدولية، وفي مواجهة عسكرة العولمة، موقف روسيا في الساحة. وتتواجد أيضاً مجالات للتعاون الاقتصادي يمكن استغلال فرصه. وهناك إشارات تدل على صعود الوعي بهذه الإمكانيات ظهرت في سياسة روسيا والصين بالأخص، فلا بد من تعميق الفكر والعمل في سبيل إنجاز وعودها اللامعة.