ليبرالية العقل و ليبرالية النقل

الطيب عبد السلام
2015 / 5 / 13

أن هذه النقطة من الدم تحملُ الخريطة الوراثية لكامل هذا الجسد الحاشد بالخلايا و التكوينات و ما يجري هناك في الافق على بعد الاف السنين الضوئية تراه هاتان العينان البالغتي الضألة و الامكان.
ما جرى في حركة الحضارة في كلياتها هو ذاته ما جرى معي في غرفتي الصغيرة،تلك عينها العين التي رأت تلك الاحداث الكونية الجسام ففكت قيد مطلقها و كتبت شفرتها الوراثية.


بحكم ميلادي لأسرة متدينة كان النص الديني بالنسبة لي هو قداسة القداسة!! نص للسمع و الطاعة نص نهائي لا جدال فيه،هذه القناعات بدأت تصطدم رويداً رويداً بميولي الادبية و الشعرية حتى انني اذكر انني ذات مرة سألت ابي مرتجفاً : هل شعرُ الغزل حرام يا ابي؟؟
ضقتُ ذرعاً بالكثير من المتناقضات التي تملاءُ النص الذي اتلوه ابتداءً بمشاهدة الممثلات سافرات الشعر أنتهاءً بفكرة الاشتراكية التي كانت تراودني احساساً، ووجدتُ ضالتي في كتب محمود محمد طه التي ماهت بين النص القرأني و بين تطلعاتي التحررية تجاه فكرة كألاشتراكية و الفرويدية التي امتحنت بها عقيدة احد اقربائي حينما قال لي بأن الحياة لا يحركها الجنس و حسب مدللاً على ذلك بالمجاهدين الذين يموتون في سبيل الله،و لم تفتني و أنا في الخامسة عشر من عمري قصة الحور العين ،منهياً بذلك جدالاً مرت عليه عشرة اعوام من عمري و الف و خمسميئة عام من عمر الحضارة،حينما اقلعت اوروبا من قداسة النص الى تاؤيل النص و مماهاته مع عصرها.

في تلك اللحظة المهمة التي صار فيها عقلي قادراً على التعامل مع النص و تحليله بمستويي ايات المدينة و ايات مكة، ايات القمع و التسلط و ايات الحرية و الانسانية،في تلك اللحظة التي سمحت فيها لعقلي أن يدخل كواليس انتاج النص و يراه لا بعين الشغوف المعجب المُصدق المحتاج لتوقيع صاحبه و المتمني ان يراه في النوم ليقول للناس في الصباح : رأيت رسول الله في النوم.
دخلت الى الكواليس بعين الرأي المُتامل،الحائر المتفكر، دخلت الى كواليسه لاكثر من خمسة اعوام دفاعا عنه به اولاً و بتاؤيلي المحمودي ثانياً،شاعراً انني قد ادركتُ قمة العقل و الهدى.

لكن العقل الحي النقطة المضيئة من سلاسل العقول البشرية المتصلة ببعضها و التي على قول الشاعر الراحل محمد عبد الحي :
هل انت سوى اشارة لمعت على درب الصحارى...

هذا العقل لم يسكن لانغلاقه الثاني في تاؤيل نهائي للنص،هذا التاؤيل الذي سمعتُ من جمهورين كثر انه يغني عن قرأة اي شئ اخر و لا حاجة للبحث اكثر من ذلك.
هذا العقل بداء رويداً رويداً يتجه ناحية العقل العلماني النقدي بعد احتكاكه بمقالات الراحل المقيم الخاتم عدلان و بطه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي اهداه الي استاذ الاجتماع بالكلية.
ليدخل و لخمسة اعوام قادماً محاولاً الطيران بعيداً عن النص و تعنته،و التاؤيل الاحادي الذي اخفى عيوباً جمة لم نكن نراها و لم نلاحظها،لأنه غطاها قبل ان نصل اليها،فكان ادراكي للعقل العلماني النقدي هو في لحظة سحبي لغطاء التاؤيل عن تلك المصائب الفادحة.

لكن ما حدث في غرفتي هذه هو عينه ما حدث للبشرية في صراع دامي دام لخمسة عشر قرناً مع النص الكنسي،دفعت فيه الحضارة و الانسانية افدح الاثمان و اغلى فرص التطور.
فعند اجتماع الاساقفة في مجمع نيقيا الاول سنة "325" ميلادية الذي دعى له قسطنطين و توافقوا على وضع صيغة عقائدية نهائية للمسيحية بدأت اوروبا بالوحل في اوائل قرون الظلام التي امتدت لالف عام لاحقة من الصمت المطبق تجاه العلم و المعرفة التي كانت الكنيسة مكانها الاوحد.
فلم يكن ثمة متعلمين غير الرهبان و كانت الشعوب الاوربية بالكلية امية،و من اراد لابنه ان يتعلم الحقه بسلك خدمة الرب الكنسي ليتعلم القرأة و الكتابة.

في غمضة عين تنكرت اوروبا كلها لفلاسفتها العظام القدامى،لتستبدل عن حياة الرفاه و "مدن افلاطون الفاضلة" عيوناً دامعة و بائسة و صلباناً تلوحُ من البيوت قبل القبور، ومدناً شاخت و قرىً راحت،الف عام مريرة من الحداد على أبنِ يوسف النجار.

و قدر اوروبا في مدنها كان هو نفسه قدري في غرفتي حينما ظهر المذهب البروتستانتي على يد المجدد مارتن لوثر الذي ترجم النص الانجيلي المقدس من اللغة اللاتينية التي لم يكن يفهمها الا مثقفو المثقفين في اوروبا ترجمها الى اللغة الالمانية فاصبح قوله تعالى على سبيل التقريب:
و المغيرات صبحا
اصبح : و الخيول التي تغير على الناس و تقتلهم في الصباح الباكر.
فتغير المتلو من النص في الكنائس الى نص مفهوم يستطيعون قرأته و التعامل معه و الدخول الى كواليسه، في هذه اللحظات الحاسمات من تطور البشرية دخل العشرات الى كواليس النص بعقولهم و بدأوا في شم رائحة التفكير في النص و قداسته، بل و بطبيعة الانسان المتمردة و المتسائلة الى نقده و رفضه لحظة شعورهم بأن النص يصطدم بما توصلت اليه عقولهم في التجربة البحثية.

ارتفعت الاصوات هنا و هناك،و شيئاً فشيئاً صار الهمسُ همهمة، انقضت عليهم كلابات الكنيسة و محارقها و كهنتها، و مع المزيد من القمع تولد المزيد من الرفض و صارت الهمهمة هتافاً و صار الهتاف صراخا توجته صرختُ نيتشه في القرن الثامن عشر معلناً موت الاله.

من هنا ظهرت الليبرالية،كمنتوج عقلاني بحت، كأخر ما توصلت اليه حركة العقل النقدي العلمي العلماني الذي مر بعذابات الاف السنين الطوال من البحث و من التحرر من العقل التقديسي الجامد الى عقل اللاهوتي المماهي و صولاً الى العقل النقدي الرافض.

و لكننا في الشرق الاوسط كعادتنا الاستهلاكية الدائمة تبنينا الليبرالية كما نتبنى معلبات الشكولا المستوردة، تبنيناها من دون حتى معرفة كيفية صنعها و لم نمشي حتى الخطوة الاولى في مشوار انتاجها، تبنيناها تماماً لطلاء اظافرنا المتسخة المليئة بقاذورات الخرافة و النصوص الغيبية.
فلا عجب ان ظهر لنا ليبراليون يدافعون عن قتلة صحفيو "شارل ابيدو" و عن حرمة النقد الساخر!!
بل و محجبات و منقبات و ملتحون و متصوفون يدعوا انهم ليبراليون!!!

أن ليبراليو النقل هؤلاء الذين يملاؤؤن سوق الاحزاب الليبرالية و يخدعون انفسهم و القطيع الذي حولهم بتخيلات لا علاقة لها بالليبرالية هم اس البلاء و اسواء تمظهراته.
أن اختصار الليبرالية في المقولة السياسية او الحقوقية هو امر غير علمي بالبته و يقطع الليبرالية عن جذورها العقلانية الخصبة ليضعها في اصيصة رماله الصحراوية الخربة.
أن الليبرالية هي ثمرة العقل الذي فكر حتى انصهر، العقل الذي عبر على جسر اللهب بين العقل و النقل و اختار العقل و انحاز كلية له!! هذا العقل الذي ما زلنا نحن ابعد المبعدين عنه.
العقل الذي دخل التجربة و مر بشوكها في مراحله الثلاث الى أن ادرك كمال استنارته بعقله النقدي الحر غير الخاضع و المخضع.


و لكنه يبدو انهُ ان ما مررت به في غرفتي خلال عشر سنوات مضين و ما مرت به اوروبا في خمسة عشر قرن ما زال بعيداً جداً عن ادراك هذا العقل الفاقد للاهلية الشخصية، و هو يصر على الترويج لبضاعة زيف أن الليبرالية لا تتعارض مع الخرافات و الاوهام الغيبية،و هي التي ما خرجت و لا انطلقت شرارتها الا لتحرر العقول من سجون النص و خرافاته.
في الختام اقول بأنه ما لم تحدث تلك القطيعة الابستيمية "الوجودية" مع النص و خرافاته فأن اي علمنة او لبرلة للمجتمع تظلُ مجرد قفزة في الهواء مكتوب لها الزوال بزوال ظروفها السياسية و المالية.