سياسة ضبط النفس الفلسطينيّة

راضي كريني
2015 / 5 / 13


بعد نجاح اليمين المتطرّف في الانتخابات الإسرائيليّة الأخيرة، وتمكّنه من تشكيل حكومة الرشاوَى الماليّة لتثبيت الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتكثيف نهب الثروات الفلسطينيّة (البريّة والمائيّة والجويّة)، وبعد تصعيد لهجة التهديد والوعيد التي تقارب الفاشيّة، عشيّة الانتخابات الأخيرة، من رئيس الوزراء الإسرائيليّ وغيره من المسؤولين ضدّ المواطنين العرب الفلسطينيّين، وبعد ... أخذت تطفو على سطح السياسة الفلسطينيّة أصوات نشاز، أصوات تحمّل قيادة السلطة الفلسطينيّة جزءًا كبيرًا من مسؤوليّة انحراف الناخب الإسرائيليّ نحو اليمين والتطرّف والفاشيّة و... وكأنّ سياسة ضبط النفس للقيادة الفلسطينيّة واعتدالها يتناسب عكسيّا مع سياسة السلام الإسرائيليّة!
يريد محمّد دحلان وتجّار الدين السياسيّ ومَن لفّ لفّهم مِن مدّعي المعرفة المطلقة أن نستبهم الحالة السياسيّة الإسرائيليّة، لنفهم أنّ التطرّف في الشارع الإسرائيليّ هو وليد وإعداد و... وإخراج السياسة التي يقودها محمود عبّاس والسلطة الفلسطينيّة!
هذا الهبل والخبل الفكريّ لا ينطلي على العقلاء والوطنيّين و... الفلسطينيّين، ليست تهمة أن يطلب محمود عبّاس من العرب الفلسطينيّين في إسرائيل الذين يشاركون في التصويت للبرلمان الإسرائيليّ المساعدة في رفع المعاناة عن إخوتهم في الضفّة والقطاع والتأثير على السياسة الإسرائيليّة إيجابيّا. في الحقيقة طالب محمود عبّاس جميع الإسرائيليّين أن يطلقوا سراح مبادرات السلام المعتقلة من الأسر/أروقة الحكم الإسرائيليّ.
لسنا على هذه الدرجة مِن السطحيّة لنصدّق بأنّ إسماعيل هنيّة كان توقّع فوز بنيامين نتياهو وحزب الليكود في الانتخابات الأخيرة (بعكس جميع استطلاعات الرأي، ووجهات نظر وسائل الإعلام والمراقبين)، من السهل أن يدّعي هذا الآن. كما أنّنا لم نصدّق/نقتنع بأنّ قيادات المعسكر الصهيونيّ ستحدث انقلابًا، وسوف تتخلّى عن اللاءات الإسرائيليّة بسهولة: لا للانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 (في إسرائيل يتحدّثون عن ضمّ الأغوار)، لا لإقامة الدولة الفلسطينيّة المستقلّة، لا للقدس عاصمة للدولة الفلسطينيّة ولا لحق العودة، وبأنّها سوف توافق على مبادرة السلام العربيّة، وبالتالي نحن متأكّدون من أنّ مؤامرات وتخاذل و... وسياسة الرجعيّة العربيّة والتكفيريّين هي إكسير حياة ضامن لبقاء اليمين الإسرائيليّ في سدّة الحكم، وهي الذريعة لليسار الصهيونيّ؛ كي يتغاضى عمّا يقوم به اليمين المتطرّف من تدمير للعمليّة السلميّة. نحن نعرف أنّ الرجعيّة العربيّة تلوم اليمين الإسرائيليّ فقط لأنّه لم يغلق الباب خلفه بعد دخوله إلى حجرتها وارتمائها تحت قدمي بيبي نتنياهو وحكومته؛ كي نشاهد ذلّها وعارها ونفضح عرضها ونصاب بالإحباط!
لا شكّ في أنّ نتائج الانتخابات في إسرائيل هي استدلال لسياسة التصعيد في التوتّر الحاصلة بالعلاقات ما بين السلطة الفلسطينيّة والحكومة اليمينيّة المتطرّفة المتشكّلة في إسرائيل، وهي مشجّعة لبيبي نتنياهو؛ كي يبتعد عن قرارات الشرعيّة الدوليّة الخاصّة بحلّ الصراع. ستشتدّ وتتعمّق الأزمة الاقتصاديّة في المناطق الفلسطينيّة (الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة)، خصوصًا بعد هبوط المساعدات الخارجيّة، وتشديد الحصار والخنق والإفقار، ونهب الموارد الطبيعيّة في المناطق المحتلّة، وفي ظلّ الانقسام الفلسطينيّ.
لكن، ما زال الحلم الفلسطينيّ مشتعلا ومأمولا، ومَن سيفقد الأمل هو اليمين الإسرائيليّ الفاشيّ الذي لا يملك حلمًا. ما زال أمام الشعب الفلسطينيّ وقياداته العديد من الخيارات والأساليب؛ أمّا اليمين والمركز الإسرائيليّ فقد جرّب كلّ وسائل البطش والدمار و... وفشل؛ فجراح الفلسطينيّ أعمق من أن يدملها الزمن أو أن تنفيها دعاية أو خيانة أو إعلام.