الاطروحة الحضارية للتقنية

الطيب عبد السلام
2015 / 5 / 10

يعتبر جابر بن حيان عالم الكيمياء و الاحياء و الفلك الشهير الذي عاش في القرن الثامن الميلادي بطوس في خراسان "ايران" اول من اشار الى الطاقة الهائلة الناتجة عن تفتيت الذرة حينما قال بصريح العبارة : ""إن أصغر جزء من المادة وهو الجزء الذي لا يتجزأ (الذرة) يحتوي على طاقة كثيفة. وليس من الصحيح أنه لا يتجزأ مثلما ادعى علماء اليونان القدامى، بل يمكن أن يتجزأ، وأن هذه الطاقة التي تنطلق من عملية التجزئ هذه، يمكن أن تقلب مدينة بغداد عاليها سافلها"
لكن ما الذي منع ذلك المجتمع في ظل تلك الظروف من الاستفادة من هذه المعرفة التقنية و اختراع القنبلة الذرية قبل احدى عشر قرناً من ان يخترعها الامريكي روبرت أوبنهايمر ؟؟
هذا يقودنا مباشرة الى الاشكال الذي يحاول المقال طرحه و هو تساؤل مشروع و ملح!!


هل التقنية هي عنصر محايد ؟؟ عنصر صامت نيزك قادم من الفضاء الخارجي ؟؟ ام ان لدى هذه التقنية التي نستخدمها في كل صغيرة و كبيرة من حياتنا اطروحة حضارية و فكرية معينة ادت الى انتاجها ؟؟
هل فكرنا و نحن نستخدم هذه التقانة المتطورة في حياتنا و نكاد ان نرتبط بها الى حد الاعتماد الكلي أن ثمة مقولات حضارية و ارشادات معرفية موجودة في هامش ازرارها و محركاتها ؟؟
دأئما ما اقول بأنه لولا "شكسبير لما عرفنا معنى انيشتاين"!! لكن ما هي العلاقة بين هذا المؤلف المسرحي ذو الافكار المتخيلة غير العلمية او التجريبية بعلم الذرة و بعالم مبني كلية من المقترحات العلمية المجربة و المختبرة و التي لا يصلح ابداء أي رأئ فلسفي او غيبي عليها ما لم يكن مستنداً الى التجربة العلمية و الادلة المختبرية!


من هذه النقطة اجنح مباشرة للزعم بأن التقنية ليس كتلة صماء من الاسلاك و من البرامج و من التروس الحديدية !!
بل انها كائن حي !! كائن قادم من اطروحة اجتماعية و ثقافية معتبرة ناضلت ازمان الظلام و الكهنوت و العقول المغلقة لتضع جنينها التقني حياً يمشي بيننا ان لم يكن يمشي بنا في مقاعد طائراته و سياراته.
اشير هنا الى مقولة غاية في الدقة قالها الشاعر الراحل نيزار قباني : " لبسنا قشور الحضارة و الجوهر بدوي".


اشترينا الايفون و لا زلنا نصر على خرافات دخول الحمام بالقدم اليمنى و تركه باليسرى !! امتلكنا التلفزيون و لا زلنا نؤمن جازمين بأنه في هذه النقطة الا مريئة من الكون المسماة الارض أن ثمة من سيلاحقنا لأننا عدنا الى بيوتنا ثمالى ذات يوم!
نعيش في رفاهية الالة الحديثة بينما افئدتنا و قلوبنا تعيش في صحراء قاحلة تشاهد باعجاب و تأثر شخصا يقتل امرأةً اسمها عصماء بنت مروان لأنها كتبت فيه ما ينتقصه!!
نستخدم الانترنت بينما عقولنا لا زالت تعبش في عصر الحمام الزاجل و الكتابة على "الكرانيف و العظام و لحى الاشجار".


أن التقنية التي نعيش تحت رحمتها و نسبح الله بفضلها لم تخرج للحياة في مجتمعات مثل مجتمعاتكم الأسلامية و العربية التي ترى ان شرف المرأة غشاء بكارتها !!
لقد اتت من هناك !! اتت من صرخات جيواردينو برونو و هو يحرق بين احطاب الائمة و القساوسة لأنه قال باعلى صوته أن الارض تدور حول الشمس و ليس العكس!! اتت من نضال محموم ضد الفكر الجامد و ضد قداسة الاجداد و الطواطم!!
أن التقنية هي الوليد البار لحركة الانسنة و العلمنة !! الابن البار لمسرحيات شكسبير الذي هياء عقول الناس و اذواقهم لتقبل التطور و التحديث!! أتت من موسيقى بتهوفن ومن لوحات ليوراندو دافنشي!!
اتت من نضالات الفنانين و الموسيقين الذين فرشوا لها الارض بدمائهم لتمشي عليه هذه الالة الوقورة التي ننعم بها كمستهلكين و كطفيليات تمشي على ازرارها و برامجها.
أتت من صرخة نيتشه و هو يعلن موت الاله المترف ليضع مكانه الانسان المفكر.

لهذا السبب ماتت عبقرية ابن حيان في صمت لأن من حولها لم يصغوا الى اطروحتها الفلسفية و المعرفية !! بل و كفروها و كفروا صاحبها و اتهموه بالزندقة.
أن التقنية ليست نبتاً شيطانيا او "مفاعلا نوويا ايرانيا" أنها حركة كاملة من العقلنة و العلمنة!! و لديها مقولتها الحضارية التي نصم اذاننا عن سماعها.



قبل قليل
10/5/2015