انتشار وتدهور مشروع باندونج

سمير أمين
2015 / 5 / 7

مع اجتماع مؤتمر باندونج انشغلت الفترة بالنقاش حول السؤآل المركزي، ألاوهو :هل من الممكن قيام نظم رأسمالية وطنية فى بلدان العالم الثالث وتمحور حركة المد والجزر للمشروع الوطنى فى العالم الثالث حول التطور العام للرأسمالية ، والسياسة الدولية المبنية على ثنائية القطب العسكرية . والدور الذى لعبه الاتحاد السوفيتى فى المجالات الدولية، والخلافات بين الاتحاد السوفيتى والصين

وقد بينت حرب فيتنام (1945 ـ 1975) انه من الممكن السير بالتحرر الوطنى فى طريق الراديكالية، بل هزيمة الجيوش الامريكية كذلك اثبت انهيار الاستعمار البرتغالى فى افريقيا (1974) المكاسب التى يمكن ان يحققها الصراع العسكرى الطويل الامد . ومع ذلك، فقد انتهت حرب الجزائر ( 1954ــ 62) بقيام نظام وطنى لم يبد اكثر تقدما من الناصرية .



ومهما يكن الامر، فقد بدا ان المد والجزر للقوات الاشتراكية فى الصين ، وكوريا ،وفيتنام ،نابع من الخلافات الاجتماعية الداخلية، وليس بالمرة من التدخل الاجنبى فالتحرر المتقدم يقلل من وزن العنصر الخارجى ،وهو بالضرورة غير موات ويعيد لصراع الطبقات الداخلى اثره الحاسم، ولكن العنصر الخارجى لايختفى مع ذلك، فإلى جانب المد للقوى الاشتراكية فى شرق اسيا،بدأت فى المنطقة التنمية الرأسمالية الواسعة، التى لم تكن متوقعة.



وفى مصر، كانت السنوات من 1955 ــ 1967 هى الفترة الذهبية لمشروع باندونج ، ومع ذلك فنقاط الضعف كانت متعددة، بدءا من فشل الوحدة مع سوريا (1958 ـ 61) والتشبث بمعاداة الشيوعية والتساهل تجاه الخطاب الاسلامى التقليدي، والتخبط تحت تأثير الفساد،وانتهت جميعها الى الهزيمة ورغما عن ذلك فقد رأت الشعوب العربية فى الناصرية حركة تحريرية تقدمية.



وقد كنت اشعر بشيء من الامل من جهة الاطراف الفقيرة من العالم العربى ( السودان واليمن الجنوبى ) وبالنسبة للصراع الفلسطيني،ففى عام1964 انشأ الشعب الفلسطينى منظمته الخاصة، مبتعدا بذلك عن الانظمة العربية ،ومع ذلك؛ ، فانحراف بعض العناصرالفلسطينية نحوالارهاب وتصرفها تجاه البلدان المضيفة (الاردن ولبنان) قد سهل للقوى الرجعية المحلية، والامبرياليةالقيام بهجومها المضاد .



واستمرت الاوضاع كما هى الى حين اخذ الشعب الفلسطينى زمام المبادرة، ونقل الصراع الى داخل الارض المحتلة، بالقيام بانتفاضة 1988 .



واكبت السنوات1960 ــ 65 الموجة الاولى للراديكالية فى افريقيا ،فى غينيا وغانا عام 1958، ومالى عام 1960 .وانتصرت اللومومبية فى الكونغو، وكان من المنتظر توجه الكونغو الى راديكالية مماثلة خلال الاعوام1960 ــ 63،وفى 1963، وضعت الثورة الشعبية فى برازافيل نهاية لحكم فولبير يولو



النيوكولونيالي، ففى عام 1964، قامت زنجبار بثورتها وتخلصت من السلطان، وفى 1967، اختار نيريرى الاشتراكية بمقتضى ميثاق أروشا. ولكن الأمر اقتضى الانتظار حتى 1983، لتتبلور فى بوركينا فاسو، تحت قيادة توماس سانكارا، محاولة جديدة، تستفيد من دروس السابقة، وتركز على أساليب التحرك الأكثر شعبية وديمقراطية. وفى عام 1974، أزاح العسكريون الإمبراطور هيلا سيلاسي، فى بلد بدت فيه القوى الثورية قوية، ولكنها تعرضت للشلل على يد الدكتاتورية العسكرية، التى انغمست بدورها فى الحرب مع إريتريا، لم يتمكن الثوريون الإثيوبيون من منع تفكك بلادهم. ويعتبر سقوط تسيرانانا فى مدغشقر ( عام 1972)، ومحاولات اتباع سياسات راديكالية فى مرحلة حكومة راتسيماندرافا القصيرة (1973)، ثم تدعيم النظام بعد تقلد راتسيراكا مقاليد السلطة ( فى 1975)، من مكاسب هذه الحركة وفى الوقت نفسه، لم أكن أشترك فى التفاؤل مع أولئك الذين رأوا فى »الاشتراكيات الإفريقية« طريقا جديدا مفعما بالأمل. كان التشابه مع الناصرية يفرض نفسه. وانتهت بالفشل لذات الأسباب: النضج غير الكافى للطليعة، والأوهام التى راودت »الأصدقاء« السوفييت ، والتدخلات الإمبريالية، وشهية البرجوازية الجديدة حتى وإن كانت جنينية ونابعة من الدولة.



وهناك تطورات أخري، تشير إلى عجز الأنظمة النيوكولونيالى عن الخروج من أزمتها الدائمة، فالانقلابات المتتالية فى الكونغو، وفى بنين ( حتوصول كيريكو للسلطة فى 1972)، وانزلاق نظام كاوندا فى زامبيا خلال السبعينيات نحو نظام دولتى ( بمعنى سيطرة الدولة على الاقتصاد)، تشهد على هذه الأزمة المستمرة للنظم النيوكولونيالي. وعمت هذه الأزمة فى نهاية الثمانينيات، بانتشار المطالبة بالديمقراطية، أحيانا ذات بعد شعبى حقيقى ( فى مالى حيث أنهت حكم الدكتاتورية العسكرية لموسى تراورى )، وفى أحيان أخرى ذات طابع صورى ، يشهل على السادة الإمبرياليين التلاعب به.



وأدى طول حرب التحرير فى المستعمرات البرتغالية، إلى إضفاء طابع راديكالى على هذه الحركات، مع أننى كنت أتحفظ على نظرية أميلكار كابرال التى تنادى بأن هذه الراديكالية قد تقود البرجوازية الصغيرة إلى »الانتحار كطبقة« . ومع ذلك فإن السقوط الكامل للنظام البرتغالى فى عام 1974 ، قد عجل بالحصول على الاستقلال، وقلل بذلك كثيرا من فرصة تحقيق حلم كابرال.



كانت النواة الصلبة لاستعمار إفريقيا هى جنوب أفريقيا بالذات، التى تصور البيض فى روديسيا أنهم سيربطون عربتهم وراء بإعلان الاستقلال من جانب واحد ( عام 1965) . ولكن النضال من أجل التحرر قاد فى النهاية إلى استقلال زيمبابوى عام 1980، ولكن بأى ثمن ؟ فقد سارت الجبهة الوطنية، بتوقيعها على اتفاق لانكاستر الذى منع أى إصلاح اجتماعى حقيقى مأزق ، إلى أن تجرأ موجابى بالمبادرة فى الإصلاح الزراعي.



فهل هناك حل مماثل يرتسم أمام جنوب افريقيا؟ إن مشروع السلطة البيضاء لجعل «بلدهم» قوة صناعية حديثة ـ بتحويل العمال السود إلى حالة من شبه العبودية ـ قد باء بالفشل تحت ضربات الطبقة العاملة الافريقية، بيد أن القوى الشعبية لم تستطع إلى الان ان تفرض نمطا يتجاوز حدود إلغاء الأبارتهيد السياسى مع بقاء الأوضاع الاقتصادية كما كانت.



لاشك أن الفكرة السائدة عن الهند تحت حكم حزب المؤتمر براقة أكثر من اللازم وتبرز ديمقراطيتها البرلمانية، وصناعاتها ذات القدرة التنافسية العالية ولكن اليسار الهندى يخفف بحق من مغالاة هذه الأحكام المتعجلة، فالبرجوازية الصناعية الهندية المتحالفة مع كبار ملاك الأرض فى الشمال، لم تتصور أبدا مشروعها فى تعارض مع رأس المال عابر الجنسية، والهند تدفع ثمن ذلك، فتفوقها التكنولوجى والمالي، ظاهرى أكثر منه حقيقي، أما الديمقراطية البرلمانية لاتلغى التهميش السياسى للطبقات الشعبية، وهكذا يفقد هذا المشروع قوة الدفع التى بدأ بها.



دفعت ديكتاتورية شاه إيران، بعد إسقاط مصدق فى عام 1953، البلاد نحو مشروع للتحديث اعتمادا على الدولة، حقق بعض النتائج رغم بعده الاجتماعى المحافظ، ولكن الروح المعادية للديمقراطية التى قام عليها المشروع، إلى جانب مغالاته فى الاختيار الثقافى الغربي، كانت نقطة الضعف القاتلة فيه، ولكن الثورة الإسلامية فى 1978/ 79، التى وضعت حدا لهذه التجربة لباندونج يمينية غير قادرة على تبنى بديل حقيقى يتجاوز الطنطنة الإسلامية.



لقد كانت الثورة الصغيرة التى أسقطت نظام داود فى أفغانستان عام 1978، لتحل مكانه مجموعة شعبوية تهدف للتحديث، كفيلة أن تصل من نفسها، إلى حدود مشروعها، فقد كانت الأيديولوجية الشبيهة بالشيوعية، التى عبر عنها المثقفون التحديثيون فى طريقها للتعديل بالتدريج، ولكن التدخل السوفييتى (عام 1979) أعطى للولايات المتحدة فرصة لتغرق القوات السوفييتية فى المنطقة، ولتقتل مشروعات التحديث الأفغانية فى مهدها، وأثبتت القوى الغربية، بدعمها للإسلاميين الذين بعد أن انتصروا عام 1992، أغرقوا البلاد فى حرب دائمة، أكثر ضراوة من سابقتها مقدار استخفافهم بمصالح شعوب المنطقة لم تشارك أمريكا اللاتينية فى الانضمام لمجموعة بلدان عدم الانحياز.



ومع ذلك، فقد سارت أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية فى طريق مواز لذلك الذى سارت عليه بلدان آسيا وافريقيا تحت راية باندونج، وهناك ثلاث تجارب يمكن إدراجها ضمن مجموعة التجارب الراديكالية فى العالم الثالث.



والحالة الأولى هى حالة كوبا، فقد حررت نفسها عام 1959.



أما الثانية فكانت محاولة آلين دى إقامة نظام ديمقراطي، بالمعنى التقليدى للكلمة، فى شيلى (1970ـ 73). وقد سقطت الديمقراطية الشيلية تحت الضربات الأمريكية، فهل حققت كومبرادورية دكتاتورية بينوشيه الدموية التى أيدتها الولايات المتحدة وأوروبا ذلك النجاح الذى يدعونه لدرجة أن تصبح النموذج الذى يفتخرون به فى أروقة البنك الدولي، بل صار الإلهام للرأسماليين الجدد فى أوروبا الشرقية؟ لا أرى ذلك لا فقط لأن الثمن الاجتماعى لهذا «التكيف» باهظ وإنما لأنه وضع شيليفيو صنع المنتج «من الباطن» لحساب رأس المال المسيطر وعملائه المحليين وكانت المحاولة الثالثة هى انتصار الساندينيين عام 1979، فى نيكاراجوا واستفاد الساندينيو من دروس التاريخ فحاولوا تجنب المغالاة فى دور الدولة الدولة الذى يطلق عليه الاشتراكية، وساروا على نهج ديمقراطى حقيقى مع التنويع فى علاقاتهم الخارجية. ولكن هذا لم يشفع لهم لدى الولايات المتحدة التى ساندت حرب الكونترا ضدهم.



وكانت مطالبة بلدان العالم الثالث »بنظام اقتصادى دولى جديد« (عام 1975)هى نهاية انتشار مشروع باندونج. فقد شعرت أنظمة باندونج أن مواصلة مشروعهم البرجوازى الوطنى تفترض «تكيف» الشمال مع ضرورات متابعة التوسع الرأسمالى المعولم بشروط مقبولة، فقد اقترحوا إصلاح النظام الدوى بما يتمشى مع هذا التفكير ولكن القوى الغربية رفضت هذا المشروع بما يدل على أن البناء البرجوازى الوطنى فى التخوم هو خيال محض وماحدث فعلا هو تكيف التخوم من جانب واحد مع متطلبات رأس المال المعولم المسيطر.



مهما كانت حدود المشروع إلا أنه قد انجز التحولات السياسية والاجتماعية الجبارة التى غيرت من الأساس شكل مجتمعات القارات الثلاث، ومن هنا المجتمع العالمى ذاته، حيث تمثل القارات الثلاث أغلبية سكانه العظمي.



ألا يدل على الأهمية المركزية للتحولات التى أصابت تخوم النظام، مايتردد اليوم من الاعتراف الضمنى بأن بلدان شرق آسيا فى طريقها اليوم لتصير »المركز« للعالم الجديد تحت التكوين؟ وهو قول يبدو لى مغالى فيه ولكنه لايخول من المغزي. وسواء تعلق الأمر بمعجزة أم لا، فأن التنمية الرأسمالية للمنطقة، التى بدأت فى كوريا وتايوان، مستندة إلى ظروف جيوستراتيجية غير عادية (تميزت بتنازلات لم تقدمها الولايات المتحدة فى أى مكان آخر، وصحبتها إصلاحات من أهمها الإصلاح الزراعى تحت ضغط منافسة العالم الشيوعي)، امتدت فى ظل إطارات مختلفة الواحد عن الآخر، إلى جنوب شرق آسيا، وإلى الصين الشاسعة، وإذا كان الأمر يتعلق فيما يخص جنوب شرق آسيا، برأسمالية كومبرادورية تسيطر عليها الشركات متعدية الجنسية، فإن الأمر يختلف بالنسبة لكوريا والصين فهل يتعلق الأمر بأشكال من التنمية الرأسمالية الوطنية التى يثبت التاريخ إمكانية تحققها؟ وهل ستتمكن هذه الأشكال من سد الفجوة بين المركز والتخوم بالتدريج، أى أن تقيم فى المنطقة مراكز رأسمالية جديدة؟ أم أنه مع اتخاذ الاستقطاب أشكالا جديدة فإنه رغم النجاحات التى تحققت ستتحول هذه المناطق الى التخوم الحقيقية للرأسمالية المعولمة غدا فى حين يجرى تهميش الآخرين ببساطة؟



وتدل التطورات الأخيرة فى المنطقة ـ الأزمة المالية فى جنوب شرق آسيا وكوريا، على أن حربا طويلة الأمد قد بدأت، فالهدف واضح منع كوريا من اللحاق بوضع المركز الرأسمالي. وإذا لم يكن هناك شك فى النتيجة بالنسبة لأغلب بلدان العالم الثالث الجديدة (بلدان جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية) وهى التبعية والكومبرادورية، فإن الأمر يختلف فى رأيي، بالنسبة لكوريا، ومن باب أولى للصين.



وفى جميع الأحوال فإن هذه التحولايات فى العالم الثالث، وتصنيعه ليست نتيجة لمنطق التوسع وحيد الجانب لرأس المال المسيطر، وإنما هى نتيجة لنضال المجتمعات المعنية ضد هذه المنطق، وإن بدرجات مختلفة.



ألا يعطى انهيار مشروع باندونج لنا الحق فى الرأى أن البراجوازية القومية قد استنفذت دورها التاريخي؟ وأن مشروع التنمية الرأسمالية فى التخوم صار خياليا؟