نحو تجاوز بروتوكول باريس الاقتصادي

محسن ابو رمضان
2015 / 5 / 6

نحو تجاوز بروتوكول باريس الاقتصادي

محسن ابو رمضان

تصادف هذه الأيام ذكرى مرور 21 عاماً على توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي ، حيث تتصاعد الدعوة من العديد من القوى والعاملين بالحقل الاقتصادي والاجتماعي والتنموي بأهمية إلغاؤه أو بالحد الأدنى مراجعته بوصفه كان ومازال معيقاً لعملية التنمية الفلسطينية .
فبروتوكول باريس الاقتصادي نشأ على قاعدة اتفاق اوسلو الذي نشأت السلطة الوطنية الفلسطينية على ارضيته ، كسلطة لحكم إداري ذاتي انتقالي باتجاه الدولة المستقلة ، علماً بأن المرحلة الانتقالية كانت قد انتهت في 4/5/1999 ، ولم يتم تحويل السلطة إلى دولة ذات سيادة ، وأبقت دولة الاحتلال على السلطة في اطار تصوراتها بوصفها تدير شؤون السكان وتلتزم بما هو مطلوب بما في ذلك التنسيق الأمني ، بالوقت الذي تستمر أي دولة الاحتلال بنهب الارض ومصادرتها وتوسيع المستوطنات القائمة ، وإقامة مستوطنات جديدة، وبناء جدار الفصل العنصري وتحرم الفلسطينيين من فرص الوصول إلى الموارد وفي المقدمة منها الارض والمياه ، وتحول المجتمع الفلسطيني إلى مجموعات متناثرة من السكان باتجاه تقويض فرص اقامة الدولة المستقلة ذات السيادة وحرمان شعبنا من حقوقه وخاصة حقه في تقرير المصير والعودة ، وذلك باتجاه تحقيق الإدارة الذاتية كبديل للسيادة والدولة .
وعليه فإن بروتوكول باريس جاء في اطار غياب حالة الاستقلال الوطني وفي سياق الرؤية الاحتلالية الرامية إلى تكريس تبعية الاقتصاد الفلسطيني لاسرائيل ومنعه من الافلات من حلقة التبعية ، وذلك بوصف سوق الاراضي المحتلة يشكل ثاني اكبر سوق للصادرات الاسرائيلية التي تصدر إليه سنوياً ما يقارب ال 5 مليار -$- .
لقد ربط بروتوكول باريس الاراضي المحتلة باسرائيل ضمن الغلاف الجمركي الواحد وذلك بالوقت الذي يشكل نصيب الفرد السنوي في اسرائيل اكثر من 33 ضعف نظيره الفلسطيني ، حيث أن نصيب الفرد السنوي في اسرائيل حوالي 35 الف -$- بالمقابل في الأرضي المحتلة حوالي 1600-$- ،حيث تباع السلعة في اسواق اسرائيل بنفس الثمن الذي تباع به بالأراضي الفلسطينية ، الأمر الذي عكس مدى الاجحاف والظلم الذي يقع على المواطن الفلسطيني الذي بات تحت وطأة الفقر والبطالة .
وبالوقت الذي عزز البروتوكول الغلاف الجمركي الموحد فقد الزم السلطة بكافة الاتفاقات التي عقدتها اسرائيل مع بلدان العالم وحرمها في ذات الوقت من عقد اتفاقات خاصة ومستقلة بدون موافقتها خاصة مع البلدان التي تمتنع عن إقامة علاقات سياسية ودبلوماسية معها ، حيث سمح للسلطة بالعلاقة فقط مع كل من مصر والاردن بوصفهما كانا قد ابرما اتفاقات سلام مع اسرائيل .
ولما اصبح السوق الفلسطيني مادة لاستهلاك البضائع والمواد والسلع الاسرائيلية ، فقد حرم الاقتصاد الفلسطيني من فرص التصدير لإسرائيل إلا بشروط المواصفات والمقاييس الإسرائيلية ذاتها الأمر الذي قوض من فرص الانتاج والتسويق الفلسطيني وابقى السوق الفلسطيني استهلاكياً وغير انتاجياً ، إلا لبعض الصناعات والمزروعات المعززة لسياسة التعاقد من الباطن التي تخدم مصالح الشركات الاسرائيلية عبر استغلال العمال الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة.
حددت دولة الاحتلال للسلطة ثلاثة مناطق يمكنها تحقيق التبادل التجاري معها وتحديداً تحقيق الاستيراد منهم وهم " مصر والاردن ، والأدوات الكهربائية والمعدات الصناعية من بلدان العالم التي ترتبط مع اسرائيل بعلاقات تجارية وسياسية ودبلوماسية ، وما دون ذلك لا يمكن للسلطة ابرام أية اتفاقات أو تعاقدات اخرى .
ولعل واحدة من المثالب الرئيسية لبروتوكول باريس الاقتصادي يكمن في منع اسرائيل للسطلة بإقامة نظام جمركي مستقل ومنفصل عنها ، حيث أدى ذلك إلى حرمان الفلسطينيين من حقهم في اصدار عملة مستقلة الامر الذي يحقق ارباح هائلة لصالح البنوك والمصارف الاسرائيلية لقاء طباعة وتدوير العملة الاسرائيلية بالاراضي المحتلة ، كما أدى ذلك إلى قيام اسرائيل باقتطاع اموال المقاصة التي تجبيها لصالح السلطة لقاء عمولة محددة ب 3% ، الأمر الذي أدى لاستخدامها بالعديد من المرات كورقة للابتزاز السياسي في مواجهة السلطة عندما تقرر السير بمنهج سياسي تختلف عن الذي تريده دولة الاحتلال ، كالتوجه للامم المتحدة ، أو التوقيع على ميثاق روما ...إلخ ، علماً بأن أموال المقاصة تشكل حوالي 45 % من الموازنة العامة للسلطة .
ورغم ان بروتوكول باريس الاقتصادي ينص في احدى بنوده على مراجعة بنود الاتفاق مرة كل ستة أشهر إلا أن السلطة لم تستغل ذلك باتجاه المراجعة لادخال تحسينات على البروتوكول وتجاوز السلبيات العديدة به .
إن تجاوز بروتوكول باريس بجاحة إلى منظور سياسي وتنموي مترابط ، تعيد تحديد وتعريف المسار السياسي خارج اطار اتفاق اوسلو ويعيد تركيب المعادلة على قاعدة التحرر الوطني في مواجهة الاحتلال بما سيساهم في تعزيز مقومات الصمود عبر اعتماد وسائل وآليات بعيدة عن البذخ والنزعة الاستهلاكية ومبنية على التنمية الانتاجية والمعتمدة على الذات وعلى آليات التكافل والتضامن الاجتماعي .
تستطيع السلطة استثمار المتغيرات الدولية وخاصة تشكيل مجموعة البريكس الاقتصادية والتي تضم كل من روسيا والصين والهند وجنوب افريقيا والبرازيل وكذلك البنك الآسيوي الذي اسسته الصين بمشاركة بلدان جنوب شرق آسيا وتعزز العلاقات البينية مع البلدان العربية ، ومع بلدان الجنوب كما تستطيع البدء باجراءات للحد من الانفاق العام لصالح مشاريع التنمية وذات الطبيعة الريادية التي تعزز من فرص العمل لصالح العمال والمزارعين والخريجين الجدد بدلاً من التكدس بالوظيفة العمومية التي رسخت الاعتمادية والنزعة الاستهلاكية والبطالة المقنعة .