علماء الإسلام بلا سلطان

ميشيل نجيب
2015 / 4 / 29

إذا كان علماء الدين الإسلامى حسب القرآن ليس لهم سلطان على الناس حسب ما قال مفتى الجمهورية السابق على جمعة، وأن واجبهم بيان الصواب من الخطأ فى أمور دينهم ويترتب على ذلك أنه لا سلطان ولا قضاء لهم فى إدانة أى إنسان، وليس من سلطانهم كبشر أن يدينوا أفعال المؤمنين المسلمين لأن هذا من سلطان الله الديان لكل البشر يوم القيامة، فمن حق العلماء أن يقولوا رأيهم بكل إحترام لأن عبادات وسلوكيات وأفعال كل إنسان هى علاقة خاصة بينه وبين الله، فالدكتور على جمعة وهو من العلماء المسلمين لم يجانبه الصواب فى برنامجه "الله أعلم" على فضائية "cbc"، عندما أبدى رأيه الشخصى وليس الدينى فى الدكتورة الأديبة نوال السعداوى وأعتبرها قليلة الحياء، عندما سأله البعض عن قولها فى روايتها الأدبية "محاكمة الإله"، التي قالت فيه إنها "زعلانة" من الله، لخلقها أنثى، وجعلها كذا وكذا، واشتكت "ربنا لربنا"، فإذا كانت نوال السعداوى تكتب كتاباً ثقافياً أدبياً وتقول أنا زعلانة من الله فهذه قضيتها مع الله والله هو الذى سيحاكمها وليس علماء المسلمين، بل ليس من حقه كعالم مسلم أن يتهم كاتبة ويصادر فكرها ويقول بأنها قليلة الحياء أى أنها فاجرة غير مؤدبة وفاسدة الأخلاق!!

إتهام المفتى السابق على جمعة للدكتورة نوال السعداوى فى برنامجه على قناة فضائية يشاهدها الملايين من المسلمين، هو إتهام يصل إلى درجة الفسق والفجور والتكفير لفكرها وأعمالها الأدبية ويجعل حياتها فى خطر، لأن المتطرفين والمهووسين دينياً من السهل أن تدفعهم الغيرة فى الدفاع عن الإسلام إلى تكرار ما حدث سابقاً من قتل فرج فودة ومحاولة قتل نجيب محفوظ، وغير ذلك من القضايا التى ترفع ضد الأدباء والعبارات التى تصدر من على منابر المساجد وفى الفضائيات وتنال من إبداع مفكرين وأدباء مجال كتاباتهم ثقافى وليس مجالاً دينياً حتى ينصب كل عالم أو شيخ نفسه مدافعاً عن الإله وهو فى الحقيقة والواقع مجرد إنسان يبين للناس أمور عبادتهم حسب ما أوصاهم الله فى القرآن، بل تجرأ الدكتور على جمعة بإتهام غيره بما ليس فيه يجعلنى أقول رأيى فى قوله: " أنَّ العلماء ليس لهم سلطان على الناس، ولكن واجبهم هو أن يبينوا لهم الصواب من الخطأ في أمور دينهم "، حيث أنه من الأمور الفطرية فى الإنسان الذى أنعم الله عليه بنعمة العقل وتقدم المعارف وإختلاط الأفراد فى مجتمعاتهم يجعلهم على معرفة طبيعية بالتمييز بين الصواب والخطأ، فالأديان تحرم الزنا والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج فالفساد الأخلاقى بإختلاف أنواعه مرفوض فى الأديان وليس فقط فى الإسلام، لكن المشكلة التى جعلت الدكتور على جمعة يبين للمؤمنين أمور دينهم نابعة من بلادة وكسل الأفراد فى فتح كتبهم الدينية وقراءتها للتعرف على إرادة ومشيئة الله الذى يعبده فى الصواب من الخطأ دون أنتظار أن يقرأ له كتبه الدينية رجال آخرين ليقدموا له بعد ذلك عصارة جهودهم فى معرفة وصايا الله جاهزة على طبق من ذهب، من على منابر المساجد أو فى وسائل الإعلام الفضائية أى أن المؤمن هنا يفضل عدم إجهاد نفسه فى القراءة وتشغيل عقله للفهم والتفكير لمعرفة وصايا الله المكتوبة له شخصياً ولكل مسلم فى القرآن ويفضل الأسترخاء وسماع ما يريد الله أن يقوله له فى كتابه من فم رجال فضلوا التفرغ لهذا وأعتبروه عملاً يكتسبون من وراءه إلى جانب إكتساب إحترام المؤمنين له بإعتباره رجل دين متفرغ لهذا العمل الدينى الذى يرفضه الله حيث لا كهنوت أو رجال دين فى الإسلام، وأن يقتنع المؤمن بأن الله لم يقول أن شريعته ووصاياه ومعرفة الصواب من الخطأ الموجودة فى القرآن هى حكراً على طائفة من المسلمين تتفوق على بقية المؤمنين فى ذكاء العقل، لأن إيمان وأعمال كل مسلم فى الدنيا سيحاسبه الله عليها فى الآخرة وهذا هو معتقد كل مسلم مؤمن بالله.

التبرج والفجور والعرى والتحرش بالإناث وعمل الفاحشة والمنكرات والرذيلة هى أفعال خاطئة يعرف كل إنسان أنها ضد مشيئة الله وأن عقابها الحرمان من جنة الله والذهاب إلى الجحيم، ولا تحتاج لرجل يعتبر نفسه ويعتبره بقية المسلمين مسئولاً عن تعليمهم إيمانهم، ومسؤلاً عن هدايتهم للصراط المستقيم بل كل مسلم يدعو الله فى صلواته قائلاً: " إهدنا الصراط المستقيم "، فالكتب الدينية نفسها تتكلم بكل وضوح فى الأبتعاد عن كل الرذائل والضلال والتحلى بالفضيلة والأخلاق الحميدة، لكن أصحاب الأديان أصاب حياتهم الدينية التعقيد نتيجة قبولهم بوسيط بينهم وبين الله أو الإله الذين يعبدونه، رغم أن الإيمان فى الأديان ليس فيه وسيط بين العبد وربه وإنما هذه الوساطة أخترعها أصحاب السلطان فى بدايات العصور الأولى لأنتشار الأديان ومنها الإسلام، وساق أصحاب السلطان السياسى الكثير من التبريرات والأسباب لإقناع المؤمنين بضرورة وجود الحاخامات والكهنة والمشايخ كوسطاء بين الله والإنسان، وليس هذا فقط بل تعداه إلى أن أصحاب الحكم والسلطان أضفوا هالة كبيرة على رجال الدين هؤلاء بصفتهم وكلاء عن الله يصدرون فتاوى التكفير والقتل، التى يستفيد منها الملوك والرؤساء للبقاء فى كراسيهم الدكتاتورية ويثيرون الغيرة فى نفوس المؤمنين بفتاوى التكفير ليدفعونهم إلى العنف والتطرف وقتل كل من هو مختلف عنهم فى المذهب والطائفة والدين كما هو حادث منذ وجود الأديان وحتى يومنا هذا، وكل قارئ حقيقى للتاريخ العربى بغرض الفهم والمعرفة الواقعية لأحداث التاريخ التى وقعت على أراضينا العربية حيث نشأة الأديان الثلاث.

خلاصة الموضوع أن على كل مؤمن أن يفكر جيداً فى حقيقة أن من يطلقون عليهم علماء فى الإسلام ليس لهم سلطان على حياتهم وليس من حقهم الإفتاء بالتكفير لأى بشر كان، ومتى آمن كل مسلم بذلك سيتحرر من عبوديته لسلطان هؤلاء العلماء، وسيتمتع بحريته فى التفكير وأستخدام عقله فى قراءة كتبه المقدسة وفهمها كما أراد كاتبها أن يستوعبها بعيداً عن عشرات التأويلات التى تنحرف بالمعنى المقصود إلى معانى مغايرة وعكس إرادة صاحب الكتب المقدسة.

الآن علينا أن نتحمل مسئولية أنفسنا وأن نخرج عقولنا من سجون الظلمة والتخلف التى رضينا بها عندما أستمتعنا بأصوات وفصاحة شيوخ المساجد والفضائيات، ورفضنا أستخدام عقولنا بقراءة وفهم كتب الآله دون وسيط بشرى ليعيش المؤمن فى علاقة تعبدية خاصة بينه وبين الله لأن الهدف من عبادة الله الحياة وفق النموذج الإلهى أى فعل الخير والصلاح والعيش فى سلام ومحبة مع بقية البشر.