عن تبديد الديمقراطية في فلسطين

محسن ابو رمضان
2015 / 4 / 29

عن تبديد الديمقراطية في فلسطين
بقلم / محسن ابو رمضان

اسوء ما افرزه الانقسام يتجسد في غياب المؤسسة الوطنية الجامعة وتبديد المسار الديمقراطي حيث تعطل عمل المجلس التشريعي ، واصبح يعمل من خلال كتلة الاصلاح والتغيير في غزة فقط دون مشاركة باقي الكتل البرلمانية ، كما أصبح يسن العديد من القوانين التي وصلت إلى أكثر من 50 قانون وذلك دون انتظار توقيع الرئيس عليها ، كما تم تشكيل لجان للمجلس التشريعي في الضفة تعمل من خلال رئيس كتلة فتح البرلمانية ، وأحياناً بمشاركة ممثلي باقي الكتل الاخرى عدا كتلة حماس ،واصبح الرئيس يصدر العديد من القرارات بفعل القانون وصلت إلى أكثر من 70 قرار دون مصادقة المجلس التشريعي عليهم .
إن ما تقدم يعكس توجهاً ادى إلى تبديد بعض المكتسبات التي حققها شعبنا وخاصة تأسيس المؤسسات الوطنية ذات الطبيعة " الدولانية " وفي المقدمة منها المجلس التشريعي الذي كانت أحد أهدافه الايجابية تتجسد في توحيد القوانين بين قطاع غزة والضفة اللذان كانا يخضعا لقوانين وتشريعات مختلفة ، بسبب الظروف التاريخية ، حيث تم ضم الضفة الغربية بعد عام 48 واصبحت جزءً من المملكة الاردنية الهاشمية يسري عليها القوانين الأردنية ، كما اصبح قطاع غزة يقع تحت الإدارة المصرية من الفترة ما بين 48 – 67 ، علماً بأن الاحتلال وحد بصورة قصرية كل من الضفة والقطاع بعد عدوان عام 67، حيث اصدر العديد من الاوامر العسكرية التي سادت المنطقتين باستنادها إلى إجراءات ، ومراسيم عسكرية احتلالية قمعية معيقة ومعرقلة لحالة الحريات العامة بما في ذلك النشاط الاقتصادي ولكن ورغم ذلك بقيت كل من الضفة والقطاع تشهد حالة من الاختلاف والتباين بالبنية التشريعية والقانونية ، الامر الذي كان من المامول منه ، وعبر المجلس التشريعي الذي جرت انتخاباته الأولى عام 96 ان يتم السعي الجاد باتجاه بلورة منظومة تشريعية موحدة ، تشكل القاعدة القانونية للنظام السياسي وللدولة الفلسطينية المستقلة .
وإذا كانت وظيفة المجلس التشريعي تتجسد بسن القوانين فإن له دور آخر لا يقل أهمية عن ذلك يتجسد بالرقابة والمسائلة للسلطة التنفيذية على أدائها الإداري والمالي وعلى مدى تطابق سياساتها مع القانون الاساسي ومع القوانين المسنة من المجلس .
ورغم تأخر الانتخابات التشريعية الثانية والتي جرت في يناير / 2006 ، إلا ان المراقبين والفاعلين السياسية كانوا ينظروا باهتمام كبير لهذه الانتخابات والتي شاركت بها حركة حماس ومعظم القوى الاخرى والتي لم تشارك بانتخابات عام 96 ، رغم عدم تغير الظروف السياسية بصورة جذرية من حيث أنها اتت في ذات الاشتراطات السياسية المحددة باتفاق اوسلو ، إلا أن الاهتمام الايجابي بهذه الانتخابات كان يتجسد في عملية ادماج كافة القوى بمكونات النظام السياسي بما يبرز حالة من التعددية السياسية والمشاركة و يحقق الحيوية في بنية النظام وذلك بدلاً من استمرار سيطرة قوة وحيدة مهيمنة على مكونات النظام كما كان الحال سائداً بالفترة ما بين 96 – 2006 .
ورغم العديد من الملاحظات السلبية تجاه انتخابات المجلس التشريعي بما انها انتخابات لسلطة مقيدة ومحدودة الصلاحيات وبما أن الاحتلال يتحكم بنتائجها عبر قيامه باعتقال بعض من النواب ، وتقيد حركة البعض الآخر منهم وبما أن المجلس التشريعي لم يستطع تفعيل آليات الرقابة والمسائلة للسلطة التنفيذية ، كما كان مأمولاً منه ، إلا أن الانتخابات تبقى الوسيلة الوحيدة لتجديد حيوية أي نظام سياسي ، فهي وسيلة للمشاركة والمسائلة وللتعددية ، وكشف اخطاء وعيوب الحزب الحاكم ، كما تعطى فرصة للمعارضة لتقديم برنامجها ،وتوفر لها مناخات للفوز لتستطيع ان تترجم هذا البرنامج بالمجتمع ، لأن بديل الانتخابات هو ما شهدناه من اقتتال ثم انقسام أدى إلى تحجيم عمل المجلس التشريعي وتأسيس حكومتين مختلفتين عن بعضهما البعض واحدة في غزة وتحت إدارة حركة حماس وواحدة بالضفة تحت سيطرة الرئيس محمود عباس، كما ان بديل لانتخابات يكمن في تعزيز مقومات السلطة المطلقة التي تحتكر القرار السياسي وتمنع اشراك الآخرين به ، كما تحتكر الاقتصاد ، في اطار التزاوج بين المال والسياسية ، بما يساهم في توليد نخب مستفيدة من هذا الحكم الذي لا يرغب ولا يريد الانتخابات لأنها ستعطى فرصة لتداول السلمي للسلطة الأمر الذي سيؤدي إلى فقدان الحزب الحاكم للعديد من الامتيازات المادية والمعنوية .
لقد حدد اتفاق الشاطئ في ابريل / 2014 أدوار حكومة الوفاق الوطني والذي يكمن احداها بالتحضير للانتخابات وذلك لكل من المجلس التشريعي والوطني والرئاسة ، ولكن اياً من ذلك لم يتحقق ، حيث ان التحضير لأية انتخابات ليس ذو طبيعة فنية بل هو مشروط بتوفير مناخات ايجابية من الحريات العامة بما يشمل حرية العمل السياسي ووقف التحريض الاعلامي ، ووقف الملاحقات والاعتقالات والاستدعات وغيرها من الاجراءات التي تعيق بالضرورة من اجراء الانتخابات، وبدون توفرها لا يمكن تحقيقها .
لقد استبشرنا خيراً عند متابعتنا لانتخابات لبعض الجامعات بالضفة ولبعض النقابات بالضفة الغربية وبعض منها بالقطاع لعلها تعمم لتشمل البلديات وتشجع صناع القرار لدى الحركتين الرئيسيتين فتح وحماس على اتخاذ قرار جاد باجراء الانتخابات الشاملة " الرئاسة ، الوطني والتشريعي " علماً بأنني أؤيد ان تكون الانتخابات للمجلس الوطني ، على ان يكون اعضاء المجلس التشريعي من الضفة والقطاع جزءً من المجلس الوطني الذي يجب ان يستكمل اعضاؤه ليشمل باقي تجمعات شعبنا في اطار م.ت.ف المبنية على الشراكة والتعددية كمعبرة عن الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة في مرحلة ما زال عنوانها الأبرز التحرر الوطني والديمقراطي ، وذلك لأن انتخابات المجلس التشريعي فقط ستعنى اعادة تجديد سلطة الحكم الذاتي المقيدة بشروط اتفاق اوسلو اما انتخابات المجلس الوطني فستكون خطوة باتجاه اعادة بناء المؤسسة الوطنية الجامعة والقائدة، لعملية التحرر الوطني اي "م . ت.ف " في ظل مشاركة كافة القوى والفاعليات بها.
لقد مضى على انتخابات الرئاسة 10 سنوات والمجلس التشريعي 9 سنوات ، واخر دورة للمجلس الوطني عقدت في عام96 رغم الملابسات العديدة التي المت بها فمن غير المعقول ان يستمر عمل المؤسسات الرسمية بدون تجديد شرعيتها حيث ان كنه الانتخابات تكمن في دوريتها وليس بإجرائها لمرة واحدة فقط، مما يكرس السيطرة على الحكم ويمنع من عملية التبادل السلمي له ، والغريب ان اياً من اعضاء المجلس التشريعي لم يقرع الجرس او يعلن عن أهمية رد الأمانة لأصحابها ، وكأن هناك ارتياح لهذا الوضع ، من حيث المكانة والرواتب العالية بالوقت الذي يأن شعبنا تحت وطأة الفقر والبطالة .
إن الاجراءات الاخيرة التي تمت في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة تجاه الانتخابات التي تمت ببعض الجامعات بالضفة ونقابة المحامين في غزة مخيبة للآمال بل ومحبطة ، حيث تم اعتقال رئيس الكتلة الاسلامية وبعض من زملائه في جامعة بير زيت والتي فازت بانتخابات مجلس الطلبة لعام 2015 بحصولها على 26 مقعد من اصل 51 مقعد ، كما تم تجميد انتخابات مجلس الطلبة جامعة النجاح وبالمقابل قررت المحكمة في غزة ببطلان نتائج انتخابات نقابة المحاميين والتي فازت بها حركة فتح .
إن تلك الإجراءات تشكل تبديداً للديمقراطية وتقويضاً لها ، وتعنى تحويل الحكم الى حالة استبدادية لا تقبل الآخر أو الشراكة معه أو الاعتراف به ، بل تسعى إلى تحجيمه والغاؤه وهذا سيؤدي إلى تعميق الاحتقان الداخلي واتباع وسائل غير سلمية بالتعبير عن الرأي بعيداً عن مرتكزات سيادة القانون بما ينذر بمخاطر جدية قد تهدد النسيج السياسي والعقد المتعارف عليه بين الفلسطينيين والمرتكز إلى القانون الاساسي إلى جانب مبادئ وقيم العمل الديمقراطي المبنى على احترام التعددية والتداول السلمي للسلطة والمواطنة المتساوية وتقبل الاخر .
إن أي حراك شعبي بما في ذلك الحراك الشبابي يجب أن يدفع باتجاه اجراء الانتخابات كوسيلة رئيسية إلى جانب الحوار لضمان وحدة النظام السياسي على قاعدة ترتكز لأسس سيادة القانون واحترام التعددية والرأي الآخر لأي بديل ذلك يتجسد في سياسة الاحتكار والهيمنة والاقصاء والعنف بما يعنى أننا سندخل مرحلة حرب الجميع ضد الجميع التي سيكون الجميع بها خاسراً لأنها مبددة للطاقات والمؤسسات والوقت والجهد وبما أنها تؤسس للكراهية والحقد بدلاً من الشراكة والاحترام وتقبل الآخر .