محاولة النفاذ من عنق النص

الطيب عبد السلام
2015 / 4 / 25

محمود محمد طه... محاولة النفاذ من عنق النص....دراسة نقدية.
‏13 يوليو، 2013‏، الساعة ‏02:49 صباحاً‏

السلام عليك يا شهيد الحرية و الانسانية،السلام عليك ياطيب الروح يا نبيل العقل يا زكي القلب و بعد :

لقد حاولت الفكرة الجمهورية في ظني أخراج النص المقدس من مأزق التاريخانية الذي تتورط فيه كل النصوص القادمة من الماضي و التي تدعي قدرتها على استيعاب الحاضر و المستقبل عبر نفيها لفكرة الصياغ النسبي و ادعائها لصياغ المطلق الحاضر في كل زمان و كل مكان.

فقسمت النص المقدس الى ايات الاصول و ايات الفروع و ايات الاصول هي ايات التسامح و الدعوة بالتي هي احسن و التصالح و القبول بألأخر و ايات الفروع هي ايات الخشونة و الوصاية و المصادرة لحق الاخر في الوجود،و فكرة الانتقال من الاصل الى الفرع تستند الى الية الحالة العقلية و الفكرية لمن خوطبوا بها فلما عجزوا هم عن تحمل مثالية ايات الاصول لجاءوا الى ايات الفروع.

هذا هو مجمل ما تحدثت عنه الفكرة الجمهورية و التي ازعم انني قرأت كلما انتجته هذه التجربة الفكرية الفريدة بل و تبنيته ذات يوم و دافعت عنه،و ازعم انني لم افهمها جيدا الا حينما ترقيت منها و تحررت بها من تسلط النص و الخوف من الفكر فصار عقلي مثل الغزال الحر، وهذا ما اظنه انه غاية الفكرة الجمهورية " تحرير العقل" و ليس التورط فيها و عبادتها و التمترس في اطروحاتها،فليس من المنطقي ان تمنحك الاجنحة و تقول لك سر على الارض خلفها،انها تقول لك : هاك الاجنحة فطر و تحرر.

ان زاوية النقد التي سانطلق بها في هذا المقال هي انني ساعمل على تأكيد تاريخانية النص و تفنيد التأويل التبريري الذي كرست له الفكرة الجمهورية لاخراج النص من براثن التاريخ الدامية التي لا ترحم.

انني اقول ان التجربه النبوية برمتها مرت بمرحلتين :

اولاً : مرحلة الدعوة بالتي هي احسن وهي التي لم تؤت ثمارا كثيرة طيلة ثلاثة عشر عاما ظلت فيها محصورة بين طبقة الفقراء و العبيد و اصحاب المصلحة الام في اي انقلاب طبقي قد يحدث و بعض ابناء الاغنياء المدللين و المتمردين بطبعهم اضافة الى بني هاشم و الذي انحازوا للدعوة لا بحكم الايمان بل بحكم القرابة و الوقوف خلف رجلهم وهذا ما يؤكده عمه ابوطال الذي لم يكن مؤمنا به لكنه كان مدافعا عنه و منحازا لصفه،هذا الموقف لابي طالب هو الموقف الرمزي لكل بني هاشم و المعبر عنهم، وحتى هذه اللحظة كان المواقف الموازي عدائيا جدا بحكم انهم ينظرون الى الامر على انه انقلاب طبقي مدعوم من بني هاشم الذين سوف يسيطرون على مقاليد مكة و تدين لهم القبائل بالولاء.

و لم يكن في وسع الدعوة انذاك اتخاذ اي خطوات انقلابية حاسمة بل كأنت محاصرة و واقعة تحت ضغط لا حد له من جميع الاطراف فاكتفت بالتصالح والدعوة لنبذ العنف و الدعوة بما هي احسن و اسلم،بمعنى ان الخطاب لحظتها كان خطابا ساعيا لمفاداة اي صدام و العبور بسلام فوق اي دعوة للعنف ستقتلع الامر برمته و تقضي عليه و تؤده في مهده،لذلك كان خطابا مهادنا و ترغيبيا و مثاليا جذب الكثيرين اليه و هذا ما تسميه الفكرة الجمهورية بالرسالة الثانية اي ايات الاصول التي ستنسخ فيما بعد بالرسالة الاولى اي ايات الفروع و التي سنرى ماهيتها و ظروف تمظهراتها.

و المرحلة الثانية هي المرحلة المدنية التي شهدت نجاحات و انتصارات ساحقة وسريعة للدعوة الجديدة

مما اضطر النص من التحول الى نص متصالح و مثالي الى نص قريب من الواقع الدنيوي الجديد و ملاحق لمعطيات الواقع الجديد فنزلت ايات السيف والجهاد و و بقية ايات الفروع المدنية التى احتوت على التشريعات المادية الخارجة من تمسكنها الروحي لحقيقتها الاساسية في السيطرة و الوصاية.

المشكل الاكبر في الفكرة الجمهورية هو انها اعطت التجربة برمتها صياغات تبريرية و مثالية جديدة لا تحتملها حتى مسودة التجربه نفسها التي لم تكن بذلك العمق الرؤيوي على الصعيد الطرحي و لا حتى بذلك النضج الفلسفي لدى صاحب التجربه نفسها،فجوبهت في ظني بما هي اهل ان تواجه به من معتنقي التجربة نفسها لأنهم عبروا عن وضع طبيعي في ظني و هو عدم تحملهم و تحمل ما حمله الاستاذ لمعتنقهم من تاؤيلات فلسفية تنشتلهم من مأزق تاريخانية النص و الحكم عليه بالاعدام لدى المستنيرين و المثقفين.

فجابهت الفكرة الجمهورية كلا المعسكرين بخطابها المزدوج فواجهت العامة بالنص و بالمحاججة النصية و الدوران في فلك قداسة النص، و واجهت المثقفين والمستنيرين بافكار داروين و فرويد و انشتاين من دون الاقتراب من النص.

في ظني ليس من المنطقي بمكان التشبس بالنصوص الماضوية لتهديئة الشك والخوف الذي في نفوس العامة على اجاباتهم و محفوظاتهم المدرسية المسبقة، لأن هذا هو بمثابة مخادعة لهم و ان كانت النية لا شك فيها لكننا بهذه الطريقة نطيل امد الخرافة و نمد للظلام حباله،لأن ذات الامر ما لبث ان تحول الى مسلمات و اجابات نهائية لا جدال فيها.

فيما يخص انتصارات التجربة عند رحيلها للمدينة فانني اجد نفسي مضطراً لأن اذكرك بالرجوع لرواية النبطي ليوسف زيدان التي تحاول ان تحكي في اكثر من 400 صفحة عن كيفية نشوء النبوة و كيفية ظهور النبي و المشروع المجهض للنبي المستنير الذي تحدثت عنه رواية النبطي.

بلا شك فقد وجدت القبائل العربية في المدينة غايتها القديمة في ان تتوحد جميعها، وما كان ينقصهم هو الفكرة او الايدلوجيا التي سيتوحدون تحت رايتها لتحقق لهم طموحاتهم في التوسع و السيطرة على كل القبائل العربية و ايجاد ارضية للتعايش السلمي فيما بينهم لأن الجميع كان يعرف مرارات الحروب الاهلية بين الاوس والخزرج،هذا من ناحية و من الناحية الاخرى اظهار الجانب الحضاري والمعرفي للعرب امام قوميات بنو قريظة و النضير التي كانت تعتنق اليهودية و تنظر الى العرب على انهم قوم بدو و متخلفين.

و لم تجد المدينة افضل فرصة من وافد مطارد يحمل في كفه صمغ وحدتهم و لديه فكرة يتوق لنشرها،فتلقفوه تلقف المريض لأخر قطرة دواء، ولكن هذا الوافد الجديد لم يكن يحمل ذاك الطموح القومي الذي يؤرقهم بل كان يتحدث عن التصالح و المسامحة و وو، وبواقع الحال الجديد جوبه النص القديم بالرفض و عدم الرضا لأنه لم يواكب طموحهم القومي،فاضطرت التجربة لتغير مواقفها كي لا تفقد سيطرتها و وجودها فماهت الناس في احتياجاتهم و تطلعاتهم القبلية و القومية فانقلبت بمعدل 360 درجة عن مواقفها الاولى و اتجهت لتبني خيارات اكثر حسما و اسرع ادرارا للممتبعين و المعتنقين فتحول الامر من مجرد دعوة اخلاقية تربوية الى بزنس و غزوات و اصبح مشروعا سلطويا حاكميا ينبني على توجيه المجتمع لتحقيق متطلباته الجديدة، والى هذه اللحظة هو لم يتخلى عن دعوته الاخلاقية اليوتوبية تلك لصالح نسبية الواقع المتشكل و غير الخالي من الضغينة و الاحقاد و العيوب،بل مزج كلا الخطابين معا مؤسسا لدولة دينية تسعى كل تيارات الاسلام السياسي اليوم الى استعاداتها من جديد.

في ختام هذه الورقة النقدية اقول : ان الخروج من مأزق تاريخانية النص لا يتم عبر الالتفاف عليه او استعادته الدائمة في مثل علمية حديثة كما يفعل مرضى الاعجاز العلمي بل عبر الاعتراف بوجوده كجزء لا يتجزاء من تراث الانسانية تلجاء اليه للسلوى و للشجن ولارضاء شغفها الازلي الكامن في لا وعيها عن عذوبة و مثالية الايام الغابرة،تماما كما يستمتع الاطفال بقصص روبن هود و عقلة الاصبع و الغول.

ان الحياة امامنا كتاب مفتوح فنتأمل فيه كما هو و كما نحن لا كما كان الماضون السابقون، ان الوقت اكثر قيمة من اضاعته في اجراء مقارنات عقيمة بين نصوص قديمة وبين الواقع الحالي المحير.