في مفهومي الاصيل والدخيل

ابراهيم زورو
2015 / 4 / 24

في مفهومي الاصيل والدخيل
ابراهيم زورو

يخبرنا اغلب علماء النفس بأن المريض لديه كل مقومات العلاج إذا كان واثقاً من الطبيب المعالج، ولكن عدا ذلك فالطبيب المعالج لا يستطيع أن يقدم شيئاً سوى معلومات أولية قد تبدو سخيفة في بعض الاحيان، فالمريض هو الذي يمتحن قدرة الطبيب على الكلام، وإذا افترضنا أن كل علاجه بالكلام فقط، وهو افتراض صحيح، فالطبيب والمريض كلاهما في صراع أبدي ومستمر، من حيث أن الطبيب هو الذي أدْخل نفسه في هذا السياق عن سابق اصرار وتصميم، بينما ظروف المريض هي التي زّجته في هذا المنحى عنوة، هذه المقارنة الأولية يبدو فيها المريض هو الأصيل، بينما الطبيب هو دخيل مزعج كونه دخل إلى هذا الصراع باهداف مختلفة قد تكون خارجة عن سياق الانساني ايضاً، لهذا نجاحه وعدمه لا يؤثر على وضعه النفسي أبداً، في هذا السياق قد تكون مقارنتنا غير مجديه لأننا وضعنا نفسنا في مأزق عبر إيرادنا لقضيتي الاصالة والدخالة، فالإصالة هنا ليست عملية اختيارية بل هي مجموعة من العوامل في لحظة زمنية محددة اخضعتك مجبراً لواقعها ولنمط نظامها، لكن هي لحظة اختيارية بحتة لدى الطبيب، وإنني اعتقد ان الاصالة هي لحظة اضطرارية وعملية إخضاع واحتلال مستمرين لمواقع ومراكز حريتك الفردي لصالح المجموع العام، ولا يمكن أن يغيب عن بالنا بأن الطبيب النفسي أو العيادة النفسية هي دليل على قوانين مدنية وحضارية في العالم الثالث، كون مازال هذا المرض يعتبر عيباً بالمعنى الاجتماعي للكلمة، على اعتبار هذا المرض يعتبر من الأمراض الحضارية، فمن هو هذا المريض الذي يجعل من مجتمعه في مصاف الدول والمجتمعات الحضارية، ويمكن أن نذهب الى القول: إن مرضه قومي بامتيار رغم تضامننا معه وبمشاكله واوجاعه ؟! بينما الطبيب الدخيل فوجوده وعدمه سيان لكنه يريد ان يشكل مع المريض باعتباره يمثل قيم حضارية كما اسلفنا؟.
مناسبة الكلام جلّها على الاطراف(الاحزاب) الكوردية التي تريد ان تكرر التجربة ذاتها منذ مئات السنين وإلى يومنا هذا؟ علماً بأن التكرار ليس محموداً في علم النفس ولا يقتدى به ؟!. وإذا قلنا لطرف ما أنه يتمتع بغباء جميل !!، فأنه بالتاكيد سيهاجمك خير الهجوم دون النظر إلى سببها؟ وهو مرتاح لجهة التكرار الذي هو آداة من أدوات تفكيره ويستعمله مرات عديده في يومه؟ لكنه ينسى أن التكرار هو نفسه والغباء شيئا واحداً ؟!.
في هذه الحالة هل وجود الاحزاب الكوردية بالنسبة إلى واقع الشعب، اصيل أم دخيل؟! هل وجود الاحزاب كانت ضرورة تاريخية بالنسبة لواقع الشعب الكوردي ؟ لو افترضنا جدلاً ضرورة تاريخية فايلام يدل كل هذه البرامج ؟ هل بهذه البرامج يحررون شعوبهم ؟ اعتقد بتلك البرامج لا يستطيعون ان يطردوا ذبابه واحدة من على وجه طفل كوردي؟!. واعتقد جازماً بأن لا احد مهما كان علو ثقافته ومكانته يستطيع الدفاع عن تلك الاحزاب؟ فهي دخيل على واقع باعتبار لم تسوقه الضرورة التاريخية لتكريس المعنى من وجودهم فهم اصبحوا علة ومرضاً يجب اقصاؤهم فوراً عبر عملية حتى لو كانت قيصرية ! وطرح خزعبلاتهم جانباً دون رأفة أو شفقة، فوجودهم بحاجة إلى تبرير والمعالجة أكثر وكأنها تبادلت الامكنة مع شعبهم؟!. فالدفاع عنهم لا يؤدي الى الدفاع عن الشعب فكل منهم في واد ولا من اتصال بينهم؟!.
لنطبق هذا الكلام فقط دون ادوات اخرى وهي كثيرة في اعمال الاحزاب الكوردية، فما الذي يمكن ان نستنتج منها ؟!. خذ مثلا برامج كافة الاحزاب السياسية، التي هي دليل على وجود شعباً عانى من الاستعمار والظلم والاضطهاد، منذ ظهورها والى الان هي منسوخه من بعضها حتى بفواصلها ونقاطها واخطائها اللغوية، وما انشقت منها تصير على نفس المنوال، اليس هذا تكرار ممل، وكأن ثقافتهم بقيت ساكنة دون حراك، والامية بقيت ساكنه في حركيتها ومضت تحرر وتستولي على مناطق كانت معرفية فيما مضى؟!. عدا ان برامجهم لم ولن تستطيع ان تخبرنا عن تناقضي رئيسي وثانوي بعين الاعتبار ؟ اي من هم اصدقاءهم وكذلك اعداءهم؟، وعلى اي ارض يقيمون ؟!.
هذه قد تكون ليست مشكلة في الشكل، اما في مضمونها فهي تمس العقل تماماً وهنا يكون بيت قصيد لمجتمع لم يحرر منطقة واحدة من العقل الذي بقي بدون شك، فالشك والنقد هما اداتان رئيسيتان من ادوات العقل ودليل على سلامته، وبه اصلاً يكون العقل موجوداً على رأس عمله، لهذا بقي الكذب والخداع والنميمة والاغتياب والمكر بشكله الأولي هو مسيطر على العقل الكوردي؟! لنأخذ دليل على نرى بأن الشعار الاول للاحزاب الكوردية في سوريا هي تحرير وتوحيد كوردستان، وكلما تقدم العمر بها سقط حرفاً من شعارهم وتآكله الصدأ، حتى بلغت تفاهات البعض الى طرح الشعار الاقلية ليكون هدفاً له ولسنوات طويلة الى ان عاد الى الزريبة ذاتها؟! ليعلن اليوم ان اغلبهم أو كلهم كانوا عملاء للنظام؟! واعتقد أنه محق في كلامه هذا، والاكثر استحقاقاً لو أنه مضى في انسجامه ليعلن عن حل حزبه جملة وتفصيلاً كونه فشل فيما اسس له، لكنه يعرف بأن الشعب الكوردي ومثقفيه في حالة الموت السريري؟! هذه العمالة الجمعية لنظام واحد(الرب-الله) دون اخذ اي اعتبار لردة فعل أو حتى كلام شارعي سيقال في حقه ؟! ولن يقيم وزناً لأحد؟! والأنكى من ذلك حتى مثقف واحد لم يسأل ما الذي يجري هنا من الذي قتل العقل وهجره ونفاه عنوة، وبأمر من ربه ولم يستعمل العقل في قضاياه النقدية وما الي ذلك، علام يدل ذلك ؟ ما الذي يجعل ان يبقى العقل هكذا، والذين بخسوا قيمة العقل كان يعرف ان شعبه غارق في الجهل ولا سبيل إلى شفاءه، ولم يسأل نفسه هذا الحزب أو ذلك عن سبب وجوده ؟ أليس بالعلم والثقافة يعرف الشعب حقه الشخصي ومغزى لوجوده الفردي في بادىء الامر، ومن ثم يبحث عن معنى لوجوده الفردي ضمن مجموع عام؟.
حان الوقت لطرح جميع مشاكلنا الثقافية على حبل العقل ؟! ونشره على الملآ وجعله ينظر برؤية نقدية الى تاريخ منصرم رغم مافيها سوى الاوجاع والخزعبلات؟!. وينقد نفسه لأنه بقي صامتاً ويبرر هذا السكوت ؟! والا فأن القادم سيكون كالراحل إلى حتفه الاخير....