على من اُنزلتِ الديموقراطية ؟؟؟

الطيب عبد السلام
2015 / 4 / 23

على من انزلت الديموقراطية؟؟
********************************************
كمقترح اول لهذا المقال لا بد ان نفرق بين نمطين من العقول :
العقل النقدي و العقل التقديسي و العقل التقديسي هو العقل الاميل لأخذ الحقائق من مصادر خارجية كيقينيات غير قابلة للتخطئية و غير ملزم كمعتنق لها بمعرفة صحتها على ارض الواقع و بالتالي الوصول اليها بتجربة مثيلة تؤدي الى ذات الاستنتاجات و المسلمات.
هذا العقل هو الذي ادخل اوروبا الى احلك قرون ظلامها بتحالفه مع الملكيات الاوروبية التي اذاقت المفكرين و الفلاسفة و حتى المعارضين اصناف التعذيب و التنكيل !!
و العقل النقدي هو الذي يعبر عنه ديكارت باصدق جمله حينما يقول : أن على الانسان ان يشك في كل شئ مرةً في حياته !! العقل النقدي اذا هو العقل دائم الشك و عصي الاقتناع و الخضوع و هو الاميل لنقد اي مسلمة و التأكد من مصداقيتها العلمية و الفلسفية و الاخلاقية!! هو العقل غير المحاصر بأي تابوه او طريق مسدودٍ مسبقاً .
هذا العقل هو الذي قاد اوروبا لعصور التنوير عبر تحالفه تارةً مع الملكيات او عبر مناهضتها و اقتلاعها تارةً اخرى كما حدث في فرنسا
لكن السوأل المطروح علينا بقوة هو ما مدى المزامنة بين العقلين النقدي و التقديسي؟؟ و هل ظهر عقل و اختفى أخر؟؟
يجيب على هذا التساؤل الاستاذ الباحث في الفلسفة الاستاذ خالد علي سليمان بأن عمل كلا العقلين كان عملاً متوازياً في ذات الوقت غير أن الانتصار النهائي لاحدِ العقلين هو الذي تسمى عليه الفترة
و تأخذ منه طابعها في التوصيف التاريخوسياسي.
على اية حال لا بد لنا من القول و بصراحة أنه حتى داخل التيار النقدي و العقلاني هنالك الالاف من العقول حولت منتوج العقل النقدي الى منتوج مقدس غير قابل للمساس او الانتقاص في نظرهم!
و هو من طبيعة البشر و حالهم في التفاوت الطبيعي بين مواهبهم و ملكاتهم و قدراتهم العقلية!! لكننا لا ننكر بأن التيار التقديسي داخل التيار النقدي هو برغم ركونه و سكونه هو تيار متقدم جداً بالنسبة الى التيار النقدي دأخل التيار التقديسي،لأنه تجاوز مسلمات ما زال العقل النقدي داخل العقل التقديسي عاجزاً كلية عن ان يفطم من حليبها و ليس النص التراثي سوى احد تلك الامور.
على اية حال و بعد ان استفضنا في الحديث عن العقلين النقدي و التقديسي ندلف الى القول المفاجئ بأن الديموقراطية هي الوليد الشرعي للعقل النقدي المدرك لعيوبها و الساعي بأستمرار للحد من ضررها المتمثل في جعل الاقلية في كف عفريت الاغلبية !! من دون ان يدرك هذا العقل النقدي ان هذه الجماهير الغفيرة التي يرهن مشروعه لارادتها هي نفسها التي هتفت لاعدام جيواردينو برونو حرقاً قرباناً للرب.
و بقدر ما استطاع العقل النقدي على التفكير في بدائل للديموقراطية نجده عالقا في صراع دامي مع التيار التقديسي دأخل العقل النقدي الذي يرفض اي بديل سلفاً و يعتبره ردة عما يؤمن به لأنه و من البداية انحاز للعقلانية من باب الايمان بها و ليس تجربتها و خوضها.
من هنا كان لا بد على الدساتير أن تعرف الديموقراطية تعريفاً قيما و مفصلا و ليس تعريفاً استهلاكيا بأنتهاء مراسم رمي الورقة الانتخابية في صندوق الانتخابات.
أننا نزعم بأن على الديموقراطية الجديدة المتجاوزة للاخطاء الجسيمة التي اوقعتنا فيها الديموقراطية القديمة المبهمة أنما هي عملية تحتاج الى فترة زمنية كافية تنصلح فيها مؤسسات الدولة التعليمية اولاً و العسكرية ثانياً عبر علمنة تلك المؤسسات علمنةً كاملة و وضع قوانين علمية صارمة و حاسمة لتلك المؤسسات تمكن المجتمع من ان يرفع رأسه عالياً مطالباً بحقوقه الدستورية التي وصلت اليها حالته المعرفية و التربوية.
لكن الديموقراطية في مجتمعات مرتهنة للخرافة الدينية و العقول التقديسية أنما هي اشبه باعطاء طفل كفيف قنبلة موقوته.
أن الديموقراطية التي نؤسس لها أنما هي ديموقراطية ترى أن حماية الاقليات و صهرهم في المجتمع هو اولى محطات قطارها و تلزم مؤسسات الدولة الحزبية بالمفهوم الوطني الا طائفي و الا ديني و الا عرقي و بالسماح لكل مواطني الدولة أن ينضموا الى تلك الاحزاب عن قناعة نقدية و ليس عن ايمان تقديسي.
و الاهم هو ضمان الفصل بين السلطات القضائية و التنفيذية و التشريعية و استقلاليتها بطبيعة الحال.
بعد المرور بكل تلك المحطات تنعكس هذه الحالة من الرقي الحضاري في صناديق الاقتراع و بذلك نعتبر أن النظام هو نظام ديموقراطي فهم الظروف التاريخية و السياسية و مر بالحالة الحقيقية التي مرت بها البشرية و اقترحت بموجبها الديموقراطية كحل لمشاكلها.
بأنتاج هذا التعريف الملئ بشياطين التفاصيل يمكننا بسرعة سريعة احداث جراحة تجميلية على تعريف الديموقراطية التي امتهنتها الانظمة المسعورة و الحقتها باسماء دولها زيفاً و بهتاناً.
اخيرا و هذا الامر الذي يجب التنيه له و هو أن العقل التقديسي داخل العقل التقديسي هو غير مؤمن بالديموقراطية بقدر ما هو مؤمن بحتمية ايصال طوطمه لمقعدِ الحكم!! لذا فأن تباكيه على الديموقراطية ليس تباكي على روحها التي يعاديها بل و لا تعترف به هي من الاساس بل تباكي على الزج بطوطمه في غيابة الجب و انهيار حلمه الشيطاني بأقامة دولة تقدس صخورا و امواتا.
و لهم نقول على من انزلت الديموقراطية؟؟
أنها لم تنزل على احد بل و هي مجرد مقترح عامر بالعيوب التي اهمها ايصال اعدائها لسدة الحكم.
أن الديموقراطية كمفهوم مفصل أنما هي وليدة العقل النقدي الملح باستمرار على تجديد و اصلاح الديموقراطية كتعريف علمي اولا و كممارسة فعلية ثانية !! و أن ذات العقل هو المواجه بتحدي الداخل المتمثل في التيار التقديسي داخل العقل النقدي و التيار التقديسي داخل العقل التقديسي.
انها ليست انجيلاً الاهيا و لا هي رأس المال لماركس لنؤمن بها كما يفعل التقديسيون او الماركسيون على حد سواء !! هي محض مقترح بار بالعقل النقدي المهموم دوماً بالنقد و البناء.