التحدي المقدس

احمد الكناني
2015 / 4 / 20

هل القرآن قمة سامقة في البلاغة ؟
والكلام كل الكلام منحصر في الجانب البلاغي للقرآن فحسب .
والجواب : بكل تأكيد هو كذلك ، فالصور البلاغية التي تضمنتها الحوارات والقصص القرآني شئ مبهر
الا يطربك الحوار بين نوح وربه :
فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا
فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ-;- أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
لاحظ الاستعارة التمثيلية في شدة انصباب الماء وكأنه مدخر وراء باب موصود في اسفله يمنع من انصبابه وفجأة يفتح الباب فينصب الماء صبا كاشد ما يكون ، ثم يلتقي الماء الذي هو اسم جنس لا يثنى بين ماء السماء وماء الارض ليشكلا الطوفان المعروف ...
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ
هكذا صورت نهاية الطوفان بأجمل صورة .
وهذا يقودنا الى تساؤل مخيف ظل طوال قرنين من الزمن شبحا يطارد افكار الاحرار من المفكرين المسلمين ، لكن سطوة القداسة التي يتمتع بها القرآن كانت سدا منيعا يحول دون الخوض في كنه ذاك الشبح ...الى ان جاءت صحوة العصر الثالث للهجرة ليطرح التساؤل من جديد ، فتظهر وتتبلور افكار جديدة لحل لغز التحدي المقدس :
هل القرآن اعجاز في البلاغة ؟
هل هو تحد لا يقاوم في البلاغة ؟
هل الاتيان ولو بكلمة واحدة تقاوم ببلاغتها بلاغة القرآن امر خارج مقدرة فحول البلاغة والبيان والخطابة ؟
كيف حصل ذلك ؟
كيف عجز ائمة الفصاحة و البلاغة من العرب عن الاتيان ولو بكلمة واحدة تضاهي ببلاغتها لفظة " مدهامتان " ؟
والتاريخ ينبئناعن كتب الفت في تلك الفترة ادعى اصحابها انها وحي يوحى من السماء ، ككتاب صاحب دعوة رحمان اليمامة مسلمة بن حبيب الحنفي ، وسجاح بنت الحارث التميمية ، وغيرهما كثر ...
دع عنك ما قيل ويقال من خزعبلات تضمنها كتاب مسلمة وانها مضاهاة فاشلة ومثيرة للسخرية لآيات القرآن ، لانها تدخل في باب دجل الرواة وسياسة تسقيط الخصوم ، ولست في مقام التقييم بقدر اثبات امكانية قبول التحدي المقدس من مسلمة ومن غيره وقد فعلوا ...
حتى لو اطرت القصة بأكملها بأطر التنافس على الزعامة يثبت ان التحدي واقع ايضا ، لكن البقاء للاقوى وسيف الردة مسلول دائما ، رغم ان المدعين لم يدخلوا ضمن دائرة الاسلام ليوصفوا بالارتداد .
لقد اجاد ابن خلدون اي جود في مقدمته واصفا ظاهرة المتنبئين في تلك الفترة بان العرب "... يحبون المنافسة والرئاسة، وفي اعتقادهم أن الملك لا يحصل عندهم إلا بصبغة دينية من نبوة، أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين "
وللتنبيه اقول : ان أشهر وأعرف آية نُسبت إلى مسلمة هي أية الضفدع نقلها الرواة بصور متعددة ومختلفة، هذا إلى جانب أن الرواة يناقضون أنفسهم كثيرًا فيما نسبوه إليه مما لا يعقل صدوره عن رجل استطاع أن يتنبأ مكان الصدارة في قومه.
انظر الى هذه الآية الا تعلوها حالة من السخرية اللاذعة :
" " ياضفيدع نقّي كم تنقين، نصفك في الماء، ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين
من الصعب ان اصدق كلاما كهذا يصدر من شخص ظل كتابه يقرا عند الكوفيين الى زمن زعامة ابي موسى الاشعري ، بل ان عبد الله بن مسعود اوصى بعقوبة الاعدام في أحد مواطني الكوفة واسمه عبدالله بن النواحي لما قيل انه عمل لفترة قصيرة حاجبًا أو مؤذنًا لمسلمة ، فقطعوا رقبة الرجل على الطريقة الداعشية .
روى هذا الخبرالبلاذري في فتوح البلدان،وابن حجر السعقلاني في كتابه الرجالي الإصابة في تمييز الصحابة.
ونص الخبر عن ابن حجر:
ينسب إلى مُعيز السعدي أنه مر على مسجد بني حنيفة، فسمعهم يذكرون مسيلمة، ويزعمون أنه نبي، فأتى ابن مسعود فأخبره، فبعث الأخير لهم الشرط، فجاءوا بهم، فاستتابوا فخلى سبيلهم، وقدم ابن النواحه فضرب عنقه.
فلو كان الرجل يتكلم بهذه السذاجة فما هي دواعي كل هذا الخوف من اتباعه حتى تشن الحروب ضدهم وتقطع رقابهم ...
اذن هناك قلع من الجذور واجتثاث للرجل واتباعه .
واكتفي بشهادة امام من ائمة البلاغة في مناقشته بعض ما نسب الى مسلمة ، ولم يستبعد كذب الرواة عليه ، ذلك هو الجاحظ في كتابه البيان والتبيين ، فيتساءل كيف يكون هذا الأمر ولا يقول فيه شاعر ولا يشيع خبره ، ويذهب الجاحظ إلى أبعد من هذا عندما يشكك في مقدرة مسيلمة على قول الشعر والقدرة على الخطابة، ناهيك عن تأليف قرآن يضاهي به قرآن الإسلام، وهو فن يستوجب قدرات لا يملكها بشر.
ويرى الجاحظ أن الايات المنسوبة الى مسلمة ذاعت بعد مقتله وانتشرت، وهي تدل على سخرية لاذعة بصاحبها.
ثم ان عقول مفكري القرن الثالث الهجري ابدعت فكرة الصرفة لحل اشكالية التحدي القرآني لاثبات الاعجاز بأي نحو كان
فما هي نظرية الصرفة ؟
والاجابة ترجئها الى الحلقة القادمة .