مقاربة بين الالحأد و التصوف...

الطيب عبد السلام
2015 / 4 / 18

ذكرنا في سالف المقال بأن طبيعة الالحاد العربي طبيعة مغايرة فهي تجاوز و رفض للشخصية الاقوى في المنظومة الدينية و ليست الاعلى!!ذكرنا ايضاً بأن شخصية محمد هي الطاغية على شخصية الله في الايدلوجيا الاسلامية!!يقول المتصوف جلال الدين الرومي :
“ليس العاشق مسلما أو مسيحيا ،
أو جزءا من أي عقيدة.
دين العشق لا مذهب له
لتؤمن به أو لا تؤمن.”
ان هذا الشعر السامي المتسامح و لا شك هو كفر الكفر و الحاد الالحاد!!فنحن جميعا نعرف رائ الاسلام الواضح و الصريح في اصحاب الملل الاخرى!!و النظر اليهم على انهم اهل ذمة!!و انما الدين عند الله هو الاسلام و ان الاسلام بني على خمس : شهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله و اقام الصلاة و ايتاء الزكاة و حج البيت لمن استطاع اليه سبيلا!! و انه من يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه!! هذا هو الاسلام "الاوريجنال" المدعوم بالايات و الاحاديث و السنن!!
ذكرنا في مقالنا السابق : تأملات في حركة الالحاد العربي قولنا : في ظني ان التصوف هو نزوع للجوهر و سمو عن المظهر!! و كذلك العلم!! جنوح الى فلسفة الاشياء
لا الاشياء نفسها!! و انما يكون الاختلاف هو اختلاف مسميات و انماط في التعبير عن تلك الامور.
اذا فالتصوف العقلاني وهو حالة فردية تحدث لاشخاص ذو مواهب و قدرات فردانية اعلى من الاخرين ينفذون الى جوهر الاشياء هذا النزوع نحو الوحشة و الفردنة هو ذاته نزوع الفيلسوف او العالم او الكاتب ناحية اناه!! ناحية ذلك الصوت الساحر في ركن قلبه!!ذلك الصوت الذي يحيل ليله سهدا و هدوئيه قلقاً هو نفسه الذي يدفعه للخلوة عن الشكول و التفرغ للتأمل المشبوب!! ذاته الذي دفع داروين الى المفازات البعيدة
و الغابات النائية ليفهم سر الحياة!! ذات القلق الذي دفع بأبن بطوطة ليركب ذات السفينة!! انه البحث المشبوب عن الفردانية!! انه السير الغامض خلف السر الغامض!! خلف الذات.
من هنا نقول بأن المسافة بين التصوف و الالحاد ليست بعيدة!! فكلا الطريقتين سير خلف الذات و سبر لفهم الاشياء و التعرف عليها اكثر!!
انني في تأملي وجدت ما يذهل الافكار و الافهام من تطابقات و ملاحظات بين ظاهر الالحاد و باطن التصوف و بين باطن الالحاد و ظاهر التصوف!! وأن كان التصوف نفاذ من سجن النص الى براح التاؤيل
و من براح التاؤيل الى تحصيل الذات الاصيلة فأن الالحاد كذلك!! نفاذ من عنق التابوه "النص" الى براح التفكير " التاؤيل" الى تحصيل الانسان الاخلاقي المتصالح مع نفسه و مع مجتمعه.
غير ان الاشكالات الكبرى بين الطريقتين قائمة في ظني في نطاق البناء الاجتماعي و البث الفكري.
و أن تشابهت المالأت فهما عدوان في نقاط اخرى اكثر حساسية لدى الطرفين،و ادعى لوضع التصوف كطريقة نقيضة للالحاد و مناؤية لها.
فالاشكال يبداء منذ البداية!! فبوابة التصوف هي الدين " اليقين" و بوابة الالحاد هي العلم " الشك" وقد تطرقنا بشئ من التفصيل في مقالنا السابق " كارثة الاعجاز العلمي" بشئ من التفصيل الى العلاقة بين الدين و العلم.
على اي حال فأن الالحاد و بوابته العلم و الفلسفة ينزع الى تشكيل مجتمعات حضارية عقلانية ذات منتج حضاري!! و يؤمن بضرورة نشر العلم و حقائقه و تبسيطه و اشاعته للناس!! فالعالم او الباحث او الفيلسوف لا يكتم ما توصل اليه في صدره ولا يطالب الناس بالسير في ذات مسلكه!! والتقيد بخطواته خطوة خطوة!! يحضرني هنا و بجلاء قول فريدريدك نيتشة " لا تسر ورائي فقد لا اقودك،و لا تسر امامي فقد لا اتبعك،
و لكن سر معي و كن صديقي!! ان العلم ليربي في الانسان الحيرة و الاحساس بقيمته الحقة!! يربي فيه التواضع و التبسط!! يربي فيه محبة اشاعته و نشره لرفع وعي الناس و تعزيز قدراتهم الذوقية و العقلية و من ثم الارتقاء بحياتهم البشرية!! في عمرانهم و ادواتهم و معارفهم!! بمعنى ان الانعكاس المادي للعلم و تحول افكاره الى قيم معاشة هو من اهم مرتكزات العلم و دوافعه للبحث و النشاط.
على العكس من ذلك نجد التصوف الخارج اساساً من عباءة الدين لا يؤمن بشئ مما ذكرت لك انفاً!!!
فعلماء التصوف بخيلون جدا في بث علومهم و كشفها!! ويسمونها بعلم الذوق!! ويدعون لمريديهم و اتباعهم بالسير خلفهم!!مثل القطيع!! و يلزمونهم بالمحاكاة و التقليد!! كما ان غايات العلوم الصوفية غايات منعزلة عن ارض الواقع الحضاري!! أن لم تكن على اشكال معه و هروباً منه!! ولا مبالاة تجاهه!!
فعلومهم تلك التي ربما تشابه علوم التجريب و تطابقها فأنها لا تقود لنتائج حضارية حاسمة!! تنعكس اساسا في حياة البسطاء و العامة و غير المتمتعين بتلك المواهب الكبرى في البحث او حتى الادراك.
هي علوم غيبية ركونية!! لا وجود لها في واقعنا اليومي و لا تأثير محسوس يستفاد منها!! فهي تظل رهينة للفرد الاعلى الذي يمارس بموجبها سلطاته على بقية الهرم الاجتماعي في التصوف.
و هذا يقودنا مباشرة لاجراء مقارنة سريعة بين الهرم السلطوي الاجتماعي في التصوف و في الالحاد في الدين و في العلم!! فالسلطة في التصوف هي سلطة متوارثة!! بمعنى انها ناتجة عن سلسلة معينة من الحيوانات المنوية المتصفة بصفة القداسة!! في هذه النقطة تحضرني العبارة القوية للشاعر مظفر النواب :
و طن تحكمه الافخاذ الملكية
هذا وطن ام مبغى!!!
ما علينا!! فالسلطة في التصوف ليست للمعرفة هي سلطة للشخص!! ليست سلطة للعقل!! هي سلطة للشخص!! و هذا الشخص المعصوم من بقية البشر طاهر البول!! قد لا يكون متمتعا بتلك المواهب الفطرية في القيادة اكثر من انه كان شخصا محظوظا بخروجه من خصية مقدسة.
ما علينا من ذلك كله!! و التصوف ايضا مبني على الخطاب الزهدوي في الدنيا المرتفع فوقها!! المتعفف عنها!! بل حتى من دون التفكير في اصلاحها!! فهو بذاك ينتشر في المجتمعات الفقيرة و العاجزة!! فيزيد الطين بلة و اكوام الرماد اكواما اخرى من الرماد.
على النقيض من ذلك تماما يقف العلم!! فالعلم يستمد سلطاته كلها من النظرية العلمية!! التي قد يضعها اي شخص في اي وقت من دون سابق اختيار منوي مقدس!! كما ان صاحب النظرية العلمية لا نجده محيطا نفسه بتلك الهالة من القداسة او حالة الارتفاع الملائكي عن البشر!! بل العكس تماما جداً!! ان العلم الذي اعرفه يغرس في النفس الانكسار و التواضع!! لكن ليس انكسارا سلبيا او انهزامياً!! بل انكسارا تفاؤليا احتفائياً منتجا!! كما ان الهرم الاجتماعي في العلم نفسه اقرب للحضارة و التمدن!! فالناس فيه بين عالم
او مناقش او باحث او دارس او طالب!! بين اناقة في الزي و الشكل!! وحضور في الوعي و العقل
و استشعار كامل بالمسؤؤلية!! بل و هوس العلم على عكس التصوف هو الارتقاء بالمجتمع كله!! و عدم تركه لحال الفقر و العجز و العوز.
أن العلم يعترف بنقص الادمي فيسعى للتغلب على هذا النقص بالاختراعات و الاكتشافات و ذات الامر بالنسبة للدين يعترف بنقص الادمي و نسبيته غير انه يستغل ذاك العجز لبناء الكنائس و المساجد لتدليل ذلك الرب و فتح بيبان العمل لمناديبه و مدعيه.
ان الالحاد كنتيجة طبيعية للعلم و الفلسفة و التصوف كنتيجة طبيعية للدين يختلفان ايما اختلاف في طبيعة المالأت!! فمأل المجتمع الانساني الملحد هو التطور في كل شئ!! و مأل المجتمع الديني المتصوف هو التخلف في كل شئ!! وانتاج مرضى نفسين عاجزين و منجذبين.
انني اقول ان التصوف العقلاني الذي ظهر لدى العشرات من افذاذ المتصوفة انما هو الحاد تستر بعباءة الدين في محاولة لتجنب شروره الظاهرية!! و تمسك بالزي و بالشكل و محبة في البناء الاجتماعي لمجتمعات التصوف التي ربما تمنحه امتيازات كبرى بقيادته لقطيع من الجهلة الباحثين عمن يرى بدلا عنهم!! وهو ما لن يجده ابدا في المجتمع العلمي!! وربما محبة ورغبة في طريقة نوال المعرفة في التصوف!!
ثم ان السمو عن الدين التقليدي و الشكلي كما تجلى ذلك في ابيات ابن العربي :
.. لقد اصبح قلبي قابلا كل صورة *فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ .. وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ .. ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني
هو في ظني من افكار الالحاد الاولى و منطلقاته!! الا و هي التسامي عن الظاهر طلبا للباطن و نفاذا من وجود الاشياء الى ماهية وجود الاشياء كما في العلم!! لكن الاشكال كما ذكرنا يظل قائما في طريقة نوال المعارف و من ثم بثها و في المجتمع و من ثم التكوين العضوي للمجتمع نفسه.