الدبلوماسية السودانية وعاصفة الحزم

محمود محمد ياسين
2015 / 4 / 16

توطئة: الحس التاريخى المنقوص مقابل الفهم العلمي للتاريخ
إن توجهات حكومة الإنقاذ الاخيرة فى مجال العلاقات الخارجية السودانية لم تأت نتيجة للتصرف المتعمد والإرادة الحرة و حصافة التفكير القصدى لقادة الحكم كما يروج بعض المحللين السياسيين الذين يعتقدون فى أن الأفكار لها تاريخها المستقل ولا يحدها زمن (timeless) وصالحة لكل الأزمان (ahistorical). ويجب الإنتباه الى أن هؤلاء المحللين السياسيين لا ينكرون تاريخية الاحداث، لكنهم يعتقدون فى مطلقية أفكار الناس كعامل حاسم فى صنع التاريخ، وهو إعتقاد تحركه نظرة ذاتية تتعارض مع حقائق العلم الذى إكتشف أن مسار تطورالأشكال السياسة والثقافية تحدده، فى التحليل النهائى، الأوضاع الاقتصادية، وحتى التاثيرات الثقافية والتاريخية التى لا يمكن نفى دورها فى هذا المسار هى وليدة أنساق إقتصادية وإجتماعية محددة.

المقال: الدبلومسية السودانية والسير فى الجانب الخطأ من التاريخ
هذا المقال يلقى بعض الضوء على المسار الجديد للدبلوماسية السودانية كنتاج للأزمة الحادة التى يمر بها الحكم، والتى يشكل تردى الوضع الإقتصادى مظهرها الأكثر ملاحظة.

إن التحركات الخارجية الأخيرة لحكم الإنقاذ، المتجاوزة لسياساته السابقة، ترتبط بواقع تضعضُع الدولة السودانية وإتجاهها نحو الانهيار الشامل الذى قدم رأس النظام صورة نقيضة له؛ ففى مقابلة صحفية مع صحيفة الاهرام القاهرية (31 مارس 2015) سأل الصحفى الرئيس عمر البشير : كيف يمكن أن تشرح الوضع في السودان حالياً مع اقتراب إجراء الانتخابات الرئاسية في أبريل؟ فكانت الإجابة المختصرة : الوضع في السودان مطمئن جدًا.

فى هذه الإجابة إنكار لحقيقة سير الدولة الحثيث نحو حفرة الإنهيار الذى أبرز ملامحه وجود أكثر من 15% من أجزاء البلاد خارج دورة الإقتصاد القومى بسبب عشوائية إدارة الدولة والحروب الجهوية وأن حوالى 65% من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر (poverty threshold)، بالإضافة الى تغييب وزارة المالية عن ولاية المال العام بإستفحال عملية تجنيب عائدات مؤسسات الدولة والسطو على جل أصولها وتحويلها لملكية مستثمرين محليين وأجانب يديرونها بلا رقيب ولا حسيب. وهذا الإنكار جريمة، كما إنه، مثله مثل الأمل والخوف والمُعتقد، لا يمكن ان يغير الحقائق!

إن حالة وهن مفاصل الدولة السودانية وإفلاسها وعُزلة الحكم جعلت البشير يتاجر بالدبلوماسية السودانية بشكل يثير الضحك، وشر البلية ما يضحك؛ وإن المشاهد التى ظهر فيها البشير متهافتاً على الدول الخليجية مؤخراً تعكس تصرفاً لا يراعى أصول منصب الرئاسة (does not pass muster).

الدبلوماسية (تحقيق السياسة الخارجية للدول) هى الواجهة الخارجية ولا تتحرك فى فراغ. والدبلوماسية التى إنتهجها البشير مؤخراً تعكس همومه ومعاناته نتيجة الوضع الداخلى المتأزم. وتوجهات الحكم السودانى فى العمل الخارجى تأتى فى إطار الصراع المشتد بين الشعوب فى المنطقة وبين حكوماتها التابعة المستبدة التى تفرض التبعية عليها إلزاماً مؤداه الحفاظ على مصالح حلفائها الغربيين الأقوياء الذين يضمنون بقائها فى كراسى الحكم. وهو الإلزام الذى أدى الى إنشاء غرف عمليات لإجهاض إنتفاضات الشعوب العربية مقرها دولة الإمارات العربية المتحدة التى وفرت لها الاموال الطائلة.

فى هذه الظروف جاءت الزيارة الغريبة للبشير لدولة الإمارات على راس وفد كبير من الوزراء والمسئولين الآخرين لحضور معرض آيدكس (2015) الدولى للاسلحة (International Defense Exhibition). فى هذه الزيارة أكد البشير للإماراتيين قدرة بلاده على أن تكون حليفاً قوياً لهم في الحرب ضد الجماعات الإسلامية وأن دول العالم العربي لها الحق في اتخاذ ما تراه مناسباً تجاه تلك الجماعات إذ أنها أكبر مهدد لأمنها واستقرارها. وبما أن ”الفلوس“ كانت حاضرة فى ذهنه، لم ينس الجنرال البشير ان يذكَّر مضيفيه بأن نظامه يعانى من المتاعب نتيجة الحصار. كانت تفاهة (pettiness) هذه الزيارة بائنة حتى أنها إقتربت من الحالة الكوميدية.

لم يمض شهر على زيارة البشير للإمارات حتى حدثت غارات الطيران الحربى السعودى فى مارس 2015 على اليمن بمساعدة تحالف خليجى بحجة التصدى لجماعة الحوثى المرتبطة بجمهورية إيران. وبعد مرور يومين فقط على تلك الغارات انعقد مؤتمر القمة العربية فى شرم الشيخ بمصر كان أهم قراراته تشكيل قوة عسكرية لحماية الدول العربية من ما إعتبره المؤتمر الأخطار التى تهدد وجودها. وبالطبع لا يخفى على أحد أن هذا القرار يجئ منسجماً مع إسترايجية حكومات دول الخليج الواقعة تحت الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية لأميركا وبريطانيا؛ وهى إستراتيجية قائمة على الانقضاض الشرس على الهبات الشعبية الجارية على امتداد المنطقة العربية طلباً للتحرر من قبضة أنظمة الإستبداد. فحماية الدول العربية الواردة فى القرار لا تعنى شيئاً غير حمياتها من غضبة الشعوب التى أرهقها التهميش السياسى والعوز.

تذرعت السعودية لضرب اليمن بحجة تهديد حدودها الجنوبية من قبل جماعة الحوثى المتحالفة مع قوات على عبد الله صالح. إستغلت السعودية المهددات الحوثية-الإيرانية لتنفيذ هجوم جوى شامل، لم يستهدف الحوثيين فقط، بل تسبب فى قتل المدنيين وتدمير الكثير من المُنشآت والبنى التحتية للدولة الفقيرة. ولم تكن الهجمة مبررة، فالشعب اليمنى ظل يتصدى للإنقلاب الحوثى منذ وقوعه وهو قادر على هزيمتة كما فعل عندما أطاح بعلى عبد الله صالح. كما أن حجة حماية مضيق باب المندب حجة واهية، فمضيق باب المندب يقع تحت التأمين المباشر لأمريكا التى تسيطر بالإشتراك مع حليفتها فرنسا على تلك المنطقة بقوات بحرية موجودة فى قاعدة ” ليمونير العسكرية الأمريكية“ فى جيبوتى.

إن الشعب السعودى قادر على حماية حدود بلاده وعلى مواجهة الإعتداءات الإيرانية، تماماً كما تفعل الشعوب فى العراق وسوريا ولبنان التى تعانى أراضيها من التدخل الإيرانى المسلح، ولكن ليس عن طريق حرب تدمير اليمن.

إن أى تناول جاد للحرب فى اليمن لا يمكن أن تغيب عنه أن من اولويات الإستراتيجية لنظام الوهابية الممعن فى ظلاميته هو القضاء على الحراك اليمنى الذى ينشد نظاماً جديداً يلبى مطامح الشعب ولا يقوم على ركائز التكوينات الطائفية والقبلية؛ وهذا الحراك مثلت إنتفاضة 11 فبراير 2011 ذروته. ولن ينس أحد الدور السعودى فى تصفية الإنتفاضة اليمنية عندما مارست، عبر مبادرة دول مجلس التعاون الخليجى فى نوفمبر 2011، الضغوط على على عبد الله صالح أن يتنازل عن الحكم والإبقاء على النظام كما هو عليه. إن التسوية الخليجية التى منحت صالح الحصانة من الملاحقة القانونية مهدت له الطريق للعمل على إستعادة حكمه، وفى سبيل ذلك لجأ للتحالف مع الحوثيين والإستفادة من دعم إيران التى تحركها طموحات قومية توسعية يعمل آيات الله على تحقيقها من خلال تكريس التقسيم المذهبى.

جاءت الدبلوماسية السودانية متناغمة مع تكتل الدول العربية المستبدة؛ وهو التكتل الذى يقف قادته فى الجانب الخطأ من التاريخ كما مر ذكره، فالرئيس البشير الذى توجه مسرعاً للإنضمام للقمة العربية عارضاً خدماته العسكرية بما فيها المشاركة بقوات برية بقرار فردى لا يستند على اى شكل من اشكال المصادقة الشعبية لأن تمثيلها فى أجهزة الدولة غير مسموح به. أظهر البشير فى القمة مغالاة فى إستعداده للدفاع عن السعودية وموالاة حكامها فى كل قراراتهم حيال اليمن. لكن قرار دخول السودان فى عمل عسكرى فى اليمن مبنى على حسابات سياسية تتعلق بأزمة الحكم العسكرى القائم فى البلاد، ولا توجد مصلحة للبلاد من وراء الزج بالقوات المسلحة السوانية فى حرب اليمن وتوريطها فى الصراع الطائفى القبلى فى اليمن الذى لا تهدف أطرافه المتصارعة الا الى إعادة النظام الى ما قبل مرحلة على عبدالله صالح أو ربما الى الاسوأ.