فض الاشتباك بين الدين و الاحلاق

الطيب عبد السلام
2015 / 4 / 15

فض الاشتباك بين الدين و الاخلاق
*************************
و لكنه يبدو من المسلمات الغريبة جدا داخل اي دين ان ثمة ربط غير مبرر بين فكرة الدين
و الاخلاق من جهة!! بمعنى ان الدين يتبنى المنظومة الاخلاقية تبنيا كاملا من جهة و هذا امر جيد لكنه في ذات الوقت يحجر على المنظومة الاخلاقية و يسجنها بداخله و يرفض تماما تواجدها خارج اي نظم انسانية اخرى!!
في ظني ان هذا الامر يحتوي على اشكاليين كبيرين!! فالاشكال الاول فلسفي تأريخي!!لأنه يدعي بأنه هو منبع الاخلاق و مبتداؤها و بأن كل العصور التي قبله لم تكن تملك تلك المنظومة الاخلاقية بل كانت في عصور من الجاهلية و الانحطاط الاخلاقي!! و الاشكال الاكبر و الاخطر هو ربط القناعة بالقيمة الاخلاقية بكينونة غيبية سماوية بمعنى ان القناعة بالقيمة الاخلاقية تجاه الاخر تمر بجسر غيبي اولا ثم تصل اليك!! وهذا الجسر الغيبي بأمكانه معالجة و تجاوز الخطاء الاخلاقي نحو الاخر!! قبل الخوض في هذين الاشكالين الفلسفيين دعونا نتكلم قليلا عن الاخلاق!!
في ظني ان الاخلاق برمتها تتجلى في القناعة الشرطية و الحدية بالاخلاق نفسها!!من دون اي تدخل خارجي غيبي كان ام قانوني!! القناعة النفسية الانسانية بالاخلاق!!فالنفس البشرية قابلة للتشكل بائ قرار قررت اتخاذه قصد التطور و التقدم ناحية الرفاه الاجتماعي و الوجودي.
هذا من ناحية و من ناحية اخرى اشدد على الفصل بين مفهوم الاخلاق و مفهوم الحريات الشخصية!! فالاخلاق ليس لها ادنى علاقة بين سلوكنا الجنسي تحديداً او توجهاتنا الفكرية او ميولنا الذوقية في الموسيقى و الفن و خلافه!!
الامر الثالث و المهم في ظني هو الظن بنسبية الاخلاق نفسها و اختلاف النظرة اليها من مجتمع الى اخر!! فما قد يراه مجتمع قضية اخلاقية قد يراه مجتمع اخر قضية مثالية
كما ان الرقي الاخلاقي مرتبط شرطا بالرقي الاجتماعي و الفكري و الحضاري للامم فكل مجتمع يشكل منظومته الاخلاقية و فقاً لتطوره الحضاري و مكتسبه المدني!! فقد تجد مثلاً في دولة ما عقوبة الاعدام على السرقة!! وفي دولة اخرى عقوبة السجن على القتل!!
عموما نحن نعترف بتلك التمايزات و التعريفات المختلفة للقضية الاخلاقية!! لكننا نظن ان ثمة مستوى او استاندرد معين للاخلاق لا يجب التعامل مع ما هو ادنى منه.
و الاخلاق تخرج من الذات ناحية الحضارة و تعود من الحضارة ناحية الذات!!بمعنى انها قيمة تبادلية!! وليست تجارية!!فقناعتك بالانضباط في عملك او عدم اختلاسك هي قناعة نابعة من فكرة ان اي تقصير سلبي سيرتد اليك بالشر انت اولاً قبل الجميع!!لأن المنظومة الحياتية التي انت جزء منها تقتضي تكافوء الجهود و الشعور الواعي بقيمة التبادل الجماعي للفعل الحضاري.
لا احب الكتابة الاكاديمية و لست من هواة النظرة الاكاديمية لكنني اقول : بأن الاخلاق في ظني تعني التمثل بالقيم اليوتوبية في الحياة و السعي لادراكها و تحقيقها فيما بيننا عن قناعة
و ليس عن اجبار!! والقيم اليوتوبية تلك تختلف بين المجتمعات و يتم التعبير عنها في نظمها القانونية المحددة لعلاقة الافراد ببعضهم و علاقة الدولة بالافراد،غير ان المستوى الحضاري العالمي الذي توصلنا اليه يقتضي الوصول الى مسلمات مدنية تشمل كل الدول و القوانين الحديثة!! بمعنى ان القضية الاخلاقية بين الحضارات اصبحت متقاربة و متشابهة!!لأن المعطيات الحياتية في ادارة الدول في العالم الحديث باتت ذات توجهات واحدة قد تختلف في شكلها لكنها لن تختلف مطلقا في جوهرها.
و لكن دعنا نعود ادراجنا الأن و نتحدث بصورة اعمق عن المحك التاريخي العظيم الذي وضعت فيه القيم الاخلاقية برمتها في صندوق الدين الضيق.
-قبل قرأة الاسطر القادمة اوصيك عزيزي القارئ بشرب قدح من القهوة-
أن الدين نفسه يتجسد في معطيات ثقافية و شكلية معينة!!بمعنى ان تنزل الدين من القيمة التنظيرية الى القيمة التطبيقية "التدين" يقتضي شرطاً التمثل ب"كاراكتر" او هيئة معينة
و هذه الصورة النمطية عن التدين تقتضي الدخول الى نموذج طوطمي و شكل معين يجسد القيمة التطبيقية للدين " التدين" بهدوء شديد و بخفة لاعبي الخفة تتسلل الاخلاق التي تبناها الدين و لوى عنقها الى هذا النموذج الانساني الذي خرج من دائرة الانسنة الى دائرة الغيب فتصير القيمة الاخلاقية ادعى للتجسد الكامل فيه و اعتباره محطتها النهائية و اليوتوبية!!
و من هنا نجد الربط القوي و النمطي في اذهان الناس بين التدين و الاخلاق!! و لو جيئنا لنفكك هذا الربط لوجدناه يتكون من جزئين!! جزء شكلي معين مستمد من ثقافة و مجتمع معين و جزء اخطر هو التبني المستميت للدين للمنظومة الاخلاقية و حجرها عليه!!
و هذا محط شغلنا و تنظيرنا فيما تبقى من المقال و هو فض الزواج الكاثوليكي بين الدين و الاخلاق من جهة و الفض بينها و التدين من جهة اخرى.
كما اشرنا في مقتبل المقال ان القضية الاخطر تتمثل في أن الدين يضع جسر جوي داخل المنظومة الاخلاقية!!فتتحول القناعة بالاخلاق من قناعة انسانية محض الى قناعة بالله اولا ومن ثم وصولها الى الاخر او كما يوضح لك هذا الرسم المرمز :

الخطورة في هذا المربع تكمن في أن عدم قناعة الشخص بالقيمة الاخلاقية المحددة قناعة محضة و ربطها بقيمة هيولية مفتوحة يدخل الباب للتساهل و التلاعب بصورة مخيفة فيتحول تعامله معك انت الى تعامل مفتوح مع الله،فهو قد يخطئ في حقك و لكن في فهمه هو انه اخطاء في حق الله اولاً تلك الفكرة المتساهلة التي تغفر الذنوب جميعا من قتل و سرقة و تعدي على حقوق الناس و ملكياتهم و اكلها بالباطل ما عدا الاشراك به او تجاوز منظومته الدينية التي تبناها!! و العقوبات التي وضعها الله نظير هذه الاعمال هي عقوبات خيالية ميتافزيقية سنتحدث عنها في مقال قادم حول الخيال في الاسلام.
من هنا ننفذ الى فكرة تميع الاخلاق في مقابل التمثل الايدلوجي و الالتزام العقائدي تجاه الايدلوجيا السماوية التي كانت في ذلك الوقت اشره لجلب الاتباع منها للنظر في الحالة الداخلية و الحضارية و المنظومة الاخلاقية السائدة!! وهذا ليس مستغرباً فالكثير من الدول تقوم باخراج المحكوم عليهم بالاعدام في لحظات الحروب للقتال في المعارك و اهدار الحق الخاص لوجه الحق العام!! ببساطة هذا هو الوضع الزمكاني لنزول الاسلام.
اذا فالربط بين الدين و الاخلاق ادعى لفقد الاخلاق و التنصل منها و تمييعها و التساهل تجاهها لأن الولاء في الفعل الاخلاقي لا يكون للقيمة الاخلاقية نفسها بل لقيمة هيولية مفتوحة من الصعب مساءلتها او ادخالها الى قاعة المحكمة.
اذا فهو ربط جائر بينما هو انساني محض و نسبي و بين ما هو مفتوح و مطلق!! و لا يوجد دليل خير من حال الدول المتدينة في الناحية الاخلاقية و السلوكية و الدول العلمانية المتقدمة!!
ختاماً نقول بأننا نتفهم جيداً السبب في استدعاء المطلق لفرض القيمة الاخلاقية لأن كثير من الناس قد لا يصلون بعقولهم الى تلك القيم الاخلاقية و يجب فرضها عليهم من فوق.
لكنني اقول بأن هذا هو حل مؤقت و علاجُ اثاره الجانبية اكثر من فوائده!!
لأنك ستجد كل المجتمع بعد قليل قد ركن الى الحل الالهي المريح و تحول الامر برمته من تعامل بين المجتمع الى تعامل مع الله.
كما ان فرض الوصاية الخارجية على الفعل الاخلاقي ادعى لمخالفته و القفز فوقه و التمرد عليه!! لأن الطبيعة الانسانية نفسها ميالة لرفض الوصاية و تجاوز المحاذير!! فهو عندما يتصرف تصرفه اللا اخلاقي لا يكون المعنى من تصرفه ذاك هو الفعل نفسه!! بل كسر طوق الرقابة و الوصاية المفروضة حوله!!
لذلك فجعل القناعة بالاخلاق نفسها امراً ضروريا ربما يحتاج وقتاً طويلا من التعليم و التثقيف و التربية ولكن النتائج النهائية هي ستكون الاكثر حسماً و استدامة للقيم الاخلاقية!!
سيصادفك الكثير من هواة الشخصنة و القول بأن العالم المتحضر ملئ بالجرائم!! لكن بمقارنات بسيطة بين نشرات وزارة الداخلية بين تلك الدول و دولنا ستعرف الفرق الجلي!!
الاخطر لدينا هو ان 70% من الجرائم في مجتمعنا المتعلقة بالجنس هي من الامور المسكوت عنها و التي لا تصل المحاكم ابداً!! كما انه يجب الوضع في الاعتبار حجم السكان و المساحة ثم مقارنتها بنسب الجريمة.
الادهى من ذلك كله هو الربط بين فعل التدين و الاخلاق!! لأنه ربط غير موضوعي البته نابع من ربط اولي اكثر لاموضوعية بين الدين و الاخلاق و الذي نظن اننا تحدثنا عنه كفايته.
ان التدين نفسه حالة لا بشرية البته!!فهو حالة من التأله و الخروج من الطبيعة البشرية الى الحالة اليوتوبيه المتمثلة في القيمة التاريخية المحتزاة في الدين!!
فالرهبان مثلاً لا يتزوجون لان قيمتهم المحتزاة لم تتزوج و الائمة و المرجعيات و الملالي يتزوجون بشراهة لأن قيمتهم المحتزاة فعلت ذات الشئ.
و بالتالي يحدث التمثل المجتمعي المنقاد لنماذجه اليوتوبية المتمثلة في رجال الدين في المجتمعات الخاضعة لتأثيرهم.
و من ملك عباءة الاخلاق فقد ملك المجتمع....و اللبيب بالاشارة يفهم.