السلطة بين البدائل السياسية والتنموية

محسن ابو رمضان
2015 / 4 / 14


يكثر الحديث مؤخراً عن البدائل السياسية لدى السلطة الفلسطينية في حالة استمرار التعنت الاسرائيلي برفض استحقاقات العملية السياسية وخاصة في طل صعود اليمين المتطرف بقيادة نيتنياهو وتوجه المجتمع الاسرائيلي إلى المزيد من اليمين والتطرف ،وعدم رغبة أو إرادة الولايات المتحدة للضغط على اسرائيل لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية الامر الذي قوض من فرص اقامة الدولة المستقلة ذات السيادة في اطار سياسة المعازل والبانتوستانات، ونهب المزيد من الارض عبر الاستيطان وإقامة الجدار وتهويد القدس والامعان في فصل القطاع عن الضفة .
تتعدد اشكال البدائل منها ما تم تنفيذه عملياً مثل التوقيع على ميثاق روما المنشأ لمحكمة الجنايات الدولية والتوقيع على العديد من الوثائق والمعاهدات الدولية وتدويل الملف الفلسطيني ، وما يهدد به مثل وقف التنسيق الأمني ، حل السلطة ، بما يترابط مع انهاء الانقسام وإعادة بناء واحياء م.ت.ف ، وإعادة تعريف وظائف السلطة لتصبح أداة للخدمات ودعم الصمود ، بدلاً من اعتبارها العنوان السياسي والمؤسساتي الوحيد بالنظام السياسي الفلسطيني إلى جانب تعزيز المقاومة الشعبية وحملة المقاطعة وغيرها من الاشكال والبدائل والأساليب.
ليس من الواضح بعد إذا كانت الوسائل البديلة سواءً التي نفذت أوالمهدد بها من اجل تغيير المسار بصورة نهائية واتباع مسار سياسي بديل ، أم أنها ما زالت تستخدم كوسائل للضغط السياسي التكتيكي ليس إلا بهدف العودة إلى سكة المفاوضات وفق شروط ترى بها قيادة السلطة وأنها ممكن ان تستجيب لحقوق شعبنا ، علماً بأن العودة إلى هذه السكة المجربة لا يمكن ان تكون ذات جدوى خاصة إذا أدركنا ان جل الطموح الرسمي الفلسطيني يكمن في مسودة القرار الذي رفع إلى مجلس الامن والذي يعرف باسم المقترح " الفرنسي" والذي لم يصل إلى المجلس بسبب عدم حصوله على عدد الأعضاء الذي يؤهله الي ذلك ، حيث تنذر هذه المسودة بمخاطر جدية على الثوابت الوطنية خاصة فيما يتعلق بالقدس واللاجئين والحدود .
ورغم أهمية النقاش الجاد الخاص بالبدائل السياسية التي يجب أن تكون مرتبطة بتغيير المسار ، وليس بأدوات الضغط التكتيكي إلا أن هذا النقاش لم يرتبط بالبدائل الاقتصادية والمالية والتنموية، حيث من الهام الربط الموضوعي بين البدائل السياسية وكذلك الاقتصادية .
فهناك استمرار لتبعية الاقتصاد الفلسطيني للاسرائيلي ، وقد مأسس وعمق ذلك بروتوكول باريس الاقتصادي وهناك ورقة المقاصة التي تستخدمها دولة الاحتلال للضغط على السلطة في اطار الابتزاز السياسي كلما توجهت بخطوات لا تعجبها مثل العضوية بالأمم المتحدة أو التوجه لمحكمة الجنايات الدولية ، وقد رأينا ذلك جلياً مؤخراً حيث لم يفرج من اموال الضرائب إلى حديثا ، وهناك منع للتنمية الانتاجية إلا لصالح الشركات والمصانع الاحتكارية الاسرائيلية ، وهناك قيود على حرية الحركة للبضائع والافراد والامعان في فصل العلاقة الاقتصادية بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، وحصار الاخير بهدف تهميشه واقصاؤه وعزله ، الأمر الذي أدى إلى تدهور المؤشرات الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وازدياد برامج الاغاثة على حساب التنمية والانتاج .
إذا ارادت قيادة السلطة التفكير الجاد بتغيير المسار السياسي فعليها بالضرورة ان تجد البدائل الاقتصادية حتى لا تنهار السلطة ويتم صيانة حقوق أكثر من 180 الف وظيفة في الوظيفة العمومية في كل من الضفة والقطاع .
وإذا أدركنا ان هناك متغيرات بالعالم أبرزها تبلور محاور اقتصادية موازية للمحور الامريكي والأوروبي في مقدمة ذلك دول " البريكس " المكونة من كل من روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا والتي من المتوقع ان تصبح مساهمتا بالناتج الاجمالي العالمي عام 2020 أكثر من 30% من هذا الناتج حيث اسس هذا التحالف بنك التنمية، وهناك البنك الآسيوي الناتج عن تحالف اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها من بلدان جنوب شرق آسيا، وهناك نزعة نهضوية عربية بدأت تبرر مؤخراً يمكن استثمارها باتجاه الدفع ببلورة صناديق عربية بشأن البلدان المتضررة وخاصة في مواجهة الاستعمار والاحتلال كالحالة الفلسطينية التي ما زالت رغم الاضطراب العربي الكبير تعتبر قضية العرب الأولى والمركزية ، حيث من المناسب التشديد على أهمية توفير شبكة امان عربية في مواجهة وسائل الضغط والابتزاز الاحتلالي .
إن البدائل المالية لتمويل السلطة خارج دائرة التأثير السياسي للمانحين الرسمية بقيادة الولايات المتحدة ، يجب ان يرتبط بالبدائل التنموية ، التي من الهام ان تعيد النظر بالثقافة الاستهلاكية والنفعية وتبلور مقومات لتنمية اقتصادية تعزز الانتاجية والاستمرارية في اطار منهجية التنمية من اجل الصمود ، كما يتطلب ذلك حزمة من الاجراءات الرامية إلى تقليص النفقات على الشرائح العليا من الموظفين بالوظيفة العمومية لصالح السواد الاعظم منهم بما يقلص الفجوة بالراتب ، ويوظف العديد من المصاريف غير الضرورية لصالح مشاريع التنمية التي يجب ان ينتفع منها الفقراء والمهمشين من الباحثين عن العمل عبر تشجيع المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر في اطار الجمع الجدلي بين الاغاثة والتنمية .
إننا بحاجة إلى نقاش جدي بالبدائل بهدف تغير المسار بما يفرض ضرورة الدمج ما بين البدائل السياسية والاقتصادية كذلك .