«المعونة»الغربية أداة للسيطرة على البلدان الضعيفة

سمير أمين
2015 / 4 / 8


"المعونة الدولية" التى تعتبر ضرورية لبقاء البلدان الأقل نموا (وهو وصف الأمم المتحدة للكثير من البلدان الأفريقية) تلعب دورها هنا، لأن الهدف الحقيقى منها هو إيجاد عقبة جديدة لبلدان التخوم الأكثر ضعفا فى الانضمام لجبهة بديلة لبلدان الجنوب.


وقد حددت شروط المعونة الدولية ضمن حدود ضيقة فى إعلان باريس عن فاعلية المعونة (2005) بمعرفة المنظمة للتعاون والتنميةالاقتصادية، ثم فرضت على المنتفعين. وتشمل بصفة عامة التقيد بمبادئ العولمة الليبرالية، أحيانا بشكل صريح، مثل فتح الأسواق، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وأحيانا بشكل ضمنى مثل احترام قواعد منظمة التجارة العالمية. والبلد الذى يرفض هذه الاستراتيجية ـ المفروضة من بلدان الشمال (الثالوث المكون من الولايات المتحدة و أوروبا و اليابان) ـ يفقد الحق قى المعونة. وهكذا فإعلان باريس خطوة للوراء بالنسبة للممارسات القديمة أيام الستينيات والسبعينيات، حيث كان يحترم حق بلدان الجنوب فى اتباع نظامها الاجتماعى والاقتصادى الخاص.


وفى ظل هذه الشروط لا يمكن الفصل بين سياسات المعونة وأهدافها المباشرة وبين الاستراتيجيات العالمية للإمبريالية، فالمناطق المختلفة من العالم لا تؤدى نفس الوظائف فى النظام الليبرالى المعولم، فلا يكفى النص على القاسم المشترك الأعظم (تحرير التجارة، والانفتاح على أسواق المال، والخصخصة).



وإفريقيا جنوب الصحراء مندمجة تماما فى النظام العالمى بعكس ما يُدعى أحيانا عن تهميشها، فتجارتها الخارجية تمثل 45% من الناتج القومى الإجمالى، فى حين تبلغ هذه النسبة 30 إلى 40% لبلدان آسبا وأمريكا اللاتينية، و15% لبلدان الثالوث. وهكذا فإفريقيا أكثر اندماجا فى النظام العالمى ولكن بشكل مختلف.



ويتوقف اقتصاد المنطقة على نظامين للإنتاج يحددان بنيتها وموقعها فى النظام العالمى:



١ـ تصدير المنتجات الزراعية الاستوائية مثل البن والكاكاو والقطن والفول السودانى والفاكهة وزيت النخيل إلخ.



٢ـ تصدير الوقود الهيدروكاربونى والمعادن مثل النحاس والذهب والألماس إلخ. والمجموعة الأولى ضرورية للبقاء (بالإضافة للاستهلاك الذاتى للفلاحين المنتجين)، وهى التى تسمح بتمويل الدولة الذى يقوم بدوره بإعادة إنتاج الطبقة الوسطى، وهى لذلك أكثر أهمية للطبقات الحاكمة المحلية منها للاقتصاد السائد. أما المجموعة الثانية فمهمة للاقتصاد العالمى الذى يركز حاليا على الوقود والمعادن النادرة، وفى المستقبل سيركز على المنتجات الزراعية لإنتاج الوقود النباتى، وفى يوم قريب طاقة الشمس (عندما تسمح تكنولوجيا نقل الكهرباء الشمسية بذلك)، ثم الماء عندما يتيسر تصديره بشكل مباشر أو غير مباشر.



ويجرى الآن السباق للاستحواذ على الأرض الزراعية لإنتاج الوقود النباتى فى أمريكا اللاتينية، وتملك أفريقيا إمكانيات كبيرة فى هذا المجال. وقد دخلت مدغشقر بالفعل فى هذا المجال وخصصت له مساحات واسعة فى غرب البلاد. وتفعيل القانون الزراعى فى الكونغو عام 2008 تحت تأثير المعونة البلجبكبة ومنظمة الفاو سيسمح بالتأكيد للشركات الزراعية يالاستحواذ على الأراضى لاستغلالها على نطاق واسع، كما سمح قانون المناجم بالاستغلال الواسع للموارد المنجمية لهذه المستعمرة السابقة. وسيدفع ثمن ذلك الفلاحون الذين سيصيرون زائدين عن الحاجة، وربما يصير بؤسهم الدافع لبرامج مستقبلية لتخفيف الفقر! وكنت قد استمعت فى السبعينيات عن أحلام لطرد سكان الساحل غير المفيدين لتحل محلهم مزارع واسعة على طريقة تكساس لتربية الماشية بهدف التصدير.



تتميز المرحلة الحالية من التاريخ، بحدة الصراع من أجل الحصول على الموارد الطبيعية للكوكب، والثالوث ينتوى أن يستحوذ لمصلحته الخاصة على موارد إفريقيا الطبيعية، ويحرم منها البلدان البازغة التى ستزداد احتياجاتها منها بالتأكيد. ولضمان الاستحواذ الانفرادى على هذه الموارد يجب السيطرة على تلك البلدان وتحويلها "لبلدان تابعة".



وعلى هذا لا يكون من الخطأ اعتبار أن الهدف من المعونة هو "إفساد" الطبقات الحاكمة. وبغض النظر عن الأموال المقتطعة (التى يعرفها الجميع، ومن المفترض أن الدول المانحة لا تعرف عنها شيئا) صارت المعونة أمرا لا يمكن الاستعناء عنه، لأنها مصدر مالى مهم لاستكمال الميزانية، وتلعب دورا سياسيا. وعلى ذلك يجب استمرار المعونة ولا يجرى الاستعداد للاستغناء عنها عن طريق تنمية جادة. ومن هنا يجب عدم اقتصارها على الطبقات المسيطرة أو الحكومة، بل يجب أن تحصل عليها كذلك المعارضة التى قد تصل للحكم، وهنا يظهر دور ما يسمى المجتمع المدنى والمنظمات غير الحكومية. والمعونة لكى تصير ذات فاعلية سياسية حقيقية، يجب أن تلعب دورا فى إدماج الفلاحين فى النظام العالمى، وهذا يحقق دخلا إضافيا للدولة، وذلك عن طريق "تحديث" طرق إنتاج محاصيل التصدير.



والانتقاد اليمينى للمعونة مبنى على فكرة أنه على البلدان المعنية أن تستغنى عنها، عن طريق مزيد من الانفتاح أمام رأس المال الأجنبى. وكان هذا جوهر خطاب ساركوزى فى داكار، وخطاب أوباما فى أكرا، وهذا يتجنب المشكلة الحقيقية. فالمعونة وهى جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الإمبريالية، تهدف فى الحقيقة إلى تهميش الشعوب الإفريقية التى لا فائدة منها، والمثيرة للمشكلات، حتى يستمر نهب الموارد الإفريقية!



أما انتقادالآخر"المطالب بالتحسين"ـ، ويشاركه الكثير من المنظمات غير الحكومية، فيتقبل أن المانحين سيحترمون تعهداتهم. وهو يكتفى بالحديث الأجوف عن القدرة على الاستيعاب، والأداء الجيد، والحكم الجيد الذى يدعمه المجتمع المدنى. وهو يطالب بالمزيد من المعونة المحسنة! أما الانتقاد الراديكالى، فعلى العكس يطالب بتنمية تعتمد على الذات. وفى هذه الحالة قد نتوقع معونة صادرة عن التضامن الدولى للشعوب فى معارضة لعالمية الإمبريالية.



البديل : التضامن بين دول الجنوب



ليست المعونة المزعومة التى تقدمها الإمبريالية المشتركة فى"نادى المانحين" المنتقد أعلاه، دون بديل، إذ يمثل احتمال الحصول على مساعدات من بعض الدول البازغة فرصة حقيقية.



لقد وُجد فى عصر باندونج تعاون صحيح شمل حصول دول الجنوب ( لا سيما دول كتلة عدم الانحياز ) على مساعدات من الاتحاد السوفيتى وشرق أوروبا والصين، شاركت فى إنماء صناعات القطاع العام فى الدول المعنية، وهو الأمر الذى ترفضه الكتلة الغربية من حيث المبدأ، بحجة أن الاستثمار الخاص هو المسئول الوحيد فى القرار بشأن إنماء الصناعات.



فهل يمكن الآن تجديد هذه التجربة بعد أن خرجت دول الشرق من إطار فلسفة الاشتراكية؟ وهل أصبحت نفس هذه الدول لا تختلف عن الغرب فى ممارساتها مع الجنوب؟ هناك بالفعل معالم عديدة تشير إلى صحة هذا التماثل. وسوف ننظر فيما بعد إلى الظروف التى أدت إليه.



بيد أن رفض الصين وغيرها من دول الجنوب البازغة الانضمام إلى "نادى المانحين" المقترح عليها، يكذب هذا الحكم السريع الذى تردده وسائل الإعلام الغربية بانتظام، لأن هذا الرفض يمثل واقعا إيجابيا يروى آمالا صحيحة فى إمكانية مثل هذا التجديد فى التعاون جنوب/جنوب. علما بأن سبب الرفض هو موقف الصين من نمط المعونة المتفق عليه بمعرفة أطراف نادى المانحين، آلا وهى معونة مقيدة بقبول دول الجنوب لمبادئ الانفتاح الليبرالى. هذا بينما تعلن الصين احترامها لحرية اختيار الدول لنمط تنميتها الوطنية. وبالتالى ترضى الصين بالمشاركة فى إنماء مشروع بناء منظومة صناعية مستقلة وفعالة فى الدول الجنوبية التى تنوى السير فى هذا الطريق.



أضيف أن الظروف الجديدة تعطى فعالية لمثل هذه المشاركة. فتتمتع الدول البازغة ( خاصة الصين ) بميزات حاسمة لم يكن لها وجود فى عصر باندونج. فأصبحت هذه الدول متحكمة فى القدرات التكنولوجية الحديثة. ولم يعد الغرب ينفرد باحتكارها. بل إنه فى بعض الأحيان صارت الدول البازغة متفوقة، مثل الصين فى مجال الطاقة الشمسية. كما أن بعضها أصبحت تتمتع بفائض متصاعد فى تجارتها الخارجية، وبالتالى أصبح لديها أرصدة مالية ضخمة، تستثمرها حاليا فى الأسواق المالية العالمية، ولا سيما فى تكوين محفظة من أذونات الخزانة الأمريكية، وهى استثمارات غير مربحة ومعرضة للقرار السياسى الأمريكى. أليس من الأفضل استثمار هذا الفائض - ولو جزئيا - فى الجنوب حتى يفيد تنمية تلك الدول، بالإضافة إلى كسب تعاطفها السياسى الطيب؟



وفى مقابل معونة الصين المكتملة يمكن لدول الجنوب المعنية ضمان توفير موارد نفطية ومعدنية تحتاج لها الصين، بالإضافة إلى تصدير فائض ناتج مشروعاتها التنموية الصناعية والزراعية. علما أيضا أن تحديد شروط التبادل ( الكميات والأسعار ) مفتوح للتفاوض، وهو الأمر الذى يرفضه الغرب، إذ يصر على خضوع الطرف الجنوبى لتحكم قواعد السوق المفتوحة. إذن أصبحت الظروف ملائمة لفتح مفاوضات حقيقية بين الصين ودول الجنوب التى تنوى تكريس استقلالها وانعتاقها من قيود نظام المعونة الغربية.



وبهذا الصدد يقول الطرف الصينى : " نحن نعلم ونعلن ما نريده - مواد خام معدنية، نفط، منتجات زراعية - وأنتم ماذا تريدون فى المقابل؟ بُنى تحتية، تطوير زراعتكم، بناء منظومة صناعية، ضمان استقرار صادراتكم؟"



والطرف الصينى مستعد للتفاوض فى جميع هذه الأوجه للمشكلة : طابع الاستثمار الصينى ( عام وخاص )، الشكل القانونى للاستثمارات، ومشاركة الطرف المحلى ( عام وخاص ) فى التنفيذ، الأسعار، شروط تسديد الدين...الخ



الكرة إذن فى أيدينا. لنا ان نطور خطة صحيحة مستقلة للمستقبل الذى نريده. وعلى هذا الأساس يمكن فتح باب المفاوضات مع الدول البازغة. وفى غياب ذلك لن نستغرب اذا رأينا الصين والبلدان البازغة الأخرى تمارس معنا سياسات تماثل المبادرات التى تتخذها الدول الغربية، دون طلب إذن منا، طبقا لمبادئ الباب المفتوح الذى رحبنا به. فإذا رضينا بهذا المبدأ الليبرالى الفج، فلماذا تمتنع دول الجنوب البازغة عن الاستفادة منه؟