مستقبل الزراعة فى العالم

سمير أمين
2015 / 3 / 31

أودّ فى الفقرات التالية إظهار السمات الرئيسية لآليات عمل نمط الإنتاج الرأسمالى فى قطاع الزراعة الحديثة المتقدمة. والمقصود النظر فى تشكل وتطوّر قطاع الزراعة فى بلدان المركز التاريخى القائد (المكون من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان وكندا وأستراليا ) .

ويتكون هذا القطاع من مزارع عائلية تعتمد بالأساس على عمل أفراد أسرة واحدة. علماً بأن إنتاجية عملهم قد ارتفعت الى مستويات غير مسبوقة فى التاريخ وغير موجودة خارج منطقة المراكز المذكورة. فبلغ إنتاج العامل سنويا 1500 طن من الحبوب. وسمح هذا الإنجاز لجزء ضئيل من العمالة ـ حوالى 5% من القوى العاملة المعبأة فى البلدان المعنية - بإنتاج الكميات الضخمة المطلوبة لإطعام سكان المجتمع بأكملهم بوفرة، بل سمح حتى بإنتاج فائض للتصدير.



ويختلف سياق هذا النمط فى تنظيم الإنتاج الحديث تماماً، عما هو فى القطاعات الصناعية القائمة على قاعدة المنشأة الكبرى،. واستمرت هذه الحركة فى اتجاه تضخيم المنشآت الصناعية انطلاقا من الثورة الصناعية الى عهد قريب -فأخذ اتجاه التطوّر فى الانقلاب نحو تفتيت المنشآت الكبرى وتوزيع إنتاجها على وحدات اصغر موزعة على صعيد عالمى ومرتبطة بعضها ببعض، فى كوكب تشرف عليه الاحتكارات المأمولة العملاقة للدول الإمبريالية.



لذلك فقد تخيل الفكر الاقتصادى السائد فى القرن التاسع عشر ان ذلك القانون لابد ان يفعل فعله أيضاً فى مجال الزراعة بحيث تستفيد المزرعة الكبرى من مزايا تقسيم العمل على نطاق واسع. بيد ان التطوّر الذى فرض نفسه فى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية قد اتخذ سياقا آخر تماما. فما حدث بالفعل خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين قد تجلّى فى « تحديث « المزارع العائلية



فقد أقتضى تحديث المزرعة العائلية الحصول على مساحات من الارض الجيدة تفى بالغرض : لا صغيرة جداً ولا كبيرة بلا فائدة. بحيث تتلاءم المساحة المستغلة لكل مرحلة من مراحل التطوّر مع نوعية الوسائل الآلية المستخدمة، ومع حجم العمل الذى يستطيع المزارع القيام هو وأعضاء عائلته. فتوسعت بالتدريج مساحة المزرعة العائلية النموذجية الى ثلاثين هكتارا فى أوائل القرن الحالي. والمقصود بالمتوسط المسّجل مساحة المزرعة القائمة على الأراضى ذات الجودة المتوسطة والتى تستطيع العائلة استغلالها دون لجوء الى عمل خارجى بنسب مرتفعة. وبالتالى اصبح إنتاج العامل لكل هكتار مستغل حوالى خمسين طن فى المتوسط.



فأثبتت الزراعة الأسرية الحديثة قدرة استثنائية فى المرونة والتكيف، مع تطوّر الطلب وأساليب الإنتاج، فاقت منافسيها المعتمدين على منشآت زراعية شاسعة.



أتحدث عن تكوين طبقة جديدة من « المزارعين» ولا أقول « الفلّاحين». علماً بأن هذا النعت يشير الى الطابع الرأسمالى الجديد لكيان هذه الطبقة. فهى طبقة رأسمالية بكافة معانى الكلمة. فالمزارع ينتج للسوق، حتى باتت نسبة إنتاجه لاستهلاك العائلة تقترب من الصفر؛ ولم يعد فعل عامل الإنتاج للكفاف يقوم بدور فى صنع القرار فيما يخص نوعية وكمية وأسلوب الإنتاج. حتى اصبح القرار فى هذه المجالات يخضع لمطالب السوق ولاغير. والمزارع المعنى هو صاحب أدوات إنتاج حديثة - جرارات وآلات اخرى - أى بمعنى اخر صاحب رأسمال. علما بأن اكثر من 95% من الآلات الثقيلة المستخدمة فى الزراعة على صعيد عالمى مركزة فى زراعة البلدان المركزية المذكورة. يضاف الى ذلك ان فى كثير من الأحيان المزارع هو ايضا مالك الارض التى يزرعها.



وبالتالى كان ينتظر ان يتشكل دخله من جمع عائد عمله زائد ربح رأسماله وزائد - اذا كان يملك ارضه - ريع الملكية العقارية. وكان الأمر يميل الى ان يكون على هذا المنوال بالفعل فى الزراعة الرأسمالية الحديثة خلال القرن التاسع عشر الى منتصف القرن العشرين. فصارت طبقة المزارعين الرأسماليين ( ولا أقول الفلّاحين ) جزءا من الكتلة البورجوازية السائدة على صعيد الوطن مع غيرهم من الرأسماليين العاملين فى القطاعات الاخري. وقد تجلّى هذا الوضع فى تكوين احزاب خاصة بهم دخلت فى تحالفات مع احزاب اخرى فى مواجهة الطبقة العاملة الصاعدة.



هؤلاء المزارعون غير قرويين فى طابعهم، ولو انهم يسكنون الريف بطبيعة الحال. أمّا المجتمع القروى المكون من هؤلاء الفلّاحين -الذين لم يصبحوا مزارعين رأسماليين- فقد ظلّ موجوداً، ولكن فى الأفول والتصفية التدريجية.



ثم أخذ شكل اندماج قطاع هؤلاء المزارعين فى النظام الرأسمالى بأكمله يتحوّل انطلاقا من بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن أخذت الحركة فى التصاعد خلال العقود الأخيرة - انطلاقا من سبعينيات القرن العشرين. ففى خلال هذه العقود الاخيرة ارتفعت درجة التركيز فى إشراف الاحتكارات المأمولة العملاقة حتى أنجزت نقلة نوعية . فاصبحت الزراعة العائلية الغربية فى مقام المنتج من الباطن لصالح الاحتكارات التى تمتص القيمة المنتجة فى الزراعة من خلال سيطرتها على المدخلات و تسويق منتجاتها.



الزراعة القروية المندمجة فى الرأسمالية الحديثة



تختلف قصة تطوّر الزراعة القروية فى تخوم المنظومة العالمية الرأسمالية الحديثة عن سياق التطوّر المذكور والخاص بالزراعة فى مراكز هذه المنظومة.



1- يحتشد فى المجتمع الريفى للقارات الثلاثة ( آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ) ما لا يقل عن ثلاثة مليارات من البشر،



2- تتسم إنتاجية العمل المعبأ فى هذه القطاعات المختلفة للاقتصاد القروى بتخلفها الشديد بالمقارنة مع إنتاجية العمل فى الزراعة الرأسمالية للشمال. بل أخذ التفاوت بينهما فى التصاعد منذ قرنين ولا يزال.



تنقسم الزراعة القروية بدورها الى قسمين يكادان يتعادلان من حيث حجم إنتاج كل منهما بينما يختلفان من حيث حجم القوة العاملة المعبأة فى صفوف كل منهما.



فهناك مناطق استفادت بما تم تسميته « الثورة الخضراء»، والتى أنشأتها مؤسسات المعونة الدولية الغربية. واستهدفت الثورة الخضراء زيادة الإنتاج مع ارتفاع الإنتاجية من خلال اللجوء الى وسائل الرى واستخدام الأسمدة والمبيدات والبذور المنتقاة، الى جانب ادخال بعض أدوات الإنتاج المستحدثة دون الوصول الى مستوى استخدام الجرارات والآلات الثقيلة كما هو الأمر فى زراعة الشمال. وهناك مناطق اخرى لم تأتها الى يومنا هذا تحديثات الثورة الخضراء. وجدير بالإشارة ان تطوّر الزراعة القروية فى الصين اتخذ سبيلا خاصاً ( وكذلك فى فيتنام) يختلف تماماً عما حدث فى المناطق الاخرى التى طبق فيها وصفات الثورة الخضراء.



توصلت إلى الاستنتاجات الآتية :



ارتفعت إنتاجية العمل فى القطاع القروى المستحدث - مقاسة بإنتاجية العامل الواحد سنويا-، حتى أصبحت تعادل ما بين 10 الى 30 طنا من الحبوب ( فى مقابل 1500 طن فى المراكز المتقدمة ).



بما ان تحقيق التقدم فى إنتاجية الزراعة الرأسمالية فى المراكز قد اقتضيا التوّسع فى المساحات المستغلة حتى تتلاءم مع التقدم التكنولوجي، فإن تحقيق تقدم مماثل فى الزراعة القروية للتخوم قد دفع الى التوسع فى حيازات المنتجين المعنيين. فالثورة الخضراء أنجزت اكبر إنجازاتها حينما كان الفلّاح المعنى يملك ( او يحوز بالإيجار ) 5 هكتارات على الأقل. وبالتالى فان إنتاج العامل للهكتار المستغل يتراوح حول ما يعادل 6 أطنان من الحبوب فى المتوسط فى مقابل 50 طناً فى المراكز.



اما فى القطاع القروى الذى لم تأتى له الثورة الخضراء فقد ظلّ إنتاج العامل سنويا لا يتجاوز ثلاثة طن من الحبوب. ولكن الحيازات هنا ظلّت صغيرة فلم تتوسع لأن فى غياب استخدام أدوات الإنتاج المستحدثة ( مثل المحراث او الجرار الصغير ) لا يستطيع للفلّاح الذى يعمل بيديه ولا غير ( بالفأس) ان يستغل اكثر من هكتار واحد. فإنتاج الفرد للهكتار هوايضاً 3 أطنان.



خلاصة المقارنة : يبلغ إنتاج العامل للهكتار فى المتوسط 50 طن من الحبوب فى الزراعة الرأسمالية المتقدمة، و6 أطنان فى الزراعة القروية المستحدثة و3 أطنان فى الزراعة القروية غير المستحدثة.



وفى مواجهة تخلف الزراعة القروية هل يجب قبول تصفيتها و إقامة زراعة رأسمالية على أساس وصفة البنك الدولى ؟



نحو تصفية الزراعة العائلية والزراعة القروية



تسعى القوى القائدة فى الرأسمالية المعاصرة الى تصفية الزراعة العائلية فى الشمال والزراعة القروية فى الجنوب.



ليست الزراعة العائلية الرأسمالية الحديثة زراعة قروية بالمعنى الصحيح للكلمة اذ انها ازدهرت على أنقاض الزراعة القروية وتهجير الأغلبية من فقراء الفلّاحين. حتى فتح هذا التطوّر سبيلا لتكوين المزارع العائلية الرأسمالية المستحدثة.



سبق ان رأينا كيف أتاح التطوّر الرأسمالى للاحتكارات السائدة تحوّل جميع الأنشطة بما فيها الزراعة الى مقام المنتج من الباطن. ولكن طموحات الاحتكارات المأمولة لا حدود لها. ويبدو انها تسعى الان الى ترسيخ منشآت من نوع جديد ( أجروبيزنس ) متخصصة لأقصى الحدود فى نوعية إنتاجها ( مثل تربية الدجاج وإنتاج الألبان...الخ ) يفترض ان الإشراف على إدارتها يمكنه ان يجلب أرباحا متزايدة. علماً بان توسع هذا القطاع من الأجروبيزنس يصحبه بالموازاة انسحاب المزارع العائلية من هذه الأنشطة.



عيوب هذه الاستحداثات التى تنكر تماماً مبادئ احترام البيئة معروفة للجميع. لذلك اختارت مجموعة من المزارعين العائليين الانضمام إلى الشبكة الدولية النشطة المسماة »الطريق القروي« (via campesina ( معلنة بذلك نيتها فى الدفاع عن البيئة وإنعاش الحياة القروية الجماعية.



يحمل مشروع تصفية الزراعة القروية فى الجنوب مخاطر سنرى انها اكثر كارثية بالنسبة لمستقبل الحضارة الإنسانية.



وإذا افترضنا إمكان تنفيذ خطة منهجية لتطوير الزراعة فى الجنوب مستوحاة من المسار الذى أتاح إنجازات الزراعة فى الشمال.



فطبقاً لذلك يمكن أن نتخيل أن 50 مليون مزرعة »حديثة« - لعلها توظف 200 مليون عامل - تستطيع ان توّفر لسكّان المدن ما يشترونه حاليا من إنتاج الزراعة القروية الوطنية. ذلك بشرط حصول المزارع المستحدثة على المساحات المطلوبة من الارض باقتطاعها من المجتمع القروى مع اختيار أجودها، وبشرط ان النظام الاقتصادى يمدّها بالأموال والتجهيزات وان يفتح لها التسويق الملائم.



ولكن ماذا سيحدث بالنسبة الى المليارين او المليارين والنصف من الفلّاحين الذين لم يخرجوا فائزين فى المنافسة التى بزغت من خلالها الطبقة الجديدة من المزارعين الناجحين؟



يقول أنصار هذا المخطط ان باب الهجرة مفتوح لهم. بيد ان هذا الخطاب لا يقدم لنا حسابا دقيقا لحجم الهجرة اللازمة كى تعوّض تصفية الزراعة القروية. لقد استفاد الأوروبيون فعلا من الهجرة الى أمريكا بالأساس على نطاق لا يقارن مع حركات الهجرة من الجنوب الى الشمال. فكانت نسبة سكان أوروبا 18% من اجمالى سكان الكوكب عام 1500، فأصبحت نسبة الأوروبيين وأخلافهم ذوى الأصول الأوروبية 36% عام 1900 : بعبارة اخرى أتاحت الهجرة تكوين »أوروبا« ثانية وليس اقل! هل نتخيل اليوم فتح أربع قارات أمريكية لهجرة الجنوب المعاصر؟ هذا هو مدى التحدي.



هل تستطيع الصناعة الحالية استيعاب الأعداد الهائلة من العمالة الناتجة عن تصفية الزراعة القروية؟ هل يمثل التوظيف فى الصناعة المحلية مخرجا ملائماً مع حجم الهجرة؟ هنا ايضا لابد ان نتذكر ان صناعات أوروبا فى القرن التاسع عشر كانت بالفعل تحتاج عمالة كثيفة. ثم تغيرت الصورة مع تقدم التكنولوجيا. واليوم يطلب من دول الجنوب ان تكون قادرة على المنافسة فى أسواق مفتوحة، الأمر الذى يقتضى استخدام التكنولوجيات الحديثة خفيفة العمالة. وفى هذه الظروف، ولو افترضنا المعجزة التى يمثلها إنجاز معدل نمو مرتفع ( لا يقل عن 7% سنويا) على مدى عقدين او أربعة وعلى صعيد الجنوب بأكمله ( أى 85% من سكان الكوكب)، لن تستوعب الأنشطة الحضارية اكثر من نصف الهجرة المتوقعة. فصورة الكوكب الظاهرة فى هذا المخطط، هى صورة كوكب العشوائيات.



أين يكمن قصور الفكر الذى يحول دون ادراك مدى الكارثة التى يمثلها مشروع تصفية الزراعة القروية؟



تعانى الأغلبية فى المجتمع القروى الراهن من الفقر، وأحيانا من الفقر المتفاقم. ولكن هؤلاء الفقراء يعيشون اليوم على الإنتاج للكفاف، او حد أدنى منه. فيكف سيُعَوّض زوال هذا المورد؟ يقتضى مواجهة ذلك، أتخاذ أجراءات رشيدة على المستوى القومى لتعويض هؤلاء الفلاحين عن الخسارة الناجمة عن تصفية الزراعة القروية، من الفوائد المستخرجة من ارتفاع الإنتاجية فى الزراعة الرأسمالية. هذا بينما لا يعترف الاقتصاد الدارج أو يتجاهل هذا الوجه من التحدّى المتمثل فى هجرة أعداد هائلة من صغار وفقراء الفلاحين إلى المدن. وشتان ما بين هذا التناول للاقتصاد الدارج، الأقتصاد الرأسمالى القائم على معيار الربحية الفردية و بين عقلانية قومية وإنسانية أوسع فى شمولها لأمور المجتمع.



وبذلك دخلت الرأسمالية عصر أفولها اذ ان فتح مجال جديد للتوسع فى التراكم الرأسمالى يقضى بتحطيم مجتمعات بأكملها وليس اقل. أصبحت الرأسمالية تدعو بشكل مباشر الى إبادة نصف الإنسانية وتحطيم البيئة، وحتى لم تعد تضمن اعادة تكوين شروط حياة الكوكب.



وفى مواجهة هذا التحدّى الفاجع تبلورت حركات شعبية نضالية الى جانب اتخاذ بعض دول الجنوب مبادرات تسعى الى إصلاح الاختلال فى موازين القوى على صعيد عالمي. ولكن هذه الحركات والمبادرات لن تنجز أهدافها ما لم تطرح بديلا شاملا متماسكا فى مواجهة مشروع تصفية المجتمع القروي.



لهذا المشروع البديل اسم الا وهو »إنعاش المجتمع القروي« تقدمت بدفعه الى الأمام شبكات من المفكرين المناضلين أقيمت بالتحديد من اجل إنجاز أهداف المشروع، تعمل تحت شعارات سياسية وفى بلاد متباينة، من الصين وفيتنام حيث نشأت الحركة، الى بلدان أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، فى إطار أنشطة مؤسسة ( »الطريق القروي« Via campesina )، فإسم هذه المؤسسة يحمل فى حد ذاته معنى المشروع.



وبالنظر الى تباين الظروف التى تحيط بنضال الفلّاحين فلا يختزل الشعار » إنعاش المجتمع القروي« فى وصفة جاهزة. وقد استخلصت من من مشاركتى فى هذه الشبكات بعض العبر أقدمها فى الملاحظات الأربع الآتية :



اولا : ينطلق المشروع من الملاحظة ان التصفية المتسرعة للمجتمع القروى وما يصاحبها من هجرة الى العشوائيات لا يمكن قبولا اجتماعيا وسياسيا وإقتصاديا. وبالتالى يجب البحث عن حلول تضمن تثبيت السكان فى الريف. بشرط ان تفتح السياسة المعنية مجالات لتحسين ظروف المعيشة القروية.



ثانيا : وبالنتيجة ينحصر التحدّى فى وجوب كشف وسائل فعّالة تتيح رفع مستوى الإنتاج والإنتاجية فى إطار المنشأة العائلية الصغيرة. دون ان يفترض ذلك تبنّى المذهب الذى يقول ان »الصغير يحلو« بالضرورة وبشكل عام.



ثالثا : ان المشروع يسعى الى تحقيق التقدم الإقتصادى مع تكريس إنجازات اجتماعية تقدمية. أى بعبارة اخرى يستهدف المشروع تحقيق اكبر قدر ممكن من المساواة بين المنشآت القروية والعائلية.



رابعا : لا يقوم المشروع على تخيلات ماضوية والدعوة الى العودة الى الأصول الصالحة المزعومة. بل ينطلق من نقد الوراثة التاريخية وتقويم ما قد طرأ من تحوّلات على النظم القديمة وتكييفها لسيطرة النظام الإمبريالي.



يندرج المشروع الصينى لإنعاش المجتمع القروى فى مسيرة تاريخية حققت إنجازات اجتماعية بعيدة المدي، ألا وهى ضمان مساواة العائلات الريفية فى الحصول على الارض فى ظلّ سيادة ملكية الدولة ورفض تحويل الارض الى مقام السلعة. بحيث ان النموذج الصينى يقوم على الإنتاج الصغير دون الاعتماد على مبدأ الملكية الصغيرة. يجد هذا المشروع القروى محله فى إطار سياسة التنمية الوطنية المستقلة. فالصين تسير على قدمين احداهما تتجلّى فى بناء منظومة إنتاجية صناعية شاملة ومتكاملة وقادرة على ان تتحرك بقدر من الاستقلال، بحيث تتفادى الصين تحويل منشأتها الإنتاجية الى مقام المنتج من الباطن للاحتكارات المتحكمة فى الاقتصاد العالمي. اما القدم الثانية فتتجلّى بالتحديد فى تطوير القدرة الإنتاجية الزراعية من اجل إنجاز الاستقلال الغذائى وعلى أساس تدعيم المنشأة العائلية. ويتيح التفاعل الناجح بين الوجهين للمشروع ضبط حركة الهجرة وتوجهها فى إطار خطة بناء كوكب من المدن الصغيرة والموزعة على جميع الأقاليم، بحيث ان يستطيع الفلّاح ان يوظف فى أنشطة صناعية ومدنية فى مواسم فراغ العمل الزراعي. وقد تناولت عرض مشروع إنعاش المجتمع القروى الصينى بشئ من التفاصيل حتى أظهر طابعه الملموس. وهناك أيضاً تجارب اخرى ازدهرت فى إطار تاريخى وسياسى اخر لا تقل أهمية.