الشيطان في الاسلام -دراسة تحليلية-.

الطيب عبد السلام
2015 / 3 / 22

يقول الراحل عبد الله القصيمي أن الاديان تنتصر في المعارك التي تتجنبها!! لذلك ظلت محافظة على انتصارها ذاك لقرون طوال!! على الرغم من تلقيها للانتقادات الصعبة من رجال العلم و الفلسفة و المستشرقين و المشتغلين على قضايا التنوير!! الا انها ظلت محافظة على تأثيرها القوي غير القابل للتزحزح في اعين الكثير من الناس!! لأنها تجنبت تلك المعارك عبر اليات غاية في الذكاء و التضليل!!
اذا نظرنا في الميثيلوجيا الدينية سنجد هنالك رمزاً غاية في التأثير الا و هو فكرة الشيطان!! هذه الفكرة الخطيرة التي تبناها الاسلام و دافع عنها بقوة! هي التي وضعت الاخر برمته في صورة غير صورته الحقيقية!! بل و البسته قناعاً من صميم الخيال المخيف الذي ظل العقل البشري ينتجه!!
أن تصوير عدم انسانية الاخر و عدم انتماؤه للعالم البشري يترك الفرصة واسعة لتبني خيارات مسبقة اكثر عنفا له و اكثر تبريراً لكراهيته و الانتقام منه!!
و لعلك حبي ستستمع من مجتمعك هذا افكاراً راسخة و حتمية حول ان ثمة مخلوق اسمه الشيطان يوسوس بل و يملي القول لمنتقدي النظرة الدينية للامور!! ولعلك حبي ستشعر بحيرة ما بعدها حيرة حول تلك اليقينية الثابته حول فكرة مثل هذه!! بل و أن وجدت في وسط مسلم فلا تستغرب ان يربطوا بين اي تصرف من تصرفاتك مع أمر معين يخص دينهم كشعورك بالضيق مثلاً بينما هم يتلون خرافاتهم المقدسة!!
أن ترسيخ قيمة مثل تلك "شيطنة الاخر" انما هو عصب لعيون العامة و السذج عنك و عن فكرك!! فلا يقربوه او يناقشوك فيه لأنك لست مخلوق بشري مثلهم!! بل مخلوق شيطاني قادم من الفضاء الخارجي!!!
فبالتالي تحدث في حقك عملية المصادرة و الامتصاص الكلي في عيون العامة عبر اخراجك من بشريتك
و ادخالك في عالم هو اشبه بعوالم "ابطال الديجتال" التي تعرض للاطفال!! ولعمري حتى الاطفال يعرفون انها من قبيل الخيال!! هنا مربط الفرس و من هنا سوف نمضي في قادم المقالات لنتحدث عن فكرة " الخيال المقدس" بغرض الحديث عنه بصورة عقلانية تنزع من حوله اشواك التوجس و الاعتقاد المطلق.
ان فكرة الشيطان نفسها مبنية على جدلية فلسفية اكثر قدما!! بل و معروفة في سالف الحضارات و الازمنة حول فكرة الخير و الشر!! اي فكرة الخير المطلق و الذي يلعب دوره الله و حاشيته و بطانته و قسسته و ائمته و الشر المطلق الذي يلعب الشيطان و الفلاسفة و المهرطقين و الزنادقة و الفنانين دوره!! و قد استفاد الاسلام من هذه الثنائية اعظم الفوائد عبر تبنيه لتلك الاطروحة القديمة بتصوير الاخر على هيئة الشيطان ذلك المخلوق الاسطوري الناري المخيف الذي طرده الله من الجنة لأنه عصى امره الى اخر القصة!!.
و لأن الاسلام قائم على فكرة انه الحقيقة المطلقة و الخير المطلق و ما سواه هو الكفر و الضلال و الشر المطلق لذلك كان لا بد له من ايجاد مرموز سيميلوجي غاية في البشاعة و السوء لتصوير الاخر!!
فكانت فكرة الشيطان!! تلك الدمية الدميمة الخارجة عن سلطة السماء لايذاء البشر و النيل منهم!!
و حتى اذا راجعنا السيرة النبوية سوف نرى تدخلات واضحة لهذا الشيطان الذي اسمه " ابليس" في بعض المواقف المصاحبة للسيرة النبوية!! و سنجد ان تدخلاته تلك تتصف بصفتين اساسيتين :
1/صفة الذكاء و الدهاء.
2/صفة المكر و الخذلان و التخلي عن الحلفاء.
فالموقف الاول تجلى عند دخوله لذلك الاجتماع المهم لسادات مكة في منتداهم على هيئة رجل و طرحه لطريقة غاية في الذكاء لاغتيال محمد!!بأن يأخذوا من كل قبيلة رجلا فيضيع دمه بين القبائل الى اخر القصة
و الصفة الثانية تتجلى عند رؤيته لأنهزام قريش امام جيش محمد و تبرؤيه منهم و هربه اول المعركة عندما رأى جيوش الملائكة و قوله لمن سألؤه عن سبب تراجعه انه قال لهم انه يرى ما لا يروه!!
هنا لا بد لنا من وقفة قوية جداً حول قضية الخلط الواضح بين الواقع و الخيال و تصوير الخيال على انه جزء اصيل من الواقع!! بغرض ايهام المتلقي على صعيد الخيال ببطولات غيبية لا يراها هو تساند موقفه الواقعي الذي يعايشه و يمارسه!! و بالتالي سحب وعيه من بساط الواقع العلمي الى بساط واقع خيالي وهمي بحيث انه اذا حدثت اي خسارة او هزيمة على الصعيد الفعلي يتم تبريرها بالواقع الغيبي!! ذلك الواقع المختلف بصورة كبرى عن الواقع الفعلي!!
بصورة اوضح فأننا نجد انفسنا ازاء عالمين متماهيين مع بعضهما و مختلفين في ذات الاوان!! اعني عالم الخيال الغيبي الذي يتصل معه محمد لوحده بل و السيرة النبوية تعج بأمثال تلك القصص حول اتصال محمد بعوالم الجن و أنه جلس معهم و حادثهم بل و نزلت عليه سورة ازاء ذلك التواصل مع ذلك العالم!! بل و حول قصصه التي لا تنتهي حول اتصاله مع الملائكة و مسوخ البشر و تحولاتهم بين العوالم.
و العالم الاخر هو العالم الماثل امامنا بكل معطياته!!
بمعنى ان المعركة ضد الباطل و الكفر " الاخر" ليست لها صعيد واحد!! بل لها اصعدة اخرى في عوالم اخرى هم لا يعرفونها و لا يرونها لأنهم لا يتمتعون بقدراته الخارقة في معرفتها و التواصل معها!!
هذا يخرج النبي البشري نفسه من دائرة العادية الى الدائرية القدسية و الغيبية و الارتفاع فوقهم و انعزاله عنهم بهالة من الخيالات و التصورات لكي يواجه بهم اخراً ايضا تم اخراجه من فكرته الطبيعية المحسوسة الى دائرة غيبية شيطانية تصادر منه حقه و طبيعته العقلية المحض في الاختلاف و التناقض و الرفض.
و بهذا يحقق الدين غرضين مهمين في ظني و هما :
اولاً : منح النبي صفات غيبية كبرى تجعله متفوقا عليهم عبر قدراته في التواصل مع اخر مناقض له.
ثانياً : تغذية الخوف و الكراهية تجاه الاخر عبر اخراجه من صورته الطبيعية الى صورة "دمى الزومبي" التي تخيف الاطفال و ترعبهم.
بهذه الحيلة الذكية و المشتغل عليها تمكن الاسلام و غيره من الديانات من البقاء على ظهر البسيطة طيلة قرون خالية و اخرى قادمة!! حول تجنبه لمعارك الحاضر الواقع باستدعاء معارك وهمية خيالية سيجابهها هو بنصوصه المقدسة و برجاله الملتحين و المعتمين و حتى بدولته ان استطاعت الخرافة نخر عقول العامة و تمكنت منها.
اننا نقول بأن الخير نفسه قضية نسبية بحت!! و كذلك الشر نفسه!! قضية نسبية بحت!! فلا يصح في ظني القول باطلاق الخير او حتى باطلاق الشر!! فكلتا المنظومتين ان صح هذا التميز اللغوي تحملان من النقص ما تحملان و تحملان من الكمال ما تحملان.
لقد ولى زمان الحقائق المطلقة!! و الاحكام الثابتة المسبقة!! و اتى زمان النسبية!! بل و العالم نفسه اليوم يتحدث عن ما بعد النسبية و عن ما بعد الحداثة!! ونحن راسخون في اغلالنا مقيدون بعجزنا و خبالنا.
انه لمن المضحك بمكان التحدث عن شئ يسمى شيطان يترصد اخبار السماء ليملي بها على السحرة
و الفلاسفة واصحاب المواهب تلك الامور الخارجة عن وعي العامة!! و من المضحك اكثر تلك المحاولات المستميتة في جر تلك الخيالات من قرونها ليراها العامة فيفتتنون بها و يصدقونها.
انني لا اجد عجزي عن فهم الكثير من الامور فضيلة!! و لكنني ارى في ادعائك معرفتها مصيبة!!
فهاهو الدين يرتجف ارتجافا و هو يرى ظاهرة الكسوف العادية فيصورها لهم على انها تخويف من الله و لا بد من الصلاة و التسبيح في ذلك الوقت بدلاً عن التنقيب و البحث حول الظاهرة!! بل و الكارثة ان الدين تبنى تلك الفكرة كفكرة نهائية غير قابلة للنقاش او التعارض.
ما علينا من ذلك شئ!! ما علينا!!
ان المأزق الحضاري الكبير الذي نمر به اليوم اكبر بكثير من هذه الخرافات و الاوهام التي اقصى ما تصلح له هي حرمان الاطفال من النوم!! اشد تعقيداً و مرارة من التعلق بتبريرات وهمية كهذه حول واقع الاخر
و ما ناله من سعادات حضارية و مدنية لأنه انشغل بالدنيا التي زينها له الشيطان فعمرها و سعد فيها و ان واقعك الحضاري المخجل هو ناتج عن تمسكك بالدين و خيالاته و ازهادك في حياتك لصالح قلة طفيلية من ائمة الجوامع و قراء القرأن و علماء الحيض و النفاس.
ان اشد الشياطين كراهية للادمي لن يوصلكم عشر الانحطاط الحضاري المعاش الذي اوصلكم له نبيكم و رب نبيكم و كتابه!! لقد رأينا واقعكم المخجل و المخزي و نقول لكم بصريح العبارة :
اخرجوا الشياطين من مصابيح علاء الدين علها تنقذ منكم ما يمكن انقاذه.