حين خرجتُ ذاتَ مساء للشاعر د. ه. أودن

عمّار المطّلبي
2015 / 3 / 21

ترجمة: عمّار المطّلبي

عن القصيدة: هذه القصيدة هي سيرناد Serenade أو ما يُسمّى باللحن الغرامي، الذي يعكسُ صراعاً عاطفيّاً، متضمّناً دعوى و دعوى مضادّة . كُتِبَتْ و الحربُ العالميّة الثانية تلوحُ في الأفق !!
كلّ شيءٍ يفقدُ اليقين وقت الحرب: الدين و الحبْ و البراءة !
لا شيء سوى اللاشعور، بصوره المُخيفة، و هلوساتهِ المرعبة !!
بلْ و تنتهي الحكاياتُ الشعبيّة التي تمثّل الطفولة البشريّة، إلى حكايات مشوّهة، باعثة على السخريّة، كباقي الحكايات اليوميّة المُبتذَلة لعالم اليوم !!
لا شيء، فهذا الماء رمزُ التطهّر و النقاء ، يُمسي في القصيدة رمزاً للموت، و قد احتلّ المشهد كلّهُ ، في صورة نهرٍ بعيدٍ عميق الغَور !!

*عن الشاعر
ولد في يورك بإنكلترا عام 1907 .. في عمر الشباب أصبح الناطق لما سُمّيَ بشعراء الجيل الإنكليز التي ضمّت أيضاً الشعراء ستيفن سبندر، س. دَي لويس، كريستوفر إشيروود ولويس ماكنيس . طُبِعَتْ أعمالهُ المبكّرة بطابع الظرف المرِح، والنظرة الماركسيّة وأفكار فرويد في علم النفس، لكنّه عاد في أواخر حياته إلى المسيحيّة والنظرة المُحافظة في فهمه للشعر ودوره.
هاجر في 1939 م إلى الولايات المتّحدة، وحصل على جنسيّتها سنة 1946 م.
تميّز هناك بغزارة كتاباته مُحرّراً، ومترجماً . وكاتباً لمسرحيّاتٍ شعريّة، ومذكرات رحلات، مع آخرين .
كتب أودن النقد الأدبيّ، وجمع مقالاته النقديّة في كتابه " The Dyer s Hand" الذي صدر سنة 1962 م .
توفّي سنة 1973 م .


حين خرجتُ ذاتَ مساء

حين خرجتُ ذاتَ مساء
ماشياً عبرَ بريستول ستريت
كانت الجماهيرُ فوقَ الرّصيف
حقولَ حنطةٍ وقتَ الحصاد (1)

و منحدراً بمحاذاة النّهرِ الطّافح
سمعتُ عاشقاً يُغنّي
تحتَ قوسِ سكّةِ الحديد
" ليسَ للحُبِّ نهاية "

سأظلُّ أُحبُّكِ يا حبيبتي، سأحبّكِ
حتّى تلتقي الصّينُ بأفريقيا
و يقفزُ النّهرُ فوقَ الجبل (2)
و يُغنّي في الشّارعِ السّلمون ! (3)

سأحبُّكِ حتّى يُطوى البحرُ
و يُعلَّقُ كيما يجفّ
و النجوم السّبعُ تشرعُ بالصّياح
كالأوزّ في أرجاءِ السّماء ! (4)

كالأرانبِ ستجري السّنين
إذْ بينَ ذراعَيَّ
أنا أحملُ زهرةَ العصور (5)
و الحبَّ الأوّلَ لهذا الكون (6)

السّاعاتُ كلُّها في المدينةِ
طفقتْ تأزُّ و ترنّ
" آه لا تدعِ الزّمنَ يخدعك
لا تستطيعُ أنْ تقهرَ الزّمان " (7)

في جحورِ الكابوس
حيثُ ( العدالةُ ) عاريةٌ
يُراقبُ الزّمنَ منَ الظلّ
و يسعلُ حينَ تُقبّلُ ( حبيبتَك )

في نوباتِ الصّداعِ و القلق
تتسرّبُ الحياةُ على نحوٍ غامض
و الزّمنُ ستكونُ لهُ نزوتُه
غداً و اليوم !

في وديان خُضرٍ كثيرة
يندفعُ الثّلجُ المُخيف
الرّقصاتُ المُتّصلةُ يكسرُها الزّمانُ
ويكسرُ انحناء المتألّق الغوّاص

" أوه .. إغمِسْ يدَيكَ في الماء
إغمسْهما حتّى الرّسغ
حدّقْ حدّقْ في الحوض
و تساءلْ عمّا افتقدتَ (8)

" بالخزانة نهرُ الجليد من الداخلِ يرتطم
الصّحراءُ تتنهّدُ في السّرير
و الصّدعُ في قدحِ الشّاي (9)
يكشفُ عنْ زُقاقٍ
يمتدُّ إلى أرضِ الموتى
حيثُ يُسهم المتسوّلونَ بالمالِ في (يانصيب) (10)
و العملاقُ يبدو فاتناً لِجاك (11)
و الفتى النّاصعُ البياض يُغنّي بأعلى صوت
و جِلْ على ظهرِها تستلقي ! (12)

آهٍ انظرْ انظرْ في المرآة
آه حدِّقْ في محنتِك
تبقى الحياةُ نعمةً
برغمِ أنّكَ لا تستطيعُ
أنْ تُباركَها !

آه قفْ قفْ عندَ النّافذة
حيثُ الدّموعٌ تنهمرُ كالنّار (13)
لسوفَ تُحبُّ جاركَ المعوجّ
بقلبكَ الأعوج !

متأخّراً كانَ الوقتُ في المساء
العشّاقُ قدْ مَضوا
السّاعاتُ أوقفتْ رنينَها
والنّهرُ العميقُ
استمرَّ في الجريان !! (14)

..........................................
(1) يقول السيّد المسيح:
" هنالك أربعة شهور حسب، ثمّ يأتي الحصاد . أقولُ لكم انظروا .. إرفعوا أبصارَكُم، و تطلّعوا إلى الحقول، فأنتم حنطةٌ مٌهيّأة للحصاد"
(2) يعتمد الشّاعر هنا ما يُسمّى بالمبالغة hyperbole و تكرار صوتٍ بعينه، لخلق جوٍّ ما . يُسمّى هذا بال alliteration ( تكرار حرفٍ صحيح في بيتٍ واحد، هنا ال s:
Salmon Sing in the Street
(3) السمك Ichthus هو رمزٌ لدى مسيحيّة العصور الأولى .. السمكُ مغنيّاً خارج بيئته، هو كالمسيح الآتي منْ غير عالمنا، و متجسّداً فيه.
(4) النجوم السبعة، تلميح allusion للثريّا Pleiades في الميثولوجيا اليونانيّة . يُطارد الصيّادُ الوسيم الشهير أوريون Orion الثريّا بلا هوادة، بعد أنْ يقع في غرامها . الثريّا هي سبع عذراوات مرافقات لآرتيميس Artemis إلهة ، يطلبنَ أخيراً عون كبير الآلهة زيوس Zeus ليساعدهنّ في الهرب، فيجعل الفتيات الهاربات أبداً، و المُطارِد الدائم أريون نجوماً في السّماء !!!
لقد جمدوا جميعاً، فلا هُنّ يستطعن الهرب، و لا أريون يستطيعُ الإمساك بهنّ !!
(5) يُصوَّر المسيح بوصفهِ زهرة العصور Flower of the ages
(6) تلميح لنشيد سليمان في العهد القديم عن الحبّ النقيّ:
أنا وردةُ شارون و زنبقة الوديان
و أيضاً:
و كالزنبقة بين الأشواك، كذلكَ حبيبتي بين البنات !
(7) القبول بقدرنا، و بحقيقة الوجود، هو الخلاص الممكن الوحيد.
الزّمن يُحطّم هذا الوهم، و يُرينا أنّ العالم أبعد ما يكون عن السيطرة عليه، فضلاً عن إدراكه !
(8) التطلّع إلى الحوض:
يقول بول في 1 Corinthians:
في اللحظة الراهنة نحنُ نرى عبر الزّجاج
على نحوٍ مُعتم، لكنْ وجهاً لوجه
(9) يُذكّر هذاالبيت بأغنية بريفروك للشاعر إليوت، حيث يقيسُ بطل القصيدة حياتَهُ بملاعق القهوة التي يشربها !
(10) المُعوِزون destitute people يتبرّعون بالمال لجائزة اللوتري، إذْ يُقَدَّرُ ثمنُ بضاعة، و يُقَسَّم السِّعر بالتساوي، ثمّ تُجرى قرعة الفوز برمي النّرد.
(11) يتصالح الأعداء في الحكاية الخياليّة fairy tale، و يتحوّلون إلى أصدقاء :
جاك والعملاق، هما بطلا حكاية شعبيّة إنكليزيّة، كتبها جوزيف جاكوبس. تجري أحداثها أيّام حكم الملك آرثر. يعيشُ العملاقُ و اسمُهُ كورموران في جبل تورنويل ، طولهُ 18 قدماً و خصرُهُ يبلغ 3 ياردات ، و كان منْ قوّتهِ أنّه يستطيع حمل نصف دزينة من الثيران . يعيش ذلك العملاق في كهف بالقرب من بيوت المزارعين، باثّاً الرعب في النفوس . ينتصر عليه جاك الفلاّح مستعيناَ ببوقٍ و مسحاةٍ و فأس.
(12) * شخصيّة خياليّة، كانت ال nursery rhyme تتحدّث عنها. ورد ذكرها في مسرحيّة حلم منتصف ليلة صيف، لوليم شكسبير:
Jack shall have Jill
Not shall go ill
و في المثل القديم التالي، تشير إلى رابطة رومانسيّة:
" A good Jack made a good Jill "
هنا يعكس أودن الأمر، حين يجعلها ساخراً تستلقي على ظهرها، ملمّحاً إلى وضعٍ جنسيّ !!
(13) الترجمة الحرفيّة: تنهمرُ و تُحرِق: تعني الدموع في الإرث التوراتي التطهير:
سنحترق بالدموع إلى أعماق وجودنا
(14) إستحضار صور الماء التوراتيّة the archetypal water.. غموض الخلق .. الانبعاث والتطهّر و الافتداء .. الخصوبة و النّماء .. الموت و الولادة منْ جديد( البابتزم المعموديّة ) .. جريان الزّمان إلى الأبدية