فإما تحليق النسور، وإما تدجين الطيور !

ليندا كبرييل
2015 / 3 / 20

آه يا الوطن العربي، يا وطن النفاق.. يا أرض المسروِكين على الحبال !
تبدأ حياة الإنسان في بلادي بالحبل السري واهب الحياة، وتنتهي بحبل الإعدام قاصف الحياة لمنْ في عقله شيطان حر أبيّ، وما بينهما ستمتد حبال كثيرة للسَّرْوَكة عليها كالبهلوانات، وتُنصَب أحابيل لمنْ طار وارتفع وكما طار وقع.
ففي ذات اللحظة التي ينقطع فيها الحبل السري لوليدك يمتدّ حبل جديد: حبل الكذب، يربطه بمجتمع سيدرّبه كيف يصبح ببغاء في خمس سنوات، يرضع مثلما رضعنا الرطانة الببغائية مع حليب أمهاتنا، إذ لا يمكن للصدق أن يكون آلية التعامل مع طفل نقي لا يميّز الخيط الأبيض من الأسود، فيمكن للسانه البريء أن يودي أهله في داهية . وما أن يدخل طفلك في طلائع الحياة، حتى يبدأ التدريب في البيت والمدرسة، على شد حبل الثرثرة الببغائية ومدّه حتى نهاية حياته، يلقَّن خلالها الشعارات الدينية والأحاديث المعصومة والأقوال الخالدة، ويتعلم كذلك كيف ينحني إجلالاً أو تعظيماً، لحاكم أو لإله، وكيف يهتف أو يهزّ كتفه وهو يرقص، ليراه المُفتدَى من عرشه أو من كرسي الحكم، فتكون أعظم انتصاراته إذا ابتسم له القائد، وسيكون كمنْ حصل على جائزة عالمية يدور بها بين الناس، إذا ما اتفق وظهر في الصورة مع زعيمه.

هل كان يمكن لحكامنا أن يسيروا بمخططاتهم الإجرامية بتبريرات رجال الدين، لو لم يستخدموا لأغراضهم الجائع والمفتري والجاهل والمرتشي ؟ ومنْ يكون أهلاً لتحقيق أطماعهم أكثر من ابن الريف البائس والجاهل ؟ استقدموه إلى المراكز القيادية ليعيث فساداً في البنى الإدارية والتعليمية التي أسّسها لنا (الاستعمار النبيل)، عندما وضعنا على بداية طريق الحداثة قبل أن يغادرنا في فرصة تاريخية ثمينة لا تُعوَّض.
المسؤول الحكومي؛ الشحاذ المودرن، الذي إذا أردتَ شكره على معروف بسيط خدمك به - هو من صلب عمله وواجبه الوطني - ، فقدّمتَ له متفاخراً من صنع يديك قنينة توت شامي أصلي، ظللْنا لأيام ونحن نعصر ونصفّي وتندبغ جلودنا ونتحمّل، على أمل رؤية بشائر السعادة والحبور على وجهه الكريم، واجهَكَ بوقاحة وبصوت مرتفع أمام الجميع: قنينة توت شامي يا مناظيم ؟ فكّرناها ويسكي ! في المرة الجاية تعالوا ومعكم جوني وولكر ! فإذا لمْلمتَ خجلك ونهضتَ للمغادرة عاجَلَك بالقول: وينكم ؟ جوني الأسود مو الأحمر ها !
هؤلاء منْ ضبعونا وجعلونا خرافاً تسير في الشوارع هاتفة بحياة قائد المسيرة.

هل تذكرين العقوبات الساخنة التي نلتِها أنت ورفيقاتك من المدربة ميساء بمسطرتها الرفيعة، بسبب الخروج على قانونها الساديّ ؟ لماذا ؟ لأن زرّاً انقطع من جاكيت البدلة العسكرية، لأن النطاق مرخيّ عند الوسط ، لأن السدارة مائلة على الرأس.... هذه ميوعة سلوكية لا تليق بالعسكري.
منْ ينسى ؟ هه !!
هل أنسى ؟ كيف كانت تتمتع بغرز ظفرَيْ الإبهام والوسطى في شحمة الأذن وهي تشدّها طوال محاضرتها الأخلاقية في التربية المستقيمة ؟ في ذلك الزمن انتشر وباء (أنفلونزا الببغاوات) في النفوس، فقد كانوا قد طوّعوا حس الإنسانية وأخمدوه في دواخلنا، إذ لم نكن نفهم قسْوتهم علينا إلا نوعاً من التربية الضرورية..

حتى كان ذلك اليوم .. ~
بعد تحية العلم الصباحية، والهتاف بالشعارات، والدنيا لسّه يا فتّاح يا رزاق، أخذت المدربة ميساء تتلو علينا الواجبات المقدسة . فجأة وجدناها ترمي الأوراق من يدها، وتتجه كالوحش الكاسر نحو هالة، وتضربها كفاً ملهِباً على وجهها، سائلة إياها عما عنتْه بكلمة ( كلب ) التي سمعتْها تتلفظ بها.
أنكرت صديقتنا أنها نطقت بهذه الكلمة، لكن عفريت ميساء كان هو الأسبق ! راكباً أكتاف هالة .. نازلاً تنتيفاً بشعرها .. وتخبيصاً بوجهها .. وظلت المدربة تضرب بمسطرتها على ساقَيْ زميلتنا وظهرها، والمسكينة تقفز كالملسوعة في مكانها، وتبكي وتستعطف، والمدربة تكرر: منْ هو الكلب وْليه ؟ اِحكي أحسن ما تاكليها زحف في حقل الرمي.
وحقل الرمي يا إخوان هو حقل التجارب على الفئران، حيث كنا نتعلم كيفية فك وتركيب البارودة التشيكية، ثم التدريب الوهمي على الرمي، وفي آخر السنة علينا أن نطلق بالذخيرة الحية أربع رصاصات في امتحان إجباري.
بارودة حقيقية، ورصاص حقيقي . لا تظنّوا أننا أولاد صغار نلعب بمسدس رشاش الماء ! طبعاً ن ن..
نحن أبناء جلا وطلاعو الثنايا، متى نضع السدّارة تعرفونا، ومتى حملنا البارودة رهبتونا، وسنزحف إلى إسرائيل لنطخّهم ما لم يضْبعونا.
أخيراً خافت هالة من عقوبة (مشية البطة)، وبعدها الزحف في حقل مليء بالأحجار والأتربة، وما يرافقه من ألم وجروح في الكوعين والركبتين، ومن ضربٍ كلما هدأت الحركة أو استراح المعاقَب، فقالت هالة:
قلتُ: إن الكلب لو كان بين يديكِ لاسْتقامَ ذنبه.
وفقعت المدربة ميساء في الضحك، فضحكنا معها، وإذ بصوتها يلعلع كالشرار، اخْرسوا يا قرود.
طبعاً نحن لسنا قادرات على الاستنجاد بداروين وإثبات العكس.
وخرست الحيوانات المدجّنة . واكتفت المدربة بما لحق صديقتنا من ضرب عنيف على ساقَيْها وظهْرها، غابت على إثره يومين عن المدرسة تعاني من تورّم الجروح.
أما أنا فقد أنكرت أني سمعتُ شيئاً صادراً عن هالة، فلم تجد ما تفشّ حقدها إلا أن تسألني عن الكتاب الذي أخفيه وراء ظهري، شعرتُ بالحرج .. فتأتأتُ .. فكانت فركة الأذن المؤلمة بالمخالب، ولكزتني بجمع كفها، فمددتُ يدي بالكتاب.
ألقت المدربة عليّ نظرة استنكار وسألت بجفاء: ما هذا ؟ أجبتها، وهل أستطيع إلا أن أجيب: قصص المغامرين الخمسة . المغامرون الخمسة ؟ ماذا يعني ؟ يعني .. نوسة ولوزة ومحب .. وأمسكتُ عن الكلام مكتفية بإشارة من يدي بما معناه إلخ إلخ ... زمزمت فمها كأنها تكتم ضحكة، فشعرت بارتياح وهي تسألني بهدوء لكنه مسربل باللؤم: ومن الرابع والخامس ؟ فأجبتُ: عاطف وتختخ . صرختْ : الله لا يعطف عليكِ، ما شاء الله على ثقافة بنات اليوم، قلتِ لي تختخ ؟ التختخة في معسكر الرمي، وخلّي نوسة ولوزة يعطفوا عليكِ .. ثم استدارت إلى ابتسام التي سارعت إلى نكران سماعها كلمة كلب، وبراءتها من تختخ ورفاقه، لكن الضبْع كانت قد رأتها تبتسم على كلمة كلب، فصفعتْها كفاً على أنفها ونزف طويلاً.

إن الإله الذي جرى تحت عينيه هذا التعذيب، وصمَتَ على شر ميساء المدربة وأقرانها وما فعلوا بنا، لهو دليل دامغ على أنه يضع يده بيد الحكام الظالمين، أو عجزه عن التدخل لصالح المستعبَد المظلوم، هذا إله لا يتّسم بالطيبة ولا بالمحبة لمخلوقاته.
هذا في مدارس البنات، الله أعلم ماذا جرى في مدارس الشباب، والله أعلم كيف كانوا يسوقوننا بالباصات إلى ساحات المظاهرات حيث تكتمل هناك مشاهد الإذلال والاستعباد.
آه ~
كلما قيل: مظاهرة، قفزتْ ذكرى تلك العقوبة التي نلتُها بسبب هروبي من مسيرة الاحتجاج أنا وصديقاتي، لماذا لا يستطيع عقلي الباطن نسيانها ؟ كأن تلك الذكرى لا تأتي إلا مترافقة مع ما خزّنتْه حاسة الشم من رائحة الفلافل الشهية، وما انطبع في العين من صورة (الهتّيفة) بسبّاباتهم المهدِّدة لإسرائيل والاستعمار، وما وقع على اللمس من تلك البنادق المخيفة !
كنا مقْدِمات نحن الطالبات على الامتحان بمادة التربية القومية بعد يومين، ثم بفكّ البارودة التشيكية وتركيبها أمام مدربة الفتوة ميساء وملازم معاون لها.
لن نتقدم للبكالوريا ما لم نجتَز هذا الامتحان . سهرت أمي معي حتى ساعة متقدمة من الليل تساعدني وأنا أسمّعها درسي، لكنها قلقتْ من عدم استجابة عقلي اليابس لحفظ مبادئ الحزب بالتسلسل، وارتكاب الأخطاء في تحديد الأهداف القومية، تسألني عن عمل السبطانة في البارودة فأردّ عن عمل إبرة إطلاق النار، تذكّرني بصفات بنادق الحركة المزلاجية فأردّ بصفات بنادق الحركة الانزلاقية. أمي قالت لي بيأس: الله يرحم البكالوريا، والعوض بسلامتكم هالسنة . نمتُ ليلتها حزينة، وحلمتُ أني أرقص على الجليد كالبطلة الروسية التي رأيتها في التلفزيون، استيقظت كئيبة، وما زال في قلبي بقايا حنين إلى الحلم أن أطير في الهواء كتلك البطلة، والراديو يذيع برنامجه الصباحي.
فجأة قطعوا الإرسال، لإذاعة بيان خطير حول قيام إسرائيل بدغدغتنا بضربتين جويتين، ونحن على أعتاب الاحتفال بذكرى ثورة البعث في الثامن آذار.
مصائب قوم ؟ عند قوم فوائد !
صرختُ وأنا أصفق: الله يرحم الامتحان العسكري، راح بشربة ماء . فابتسمتْ أمي.
وقرروا أن بعد الغد ستكون مظاهرات التنديد، وتهديد إسرائيل بالاحتفاظ بحق الرد !
في ذلك الوقت أرسوا نظرية الاحتفاظ بحق الرد، ونحن رجال .. كلمتنا واحدة إلى اليوم.
.. وغداً.
دارت التليفونات الحامية صبيحة المظاهرة بين الصديقات، أن يكون الفطور خفيفاً ليكون الغداء دسماً مع سندويشات الفلافل عند أبو العبد، والتحلاية بوظة عند بكداش بالحميدية.
دام تهديدك إلى الأبد بالاحتفاظ بحق الرد يا أسد .. منْ له بفرحة كفرحتنا !
كانت كلمة السر للحظة الانسحاب من المظاهرة (وكأننا نخطط للانسحاب بعد عملية فدائية) عندما ننتهي من أغنية دلال الشمالي مطربة الأغاني الوطنية: (من قاسيون أطلّ يا وطني، فأرى دمشق تعانق السحب، آذار يدرج في مرابعها، والبعث ينثر فوقها الشهب).هذه الأغنية الجميلة التي يعرفها الشاب والشايب، يحفّظونها لكل الأجيال لترديدها في المسيرات *.
بدأت الشعارات، ونحن نسير، وبعدها الدبكات، ثم نسير، فالغناء، مع المسير والمسير، ولما أعلن قائد المظاهرة بحركة سينمائية أن نبدأ بأغنية دلال – مِيتْ عافية ونور عليها -، التقت العيون في معان لا يدركها إلا المتآمرون، وبدأنا بكل حماس، نستلهم القوة من جوعنا، وعنفوان الغناء من خور بطوننا، وكان صوتي الأعلى، فأنا من يدير الغناء والعزف على الأكورديون في المدرسة، نكزتني هالة في ذراعي أن : خلصينا بأه .. كفاية اندماج . أردت أن أنهي اندماجي لكن قائد المظاهرة أشار أن أكرر المقطع، وانصبتْ النظرات الغاضبة على عيني، لأني على باب الله ولست فهلوية في التملّص، حتى قام شهم – يعطيه العمر والصحة- وردد الشعار : بالروح بالدم نفديك يا حبيب، وبدأ الفصل الرابع من مسرحية الهتافات، ونزلتُ من المنصة لأردد معهم، وبدأنا ننسحب بحذر من الخطوط الأمامية إلى ما وراء خط النار، ونحن نختفي خلف الظهور، حتى أصبحنا بين العمال والفلاحين، هنا أسلمنا الأقدام للريح والوجه إلى دكان أبو العبد.
انطلقنا والجوع يهرينا، ولم ندرِ أن الفسّادات قد وَشَيْن بنا.
عين الحسود فيها عود.. ما هذا الشعب الغيّور يا شيخ !
سألَنا أبو العبد: شو ؟ إذا خلصت المسيرة لنحطّ قلوة فلافل، أجبناه بروح حماسية وفخر: والله هربنا يا أبو العبد، فقال : إذاً فلافل الصبح، هلأ ما في تازة .. ولا يهمك عمي، بس سندويشة مدعومة الله يخلّيك.
ما أن رفعنا العروسة المدعومة إلى أفواهنا الفاغرة حتى بقيتْ فاغرة ونحن نتأمل العين العسكرية التي تعقّبتْنا. و .. تيتي تيتي متل ما رحتي إجيتي، وانضممنا ثانية للمظاهرة . كان علينا إثبات حسن السلوك حتى نُعفى من العقوبة المتوقعة، فتطوعتْ اعتدال وهيام بحمل نجوى التي بدأت بأغنية: بترول العرب للعرب*، تقطعها لنهتف: بالروح بالدم نفديك يا حبيب، وكلما اقتربت المدربة ميساء علا صياحنا: (ميسا ميسا اسم الله عليها)، لكن نجوى الملعونة لا تكتفي بهذا، بل تُحمِّسنا: ( ياااا ميساء لا تهتمي نحنا ولادك منشرب دم ).
لكن المدربة بصوتها الأجش ووجه يغالب الابتسام والسعادة بجندياتها الشابات، تقول: بلا فذلكة أنتِ وهي، زبطوا الهتاف.
كل هذا لم يشفع لنا، مع أننا تفانينا والله بالغناء وانشرخت حناجرنا من الهتاف، والتهبت أيادينا من التصفيق، وتختخنا من الرقص والدبك، فأنزلت المدربة بنا عقوبة تنظيف مئة بارودة تشيكية في معسكر الرمي آخر الأسبوع .
ولتجدنّ أشد الناس عداوة وكرهاً لتنظيف البارودة طلاب الفتوة !

لكني إنسانة متفائلة، و( في قلب الرزايا أتلمّس المزايا )، فقد عدتُ للبيت وأهديت أمي بشرى، أني حفظت أقسام البارودة من خلال فكّها وتنظيفها ثم تركيبها، كذلك، أوصلني تفاؤلي إلى الاقتناع بأن للمسيرات فوائدها وإيجابياتها:
عطلة من جهة، تأجيل الامتحانات، تمام ؟ تسلية في سرد النكت خلال المسيرة، وتمرين لأصواتنا على الغناء، وتمرين على البارودة، لعلهم في حرب استرجاع الكرامة التي ضاعت في حزيران يسحبوني من باب الاحتياط لجيش الشعب.
التفاؤل بطبعي مهما اشتد عليّ اليأس.

عافية للشيطان ! الذي حفّزني لرفض الصخب الرغائي، ودفعني لِمقْت الاصطفاف الغوغائي، وحرّضني على رفض إعلانات شركة التأمين على العقل الببغائي، شكراً للشيطان الذي وسوس لي أن أرضى بالتوقيع على وثيقة التمرد على هلوسات المتخندِقين العرب.
الشيطان لا الله .. يضمن لنا راحة البال !
أتبتسم الملائكة إلا للعبيط ؟
كلكم .. كلكم تجلّون الشيطان أكثر بمراحل مما تجلّون الضمير !
بل يكاد الضمير يتلاشى لشدة ما رقّقته نزواتنا !!
والمعترِض يرفع إيدو لأحطّ إصبعي بعينو.
يقولون كوريا الشمالية ؟ هه !
كنا نسخة عن هذا المسخ المدمقرط.

للمراجعة: المقال السابق

الحرير لا يليق بالحرائر

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=458921

أغنية : من قاسيون أطلّ يا وطني.
https://www.youtube.com/watch?v=Ib2cLr0zxlU