بهدوء...تعالوا نتماهى مع دعاة الوحدة مع إيران!!!

شاكر الناصري
2015 / 3 / 17

مما لاشك فيه أن إيران دولة كبرى، لها مصالحها وستراتيجياتها وصراعاتها وخصوماتها، ولاشك أيضاً أن هذه الدولة تمكنت من تحقيق اختراقات كبيرة وواضحة في الكثير من القضايا السياسّية المستعصية على صعيد الشرق الأوسط والعالم العربي والتي أريد لها أن تبقى دون معالجات وفتح ثغرات في ملفاتها الشائكة بعد أن تمكنت من نقل ثقلها السياسي والعسكري والأستخباري إلى مناطق الصراعات وتحولت إلى قطب أساسي فيها وفي رسم المعادلات والوقائع السياسّية على الأرض، لبنان، سوريا، فلسطين، العراق واليمن، عبر تدخلها المباشر أو من خلال القوى الموالية لها. لكن هل يعني هذا أن تتحول إيران إلى دولة مخيفة وتحيط الشكوك بنواياها ومطالبها وستراتيجياتها القادمة؟ ما يعنينا هنا التصريحات والخطب والمقالات التي صدرت عن مجموعة من الساسة والإعلاميين ورجال الدين في إيران بخصوص العراق.

فالأيام الماضية كانت حافلة بالمواقف والتصريحات الإيرانية حول العراق. فكما يبدو أن المساعدات العسكرية واللوجستية التي تقدم للعراق في الحرب ضد إرهاب داعش واستباحتها للمدن العراقية، لابد وأن يكون ثمنها باهضاً ومكلفاً ومهيناً في آن واحد. فما صدر حتى الآن يكشف، وبما لايقبل اللبس وسوء الفهم وأخطاء الترجمة أو تحريف الأقوال واخراجها من سياقاتها ومقاصدها، عن النوايا الإيرانية تجاه العراق ومستقبله ومصير اهله، تصريحات متلاحقة تعبر عن الرغبة الإيرانية بضم العراق والوحدة معه لأن معظم سكانه من أتباع أهل البيت كما نصت مقالة رئيس تحرير وكالة مهر للأنباء! اننا أمام دعوات تنطلق من أفق طائفي وعنصري بغيض يصعب تصوره أو احتماله وتقطر عنصرية وعدوانية ضد سكان العراق الذين لاينتمون للتوصيف الذي تطرحه إيران. فهذه الدعوات لاتتوقف عن مجرد كونها محاولات لمحو العراق وابتلاعه تحت مظلة نظام الحكم الإسلامي المتجبر في إيران وتخلصه من الذل العربي!، بل انها جاءت لتزيد من اشتعال فتيل الصراعات الطائفية والقومية داخل العراق. فالحديث عن العرب وتوصيفهم بالعربان جاء منسجماً وبشكل كبير مع تصورات وآمال من ينطلقون من الطائفية وفكرها وممارساتها وثاراتها وعنصريتها أو الذين يجدون أن فترة حكم البعث الفاشي وصدام حسين، بكل قسوتها ووحشيتها، كانت فترة حكم العرب للعراق، والذين لم يواصلون تأييد مقولات وتصورات، حسن هاني زادة، رئيس تحرير وكالة مهر الإيرانية للأنباء والتي جاءت محملة بالعداء والكراهية والأوصاف الدونية للعرب- العربان حسب توصيفه- وتكرارها! ولكن الرغبة الإيرانية بالوحدة مع العراق لم تكشف عن مصير العراقيين الذين لاينتمون لمذهب أهل البيت ولاينتمون للإسلام ولا للعرب، هل سيكونون ضمن هذه الوحدة أم سيتم حشرهم قسراً؟

الشكوى العراقية المتواصلة من الأنظمة العربية ودعمها للجماعات الإرهابية المسلحة، هي شكوى جدية ولها آثار على الأرض، فالكثير من الإرهابيين الذين يقاتلون في صفوف داعش أو يقبعون في السجون العراقية هم من العرب ومن الدول المجاورة للعراق والذين ارتكبوا الجرائم المروعة بحق العراقيين، مفخخات واحزمة ناسفة، تصفيات طائفية وحز رؤوس، تهجير وسبي وسلب للأملاك وتدميرالآثار..الخ. كل ذلك احدث شرخا عميقاً في العلاقة ما بين العراقيين والعرب عموماً، انعدام الثقة وتبادل الاتهامات والكراهية المتصاعدة من علامات هذا الشرخ العميق.

تعالوا نتماهى مع دعاة الوحدة مع إيران والهروب من عنصرية العربان ونقول لهم: هل تعرفون إيران حقا، نظامها السياسي وطبيعة الحكم ومكانة الإنسان وكرامته وحرياته في عرف هذا النظام؟ هل تعلمون إنَّ القمع والإستبداد الذي تمارسه السلطات الإيرانية ضد معارضيها وضد كل من يريد العيش بحرية وكرامة أو دون سجون وتعذيب، تخجل منه حتى أبشع الدكتاتوريات في العالم؟ هل تعلمون أن السلطة التي يحكم رجال الدين والولي الفقيه قبضتهم عليها لاتقل ارهاباً ودموية عن حكم داعش وخليفتها ولا عن الأنظمة التي تلبس لبوس الدين والشريعة والسنة النبوية...الخ؟ هل تعلمون كيف يتم التعامل مع القوميات والطوائف الدينية في إيران وأي انتهاكات تتعرض لها أسوة بباقي الإيرانيين الذين تنتهك حرياتهم وكرامتهم ووجودهم الإنساني بشكل يومي متواصل؟ ما الذي ستقدمه لنا إيران حتى ندفع بأتجاه الوحدة معها؟ من يريد أن ينقذ العراق من العنصرية والذل العربي أو يعلمنا الديمقراطية كما يدعي، فعليه أن يقدم النموذج الإنساني المتحضر والعادل الذي يقنعنا للحاق به، النموذج الذي لايعامل الإنسان فيه على أساس قوميته و دينه وطائفته وجنسه ملابسه وضحكه...الخ، هذا النموذج الذي يغيب عن إيران تماما.

لسنا ضد إيران إن كانت تحترم العراق ورغبات سكانه ومساعيهم بالعيش بحرية وكرامة وتساند حربهم ضد إرهاب داعش واخواتها والقوى التي تدعمها. لسنا ضد إيران إن توقفت عن تصدير صراعاتها وتحويل العراق ساحة لتصفية حساباتها مع خصومها ومساوماتها ومفاوضاتها النووية مع أمريكا. لسنا ضد إيران إن إحترمت خصوصيات العراق وطبيعة مجتمعه وتنوع الإنتماءات الدينية والمذهبية والقومية فيه ولم تعمل على تقوية طرف على حساب الأطراف الأخرى، لكننا سنكون ضدها مادامت تتعامل مع العراقيين بنبرة عنصرية متعالية وبغيضة وتسعى لابتلاع العراق ومحوه من الوجود بذريعة أن قسمأً من سكانه من أتباع آل البيت!