السلطة بين اشتراطات التمويل والابتزاز الاسرائيلي

محسن ابو رمضان
2015 / 3 / 16



الاحتلال وتبعية الاقتصاد الفلسطيني :-
عملت اسرائيل على ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاسرائيلي منذ الاحتلال عام 67 ،وأصدرت سلسلة من الأوامر العسكرية ذات العلاقة بالاقتصاد من حيث منع عمليات الانتاج والتنمية وابقاء الاقتصاد الفلسطيني " الضفة والقطاع والقدس " هامشي وتابع وغير قادر على التطور كما تحكمت بعمليات الاستيراد والتصدير وأصبح سوق الاراضي المحتلة مستودعاً للمنتجات الاسرائيلية أي أنه تم تعزيز النزعة الاستهلاكية ، كما استغلت العمالة الرخيصة التي قامت بتشغيلها بالمصانع والمباني والمطاعم والورش الاسرائيلية .
وعملت على تعزيز سياسة التعاقد من الباطن وخاصة في صناعة النسيج والجلود والاثاث كما حولت البنية الزراعية من طابعها الأصلي " كالحمضيات " في قطاع غزة لزراعة بعض المحصولات المفيدة لشركة التصدير الاسرائيلية " غريسكو " مثل زراعة التوت الارضي والزهور.
لقد أدى ما تقدم إلى خلق هوة واسعة بين الاقتصاديين الاسرائيلي والفلسطيني لصالح الأول من حيث الدخل القومي ونصيب الفرد السنوى والناتج المحلي الاجمالي ، كما أدى ذلك إلى بروز مظاهر الفقر والبطالة في الاراضي المحتلة بصورة ملموسة .
لم يكن توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي مفيداً، من حيث الغلاف الجمركي الموحد، الامر الذي عمق ما قامت به اسرائيل بالسابق بما يتعلق بتعزيز التبعية والاستلاب " أي منع ديناميات التنمية " فمن غير المعقول أن تباع السلعة الاسرائيلية في اسواق اسرائيل والاراضي الفلسطينية بنفس الثمن بالوقت الذي يشكل نصيب الفرد السنوى في اسرائيل اكثر من 30 ضعف نظيره الفلسطيني، كما اثبتت التجربة ايضاً ان تحكم اسرائيل بالمقاصة " عوائد الضرائب" اصبح يستخدم كورقة ضغط وابتزاز بحق السلطة الفلسطينية إذا ما قامت باختيار مسار سياسي يختلف عن ما تريد اسرائيل كدولة احتلال .
بنية السلطة والحوكمة :-
لم تكن بنية السلطة بعيدة عن تركيبة أنظمة بلدان ما يسمى بالعالم الثالث من حيث سيطرة السلطة التنفيذية على كل من السلطتين التشريعية والقضائية والتداخل ما بين السياسة والمال ، والتحالف بين المتنفذين سياسياً وطبقة رجال الاعمال ، ومن حيث حماية تلك المصالح بأدوات الأمن والسيطرة .
لقد كان على السلطة في بنيتها الهشة والحديثة ان تستجيب لاشتراطات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، خاصة إذا أدركنا انها معتمدة بالكامل على المعونة المالية الخارجية من الدول المانحة وبأنه فلسفياً تتبنى منهجية السوق الحرة ، التي تسمح بالخصخصة وتقليص دور السلطة " الدولة " بالحماية الاجتماعية .
لقد قامت السلطة بخصخصة بعض الهيئات والشركات الاحتكارية مثل صندوق الاستثمار وشركة البحر وهيئة البترول ، واصبحت تلك المؤسسات تعمل بصورة منفصلة شكلياً وبترابط مع البنية الإدارية المسيطرة عملياً ، فاصبح من غير الواضح معالم تلك الهيئات وغيرها ، ومصادر الصرف والعوائد ، كل ذلك في ظل ضعف التشريعات التي تراقب تلك الهيئات وأدائها خاصة بعد نجاح السلطة التنفيذية باغلاق ملف الفساد الذي اثير بالمجلس التشريعي بما مكنها من الهيمنة الكاملة عليه الأمر الذي أدى إلى تعطيل آليات الرقابة والمسائلة .
لقد استغلت اسرائيل ذلك وقامت بتحريض المانحين على القيادة الفلسطينية واتهمتها بالفساد وهدر المال العام واستخدام الموقع النفوذ لتحقيق مصالح فئة قليلة على حساب المواطنين واعتبرت ان السبب الرئيسي في عدم التقدم بالسلام وخلق الاستقرار يكمن " بفساد السلطة " وليس بسياسة الاحتلال والاستيطان الاسرائيلي .
لقد تبنت الدول المانحة هذا الخطاب وقامت بالضغط على الرئيس الراحل ياسر عرفات لاجراء تعديلات بالقانون الاساسي وذلك عام 2002 بما يسمح باستحداث منصب رئيس وزراء ينافس الرئيس على بعض الصلاحيات ، كما شجع البنك الدولي على تعين شخصية مهنية مالية بهدف إعادة هيكلة الموازنة واجراء اصلاحات بالبنية المالية بما لا يسمح بتداخل الصلاحيات بين مؤسسات القطاع الخاص والسلطة إلى جانب إعطاء صلاحيات واسعة لوزير الداخلية والاشراف على الاجهزة الأمنية .
كان يكمن الهدف ليس في اصلاح بنية السلطة وتحقيق الحكم الرشيد بها بل كان يهدف اساساً إلى معاقبة الرئيس عرفات على موقفه الرافض لمقترحات كامب ديفيد عام 2000 والتي كانت باشراف الرئيس الامريكي السابق كلنتون وبمشاركة كل من الرئيس الراحل عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق باراك .
التمويل والسياسة :-
واضح ان هناك ترابط وثيق ما بين التمويل ودعم العملية السياسية والمفاوضات ، فلم تكن المؤسسات النقدية ومنها البنك الدولي تأبه بالاصلاح والحوكمة والحكم الرشيد ، إلا كشعارات تم استغلالها لاضعاف مكانة القيادة الفلسطينية .
لقد ادى ذلك إلى عدم النجاح في خلق مؤسسات مهنية وشفافة بالمؤسسات التي انبثقت من السلطة واصبحت متخصخصة ، بحيث بقى التداخل بين العام والخاص بما يسمح بإزدواجية المصالح وبتشكيل نخب احتكارية في مجالات محددة ، كما عملت الشرائح الأمنية العليا على الاستفادة من هذا الوضع وبسبب اشرافها على المعابر تشكلت شريحة مستفيدة ، حققت المنافع والارباح والامتيازات على حساب السواد الاعظم من المواطنين .
تكمن المشكلة في عدم استقلالية المجلس التشريعي وقدرته على بلورة أنظمة تحقق الحوكمة الرشيدة في مؤسسات السلطة بما في ذلك مؤسسات القطاع الخاص سواء الهيئات التي انبثقت عن السلطة أو التي كانت مستقلة اصلاً والتي عملت الشرائح المتنفذة بالسلطة على استيعاب جزء منها عبر شراكته بالأعمال مستغلين حالة السيطرة والنفوذ والتحكم في بعض المفاتيح ومن ضمنها الاشراف على المعابر إلى جانب الإدارة المحلية التي تتضمن الضرائب وغيرها .
إن التداخل بين السياسة والمال في ظل غياب استقلال القضاء وآليات الرقابة والمسائلة من قبل المجلس التشريعي أدى إلى خلق نخب تزاوجت بها شريحة المتنفذين من السياسيين ورجالات الأمن من جهة مع شريحة رجال الاعمال من جهة ثانية .
علماً بأن بعض من شريحة رجال الاعمال الذين كانو موجودين قبل السلطة والذي لم يتكيف منهم مع سياسات ومناهج السلطة تم العمل على محاولة تهميشه واضعافه بسبب رفض الهيمنة والاحتواء .
المؤسسات النقدية الدولية والحوكمة :-
لقد ادى تغاضي البنك الدولي عن ممارسات السلطة في عدم احترام مبادئ الحوكمة إلى خلق نظام مالي ضعيف وفق معايير الإرادة الرشيدة ، بما ابقى على التداخل بين العام والخاص والتحكم من قبل صناع القرار بالأوضاع المالية مع غياب منهجية الشفافية وآلية الرقابة .
يكمن الاخفاق في عدم النجاح في تحويل المؤسسات إلى طابعها المهني والمتخصص وفق معايير الدول .
لقد ساهم في ذلك عدم نجاح العملية السياسية بسبب تعنت اسرائيل ورفضها تحويل المرحلة الانتقالية التي انتهت في 4/5/99 إلى دولة مستقلة بما أبقى على عملية الإدارة وفق منهجية بعيداً عن مؤسسات الدولة ، الأمر الذي تم استغلاله للهجوم على السلطة ابان الانتفاضة الثانية تحت مبررات " الفساد " .

كان تصور اسرائيل للسلطة يكمن في إدارة شؤون السكان والتنسيق الامني ولكنها لم ترغب أو تريد تحويل السلطة إلى دولة ، فهي تريدها في أحسن الأحوال سلطة حكم إداري ذاتي .
تحررت اسرائيل بحكم اتفاق اوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي من التزاماتها تجاه الاراضي الفلسطينية بما في ذلك الالتزامات الاقتصادية والمالية ، وقامت بتشجيع المانحين على تزويد السلطة بالتبرعات دون معايير ضابطة بهدف التحرر المطلق من اية التزامات مالية ، ولاستغلال حالة عدم الضبط والحوكمة الرشيدة بالهجوم على السلطة بحجة الفساد ، كما حصل بعد رفض الرئيس الراحل عرفات مقترحات كامب ديفيد عام 2000 إلى جانب اندلاع الانتفاضة الثانية .
بسبب ما تقدم فهي لم تمانع من منح الامتيازات وتقديم التسهيلات للسلطة من قبل المانحين إلا إذا قامت السلطة بمحاولة تغيير المسار ، كما حدث عام 2002 + 2003 عندما بدأ المانحين يضعون الشروط التمويلية على السلطة بسبب الانتفاضة الثانية ، وقد صوحب ذلك في منع تحويل المقاصة التي تقتطعها اسرائيل لصالح السلطة بحكم بروتوكول باريس الاقتصادي ، حيث يكرر التاريخ نفسه الآن بعد قيام الرئيس محمود عباس بالتوقيع على ميثاق روما المنشأ لمحكمة الجنايات الدولية .
الدول المانحة والمؤسسات النقدية عززت انخراط السلطة في آليات الربح والسوق المبنية على الاحتكار والتداخل بين المال والسياسة حيث ان المانحين لم يهتموا بمعايير الحوكمة وغيرها من هذه المسائل بقدر اهتمامهم بدفع فاتورة الاحتلال بدلاً من الضغط عليه لانهاء احتلاله وضمان حق تقرير المصير لشعبنا الذي يشكل الشرط الرئيسي لتحقيق التنمية .
اسرائيل والمجتمع الدولي والتمويل :-
تقع السلطة اليوم بين مطرقة الابتزاز الاسرائيلي الرافض لتحويل المقاصة كوسيلة ضغط على القيادة الفلسطينية لتثنيها عن الاستمرار في نهجها " الجديد" والذي يستهدف زيادة الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية وبما يتطلب ذلك من اجراءات داخلية تقع في مقدمتها مسالة وقف التنسيق الامني والتحرر من بروتوكول باريس الاقتصادي ، وبين اشتراطات المانحين التي حذرت السلطة من تنفيذ قرارات المجلس المركزي مؤكدة على أهمية الاستمرار بالتنسيق الأمني .
يعكس الواقع الاقتصادي ان المجتمع الدولي لم يرتق إلى مرحلة الضغط على اسرائيل لانهاء احتلالها لهذه ما زال مستمراً في منهج إدارة الأزمة عبر الابقاء على سلطة حكم إداري محدود الصلاحيات لا يرتقي إلى مرحلة السيادة وتقرير المصير والعودة .