صورة -أبو عزرائيل- : تغيّر توازنات الرّعب في العراق

شاكر الناصري
2015 / 3 / 14

الصّورة المرعبة التي سعى "داعش" لتصديرها عبر ماكنته الإعلاميّة، صورة الرّجال القساة الذين يمتلكون خفّة في حزّ الرّؤوس وقطع الأكف وتنفيذ الإعدامات وجلد النّساء في الشوارع وتدمير الآثار التاريخيّة ونسف الهويّة الحضاريّة والثقافيّة للمدن التي يسيطر عليها، والتي نجحت في إثارة الذّعر من هذا التنظيم والخشية من الوقوع تحت سلطته، ليس في العراق وحده فقط، بل في معظم بلدان العالم التي إكتشفت أنّها أمام مخاطر جدّيّة، أصابها التراجع وفقدت قدرتها على التأثير وإشاعة الذّعر، فثمّة صورة أخرى باتت تحتل مكانتها في صدارة الصّحف ونشرات الأخبار ومواقع التواصل الإجتماعي، تشير لتغيّر موازين الرّعب في العراق وتحوّل مساراته وامكانية مواجهة داعش في ساحات الحرب وهزمها، هي صورة "أبو عزرائيل" أو ملَك الموت حسب تعبير الصّحف ووسائل الإعلام الغربيّة. فهذا الرّجل الذي تحوّلت مفرداته إلى هاشتاكات على مواقع التواصل الإجتماعي، يتم إظهاره بصورة البطل المخيف يحمل بندقية وفأس ويردّد: إله طحين، أي أنّه سيطحن الدواعش طحنًا، أصبح مادّة للعديد من التقارير الإخباريّة التي تتناول الأوضاع في العراق وتعرض في نشرات الأخبار في العديد من دول العالم.

قبل بروز صورة "أبو عزرائيل" وقوّة تصديرها التي حوّلته إلى رمز للقضاء على داعش، أطلق العراقيون الذين يدعمون جهود محاربة الإرهاب وطرد داعش من المدن العراقيّة التي يحتلها، حملة إعلاميّة مكثفة ضد داعش وأتباعها عبر الإنترنيت ووسائل التّواصل الإجتماعي، إستهدفت مواقعها وجهدها الإعلامي عبر نشر كم هائل من صور أتباع داعش بعد قتلهم في مناطق مختلفة من العراق وسوريا، صور لرؤوس محزوزة وجثث يتم إلقائها في حفرة و مشاهد فيديو إعدام الطفل الداعشي القناص أو الذل والذّعر الذي يعانيه أتباع داعش بعد إلقاء القبض عليهم والخشية من تسفيرهم إلى جهنم حسب تعبير المقاتلين العراقيين.

لاحقاً، ستختفي هذه الصّور وسيتم إستبدالها بصورة المقاتل المنتصرالذي يسقي الماء للأسير وصورة المقاتل الذي يقبل جبين المرأة العجوز أو يحتضن شاباً آخر لم يتمكن من مغادرة منزله، أو يرقص مع إمرأة من مدينة العلم فرحاً بالنصر.

ما يحدث الآن هو تغيّر في موازين الرّعب الذي عمّ العراق منذ إحتلاله من قبل القوات الأمريكيّة، إذ تحوّل العراق إلى ساحة للرّعب والإرهاب والعنف المنفلت وتصفية الحسابات السياسيّة والثارات وصراع الأجندات والمصالح الدّوليّة. ففي كل يوم كانت بغداد ومدن عراقيّة أخرى تنام وتصحو على وقع المفخّخات والأحزمة النّاسفة والإغتيالات وصراع المليشيات والتصفيات الطائفيّة. وبين فترة وأخرى تقوم التنظيمات الإرهابيّة بتغيير جلودها والتّحول إلى تنظيمات أشد وحشيّة وكراهيّة وأكثر عنفًا من سابقتها وتَبرَع في إشاعة الذّعر والخوف في أوساط العراقييّن الذين فقدوا الأمن والشعور بالطمأنينة وتلاشي دور الدّولة الحامية التي تدافع عن مواطنيها.

ولعلّ داعش بكلّ ما يحمله من وحشيّة وعنف وقدرة على إرتكاب الجرائم التي تفوق التّصور، هو تتويج لكلّ التنظيمات الإرهابيّة التي ظهرت في العراق بدواعي كثيرة من مقاومة الإحتلال الأمريكي أو اثارة الحرب الطائفيّة وتنفيذ حملات إبادة واسعة ضد العراقيين الذين يخالفونها مذهبياً أو يقفون ضد مشروعها وأفقها السّياسي والإجتماعي الذي تحمله وتسعى لفرضه بقوة السّلاح والمفخّخات وحزّ الرؤوس. وانطلاقاً من هذه الصّورة المرعبة تمكن هذا التنظيم في حزيران من العام الماضي من إجتياح العديد من المدن العراقيّة وفرض تراجعاً واسع النطاق على الجيش العراقي وقوات البيشمركة وكشف عن هزال الجيش وفساد قادته ولامهنيته وتحوّله إلى ساحة للإستثمار والمتاجرة - تقرير اللجنة البرلمانيّة بخصوص مجزرة سبايكر يكشف أنّ العديد من قطعات الجيش العراقي تعمل وفق مبدأ التمويل الذاتي! مما جعله عرضة للإنكسار والإذلال وخروجه من ساحة المعركة وتجميد العديد من القطعات ممّا فسح المجال واسعًا أمام المليشيات المسلحة " عصائب أهل الحق، سرايا السّلام، كتاب بدر، كتائب حزب الله العراقي......الخ" لأن تأخذ زمام المبادرة وتكون القوى الأساسية في الحشد الشعبي الذي تحوّل إلى قوة عسكريّة أساسيّة في العراق، مدعومة وبقوة من إيران، وتأخذ على عاتقها مهام الحرب ومجابهة داعش وتحرير المدن التي يحتلها.

هل ستتمكن هذه القوى من وضع حدٍ للرّعب من داعش وأتباعها، هل سيتم تحرير المدن والمناطق الأخرى من سلطة هذا التنظيم وإجرامه، أم أنّ هذه العمليّات ستتوقف لوجود ضغوط أو تدخلات خارجيّة، أمريكية وعربية، التحركات السعودية وبيان مشيخة الأزهر وحراك شيوخ السلفية في الإمارات الخليجية، تصريحات رئيس الأركان الأمريكي ومخاوف الإدارة الأمريكية...الخ؟ هل يحق للمواطن العراقي أن يفكر بما بعد داعش وبالدولة وسيادة القانون والعيش بكرامة؟

فبعد ما يقارب 12 سنة من سقوط النظام الدكتاتوري السابق، يحق للذين لاينتمون لهذه الجهة أو تلك من أطراف النزاع والصراعات السياسّية والفساد والمحاصصة الطائفية والمليشيات والجماعات الإرهابية المسلحة والمؤسسات الدينية والمذهبية والعشائرية ولكنهم يتمسكون بالعراق ويشعرون بعمق الأزمة التي تعصف به، أن يسألوا عن جدوى ومشروعية هذه المسيرة المرعبة التي تتواصل وتخلف المآسي والدمار والحروب والتهجير والتشرد والأيتام والأرامل والوصول إلى هواية الضياع والتشرذم، إلى أين ستصل وعن سبل إيقافها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟