عند حمزة الخبر اليقين:

فلورنس غزلان
2015 / 3 / 14


عند حمزة الخبر اليقين :ــ
انهض ياحمزة ، واسحب ثائراً من رُقاده...ثم انطلقا لايقاظ غياث وابراهيم وستجدا أن المقبرة السورية قد حفلت بأمثالكم وغصت عن آخرها برموز وأسماء لم يعد بها مكان فوق جدار التذكر والاستذكار في تاريخنا المشؤوم...لأن المحي متواصل واستنساخ النسيان والتناسي يعمل حفراً وتشويهاً ...ويأخذنا نحو هاوية بلا قرار.
خذوا جثامينكم الفتية حيث العاصفة، التي قلبت كل مافي الفنجان السوري من قطرات رَكدت في قُعرهِ، ولم يبقَ من مذاق الشام الياسميني سوى الحنين واستجرار الألم وعض النواجذ خجلاً من أنفسنا ومن أولادنا...ثم نعود لاستجلاب الصبر من أيوبه الرافض لتسمية لم يكن جديراً بها حتى اقتحمنا عليه خلوته ..
لم يبق لنا سوى استعادتكم من الموت أو الرحيل إليكم، فعالم العرب منشرح الصدر يتبسط ويتمطى منشغل الفكر بكيفية إنقاذ مصر من مصير يشبهنا...لاخشية على مصر وأهلها بل على أنفسهم من عدوى كانوا مصدر سمومها وآفاتها...لكنهم أطلقوها من عقال جزيرتهم نحو أخوة صدقوهم ووثقوا بدولارهم المسموم...مصر البهية تختلف ملامحها العسكرية أو الأخوانية عن مصر يناير الثورة ...لكن رثاءنا لأنفسنا أكبر من أن يفسح لنا المجال لنتطرق لساحة أوسع من خريطتنا الممزقة.
فسوريا آذار ال2011 لاتشبه كذلك سوريا اليوم...فلا بقاء إلا أنتم، ونحن الأشباح المتنقلة بين الحدود والخيام...أجهضت الحلم وتركت الآخرين يطأوا عفتها...كمغفلين بلا تجربة، وتلاميذ تصوروا بلحظة حماسٍ وذاتية مفرطة في التشوه التربوي...أنهم علماء وأساتذة وأنبياء جُدد..!..اعتقدنا أننا نمتلك نبعاً من التراث والثقافة...فاكتشفنا أننا مجرد هلام ووهم منفوخ كبالون ...يمسك به طفل ...وما أن يلامس طرفاً صلباً حتى يُفقأ بصوتٍ عالٍ ينم عن الخواء والهواء..أي نبعٍ يمكنه أن يعيش في ظل سلطة الأسدين؟...وأي ثقافة يمكنها أن تتطور في بيئة سلطة احتكرت كل ماينتمي للحياة...وأمسكت بكل شروطها وخيوطها ...ولم تسمح إلا بالطاعة والانقياد والتأليه أو الموت المحتوم على دروب المنافي ؟!.
نَغُط اليوم ريشتنا في محبرة الدم...ومحبرة الجد والسلف والنبي والعالِم الجاهل، نلحق بهم كرعية ساقها الأسد ويسوقها البغدادي والجولاني من حوله، وعلينا أن نختار بينهم !، أو نهرب من أنفسنا ومن قُصورنا على ايجاد طريق توصلنا لبر آمن .
لم يبق لنا سوى عيون أبنائنا الرمداء ترنو لأفق يهرب منا كسراب أو كسرب طيور مهاجرة تبحث عن ربيع في مهجر، وربيعنا هاجر هو الآخر ، ولم نرَ منه سوى عواصف الشتاء وثلوج السخط واللعنة تلاحقنا حيث نَحُل.
يمر علينا العام تلو الآخر، نعد ونحسب الأيام والسنين المتراكمة بفصولها الجافة والمتوحدة علينا، نرتجف هلعاً من غدٍ ضبابي ونرقب معجزة ...لاملامح ظاهرة لشكلها ولونها...ونبحث في داخلنا عن بصيص من نور وشمعة من أمل ..! فهل يستوي ويتوازن مالدينا من ذخيرة ومؤونة ، ومالدى المحيط والعالم من سكاكين وخرائط تقطع ولا تصل تدمي تحرق ولا تشفي، تَعِد ولا تَفي...تقفل الأبواب والمنافذ ، تبني الأسوار والجدران لتمنع السوري من العبور ...لأنه وباء ...يمكنه أن يُعدي من يقترب منه...!مع أن مرضنا اليوم قَدِم إلينا مع حفنة من دولارات البترول المسموم، والمصاب بجذام الذات والسلطة والسلفية المغرقة في ظلاميتها...أسقطونا صرعى واتهمونا بالفجور....مع أن فروجهم تشي وتنشر كل سيفليس الكون ...ومواخيرهم أشهر من مومسات تدربن على العهر ..فهل ننجو من الإصابة ؟ وهل نشفى من تَقرُح الضمير وجَلد الذات التي تكرر أخطاءها؟هل نصحو ونرى أنفسنا قبل النهاية ببوصة؟ ..
لأرواح الأبرياء من وطني بعامكم الرابع...أنحني...لكل أم سورية أنحني...لكل سوري عبر هذه السنوات العجاف بألم وانتظار على أمل أن تشرق شمسنا ذات يوم...سيبقى الأمل ممزوجاً بالألم إلى أن تنقشع سحابته السوداء.
ــ باريس 14/3/2015