الحرير لا يليق بالحرائر

ليندا كبرييل
2015 / 3 / 11

ليست المشكلة أن يكون للمرأة عيد أو لا يكون، بل تغوص مصيبة مجتمعنا بأكمله، في اللاوعي الجمعي الذي يتكلم بلغة الآلهة، ويستسلم لنسق الأيديولوجيا، ويتحرك بأمر أعراف وما ابتذلتْ، وتقاليد وما سفهتْ، حتى تمكّنتْ الأعماق الباطنة من التحكّم بسلوكنا وتفكيرنا، فشكّلتْ رؤى تنحاز إلى إطفاء نور الحياة وإسكات صوت الضمير، لتقتل في الإنسان العربي ما يحثه على استلهام مناخ الحرية والانعتاق من العبودية.
عندما تبحثون في أسباب العنف والقسوة والترهيب في مجتمعنا، فلا تذهبوا للأسباب الظاهرة الطافية على وجه مجتمعنا كالبثور المتقيحة، فهذه لها علاجها، عاجلاً أو آجلاً، بل ابحثوا قبل كل شيء عن السوبرمان المغوار، القاعد في لا وعي كل فرد منكم، والساعي لقمع أي حضور تعبيري ينتقص من تفوّقه المزعوم، وتوهّمه بانفراده بقداسة الرؤية.
السوبرمان المحتل أعماقك، رجل تافه لا كرامة له، لأنه يلوذ بعنتريته وهلوسة التسلط ليحْمي رؤيته الاستعبادية الشوهاء.

هذه مقدمة لأؤكد موقفي أن لا أهمية عندي أن يُحتفَل بعيد المرأة أم لا .. أنا لم أعِ أصلاً أن للمرأة عيداً، ولا حتى في أيامي الجامعية.
تلوح ذكرى غائمة في ذهني، فترة المدرسة الثانوية، عندما زار مدرستنا وفدٌ من السيدات الصينيات، لتنشيط الاحتفال بعيد المرأة، وخيّل إلينا أن المقصود : عيد الأم، وأخذْن يُجْرين مقابلات مع الطالبات بلغة عربية متعثرة ولكن مفهومة. إحداهن ( وهي تقصد بالتأكيد عيد المرأة) سألتْ زميلتنا وداد : ماذا يمثل لك 8 آذار؟ فردّت وداد كمنْ يسمّع درسه: أمة عربية واحدة ، ذات رسالة خالدة. ضاقتْ عينا الصينيّة في ابتسامة ثناء، ثم سألتْها: وما أهدافك في الحياة ؟ فكرّرت وداد الشعار : أمة عربية ...... فلكزتُها في كتفها أصحّح لها : الأهداف وليس الشعار. ضحكتْ وداد خجلاً وضربت قدمها بالأرض قائلة : لا يا ربي~ أهدافنا وحدة حرية اشتراكية ، أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج . وضاعت عينا الصينية في ضحكة ماكرة.

كان لا بدّ أن يكون هناك حدث عظيم يطغى على مناسبة يوم المرأة العالمي فيزحزح مكانتها عن الأذهان، ليخْفت وقْعها حتى تكاد تزول من روزنامة الأحداث، ولتصبح الكتابة عن المرأة كمنْ يكتب فوق صفحة ماء.
شاء القدر أن نحتفل في بلدنا وفي نفس اليوم، بذكرى سياسية تفوّقتْ على كل مشهد وطني آخر.
إنها ثورة الثامن من آذار، الاسم الرسمي للثورة التي قادها حزب البعث السوري عام 1963، والتي تتواصل الاحتفالات والتذكير بها طوال السنة.
ذكرى سنسْتَحضرها في كل مناسبة وعيد، حتى لو كان عيد الأم أو عيد الشجرة.
لعل السبب في عدم حضور الأم والشجر ! فشجرنا يموت واقفاً من قلة المطر أو من الإهمال، والأم تموت واقفة حبيسة البيت أو حبيسة الجهل.

من الآن .. لا تسألوني عن إنجازات 8 آذار التي استدعتْ وصفها ب ( الثورة ) ! كل ما أعرفه مما يرددونه علينا ونردده معهم أنها ثورة، وقد أعادتْ الأمور إلى نصابها الصحيح.
أية أمور ؟ وأي نصاب أعوج كان ؟ وأية وحدة مع مصر أو أي انفصال وأي خائن وأي مناضل وأي عميل وأي جاسوس.... لا تسألْ.. كل ما علينا أن نبلع عقلنا ونطيل لساننا لاستخدامه في تكرار ما درّبونا عليه في دروس التربية العسكرية، وللهتاف في المسيرات الشعبية.
هذا ما يعنيه لنا 8 آذار، فقط لا غير.
اشكروا ربكم أنه لا يعني لنا عيد المرأة، وإلا لبدأنا بالأسطوانة المشروخة عن حقوق المرأة، التي نكررها من سنين بلا جدوى.
هل يتغير شيء في بلادنا ؟ لا مساس بالثوابت، وما نالته المرأة من تكريم لم تحْظَ به أختها الغربية.
نعود للثورة.

يا للسعادة.. كان عهداً ذهبياً، عطلة من الوظائف المدرسية والوظائف الحكومية ! وبلا همّ الدراسة، ما دمت تنجح وتدخل الكلية المرغوبة بالواسطة الحزبية، وبلا الارتباك في كومة المعاملات الرسمية المتراكمة من سنوات ما دام معاشك الشهري يصلك بالتمام. تمضي حياتنا بالشعار الرسمي: حطّ بالخرْج .. وتعال بكرة أخي ! وبكرة في اللغة العربية هو : يوم الغد الذي يأتي بعد عشرين سنة .

كنا نتهيّأ للاحتفالات الصاخبة بذكرى ثورة البعث قبل حلول المناسبة بأسابيع، وبعدها بأسابيع .. وتتواصل الأفراح تلفزيونياً وإذاعياً ومسرحياً وموسيقياً دون انقطاع حتى نيسان – أبريل، ففيه سنأكل الكاتوه مرتين : في الهابي بيرث داي، عيدَيْ ميلادَيْ الحزب والوطن. الأول في السابع من نيسان، والثاني في السابع عشر منه.
وتستمر البهجة بثورة آذار مع قدوم أيار. حيث تحضرنا مناسبة عيد العمال وعيد شهداء 6 آيار. ورغم أنهما مناسبتان جادتان جداً، لكننا نحن الطلاب والعمال والموظفين، نستغلّهما للعطلة وأكل الكاتوه.
طبعاً.. ليس من اللائق في ذكرى نكسة حزيران المريرة أن نواصل أكل الكاتوه، فالحزن قائم، وقد مات لنا منْ مات ~ من إخوة وأقارب وأصدقاء وشباب أبرياء في خمسة أيام فقط ! إلا أن المواظبة على الإشادة بأفضال الثورة، تقطع كل طريق على المشاعر الباكية الشاكية، وعلى كل شجو وشجن.
ليس من متفرِّغ للمسيرات والهتافات في تموز- يوليو، فالكل مصيِّف.. من أكبر رأس إلى أصغر عقل، وعندك التأجير من الشاطئ الأزرق الفرنسي إلى الشاطئ الأزرق اللاذقاني. أما الفقراء فلهم الارتماء على المساحات الخضراء بين شوارع المدينة أو في حضن جبل قاسيون.
ثم.. راح الصيف وفرحاتو وإجا الجيش وقتلاتو. ولا بد من التحزّم مع عيد قواتنا الباسلة في الأول من آب، وبعلمي نكون في الحديث عن أمجاد الجيش، ترى الحزب يسحب اللحاف إلى جهته للإشادة بمناقب وإنجازات 8 آذار !
في أيلول نستعيد العقول، للبدء في التجهيز للاحتفال بمناسبتين في تشرينَيْن متتاليين، سنأكل فيهما الكاتوه حتى التخمة : ذكرى النصر في حرب تشرين التحريرية، والنصر في حركة تشرين التصحيحية.
الأولى - عقبال بلادكم- ذكرى الحرب التحريرية في 6 ت1، حرب الكرامة والعزة واستعادة الثقة، كسر أسطورة المنفخة الإسرائيلية، وتحطيم أنف الغرب المتعجرف، وكسر رأس الإمبريالية الجشعة . بطل هذه الأمجاد كلها ؟ الحزب الذي قاد ثورة آذار، حارس بوابة التاريخ والذاكرة القومية.
منْ يجرؤ على نزع بالون واحد من الزينة وعلى الطريق قريباً جداً ستأتي ذكرى الحركة التصحيحية في 16 ت2 - عقبال بلادكم وأولادكم وأحفادكم أن يشهدوا مثلها - ؟ لو انفجر بالون في مدرستنا لأجبرتْنا مدربة الفتوة العسكرية على نُفِخ مئة بالون عوضاً عنه..
أي يوم خالد في الزمان !
منْ له بحزب كحزبنا قام بثورات مجيدة شكّلتْ منعطفاً جذرياً في التاريخ السوري ؟!!
في ديسمبر- كانون : الكنْكنة، لا بد من الراحة وإرخاء العضلات استعداداً للرقص، احتفالاً بالأعياد السعيدة ورأس السنة الجديدة، التي تمتد حتى آخر كانون الثاني. يوم لك ويوم ل(ربك). سياسة واقعية .
أما البرنامج في شباط – فبراير، فيكفي أن تتذكروا الشهر الذي سيليه هو آذار لتعرفوا الجواب.

نحن بنات ونساء البلد كنا من جند الوطن. منْ يسأل عن عيد للمرأة وهذه الفذلكات الأجنبية ؟ عيد الأم وبزيادة علينا، وفوق الكل جعلوا الجنة تحت أقدام الأمهات، فماذا نريد أكثر من هذا ؟ العدو على الأبواب، وجّهوا أنظاركم إليه وكفى .
أنا أيضاً.. كنت في زمن مضى أسيرة شعارات الحزب، التي تعلّم الموت في سبيل حياة الحزب القائد، قبل أن يعلّمنا قائد الحزب السبيل إلى الحياة من أجل الوطن والإنسان .

كنا نُحمَل إلى المظاهرات كقطيع الغنم بالباصات والشاحنات، لتلفظنا عند مدخل زقاق أو في ساحة، فنستجْدي بشعاراتنا أسماع منْ في بيوتهم من المقمّطين في السرير، والعجائز المتوارين، نمشي ونحن نصفق بحرارة بأكفّ مفتوحة الأصابع، ونصرخ ونهتف بشعارات تحرق الغرب وإسرائيل، إلى أن يتجمّع الطلاب والموظفون والعمال وقود الزفّة في ساحة، وهي اللحظة التي ينتظرها الجميع، حيث تهمس الأماني، وتتعانق النظرات، وتُنسى الشعارات، فتتشاور الوشوشات على موعد ( الفريكة) من المظاهرة، ولكن .. قبل الهروب الكبير علينا إثبات حسن السلوك والمرجلة .. فيأخذنا إلى حين المجد القومي وانتفاخاته، ونحن نغنّي ما اخترعوه لنا من شعارات :
بترول العرب للعرب، لكل أمة العرب،
يا مناخد منه حقنا الكامل، يا منشعلو لهب
يا منشعلو لهب !
ثم يقفز غزال رشيق إلى كتف هتّيف، رافعاً قبضة مضمومة تلطم الهواء بسبّابتها المهتزّة المفرودة، ترتفع بالتناوب اليد اليمنى لأخذ حقنا ببترول العرب، واليد اليسرى لتهديد عرين الأمبريالية والاستعمار، عيناه عشرة عشرة على البنات يصيح بالهتافات ونحن نردد :
إسرائيلي إيه ؟ (إسرائيلي إيه)
أميركي إيه ؟ (أميركي إيه)
العربي العربي اسم الله عليه ! ( اسم الله علييييه اسم الله عليه )
مالي سامع ( اسم الله علييييييي اسم عليه )
وْلِكْ مالي سامع ( اسم الله عليييييييييييييي اسم عليه )
يا رئيسنا يا حبيب والله شمسك مَ رحْ تغيب (ما رح تغييييب ما رح تغيب)
مالي سامِع ( ما رح تغيييييييب ما رح تغيب )
وْلِكْ مالي سامع ( ما رح تغيييييييييييييييب ما رح تغيب)
بترول العرب لمين؟؟ ( لكل أمة العرب)
يا مناخد منه حقنا الكامل يا ؟؟ ( منشعلو لهب )
يا ؟؟ ( منشعلو لهب )
يا ؟؟ ( منشعلو لهب )
{ ما تاخدوا حقكم يا عمّي، شو ناطرين؟ ناطرين حاملات طائرات جزر القمر لتدعمكم؟ ولّا الصواريخ البالستية من موريتانيا ؟ وعاوز تشعله لهب ! لأنك ورثته من جدّك يا غضنفر }

قد جرى العرف بيننا أن متوسّط الحلقة ومترئّسها، مدير المنديل فوق رأسه، هو المحظي بنظرات البنات. والمسبحة لها هيبتها أكثر من المنديل، فالمسبحة دلالة التقوى والإيمان، ورمز لمكانة اجتماعية راقية تبعث الوقار في النفوس، فحرص كل الشباب على اقتناء المسابح الفضية، أو ذوات الأحجار الثمينة، وكلها بالتأكيد صالحة للصلاة أو الدبكة للقائد .. عصفوران بحجر . أما منْ لم يسعده حظّه بترؤّس حلقة الهتاف جذباً لأنظار الجميلات، فإنه مع رفاق الجوقة المتفانين دبكةً ورقصاً، يطمعون أن يملكوا قلوب المعجبات بخبطات أقدامهم الهدّارة على الأرض، بروح عنترة وأبي زيد الهلالي.

كلنا في الوطن دفعنا جزيتنا الوطنية ونحن صاغرون، وقصفنا الأمبريالية والربيبة قصفا مبيناً بالصوت واللسان والسبابة المهدِّدة . ومنْ لم يستخدم سبطاناته هذه، سارعتْ مدرّبة الفتوة العسكرية أو المدرّب، إلى قصف صاحب الصوت المسطول المتقاعس عن النباح بالمسطرة، تهوي على الساقين بضربة توقظه من الانسطال.
منْ له من الجنس البشري بسبّابة كسبابة العرب صانعة المجد والانتصارات !!
بظهر كفّنا نطيّر إسرائيل ، شوفوا كيف طيّرنا الجولان بطرف إصبعنا !
آه يا قلبي.. هل كنا هكذا حقاً ؟؟؟ هاهاهاها.

أخجل أني هتفتُ يوماً للقائد، وأني كنت يوماً عبداً للواحد.

العرب يديرون خطوبهم بالخطابات والشعر والشعارات والتصفيق الصفيق !
هذا شعاري الذي أردده دوماً.

ما حاجتنا بعد كل هذا للاحتفال بعيد المرأة العالمي؟
الحياة من بدئها وإلى الآن سلسلة ثورات. فكل جديد ظهر في الوجود كان تمرّداً على القديم وتحدّياً للثابت. هذا هو الفارق بين الإنسان والحيوان.
ففي حين يبقى الحيوان أسير غرائزه الواطئة، ترى الإنسان لإثبات قدرته على البقاء والتطور، ينعتق في لحظة تمرد واعٍ، من واقع أصمّ يدور في حلقة من الخواء الساذج. فوجّه الإنسان طبيعته القتالية منذ بدء الخليقة إلى تحدّي الذات، لينبعث كياناً معرفياً حراً، مناوئاً سكون التقاليد والتكرار المعرفي المميت للإبداع. لذا كانت هناك علاقة وثيقة بين الازدهار الحضاري والإنسان الحر المتمرد، والمتلهّف أبداً إلى نصب مشاعل المعرفة في طريقٍ معراجه طويل وشاق.
فأين هي المرأة العربية الغارقة في ثقافة التهميش ؟
إن تفضيلها الاقتعاد في منظومةٍ اختزلتْ حضورها الأرضي والسماوي، يعني عدم رغبتها في تحدّي الزوايا المعتمة التي دُفِعت إليها ورضيت بكامل قناعتها التمسك بها.

سيكون عيداً للمرأة العربية يوم تركل الكرة بقدمها إلى المرمى، لا أن تكون الكرةَ التي تتقاذفها أقدام اللعّيبة الرجال.
يوم تطالب بالمفقود من الإنصاف السماوي ستكون كما الفجر إذا اقتحم الظلام.
ويوم تتمرد على توقير الطلاسم وهتك حجاب الظلم.
عندها فقط .. تكون قد بدأت بالطرْق على الجلمود بيد من حديد، واستغنت عن الذهب والحرير الذي طالما أقنعوها أنه لا يليق إلا بالحرائر، وقد أدركتْ وسعتْ إلى التغيير بإرادتها هي لا بإرادة غيرها.
أما القانعة بشعار ( عيد الأم وكفى )، فعندها الجنة بحالها تحت قدميها.. لِمَ الطمع ؟ فقد ضرّ وما نفع.