إصلاحية الفكر النسوي واحتفالية المرأة العربية في 8 مارس والرهانات المستقبلية

محمد طلعت
2015 / 3 / 8

مصطلح "الأنثوية" وكل ما يتصل به من دعوات لحقوق المرأة يمثل أحد أشد المصطلحات إثارة واستفزازا في المجتمع العربي الإسلامي سواء أكانت جمهوريات أو ممالك. فقد ساء الوضع أكثر بعد الربيع العربي، خاصة وأن الحركة النسائية عقدت الآمال على هذا الربيع لتغيير المفاهيم في التعاطي مع قضايا المرأة وحريتها سواء على الصعيد السياسي ومشاركتها أو على الصعيد الاجتماعي وحقوقها الشخصية. وهذا ظنا منها بأن الحركة المجتمعية الثورية سوف تقدر وتثمن مشاركة المرأة في الميادين أثناء الحراك الثوري في مصر وتونس تحديدا، والمغرب بشكل خاص، لكن آمالها قد خابت أو تعطلت بفعل فاعل، فمن هذا الفاعل..؟!

ففى ظل المطالبة بالتغيير لاتساع هامش الحرية السياسية في الحقوق والواجبات.. تصر المؤسسات الإسلامية على ضرورة استبعاد أي تغيير أو تأويل لحرية المرأة في ممارسة تجديدية حقيقية لدور فعال لها في المجتمع استنادا على النصوص الفقهية بعورة المرأة ونقص عقلها في الحالة الاجتماعية، وعدم جواز مشاركتها السياسية استنادا على عدم الولاية لها.. الأمر الذي وجد له صدى لدى المؤسسات السياسية السيادية صاحبة القرار في البلاد، حيث اعتمدت هذه النصوص القديمة منهجا لها، لكن تتعامل به من خلف الستار.. وهذا بالتحريض الشعبي بإثارة النص الديني لدى نفوس الأغلبية المجتمعية الأكثر أمية في هذه البلاد، للوقوف أمام الطموح النسائي ومشاركته الفعالة ليكون ندا اجتماعيا أو صاحب قرار سياسي سيادي في بلاد يحكمها التخلف والرجعية في ظل اتفاق ضمني بين المؤسسة السياسية والدينية بخروج المرأة من دائرة القمة المجتمعية، لتبقى مجرد تابعة ومؤيدة لا تخرج أبدا عن الدور المرسوم لها سياسيا أو دينيا.

أغلب الظن أن المرأة العربية قد لا تعرف ذلك، وتقبل الطُّعم السياسي والديني في قبولها الدور المنوط لها والمحدد سلفا حتى لا تخرج عن النص أو السطر. فالمشاركة البرلمانية للمرأة أغلبها محصورة في الدور الشكلي مجرد قطع ديكور تتحرك وفقا لمخطط القرار السياسي "الذكوري"، وهكذا لا يختلف دورها الحزبي. أي نعم هناك مجموعة نسائية أدركت ذلك وغردت خارج السرب، لكن هل أثرت في المجموع.. هل هناك من تبعها؟!!!

بكل تأكيد باتت الحرب أكثر ضراوة بين النساء والنساء في صراعهن حول التمثيل الحزبي أو البرلماني، وانتقل هذا الصراع لحد كبير وفج بين أطياف العمل النسائي فيما بينهن. وهذا بلا شك ضَرَبَ الحركة النسائية في مقتل. ولعل خير شاهد على ذلك الحركة النسائية المصرية بقيادة هدى شعراوي التى تبنت زينب الغزالي كنموذج أنثوي طليعى مؤمن بحرية المرأة الليبرالية بصحيح الفهم الإسلامي، لكن حياد زينب الغزالي فيما بعد، وانضمامها لجماعة الإخوان الإرهابية ضربت حركة هدى شعرواي في الصميم.
أما عن حرب النساء للنساء على صعيد المشاركة الدينية فحدث بلا حرج. فمازالت هناك نسوة مؤمنات كل الإيمان بعدم أهليتها مثل الرجال، وللرجل حق الولاية عليها. وتعد ناشزا إن عصت أمره إلى آخر تلك المقولات الفقهية التى تروج لها ألسنة المؤسسات الإسلامية عبر وسائل الإعلام ومنابر المساجد. فلا غرابة إذن من ظهور بعض الممارسات العنيفة من المرأة على المرأة، فإجراء عمليات تزويج القاصرات تتم غالبا برضا الأم والنساء الكبيرات في العائلة؛ حيث لهن دور كبير في تجهيز الطفلة الصغيرة لهذه العملية وبيعها باسم الزواج، وهي ظاهرة قوية مازالت تمارس حتى الآن بكل جهل وعنف في كل من مصر والمغرب، فضلا عن قبول الأم بإجراء عملية الختان لابنتها وهي ظاهرة أليمة تمارس حتى الآن بكل قسوة في مصر..
زواج القاصرات والختان مسألتان يتم العمل بهما بإيمان جاهل تقوم به المرأة المنومة دينيا والتابعة للمؤسسة الإسلامية، إذ تُخدِّم الأخيرة بشكل ضمني على المؤسسة السياسية، والتي تعمل على أن تبقى المرأة كمًّا مهملا يتم استغلاله في التحريك السياسي لصالح النظام في أغلب الأنظمة القمعية أو في أسوأ الحالات، وكما جنسيا يتم استغلاله باسم الزواج العرفي الأكثر انتشارا في مصر. وكل هذا بالطبع لا يتم إلا بمباركة فقهية سياسية.

بلا شك أن أفدح خسارة مُني بها العقل الأنثوي هو القرار المتعسف بإقفال باب الاجتهاد الأنثوي- على الصعيد السياسي والديني- بل والسخرية منه والنظرة المنحطة لطلائعه، وتعطيل فاعلية الحركات النسائية العربية، وحصرها فيما رُسم للمخيلة الشعبية الذكورية عبر الإعلام والصحف والسينما والتليفزيون، باعتبارهن مجموعة من النساء العوانس (المسترجلات) المطلقات الأرامل الحاقدات... إلخ.

الخروج عن النص والظهور الأمعة والأنانية والغرور الأجوف والمسعي الفردي للطلائع النسائية المنشقة التي تسعي بكل وسيلة لمصالحها الضيقة على حساب الحركة الأم.. في مجملها قد يؤدي إلى مهلكة الحركة النسائية ككل، وبلع العضوة المنشقة في أتون المصلحة والمنفعة التي لن تستفيد منها بشيء سوى أن الآخر الذكري(الديني/ السياسي) سيستفيد أكثر منها.

وقد استفاد بلا شك من هذه الصورة السلبية الواقع البرجماتي السياسي الذي استغل المرأة وحركتها في التمثيل الحزبي والبرلماني والوزاري أو على مستوى القانون في إعطائهن بعض الحقوق القليلة كنوع من تبيض ياقة النظام أمام العالم.
ومن هنا وجب ضرورة إصلاحية الفكر الأنثوي وتجديده. إذا أراد العقل الجمعي الانخراط في العصر العولمتي والمشاركة الحيوية فيه، فعليه أولا الإصغاء إلى استفهاماته الأنثوية والتحديات والعوائق التي تحول بين الطموح النسائي كشريك في النور وليس تابعا في الظل. وثانيا الاجتهاد في تجديد فهم الدين للمرأة، وربطه بديمومة الاستمرار لمواكبة التطور المجتمعي وتحولاته بغية المشاركة في إنتاج حضاري عربي إسلامي- شرق أوسطي- أنثوي.

وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن الفكر الأنثوي حين يتم التأصيل له كرؤية حضارية يمكنه في تلك الحالة التواجد وفرض أطروحاته على الواقع. وهذا الأمر يتطلب من الحركة النسائية أن تجدد باستمرار أدواتها المعرفية، وتحاول اكتشاف المنطق الداخلي للنص للمجتمعي وقوالبه المتأرجحة بين الثابت والمتحول من أجل فهم ينفتح على حركية الحياة ويواكب تطورها المستمر. وبالتالي لن يتحقق هذا المسعي إلا بالنقد الداخلي للحركة النسائية ذاتها والوقوف على مواطن العطب وعلاجها، ليس بشكل مثالي، فالعالم ليس مثاليا، بل بشكل يتماشى مع واقعية المتغيرات المجتمعية التي تسيطر على الواقع النسائي في المجتمعات العربية الإسلامية.

فماذا بعد 8 مارس، وهذا الزخم كما يقال ضجيج بلا طحين، فقد تحول الاحتفال إلى حفل تأبين في سرد مثالب ومحاسن الحركة النسائية المغفور لها. وحصر الإعلام لهذا اليوم في استضافة بعض الكاتبات أو الفنانات المشهورات للحكي عن أعمالهن العظيمة ومشوارهن القاسي في مجتمع ذكوري إلى آخر تلك الحكايات الملفقة الكاذبة أحيانا.. وفي بعض الحالات تنظم بعض الجمعيات الخروجات النسائية للميادين للاعتراض أو ما شابه ذلك.. كلها تصرفات لا تليق بالمرأة ومكانتها الحقيقية، فعليها أن تبتكر آلية جديدة لفرض ذاتها وقنص حقها بتأصيل نقدي وفكري؛ فلا يزال دور المرأة في الدساتير العربية مهملا، والنظر لها كجزء مُستغل من السياسات الحزبية. واعتبارها كائنا غير مؤهل ولا يصلح للمشاركة في خلافة الأرض (دينيا). وحصرها (رأسماليا) كسلعة جنسية في أبشع الصور الاستعراضية والشعبية والفنية. وإبقائها اجتماعيا في طور المستبعد والمستعبد والمنبوذ والمهمل والمحتجب.

كل هذه التحديات المتوارثة صخور نارية.. عثرات متتالية تواجه الفكر الأنثوي العربي في صراعه الأخير في أن يكون أو لا يكون في ظل الرهانات السياسية والمجتمعية التي تشدها المنطقة، إذ تستعرض طائفة من المشاغل الراهنة لمستقبل الأمة العربية ومصير الشرق الأوسط الجديد الذي بالضرورة سوف يعمل آليا على إصلاح العقل الإسلامي والسياسي العربي. وهي فرصة عظيمة يجب على الحركة النسائية أن تستفيد منها وتحقق من خلال أهم مكسب ألا وهو تنقية الحركة ذاتها من الخلط الفقهي والسياسي ليس من عقول عضواتها فحسب، بل من عقول النساء أجمع داخل دائرة نفوذهن في مجتمعهن.