نشأة قسم -علم الأمراض- في كلية طب بغداد

عامر هشام الصفّار
2015 / 3 / 3

نشأة قسم "علم الأمراض" في كلية طب بغداد
د. عامر هشام الصفّار
تتضمن السنة الأولى والثانية من سنوات دراسة الطب وعلومه دروسا في المواد العلمية التي أصطلح عليها بالأساسية وذلك لأنها ستشكل القاعدة الصلبة المتينة التي تستند أليها دروس الطب السريري العملي من خلال أختصاصات الطب وفروعه المختلفة. ومن علوم الطب الأساسية، علم التشريح مثلا وعلم دراسة جسم الأنسان وظيفيا أو فيزيولوجيا أضافة الى علم الأجنة والأنسجة وعلم كل ذلك أو ما نطلق عليه بعلم الأمراض أو الباثولوجي. ورغم تعدد وتحديث أساليب الدراسة في الكليات الطبية العالمية حاضرا، الاّ أن للعلوم الأساسية موقعها الذي لا يتجاوزه نظام دراسي ومن ضمن ذلك علم الأمراض بما يشتمل عليه من دراسة لأمراض الخلايا والأنسجة وتفاصيل التغيرات المرضية غير الطبيعية الحاصلة في أنسجة الجسم المختلفة نتيجة أسباب متعددة لا يمكن أن يستدل على تشخيصها الاّ بمعونة طبيب متخصص بهذا العلم.. علم الأمراض.
وتذكر الدراسات الطبية المهتمة بتاريخ الطب العراقي المعاصر أن أحد الأطباء البريطانيين والمدعو ميلز كان أول مَنْ أهتم بالتحاليل المرضية في مختبر الطب في بغداد وكان يساعده ويتعلم على يديه الدكتور شوكت الزهاوي الذي كان يتمتع بثقافته الطبية الفرنسية. وقد أبدع الزهاوي في هذا الفرع من فروع الطب أي فرع علم الأمراض حتى تمكن من تأليف كتابه المعنون ب" الباثولوجي العام، نظريا وعمليا".. حيث جاء تأليفه بلغة عربية سليمة مما أثرى المكتبة العربية العلمية وفي مرحلة مبكرة من تاريخ الطب في العراق.
وبعد ما يقرب على العشرين عاما على تأسيسها ضمّت كلية طب بغداد في عام 1947 أول قسم لعلم الأمراض أو الباثولوجي ذلك الذي أسسه وأقام قواعده الأستاذ الدكتور يوسف عقراوي بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه من بريطانيا، وبعد أن أجتهد بتقديم خدمات التحليلات المرضية من خلال خدمات معهد الباثولوجي الذي هو جزء من المستشفى الملكي/ الجمهوري في بغداد أواسط القرن الماضي وما بعد ذلك.
وقد أزداد الأهتمام بتوفير العدد اللازم والمناسب من أطباء علم الأمراض في العراق وفي كلية طب جامعة بغداد بالذات حيث أرسلت البعثات المتخصصة لخارج العراق وخاصة لبريطانيا وأميركا فصار عدد الباثولوجيين العراقيين في الستينيات والسبعينيات مناسبا لإحداث توسعات تنظيمية في هيكلية قسم الباثولوجي وطبيعة خدماته المقدمة للمستشفى التعليمي في مدينة الطب ببغداد علاوة على الخدمات الأكاديمية. وهكذا تتابع على رئاسة قسم علم الأمراض أو الباثولوجي في كلية الطب الأساتذة: أحمد الشماع، خليل الآلوسي، عبد الرحمن عبد الغني، مجيد الآلوسي، عدنان حسين فوزي، ضياء الموسوي، عامر الهاشمي وغيرهم من جيل أطباء العراق الذين كان لهم دورهم المتميز في رفد مسيرة علم الأمراض. ثم أن تجربة أنشاء مثل هذا القسم في كلية الطب كان لابد له من أن يثير همم أطباء وقيادات الصحة في محافظات العراق الأخرى فكان لمدينة الموصل مثلا قسما متميزا لأطباء الباثولوجي مما مكّن القسم هذا من فتح المجال لدراسة الماستر في علم الأمراض لطلبة الدراسات العليا من الأطباء المتفوقين.
ولعل بدء دراسة البورد العراقي في علم الأمراض عام 1993 لدليل واضح على مدى الثقة في النفس عند الباثولوجيين العراقيين والذين وجدوا في قدراتهم العلمية الأكاديمية العالية الفرصة لتدريس الجيل الطبي العراقي الناشئ لدرجة الدراسات العليا في البورد. وفي ذلك أفتتحت أختصاصات مختلفة منها: علم الأمراض النسيجي، علم الخلية وأمراضها، علم أمراض الدم، علم المناعة والجراثيم، أضافة الى علوم الكيمياء الحيوية.
ولابد من الأشارة هنا الى جهود الرعيل الأول من الأطباء العراقيين في أنشاء فرع للطب العدلي ضمن قسم علم الأمراض في كلية طب بغداد، وخاصة جهد الدكتور حنا خياط والدكتور أحمد عزت القيسي الذي درس الحقوق اضافة الى الطب وأصبح عميدا لكلية الطب في بغداد بين الأعوام 1958-1961. وقد كان للقيسي كتابه في الطب العدلي وباللغة العربية حيث جاء الكتاب بعنوان" الكتاب الأول في الطب العدلي"، كما ألّف الدكتور ضياء الموسوي كتابه الذي جاء بعنوان " الطب القضائي وآداب المهنة الطبية".
ولعلنا نتفق من أن للجراحة كممارسة طبية تهتم بإجراء العمليات الجراحية لعلاج الأمراض علاقتها الوثقى بعلم الأمراض. فالطبيب الجرّاح يظل بأمس الحاجة لأن يعرف عن نتائج تحليل نسيجي لورم أصاب عضوا في الجسم معينا وذلك على سبيل المثال لا الحصر. وهنا أجد من المناسب الأستشهاد بما كتبه قبل سنتين أستاذ الجراحة العراقي القدير زهير البحراني بحق طبيب الباثولوجي تحسين السليم والذي وصفه البحراني بقوله " لقد كانت له مشاركاته الفعالة في الندوات والأجتماعات السريرية الأسبوعية لأمراض الجهاز الهضمي والسرطانات وأمراض الدم. ويضيف الأستاذ البحراني قائلاً " وقد وجد السليم ما كان يبحث عنه معي وهو دراسة أورام الأنسحة الليمفاوية قي الجهاز الهضمي في العراق حيث تم نشر 8 بحوث تخص الموضوع في المجلات الطبية العالمية المتخصصة".
ان أهتمامات الطب الحديث بعلم الأمراض وأختصاصاته المختلفة أنما تنبع من حقيقة الدور الكبير الذي سيكون عليه هذا الفرع العلمي الرصين في تطوير مسيرة الطب والبحث العلمي.