حق الخصوصية

احمد الكناني
2015 / 2 / 24


يرجع اقرار هذا الحق الى ازمنة ما قبل الميلاد ، فالاغريق والرومان اثبتوه ضمن تشريعاتهم كحق ثابت لا يمكن تجاوزه .
والسؤال الجدلي الذي يطرح بقوة : اين التشريعات الدينية من هذاالحق ؟
وهل يوجد شئ بأسم الخصوصية في هذه التشريعات الالهية ؟
والجواب : لا يوجد مثل هذا الحق .
بل الموجود على خلافه ، وهو الغاء حق الخصوصية .
بل اكثر من ذلك .ولنقرر هذه الحقيقة على النحو التالي :
الاشهاد المقترن بالعقوبات في قانون الجنائي الاسلامي يشكل الجزء المعنوي للعقوبة المتقومة بالإيذاء الجسدي ، والمثال الواضح لهذه الحقيقة تلك النصوص المشرعة لاحكام الزاني والزانية ، والعقوبة المترتبة على فعل الزنا هي الجلد مائة جلدة ، لكن الإيذاء الحاصل جراءعملية الجلد لا يشكل الا جزء العقوبة ، اما الجزء الاخر للعقوبة فيتمثل بالإيذاء النفسي الحاصل نتيجة الاشهاد عليه من خلال اجراء العقوبة امام الملأ، ولعلها اشد إيذاء على النفس من الإيذاء الجسدي. على الخصوص ان القضية لم تعد مقتصرة على حالات معينة منصوص عليها في مصادر التشريع ، فهناك شئ اسمه التعزير وهو بيد صاحب الفضيلة القاضي ومن حقه الامر بجلد اي كان حتى وان لم يكن جانيا ، وقد يحدث لانسان سوي ان يجلد امام الملأ بمجرد ان افكاره لا تنسجم مع المألوف فيدخلها القاضي تحت عناوين الافساد في الارض مثلا .
الاشهاد على العقوبة معناه زيادة في الإيذاء،وهذا يناسب الهدف من تشريع العقوبة وهو المبالغة في الردع سواء كانت العقوبة من الحدود او القصاص المنصوص عليهما في التشريع او من قسم التعزيرات التي يحددها فضيلة القاضي بأجتهاده ويأمر بأجرائها امام الاشهاد زيادة في الإيذاء ولئلا يجرؤ الاخرون على فعلها .والاشهاد بهذا المعنى ليس بالامر المستهجن اذا ما لاحظنا ان قوة الردع تصل الى قطع اليد وفقع العين بل وحز الرقاب!!! مع التأكيد على الشدة في اجراء العقوبة
{ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه}

تأسيسا على ما تقدم يحق لي الارتقاء خطوات على سلَم فهم معنى الاشهاد على العقوبات ، وتصوري للاشهاد انه كلمة خجلة للتشهير ، فالاشهاد هو التشهير بلا ادنى تأمل ، ومن الغريب حقا ان احد قدماء المفسرين نقل عنه تفسيرا مغايرا لما هو المشهور، وكأنه استشم رائحة التشهير من عقوبة الزنا والاشهاد عليه فتمسك بقشة تخرجه من الاحساس بقبح الاشهاد فتشبث بالمؤمنين لاثبات معنى أخر للاشهاد يخرجها عن معنى التشهير :
{ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}
نقل ابن كثير في تفسير الاية الثانية من سورة النور عن ابن أبي حاتم قال :" سمعت نصر بن علقمة في قوله : { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}
قال : ليس ذلك للفضيحة ، إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة " .

اذن اجراء العقوبة امام طائفة من الناس وهم المؤمنين ليدعوا للجاني بالتوبة والرحمة ، اذ لا يتصور ان حضور المؤمنين للتشهير!!!
وهذا التأويل كما هو واضح بعيد بعد المشرقين عن روح الدين واهدافه من سن قوانين العقوبات ، ومنها استعمال قوة الردع بعقوبات مغلضة تقطع بها الاطراف ، حتى ان الماشي في السوق وقد بترت اصابعه ينظر اليه بأزدراء وهذه احدى اهداف اقامة حد السرقة كما سطرها الفقهاء في مدوناتهم الفقهية ، فأين الرحمة والدعاء اليه من قبل المؤمنين.


اقول لمن يحلو له المقارنة بين الاحكام الالهية والاحكام الوضعية التي هي نتاج افكارالكفار : ان هناك شيئا اسمه " حفظ الخصوصية" وهي قيمة انسانية عليا تحاول الانظمة سن قوانين وتشريعات للحفاظ عليها وعدم المساس بها ؛ لان التشهير بالفرد ولو كان جانيا مسخ لكرامته وبالتالي تعد على انسانيته المصانة بقوانين حقوق الانسان ، وهنا يكمن الفرق بين التشريعات التي تتجاوز الفرد لمصلحة المجتمع وبين تبني الفرد وصيانته على حساب المجتمع على قاعدة اذا صلح الفرد صلح المجتمع .
لكن تبني التشهير بالجاني كتشديد للعقوبة نتاجه عواقب وخيمة تهدد قيمة الانسان في مجتمعه .
ومن هنا لا يسمح بدخول الكاميرات إلى قاعات المحاكم في العديد من نطاقات الاختصاص القضائي. ويفرض على وسائل الإعلام الاعتماد على فناني الاسكتشات من أجل عمل رسومات للمحاكمات. وفي المملكة المتحدة وهونغ كونغ لا يسمح لرسامي قاعات المحاكم برسم الإجراءات في الواقع أثناء الوجود في المحكمة، وبالتالي يجب أن يقوموا برسم الرسومات الخاصة بهم من الذاكرة بعد مغادرة قاعة المحكمة . ويحق لرسامي قاعات المحاكم من التقاط لحظة معينة ويقومون برسمها على الورق ثم بيع تلك الرسومات إلى المنافذ الإعلامية التي لا يمكن أن تحصل على سجل مرئي للمحاكمة بأي طريقة أخرى.
ويمكن أن يتم بيع الرسومات إلى المحطات التلفزيونية أو المحطات الإخبارية أو الصحف أو حتى للمحامين أو القضاة الذين يرغبون في الاحتفاظ بصورة تذكارية لمحاكمة معينة. كما يمكن كذلك شراء رسومات قاعات المحاكم من أجل الأرشيفات المؤسسية، إذا كانت تصور محاكمة ذات أهمية تاريخية. وبالفعل تم شراء المجموعة الكاملة لرسومات قاعة المحاكمة الخاصة بمحاكمة ليندي تشامبرلين من خلال المتحف الأسترالي الوطني من هيئة الإذاعة الاسترالية "اي بي سي " في القصة الجدلية التي طالت الام ليندي حين فقدت ابنتها الرضيعة ازاريا ذات التسعة اسابيع ولم يعثرعلى جثتها وادعت ان كلب الدونكو الاسترالي قد اخذها ، وقد ثبتت صحة القصة من خلال الطب الشرعي بعد مرور اكثر من ثلاثة عقود.