تناقضات خطاب الاسلام السياسي

ابراهيم الجندي
2015 / 2 / 21

منذ نشأته استلب الاسلام السياسي لنفسه عنوة حق توقيع العقاب على من يتعدى على حق الله خصوصا الكفر به ، استنادا الى حديث من بدّل دينه فاقتلوه ، في محاولة منه لتجذير فكرة حصوله ضمنا على " توكيل رسمي" من الله للدفاع عنه لاسباغ الشرعية على ممارساته باسم المقدس ، رغم وجود نصوص صريحة لا تبيح قتل المرتد .. ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ..(النساء 137) بمعنى انهم.. امنوا وكفروا مرتين وفى الثالثة استمروا على الكفر أي ارتدوا بعد الايمان ، من شاء منكم فليؤمن ومن شاء منكم فليكفر .. (الكهف 29) وأيضا .. لكم دينكم ولي دين ( الكافرون 6 ) ولم يبح القرآن قتلهم .

السمة الدائمة لهذا الخطاب انه انتقائي فى قراءته للقرأن ، يركز على ما يخدم أهوائه " ما يميزه " عن المختلف معه دينا أوجنسا كالمرأة ، يكرر النصوص التى تبيح للرجل الزواج بأربعة ، وقوامة الرجل على المرأة ، ضربها ، تأديبها ، هجرها فى المضاجع ، اما النصوص التى " لا تميزه " وهي بالمئات ، فانه يؤكد ان لها اسباب نزول محددة لا تنسحب على غيرها ، مشددا فى الوقت ذاته على انها صالحة لكل زمان ومكان بعموم لفظها وليس بخصوص سببها ، على سبيل المثال .. من عمل منكم صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (النحل 79 ) بدون أى فرق بين ذكر وانثى .

كذلك استخلف الله الانسان عموما فى الارض ليعمرها ، ولم يستخلف ولم يميز المسلم وحده دون أتباع الديانات الاخرى لهذه المهمة .. وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (البقرة 30) البشر جميعا الكفار قبل المؤمنين .. خلفاء الله على الارض ، الله لم يضع خريطة لخليفته متى وكيف يعمرها ، وانما ترك له الحرية طبقا لظروفه ، يعضد ذلك حديث النبي .. أنتم اعلم بأمور دنياكم ، وهو ما ينفي مقولة صدّرها لنا هذا الخطاب مفادها ان الله قد خلق الانسان ومعه كتالوج مرفق معه ، لأن الله هو من صممه واعلم بما ينفعه !!

يشدد ذات الخطاب على ان الانسان عبد ذليل خانع لله ، فى الوقت الذى يؤكد فيه الله على كرامة الانسان وليس على خنوعه .. ولقد كرّمنا بني ادم ( الاسراء 70 ) بل ان الله اعتبر الانسان صورة منه .. ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه (السجدة 9 ) فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فعقوا له ساجدين (الحجر 29 ) وحديث النبي .. المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .. فكيف نطلب من روح الله " الانسان " ان يكون خاضعا ذليلا لله ؟
قصد الخطاب هو ترويض تابعيه على مبدأ السمع والطاعة في حد ذاته ، حتى يسهل قيادتهم بعد ذلك دون مقاومة ، وتكليفهم بالاوامر لتنفيذها دون نقاش وبلا اعتراض على اميرهم .

الاخطر هو علاقة هذا الخطاب بأتباع الديانات الاخرى ، اذ يؤكد على ان المسلمين فقط على حق وما عداهم كاليهود والنصارى هم أحط من الانعام ، ونسى ان الله قد اختص اليهود بالذات بقوله .. ولقد اتيناهم الكتاب والحكم والنبوة وفضلناهم على العالمين ..( الجاثية 16) وفي حالة الاحتجاج بأن للاية اسباب نزول انتهت بانتهاء اسبابها ، فسوف نحتكم الى ذات المبدأ فى القرآن كله ، وهو الامر المرفوض مسبقا من هذا التيار
ايضا .. ان الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (البقرة 72) فالايمان بالله واليوم الاخر والعمل الصالح هو المقياس عند الله بالنسبة لليهود والنصارى والصابئين والمسلمين على السواء بلا فرق ولا تمييز لأيهم على الاخر .

يعتمد هذا الخطاب الدوجمائية كمبدأ فى تعامله مع القاعدة العريضة من المجتمع ، فهو عاطفى انفعالى أكثر منه عقلانى ، فشعارات الاسلام هو الحل ، القرآن دستورنا ، تطبيق الشريعة الاسلامية ، سقطت كلها عند اول تطبيق عملى لاستلام هذا الفصيل للسلطة ، فقد اقسم على احترام الدستور والقانون الوضعى الغربي ثلاث مرات ، وفشل تماما فى ابداع برنامج اسلامي ليحكم به ، ونتحداه أن يأتى بهذا البرنامج عاجلا او اجلا ، ليس لعيب فى الاسلام ، لكن لأن الاسلام دين والقرأن نص الهى مطلق ثابت ، ينظم العلاقة بين الانسان وربه ، يعاقب الله من يخالفه يوم البعث ، اما القانون فانه نص بشري نسبي متغير ينظم العلاقة بين الناس وبعضهم البعض ، يعاقب من يخالفه بعقوبات فى الدنيا.

الاستعلائية واضحة في مضمون خطاب الاسلام السياسي ، يستند فى ذلك الى أيات .. كنتم خير امة اخرجت للناس .. (أل عمران 110) وكذلك الاية (139 من ذات السورة) ..ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين ، وتناسى ان هناك ايات اخرى تؤكد على المساواة التامة بين الناس بغض النظر عن دينهم ومنها .. يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ( النساء 1 ) وأيضا.. يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا … (الحجرات 13) ، بالاضافة الى احاديث النبي محمد ( ص ) .. الناس سواسية كاسنان المشط ، وايضا .. لافرق بين عربي ولا أعجمى الا بالتقوى … الخ

المشكلة الاساسية فى هذا الخطاب هى الانتقائية ، فهم يختارون أكثر تفسيرات القرآن تشددا ويفرضونها على المسلمين ، فالقرأن نص الهي مطلق ، وتفسيره بشري نسبي ، الله لم ينزل مذكرة تفسيريه شارحة له ، والنبي لم يفسره بل انه لم يجمعه فى حياته وترك الامر لمن يخلفه بعد وفاته ، بالاضافة الى ان احدا من المفسرين لم ينفذ الى الضمير الالهي ليعرف ماذا يعنى بهذا أو يقصد بذاك ، فهناك تفسيرات متسامحة للنصوص يمكن اعتمادها والاخذ بها ، الا ان جماعات الاسلام السياسي بمختلف اتجاهاتها وتجلياتها ، تميل الى التشدد امعانا فى التميز ، مما نتج عنه أن الامر لم يقتصر على تكفير الاخر ، بل امتد الى جماعات الاسلام السياسي ذاتها ، فلم يقف على تكفيرهم لليهود والمسيحيين وكل من هو غير مسلم سني ، بل امتد الى تكفير الشيعة والصوفيين ، والادهي من ذلك ان سهام التكفير انطلقت من تلك الجماعات لبعضها البعض فى تطبيق عملى لقانون نفي النفي ، نتج عن خطاب التكفير ، قتل اعضاء الاسلام السياسي لمخالفيهم باستخدام المقدس في غير موضعه ، سواء بأيديهم او بأيدى المتعاطفين معهم ، من ابرز الحالات انور السادات وفرج فودة .

ما يسترعى الانتباه هو هيمنة سيرة وتاريخ النبي محمد " ص" على مساحة اعلامية فى هذا الخطاب اكبر من الله ذاته ، وهذا الامر يحتاج الى تحليل ودراسة من الباحثين ، حيث بلغ الشطط حد التصريح بالتبرك ببول النبي دون دليل من الكتاب أو السنة ، بل ان احد اقطاب هذا التيار أفتى بقتل رجل اعمال لانه نشر صورة بلحية لميكي ماوس اعتبرها اهانة للنبي ، ولم يتراجع عن فتواه رغم اعتذار رجل الاعمال وتأكيده مرارا انه لم يقصد أى اهانة من أى نوع باستخدام الشخصية الكاريكاتيرية ، بينما يترك ذات الخطاب الحبل على الغارب للملحدين ليعلنوا عن كفرهم بالله دون فتوى من اى نوع ، والهدف بالطبع ليس حثهم على استصدار فتوى لقتل من يكفر بالله ، لكنها مجرد ملحوظة لا أكثر ولا اقل.

تأتي خطورة خطاب الاسلام السياسي من خلال تركيزه على الشكل ، فهو ينفق الوقت والجهد لشرح وجوب اطلاق اللحية وحفّ الشارب بالنسبة للشباب كونها سنة عن النبي ( ص ) وكأن الشباب أدي جميع السنن ولم يبق الا اللحية ، وارتداء الحجاب بالنسبة للفتيات كونه ليس مقصورا على نساء النبي بل ينسحب على كل نساء المسلمين فى كل مكان وزمان ، حيث يصون الاثني من شهوات الرجال ، فى حين انه لم يركز على دعوة القرآن للعمل .. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( التوبة 105 ) وايضا قوله .. وأن ليس للانسان الا ما سعى ( النجم 39 ) ، فهو لا يطالب بتعليم الفتاة وتطويرها خصوصا فى الريف والنجوع ، بقدر ما يركز على حجابها بل وتزويجها صغيرة منعا للفتنة ودرءا للمفاسد من وجهة نظره ، فاللحية والحجاب هي مظاهر للتمايز السياسي اكثر منها علامات للاهتداء الديني ، لأن اليهود يطلقون اللحى ويرتدون الحجاب ايضا !!

كسب خطاب الاسلام السياسي ارضا جغرافية جديدة فى الصحف والفضائيات والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، لم يترك ساحة للتكنولوجيا الا واحتل فيها ميدان ، جذب اليه شبابا جدد شكّلوا كتائب للهجوم على الخطاب المخالف ، فاذا فشل في التصدي له بالحجة والبرهان ، اثار العامة ضده ، واذا فشل.. اخترق مواقعه ودمرها ان امكن ، ونجحوا فى كثير من الحالات !!

كيف نتعامل مع هذا الخطاب ؟
للتصدي لخطاب الاسلام السياسي علينا توجيه اسئلة مهمة اليه لوضعه امام مسئولياته الدينية والتاريخية امام الناس وقواعده ايضا ، الشباب المنضم اليهم بشر يتفاعل ويتحرك يمينا ويسارا مع انسانيته والمنطق ، الدليل على ذلك زيادة عدد المنشقين عنهم ، من الرعيل الاول والاجيال الشابة على حد سواء لاسباب مختلفة.

السؤال المهم فى هذا الصدد .. أين برنامج الاسلام السياسي للحكم ؟ واذا كان موجودا .. لماذا لا ينشروه على شبكة الانترنت ؟ وماذا يقصد بالشريعة الاسلامية .. هل هي الحدود من رجم وقطع وجلد ، أم المقصود بها كل قطاعات التشريع بدءا من الزراعة والصناعة مرورا بالتجارة والدبلوماسية انتهاء بالاقباط والمرأة والعلاقة مع اسرائيل ؟ وان كان مقصدهم الاخيرة فأين هي تلك الشريعة ؟

علينا رفض الاجابات غير العلمية او غير المنطقية ، كاعتبار الاجتهاد البشري ركنا اسلاميا فى ابداع برنامج الحكم ، لأنه ركنا انسانيا بالاساس بغض النظر عن الدين ، طالما ان الانسان هو الذي سيجتهد … فلماذا نصبغ اجتهاده بالمقدس؟ الا اذا اطلقنا على كل اجتهاد ديانة من ابدعه .. فهذا حديث آخر !