في اسباب عدم النجاح بالضغط الشعبي

محسن ابو رمضان
2015 / 2 / 19


هناك قناعة وطنية جمعية بأهمية وأولوية إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية ، بوصف ذلك يشكل الخيار الاستراتيجي لمواجهة تحديات الاحتلال وتعزيز صمود ابناء شعبنا واستكمال مسيرة النضال الوطني من اجل الحرية والاستقلال ، وما دون ذلك يعنى الوقوع في شرك المخطط الاحتلالي الرامي إلى تعزيز التقسيم والتجزئة على قاعدة سياسة فرق تسد الاستعمارية القديمة من اجل تقويض وحدة الشعب والأرض والهوية وتبديد ممكنات قيام الدولة الوطنية المستقلة .
ورغم هذا الإدراك الجمعي إلا أننا ما زلنا نشهد استمراراً لحالة الانقسام رغم العديد من الاتفاقات واللقاءات والتي كان آخرها إعلان الشاطئ الذي يشكل امتداداً لاتفاق القاهرة في 4/5/2011 .
وإذا كان مفهوماً أسباب استمرارية الانقسام بين القوتين الرئيسيين فتح وحماس بسبب التباين والاختلاف بالرؤى والسياسات أحياناً وبالمصالح والصراع على السلطة والحكم في احياناً اخرى ، وبالانجذاب للتحالفات الإقليمية والدولية والرهان عليها مرة ثالثة ،فإنه من غير المفهوم استمرار حالة الترقب والمتابعة من قبل منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية التي تقع خارج دائرة القطبين الرئيسيين والتي لها مصلحة مباشرة بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة وبالاتفاق على برنامج سياسي متوافق عليه بما يساهم في تعزيز التلاحم الوطني والتماسك والصمود في مواجهة سياسات وإجراءات الاحتلال .
وعليه فلماذا لم تنجح محاولات ممارسات آليات الضغط الشعبي الرامية لاقناع الحركتين وصناع القرار بهما بضرورة طي صفحة الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية وليس المصالحة فقط .
أعتقد ان الازمة تكمن في بنية النظام السياسي الفلسطيني الذي تأسس على قاعدة اتفاق أوسلو هناك مخاطر سياسية وراء هذا الاتفاق الذي اجل القضايا المركزية الخاصة بالقضية الوطنية لمفاوضات الحل النهائي وفي المقدمة منها الاستيطان ، بما ساعد دولة الاحتلال بتكريس نظام من المعازل والبانتوستانات عبر بناء الجدار وترسيخ إدارة محلية للسكان دون الارض عبر ترجمة مفهوم الحكم الذاتي الذي لن تسمح به دولة الاحتلال بالتحول إلى دولة ذات سيادة .
وبالترابط مع المخاطر السياسية وراء اتفاق أوسلو فقد كانت هناك مخاطر إدارية وبنيوية واجتماعية واقتصادية ، تجسدت عملياً في ربط أداة الفعل النضالي والاجتماعي بالتركيبة البيروقراطية للسلطة ، حيث ساهم ذلك بتحجيم واضعاف دور المعارضة السياسية فيما يتعلق بالاحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية .
إن اندماج القوى السياسية والنقابات بالبنية الإدارية والمالية للسلطة كان له تبعات خطرة على دور هذه القوى التي ينبغي ان يكون احد مبررات وجودها الرئيسي العمل باتجاه التغيير سواءً على المستوى الوطني عبر تعزيز آليات الشراكة ودمقرطة البنية الإدارية للسلطة والمنظمة وتحقيق القيادة الجماعية الديمقراطية وإعادة بناء م . ت. ف كمعبر عن الهوية الوطنية والفلسطينية الجامعة في كافة اماكن تواجد شعبنا وصياغة رؤية وبرنامج سياسي موحد وكذلك على المستوى الاجتماعي عبر الدفاع عن حقوق ومصالح الفقراء والمهمشين بما يضمن تحقيق اسس ومرتكزات العدالة الاجتماعية في نظام يجب ان يتسم بالشفافية والحكم الرشيد بعيداً عن الفساد والمحسوبية وهدر المال العام .
وإذا كانت مؤسسات القطاع الخاص لديها هي الاخرى مصلحة بالتغيير ، ولكن كما اثبتت التجربة فإن القطاع الخاص لا يستطيع وبحكم مصالحه التي تفرض عليه المواجهة مع السلطة ،ويستطيع التكيف مع طبيعة الحزب الحاكم ، ولعل هذا ما يفسر قدرة هذه المؤسسات على البقاء والتعايش رغم تغير العديد من الحكومات وشخوصها ووزرائها ، الأمر الذي يعكس عدم قدرة هذا القطاع بأن يلعب دوراً بالتغيير الاجتماعي خاصة ان هدفه الرئيسي يتجسد بالربح دون ان نغفل ان لديه دور في المساهمة في فتح فرص العمل واستيعاب الخريجين ولكن بصورة محدودة وبسبب المعيقات المفروضة من الاحتلال التي تمس ايضا جهود القطاع الخاص .
وعليه فإذا كانت الاحزاب السياسية " المعارضة " تم استيعابها نسبياً وبتفاوت بين قوة وأخرى في بنية النظام السياسي على المستويات الإدارية والمالية ، وإذا كان القطاع الخاص وبحكم تركيبته لا يستطيع او يرغب في مواجهة مع السلطة ويتكيف معها لضمان مصالحه، فماذا بصدد المنظمات الأهلية والتي هي جزء من نسيج منظمات المجتمع المدني ؟؟
لا يمكن وضع المنظمات الأهلية جميعها في نفس السلة ، فهناك مؤسسات مرتبطة مباشرة بالسلطة وهناك منظمات ذات علاقة عضوية مع حركات الإسلام السياسي وهي جزء من تكوينها ، وهناك منظمات ذات رؤية ديمقراطية واجتماعية مرتبط جزء منها مع الأحزاب السياسية اليسارية والآخر مستقل و أرى ان المنظمات الأخيرة اليسارية والمستقلة من الممكن التعويل عليها للقيام بعملية التغيير باتجاه ممارسة الضغط الشعبي لإنهاء الانقسام لأن المنظمات الأهلية سواءً التابعة للسلطة أو التيار الإسلام السياسي فهي مستقطبة موضوعياً لهذه القوة الرئيسية أو تلك في إطار استمرارية حالة الانقسام.
وحتى تستطيع المنظمات الأهلية والحقوقية الديمقراطية القيام بدورها بالتغيير فإنها بحاجة إلى مغادرة النخبوية وزيادة ترابطها مع مصالح الفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة ، وهي بحاجة أيضاً للربط ما بين الاجتماعي والحقوقي وكذلك بين الدور المهني مع الرسالة الوطنية الأشمل ، وتعزيز العلاقة مع الأحزاب السياسية التي تشترك بها بالرؤية الوطنية والتنموية والحقوقية كما يفترض تحقيق علاقاتها مع تيار المجتمع المدني العربي والدولي بهدف كسب التأييد على المستوى الوطني و بهدف استبدال التمويل الدولي ذو الأجندة المحددة بالتمويل التضامني المؤمن بحقوق شعبنا وبكفاحه العادل والمؤمن ايضاً بمصالح وحقوق الفقراء والمهمشين في مواجهة سياسة الليبرالية الجديدة والخصخصة .
لم تنجح محاولات ممارسة آليات الضغط بسبب الأزمة البنيوية لأدوات التغيير الاجتماعي المكونة من الأحزاب والنقابات والمنظمات الأهلية والقطاع الخاص .
لقد كانت إحدى النتائج السلبية لبنية السلطة الناتجة عن اتفاق أوسلو تتجسد في تجويف وإضعاف وتهميش أدوات التغيير الاجتماعي الأمر الذي أدى إلى نتيجة موضوعية عنوانها نخبوية وفوقية تلك الأدوات والهيئات وابتعادها عن الجماهير بفئاتها الاجتماعية العريضة والمهمشة والتي لها مصلحة مباشرة في عملية التغيير وفي تحقيق المصالحة والوحدة والوطنية .
أرى ان جميع القوى والفاعليات السياسية والمجتمعية بحاجة إلى مراجعة وتقييم واعتقد ان تعزيز استقلالية كل من أحزاب اليسار عن بنية السلطة من جهة وكذلك استقلالية المنظمات الأهلية ذات الوجهة الديمقراطية من جهة ثانية وخاصة عن أدوات التمويل المسيس وأجندة الليبرالية الجديدة سيساهم في تعزيز تحالفاتها باتجاه المساهمة في بلورة تيار ديمقراطي ثالث يستطيع معالجة حالة الاستقطاب الثنائي ويلعب دوراً هاماً باتجاه تحقيق الوحدة وإنهاء الانقسام وتعزيز مقومات الصمود الوطني للفئات الاجتماعية المهمشة والعريضة بالمجتمع .
إن تحقيق المراجعة يشكل شرطاً لنجاح عمليات التغير عبر استمرارية استخدام أدوات الضغط والتأثير والمرافعة السلمية والديمقراطية بهدف تحقيق نظام سياسي فلسطيني وديمقراطي موحدة مبني على احترام التعددية السياسية والمواطنة في ظل سيادة القانون ، ولكن بدون هذه المراجعة فإننا سنستمر في مشاهدة تآكل أدوات الفعل والتغيير بما في ذلك عدم النجاح في تحقيق الضغط الشعبي .