سَرْوكَ شيخٌ فتَسَرْوك معه الشيوخ.

ليندا كبرييل
2015 / 2 / 16

كل ( مفكّر) لا يستطيع أن يتوقف بالتشكيك أمام هلوسات الواقع المُستَدْيِن المتأسْلِم، أو لا يمكنه التعبير عن توجساته من تبريرات المُسْتعدَلين لا المعتدِلين، حيال طغيان الشرّ وشراسته في العالم عموماً والبلاد الإسلامية خصوصاً، لهو مستلَب إنسانياً، حُرِم من تقدير نعمة العقل التي وُهِبَها. هو ذات مستعبَدة، خنقوا فيها التعبير، وقتلوا فيها الرغبة في الانتظام في فعل المقاومة لتحصيل الكرامة والجهاد المقدس في سبيل الحياة.
وإنه لمثير للشفقة حقاً، أن يبحثوا عن مبرر لعنف المنظمات الإرهابية الإسلامية، بسرد ما فعلته أميركا في العراق وأفغانستان، والاضطهاد في شرق الصين، وحسابات (دوبيا) حول جرائم الحروب الصليبية التي سبقتْها الحروب الهلالية بزمن، ورطانة ببغائية عن إبادة الأحمر والأسود في أفريقيا وأستراليا وقد قضوا قبلها على تاريخ قومي حضاري أخضر وأبيض، مشرقي ومغربي، تخللته مذابح الأرمن والآشوريين في العصر الحديث ومذابح بني قريظة في العهد القديم، وما بينها وما بعدها~~ فكأنهم يوهمون أنفسهم بأن هذا السرد التاريخي سيشفع لقباحات أحزاب الله، ويفوتهم أن جرائم الكون لا تصلح للذود عن جرائم الحاضر باسم الله، لأنه يفترَض أن الإسلام دين مثالي يستعلي على كل الأديان، الذي جاء ليعيدها إلى السراط المستقيم في الدعوة إلى الرحمة والسلام .
قبل أن تُسمعونا أسطوانة تاريخ حروب الأديان القذر، ناقشوا ما ترتكبه الأجنحة المتطرفة الإسلامية في الوقت الراهن من مذابح مروعة بذاتها، بغضّ النظر عن جرائم الغرب التاريخية السياسية العسكرية، التي جرتْ في ماض انتهى وتجاوزه أصحابه.

كنت أظن أن جريمة حرق الطيار العسكري الأردني، ستدفع غوغاء النيجر للخروج ثانية، دفاعاً عن الدين الذي يُهان بأيدي معتنقيه، بعد أن رأيناهم في أعمال عنف وشغب، كردّ فعل انتقامي على الرسوم الكاريكاتورية في صحيفة شارلي، فراحوا يتلفون الممتلكات الخاصة والعامة، ويدمرون الكنائس، ويهاجمون منْ لا علاقة لهم مطلقاً بالأمر. ثم بسطْتُ أملي أن يخرج أهل الظاهرة الصوتية أصحاب الدين من العرب في مظاهرات، ليذودوا عن معتقدهم الذي ما فتئوا في كل مناسبة يبرّئونه من أعمال داعش، فما كان هؤلاء وأولئك إلا صُواتيين مُبعْبِعين ! واستنّى يا بو حنا ~ لنرى .. هل سينتفضون على مقتل الأقباط المصريين في ليبيا ؟
في عيد الحب فالنتاين، هناك منْ يقدّم باقة ورود مقطوفة حمراء، وهناك من يقدّم باقة رؤوس مقطوعة حمراء.
لن أعزّيكم في مقتل الأقباط . طبعاً .. أفهم بالأصول، لكني سأعزيكم بالجملة، فأنا أرى رتلاً آخر قادماً على الطريق ترعاه عين الله من علٍ ينتظر أضحاه، وسَيليه مجموعة من بقية أخرى، وبقية بقية .... حتى يستفيق أهلنا على أنفسهم، عندئذ ستبدأ المناحة الكبرى، وسيدركون في أي هول زجّوا أبناء الوطن فيه.

( الوسطيّون ) يثيرون الشفقة وهم يدافعون عن دين هو نفسه ما تذود عنه داعش، وينكرون عليها ما تستند إليه بشرعية التراث عينه، بل إنهم يدْعون إلى نفس ما يفعله رجال داعش، عندما يطالب الأزهر بقطع أطرافهم من خلاف بأمر دين واحد لا يُجزَّأ .
ليس من حقّ من ينتقي آيات التسامح والرحمة والسلام من تراثه المقدس، أن يحتجّ على الداعشيين استناد اختيارهم الجهادي إلى آيات قتال الكفار والمشركين حيث وجدوهم، الواجبة على كل مسلم، وتصريحهم أن منْ يفعل غير ذلك ما هو إلا منافق منحرف . فالدواعش كالمعتدلين تماماً اختاروا طريقهم الإيماني من نفس التراث المقدس. إن عينك اليسرى لا تستطيع الدفاع عما قرأته عينك اليمنى، وليس بإمكانها استهجان ما تراه (شقّة التوأمة)، فكلتاهما تغرفان من نبع واحد.

يموت الناس ويعيش الأنبياء الجدد.
يلقون الخطب النارية .. يرشون عواطف الحزانى ببعض العبارات المستهلَكة التي تتكرر مع كل موت، يفتتحونها بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ويختتمونها بإنا لله وإنا إليه راجعون، وفوق قبور الشهداء ثمن أتعابهم يرتزقون، والدمع يذرفون، في نهار يومه أمْر وغده خمر، وبعده ~ كأنك يا زيد لا رحت ولا غزيت، ويا دار ما دخلك شر ..
ثلاثون قرناً من الحروب لثلاثة أديان عظمى، سيقف ربها يوماً أمام محكمةِ منْ قهرتْهم الرزايا وأذلّتهم، ولجؤوا إلى المجيب القادر، المنتقم القهار ربهم وأنبيائه وملائكته وقدّيسيه والمبشرين بالجنة... فلم يأبه أحد بهم !
جرتْ كل هذه الحروب تحت مفهوم الحلال والحرام، الذي تخلّت عنه كل الأديان، إلا أصحاب (الدين الصحيح الذي لا يقبل الله غيره) ، ظلّوا محتكرين ملكيته ويحاكمون البشر والكون بناء عليه !

في مجتمع الرؤية الواحدة الصارمة نجد أنه كلما تصادمت المفاهيم مع الآخر حول قضايا الإنسان التي تستجدّ مع تغيّر الزمن، كلما لجأ المسلم إلى المبدأ الديني الصاعق : تغيير المنكر، وبرزت فكرة الحرام والحلال.
ولا جدال في أنه من أسس الإيمان اعتبار المنحرفين عن المبادئ الإسلامية الجوهرية أي العقيدة، والعرضيّة أي العادات والتقاليد، في حكم العصاة أو الكفار أو الملحدين . ومن واجب كل مسلم هدي الضالين بكل الوسائل.
إن لم يُسمَّ هذا : تكفيراً باللسان واليد عند الحراميّين المتطرفين، وتنكيراً بالقلب عند الحراميّين المسالمين فماذا يكون ؟
أليسوا حراميّة يسلبون الإنسان حريته في اختيار ما يرتئيه مناسباً لحياته؟
ألا يعتبر هذا ترهيباً حتى لو كان الاحتجاج على حريتك بنظرة إقصائية من عين، أو بكلمة داشرة من لسان فالت ؟
لكنهم يرون أن الله خلقهم ليصلحوا الكون حسب مقياسهم الإيماني، وتفصيل قوانين تنظّم حياة الإنسان تتناسب مع مسطرة الحلال والحرام الإسلامية.

نحن أمام شخصيتين (المعتدل والمتطرف)، متطابقتين في الغاية والمنطلق والجوهر: (تحكيم كتاب الله)، مختلفتين في طريقة ترجمة هذه الرؤية في الواقع، وتطبيق وسيلة تنفيذ حكم الإعدام على المخالف : استقصاءً، نكراناً، ذبحاً، حرقاً، خنقاً، تحقيراً، تفجيراً، تهجيراً..... . فبينما يرى المتطرف تغيير المنكر الذي لا يوافق قول الله ورسوله، بلسان كحدّ السيف أو بيد حاملة الكرباج أو الكلاشينكوف، يظل المعتدل المتسامح الطيب قانعاً بتغيير المنكر بقلبٍ يمتلئ استقباحاً، دون أن يتعدّاه إلى العنف .. إلى أن تطول الأظافر !
الإنسان هو عينه ..اختلفت الوسيلة والتعبير فحسب، هنا بصوت وقح جهوري، وهنا بصوت مسالم مغمغِم يتردد في القلب.. وما أدراك ما في القلوب ؟؟
هات مقياسك لنسبر أغوار القلوب ونبحث في الشوارد التائهة في اللاوعي!!
فكيف يتسّع صدر المسلم بنوعَيه المتطرف والمعتدل للخلافات العقائدية المتَّهمة قرآنياً وفقهياً بالتزييف والتحريف ؟
ولا يأتينّ أحدكم بالمثال البهائي المسالم المعتدل !
فعقلي لا يستوعب إطلاقاً كيف اتّسع تفكير البهائي للتصديق حتى على الأديان الوثنية، التي أول فعلٍ قام به الرسول الذي يصلّون ويسلّمون عليه بتحطيم أوثانها ؟ أو يصدّق على المسيحية وهو مؤمن بحكم إلهي قرآني قاطع لا يأتيه الباطل يراها عقيدة مزيّفة ؟

الإسلام الدين الحق. لا يقبل الرحيم القاهر من عباده سواه، إذ ما عداه من الأديان باطل وضلال : ( إن الدين عند الله الإسلام ).
لا البهائية !
لا البهائية، ولا المسيحية، ولا اليهودية.
أنتَ اسكتْ ! وأنت كمان !!
يا شنتوي يا مُجِلّ الوثن .. يا بوذي يا عابد الصنم .. أنت وهو إلى ستين جهنم !
أنتَ ؟؟؟ اصمتْ أنتَ !
أنت كبقرتك ستشوى في النار وإلى دار البوار وبئس القرار يا عابد الأبقار !
وهو هو نفس الله الخالق لنا جميعاً !
وهو الذي يستشهدون بأقواله وسيجدون ما ينقضها في مكان آخر من الكتاب المقدس نفسه، فكيف الحال في الكتب المقدسة الأخرى ؟

هل تعاكس مشيئة الله بقبولك الدين المحرّف أيها البهائي ؟ بأية عقيدة بالضبط يعترف دينك أيها المعتدل ؟ المسيحية الإنجيلية غير المعترَف بها قرآنياً، أم النصرانية القرآنية غير المعترَف بها إنجيلياً ؟
حلو والله ..!
هذا مزج ساحرٍ ساذج لأديان متضاربة تستعلي على بعضها البعض، وإيمان (ملغوم) بألوانها الغامقة والفاتحة، ليُخرِج لنا من عُبّه ديناً أبيض ناصعاً هو الذي يهبه عقله وروحه !
تفضل حضرة القارئ واقرأ نقاشي لسيدة بهائية في مقالي :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=349194

الكل - المعتدل والمتطرف والمتسلّق - بألوانه السنيّة والشيعية والبهائية والمسيحية، يتحدث كأنه المالك الحصري لله وللحقيقة المطلقة، والمعتقد (الصحيح ) الذي هو البدء والمنتهى، والمقياس الكامل الذي يجب أن تُقاس الأديان المختلفة عليه.
والله يرى كل هذا ولا يتحرك!

غير القادر على التعبير عن أفكاره وأعماقه، إنسان مسيّر لا مخيّر على انتقاء الأفكار، ولا إرادة له لتوجيه مصيره بذاته، مقيّد بأقوال الفقهاء وأحكامهم، ومأسور إذا خالف الجماعة بالوعيد بالنار، ومحكوم بقوة الجن والعفاريت، فيذهب إلى الطبيب طلباً للعلاج، لكنه يؤمن بشفائه من حفنة رمل معجونة ببصاق مبارك، أو من ورقة كُتِبت عليها آية قرآنية، بلّها وشرب ماءها، فإذا شفي .. كان الله هو الشافي، وإذا قضى .. كان الطبيب هو القاتل.

هل رأيت سلفياً يتنقّل كالبهلوانات المعتدِلة بين الوصايا الإلهية ينتقي منها ما يشاء؟ أو يكتفي بالقرآن ويستبعد الحديث النبوي؟
المعتدل الوسطي مذبذب الحركة مثير للضحك وهو يحول عينيه لقبول التناقض في أحكام التراث، وهضم الاجتهادات الفقهية التي تريد ( تلزيق ) منطق زمن باد لا يصلح للاستخدام الآدمي بمنطق العصر الراهن.
هذا التنطّط في الأحكام بهلوانية، يسعد منْ بصدره غمّ من تضييق الأحكام الدينية عليه، ويثير الإعجاب برحابة شريعة تستوعب كل تطورات الأزمنة، ويبعث على الفخر بمنطق مشايخي يليّن الحديد.
كيف لا ؟
والمشرّع الفقهي هنا ( يُسرْوِك ) كلاعب السيرك تماماً، بالمشي البطيء المهتز على حبلين دون أن يقع حتى يتمكّن، أو يضحكنا عندما يفتعل حركات فهلوية، أو يتصنّع ما يوهِم بسقوطٍ من شاهق، فتشهق الصدور ! صبراً~ صبراً.. إنها ليست أكثر من حيلة مقصودة، إذ سيمتدّ له حبلٌ من هنا أو من هناك ليتمسّك به ويعاود السرْوَكة في هذا السيرك المدهش.
أرجو ألا يخطر ببالك حضرة القارئ الكريم أني في استخدامي فعل ( سَرْوَك) أنحو إلى التندّر أو الهزل في موضع الجد، كما يخلو الفعل من أي خطأ لغوي، فهو فعل ورد فعلاً وحقيقةً في قاموسنا العربي ( سَرْوَكَ تَسَرْوَكَ ) أي مشى مشية بطيئة من هزال أو إعياء.
لكن .. أستدرك وأقول وهاي دقة عالخشب : لا هزال ولا إعياء ما شاء الله، وعين الحسود فيها عود ! فأصحاب الذقون في كل الأديان يتمتعون بالعاااافية العافية، وشعب يتَسرْوك معهم، واختُصَّ دون سواه ب p من الأمام، و q من الوراء و U تحت الذقن، للأمانة يعني~

ولا أدري إن اختارت لغتنا العربية نحْت الكلمة ( سَرْوك) عن وعي وتصميم من الأجنبية ( سيرك) cirque , circus، فهل استعاروا منها اللفظة عندما وجدوا مهرِّج السيرك في أعلى درجات الإضحاك والإدهاش وهو يتنقل على حبل واحد دون أن يهتز، فنحتتْ العربية من اللفظة الأجنبية الفعل سَرْوكَ وتَسَرْوك ؟
أميل شخصياً إلى أن الأجانب أخذوا الكلمة عن العرب.
ذلك أنها تؤكّد معنى يميّز سلوكاً شائعاً في ثقافتنا. إذ ليس كالعرب شعب قادر على اللهو والإضحاك والتهريج واللعب حتى على الذقون والنطْوطة على الحبال . كما أجد سرْوكَ قريبة جداً في النطق وفي المعنى لفعل سَلَك : أي سار في الطريق، وسلّك الشيءَ في الشيء : كما الخيط في الإبرة.. وكما نسلك الجدّ في الهزل ونسروِك الهزل في الجدّ.

أمعنْ النظر حضرة القارئ في أعمال المهاجِرين المهرِّجين، وفي فتّة الفتاوى الدسمة، وفي ( سرْوكة ) الوسطيين، سترى أن الاعتدال وهْم، وطُعْم استطْيبه المغيَّبون أو المستّرون على المهرِّجين.
المعتدل الوسطي خامل، لا يسعى باحثاً عن تفسير الظواهر الاجتماعية إلا في إطار ثقافته المنغلقة، يردد ما تذكره صفحات التاريخ، فنمرّ بكلامه من باب التسلية والتلهي فحسب.
ولا عزاء لنا في وطن اللئام !

وللحديث عن المعتدلين المنافقين بقية ، أتابعه إذا أرادتْ الحياة وحتى تفرغ الجعبة.