بكارة شرف و انوثة عائشة ( الجزء الثاني )

الرفيق طه
2015 / 2 / 16

بكارة شرف و انوثة عائشة الجزء الثاني

المغرب شدت مي رقية يد عائشة و تسللتا من الباب الخلفي للقرية خلسة لتجدا خال عائشة في انتظارهما . عبروا مسارا تحاشوا فيه مواجهة المارة في الطريق . دخلوا بيت والدي عائشة في جنح الظلام . الحزن و الصمت يعم المكان .
بعدما اغلقت الزاهية باب البيت خلف عائشة و مرافقيها الذين توجهوا نحو بهو مظلم في البيت قالت و الدموع تنهمر من عينيها و هي تلوم عائشة ، هذا هو العار الذي نحتاط منه جلبتيه لنا يا ابنتي . ما ذنبي يا بنيتي حتى تعاقبيني بهذا الفعل الممقوت .
بينما كان الخال يردد بهمس " لا حول و لا قوة .." استدارت مي رقية نحو الزاهية و بحزم قالت لها : " لا تقولي في بنتك ما ليس فيها ، بنتك يعرفها الكل بحسن الخلق . و المكتوب مكتوب . و المراة ولية و من لم يخرج من الدنيا ما سلم من عاقبتها ، و من تعجب ابتلى " . " احضني يا الزاهية ابنتك و كوني لها ظلا يخفف عنها حر حقد الكائدين . "
اما عائشة و قد اشفقت على امها تسللت نحو سطح البيت متسائلة عن ذنبها و حظها التعس و ما سيؤول له حالها بعد هذا كله .
بعد منتصف الليل دخل الاب خفية للبيت . كان يود الا يجد احدا مستيقظا ، مرارة و تردد ، حيرة و انهيار معنويات ، تلك حالة ابو عائشة . طعن في شرفه وكرامته وتدنت مكانته بين العوائل و القبائل . خناجر الغدر انغمست في جسده . اين الهمة و الشهامة التي عرف بها بين الرجال . كيف يواجه نظراتهم وايماءاتهم وايحاءاتهم . بمادا يجيب الصديق قبل الشامت . كيف يميز الهامز و الغامز من العزيز .
و هو يتلمس الحيطان ببيته في الظلمة الحالكة تفاجا بجمع من الناس ينتظرونه ، خال عائشة ، مي رقية و خناتة ، في حديث مطول يسامرون انفسهم وسط البيت . يشاركون الزاهية حزنها . وضعهم كمن في ماتم . بعد السلام اخذ ابو عائشة مكانه و جلس متوجسا من الاتي .
ساد الصمت الرهيب قليلا ... سعال الخال كان عارضا بعدما شرب دخان غليونه . حاولت مي رقية تمزيق الصمت بكلامها الرزين و الذي يثير المسامع . " يا جماعة الخير ، عائشة ابنة الرجال و ربتها ابنة الرجال و خرجت من بيت الرجال و عادت لعز الرجال ، و العيب فينا نحن الذين قبلنا بهم( تشير الى القبيلة الاخرى ) و اعطيناهم جوهرة قريتنا و اجمل فتاة بيننا و اشرف بنت في قبيلتنا . و فعلهم هذا فيها سيرده لهم رجالنا صاعا بصاعين ، و الايام بيننا . و انت يا ابو عائشة ، كنت السيد و ستبقى السيد و سيد الاسياد . نحن النساء من معدن العيب ، و لا يغطي عيبنا الا رجالنا و انت اشرف الرجال و انبلهم ، فارفع راسك و ستبقى عمامتك عالية بين الرجال و همتك اعلى من الصوامع .
قال ابو عائشة بصوت غير المقتنع " بوركت يا امنا رقية و بوركت فلداتك و ابعدت الايام عنها الاذى ."
كان يقول ذلك و عيناه مصوبتان نحو المصباح الغازي . و ما ان انتهى من كلامه حتى رفع وجهه للاعلى يعاند الانهيار الذي يغالبه لمنع الدموع من السقوط من عينيه .
كلام مي رقية رغم انه غير شاف الا انه رفع معنويات ابو عائشة و جعله يحس بالدفئ المفقود .
من عمق الغرفة قال خال عائشة : " ما كنا نوافق على الزيجة لولا المكتوب ، لان اهل تلك القبيلة يكرهوننا منذ القدم . تمنيت لو لم تكن ابنتي الجميلة عائشة ضحية خستهم و حقدهم الدفين " .
قالت مي رقية : "عائشة تركها السفلة و يسترها سادة القبيلة "
اما الزاهية فقد بقيت جالسة القرفصاء و يدها اليسرى تمسح الدمع من على خديها صامتة تحبس الانفاس . حاولت الا تتكلم حتى لا تثير غضب زوجها الذي قد يفجر الجلسة و يؤول الامر الى ما لا تحمد عقباه .
اما عائشة و بسبب الثعب و الحزن سقطت نائمة في عراء بسطح البيت و قد تلطخت ملابسها البيضاء بالطين و الغبار . حملتها الزاهية و مي رقية غارقة في النوم لفراشها الذي لم تغادره لثلاث ايام متثالية بلياليها . اصرت مي رقية ان لا تترك غرفة عائشة حتى لا تبقى وحيدة خوفا عليها من المس .
نهاية الليلة الثالثة ، بعدما غابت النجوم وتنازل القمر عن عرشه ،افل كل شيء ، استفاقت عائشة . لا تدري باي ذنب طردت ، لماذا اللوم و المهانة ، ماذا اقترفت ، لماذا يعاملها القوم بهذه القساوة . هناك خلل ما في مكان ما . ماتعرفه وماتفهمه هو انها مرفوضة او بالاحرى منبوذة . نظرات الاحتقار ممزوجة بطعم الخيانة تحاصرها . وابل من الشتم و السب و الذم تحملته كله ، لكن ما لم تستسغه هو الضرب و الركل و الرفس الذي تلقته من يوسف . حتى ان اسفل عينها اليسرى تورم بفعل اللكمات العشوائية .
بدا النسيان يغطي الفاجعة ، و ان حاولت احدى الماكرات اللمز او الغمز على عائشة فان الزاهية تجيبه ب " الكل له بنات و من تعجب يبتلى " . اما مي رقية فلا تتوقف عند رد الزاهية بل يبلغ دفاعها عن عائشة و اسرتها حد تبليغ الرجال بفعل نسائهم . الى ان اصبح ذكر الموضوع من المحرمات في القرية و لو حتى بالاشارة .
وحده ابو عائشة لحظة الانفعال يعنف زوجته بقوله :" النساء تنجب البنات و انت تنجبين الباغيات "، كان هذا سلاحه الفتاك ضد زوجته التي لا تجد له جوابا غير الصمت و الصبر . رغم ان في دواخلها تقول ان حظ الرجال لا حدود له . ان اتت البنت بالخير قالوا بنت فلان و ان اتت بشر نسبت لامها و كان النساء وحدهن يجلبن الشر .
رغم ان كلام ابو عائشة ينزل على الزاهية كالجلمود ، الا انها تتقبله كما يبتلع العلقم . لانها تقدر حجم الكارثة التي حلت بزوجها . كان سيدا في قومه و اردته من الحتالى بينهم .
عائشة وحدها تتجرع مرارة الحرمان ، و قساوة القهر. تؤدي ضريبة ذنب لم تقترفه . غدرها الزمان باسلحة تجهل حاملها . تقصف بنيران صديقة . و تهان بلغة لا تعرف طلاسيمها . عارية بلا واق من سهام تعددت احجامها و وجهاتها . وحده الصمت ملاذها . لهذا تالفت مع الطيور في حركاتها و غارت من حريتها و تمنت لو لها اجنحة تطير بها محلقة متعالية عن مكر القبيلة و خساسة الخبثاء من اهلها . لهذا كان سطح البيت ملجؤها .
الاب ينكر وجودها ، عداوته لها من طرف واحد . في كل صباح تقبل يده و راسه لعله يشفع لها ، لكنها لا تتلقى غير الزفرات . ما تذكرت يوما نطق باسمها و لا طلب خدمتها او قدم لها حاجتها . يقاطع اي مجلس وجدت به . يمتنع عن اكل طعام لها يد في طهيه . لكنها تجتهد في توفير رغباته قبل طلبها . قبل الفجر و في كل اوقات صلاته او مواعيد عودته تدفئ ماء وضوئه . تهيء لوازمه للسوق و لا تتعب من الوقوف قربه حتى يغادر البيت . لكن غضبه عليها يلازمه .
حين يعود من السوق ، يوزع الحلوى و ما جاد به جيبه على اخوانها الكبار و الصغار و تبقى هي بلا نصيب . تلوذ للسطح و ترفع عينيها للسماء و شساعة الكون . في الاعياد ياتي بالملابس الجديدة لكل فرد من الاسرة ، وحدها في البيت عائشة نصيبها النكران و الحرمان المقصودان . بالدموع و الصمت تعاند الظلم و تتقوى بالصبر .
وحدها امها الزاهية تواسيها في معاناتها من مكر الاب و فظاظته . هي وحدها تعطف عليها بحنانها و تمسح دموعها .
مي رقية، العجوز النبيلة ، بقيت وفية لدعم عائشة و تبرئتها . دائمة الزيارة للبيت للاطلاع على احوال عائشة . تاتيها بالغذاء و الكساء . كما تسلحها بالكلام الجميل الذي يقوله الناس عنها . لا تفوت مواعيدها لتسريح شعرها بالزيت و الحناء و احيانا بالزعفران . تقوم بالمستحيل من اجل ان تبقى عائشة المسكينة من اجمل بنات القرية ، رغم انها سجينة بيت اسرتها و لا واحدة من قريناتها تراها و لو عبر نافذة استبعادا للشبهة .
مرت الايام و السنوات و عائشة التي بدا عقلها ينضج كما نضج جسدها و بدات تستوعب ما حدث و اقوال الناس و مقاصدهم و من ضمنهم ابوها . تحفر في ذاكرتها باستمرار لعلها تجد اثرا او اشارة لتبرير ما حدث . توالت الاحداث و غطى النسيان الالم . سنة بعد اخرى الى ان بلغت عائشة سن الثامنة عشر ليتقدم لها ابن عمها منصف خطيبا .
يتبع بجزء ثالث و اخير
سي محمد طه الدار البيضاء 15/02/2015.