استلهام الموروث الحكائي في -لا تخبر زوجتي- للكاتب محمد سيف

محمد طلعت
2015 / 2 / 11

"وكل درب جديد وليد من رحم جذورك يا عتيقة.. كم مات الرجال (الرجال الرجال) على عتباتك وأنت تنظرين بحنان وبشموخ بغير قسوة.. فأنت الأم العشيقة.." بهذه الاستهلالية المفعمة في محبة الوطن يقدم المبدع محمد سيف كتابه الجديد "لا تخبر زوجتي" 2015م، عن دار الأدهم للنشر.

يهدي محمد سيف الكتاب إلى سيدته الحبيبة الطيبة المقدسة "مصر" بلوحة نثرية متزنة واعية لما تقوله، وما تبثه في فضاءات مصر المشحونة بالألم والفقد. وهو كتاب في حد ذاته مبتكرا وعصيا على التصنيف، فهو ليس بالقصص ولا بالمقالات ولا بما يعرف من استنطاع واستغفال القراء بـ" أدب الفيس بوك"، ولعل ساقطة الناشر في تصنيف الكتاب وإصراره على وشم صدر الغلاف بـ" أدب ساخر"، لم يكن إلا نوعا من الاستسهال لخداع القاريء واستغلال الموجة المزاجية السائدة بين أواسط جمهور القراء التي تميل لنوعية هذا الساخر.!

ما يقدمه سيف يمكن تصنيفه ضمن حكايات الفضفضة أو النثر المتداخل الذي يقترب بشكل ما إلى الفن العالمي المعروف بـ " Stand-up comedy" وهو يقدم في كل حكاية موقفا ما بشكل ارتجالي مباشر، حيث تتوالد الجمل والفقرات بشكل متداعي تلقائي بصفة توليدية، بل تلتحم حكايات الكتاب الاثنتا عشرة مع الفن الإعلامي المعروف بـ"التوك الشو الموجه" حالة من الثرثرة بهدف الاستحواذ على ذهنية المتابع بعض الوقت لصب غرض ما فيه، لكن المؤلف السارد هنا ابتعد لحد ما عن كينونة الممثل والمذيع، ليرتقي بفنه إلى ساحة النص الأدبي، وهو هنا يبعث فنا حكاواتيا من فنون الأدب العربي القريبة إلى فن التأليف لجمع شوارد وطرائف وعظات الحكايات القديمة (مثل كتاب الكشكول للبهاء ﺍ-;-ﻟ-;-ﻌ-;-ﺎ-;-ﻣ-;-ﻠ-;-ﻲ-;- وحكايات الجاحظ في البخلاء، وغيرهم) في ثوب جديد، والذي يمكن وصفه كما أسميه في ثوبه الحديث بـ"أدب المقاهي"، فضلا على وصول وانتشار هذا النوع بين المتابعين لسهولته وتلقائيته، وكي يستقيم حال هذه الثرثرة لتصبح حالة إبداعية أدبية خالصة، فعلى مبدعها أن يدرك قيمة الإمتاع والعمق، وعدم فرط حبل الثرثرة فيما لا يفيد.

وعلى عكس ما هو سائد من مناخ الفقر الإبداعي المنشور بالمشاركة بين ناشرين "السبوبة" و أشباه الكُتاب، يأتي سيف ليبدد هذه الغيمة الثقيلة من سطحية فن الحكاية، فهو "حَكَّاءُ مصري" من طراز أصيل مشبع بالقدرة على توليد الحكايات والخوض معها في عوالم جديدة، مما يعود للأذهان السامر الشعبي أو شاعر الربابة. لذلك جاءت حكايات" لا تخبر زوجتي" كأقصوصات من نوعية الفن النثري، وهو فن ذو إرث عظيم في التراث العربي، الذي اهتدى المؤلف إليه مع إلمامه الناجع بتفاصيل هذا التراث بشخصياته ومواقفها وحيواتها مع الاطلاع على التراث غير العربي وتضفير كل هذا في عجينة خبز تستوى على نار هدوء قاريء معين يصطبر على السامر الحكاء الذي يعلو ويهبط ويتسطح ويتوغل في ثرثرة مفيدة أحيانا ومضطربة بل مضرة في بعض الأحايين الأخرى. لكن الشفاعة هنا أنه اقتحم ميدانا ثريا وغرف منه بجرأة يحسد عليها، حيث قام بتوليد دلالات الحكاية ورمزياتها سواء الفنية أو الاستعارية لإسقاطاته على الواقع، لخلق نوعا من الصدمة بين الواقع وغفلة لحظته الراهنة، وبين تراثه في نقاط مصابيحه المعتمة.

ويدعم سيف لوحته النثرية بأسلوب الحكاء المفاجيء الذي يشير لك بنقطة ما ويأخذك إلى مكان آخر، ويتجلي ذلك في "الجاكوش" ص10، قائلا لصديقه:"لكني أريد أن نتحدث سويا حيث يأخذنا الحديث، دون قولبة أو نمطية ما.." ص14، بهذا المفهوم الذي يعطيه سيف للقاريء المستمع له عن حكاية الطبيب النفسي ثم يأخذ الراوي المستمع إلى عوالم وشخصيات وبلاد ويطوف به. وعند بداية كل طواف يطرق سيف جاكوشه في رأس المستمع له بحكاية أخرى غير تلك الحكاية الأم، وبهذا النهج يصول سيف في "ريلاكس"ص16، ليقدم نقدا للمجتمع الدولي عبر شخصيات أدبية وفنية؛ ليؤكد ثمة عالم من المجانين وبشر أجن تسعى للحروب من أجل الرفاهية. وفي "لا تخبر زوجتى"ص21 يختلق صديقا ويتحدث معه مباشرة عن بعض الحكايات: عن مهن الصحابة والسلف والقادة.. وفي "عمي شارل مارك إبراهيم" ص27، وهي لوحة نقدية تأخذ بالقاريء إلى حقيقة مفداها أن صفحات الكتب لا تستوعب كل الناس.. وعن قيمة ترك الكلمة التي تعبر المحيطات والقارات.. وعن الانتقاد لفرض اللقب المهني على الاسم البشري ، فهذه الفئة البشرية يحزنها أن تناديها بأسمائها مجردة دون أن تضع قبلها المهنة. ليصعد ويهبط في ثمة اختلاق حكايات طويلة تدور حول نفس النقطة. وفي الحكايات التالية يدخل المطبخ في مغزى أبعد من الطبخ، فيقص بعض القطع النثرية ذات الأصوات المتداخلة ما بين الماضى والحاضر ما بين العربي والأعجمي تحت لافتة التطفل من المهمشين في التراث العربي في "حكايات الطبلجية"ص101، ليدخل بنا إلى عالم الفجعنة في " الملوك إذا فجعوا" ص131، ومرة أخرى يتغلغل في طباع الناس في الأكل بمختلف بقاع الأرض، ويصطحب القاريء إلى "الخرزة الزرقاء" وبعد أن غاص في لب حكايات الأكيلة يقدم أيقونة حكاياته موجزة في " إن كثرة النصيحة، وحتى الحكمة، قد تضيق الصدر وتجعل الإنسان العادي في ضجر ما..وإن الروح لكارهة للثقلاء والمثقلين عليها.. وبالمفاكهة والأنس يزيد الإنسان خفة."ص173. ثم بدأب يواصل هدفه من رسالة الحكايات الطويلة في "ومن الماعز ما يحدث الناس" ص179، ليصل إلى"حادي بادي"ص194، ليضع النهاية التي ظن السارد أنها مدهشة بينما جاءت مباشرة صادمة للمتابع؛ مما أفسد نهاية الحكاية في قوله:" خلاصة ما أريد قوله لك الآن.. تخلص وفورا من كل الثوابت.. فليس هناك ثابت.... ثق في نفسك وقدراتك"ص199، فسر الحكاية لا يلقى هكذا بشكل مباشر خطابي وإلا أين مساحة الحرية الذهنية للمتابع ليفك بنفسه طلسم الحكاية؟ ومن ثم تراوحت القطع النثرية ما بين الإمتاع الفني والمباشرة الخطابية.

وعلى الرغم من اكتمال عناصر التشويق في بعض الحكايات إلا أن ظاهرة الاستطراد والثرثرة المفرطة السلبية أخلت باللوحة السردية ككل للحكاية. ومع نجاح الكاتب وكتابه في إحياء هذا النوع من الكتابة إلا أن الكتاب يشوب بعض الملل والإفراط في الحكي والتضمين واختلاق الحكاية داخل حكاية دون إمتاع حقيقي، ولعل هذه الهفوة التي كان يجب على سيف الانتباه إليها ومراجعة كتابه بدقة، وإعمال مشرط الحذف والتدقيق فيما يقدمه وما يحجبه، فليس بكثرة الحكايات المتداخلة وأصواتها تمنح البهجة بل أحيانا كثيرة تقدم الشتات وفقدان خيط الحدث من يد القاريء. بلا شك أن سيف يقدم إغراء كبيرا للقاريء الذي يجذبه مثل هذه النوعية من الكتابات، لكن كان يتوجب عليه أن يقدم كبسولته بشكل مختصر ومكثف شريطة الإثراء والمتعة والاكتفاء بتلميح دون الإفراط في سرد حدث الحكاية وتوليدها بحكايات أخري مثل حكاية "الشيف سيف" التي تولدت منها باقي حكايات الكتاب حول الطبخ وسير الأكيلة والمفجوعين، وغيرهم.

تتبع السارد بين حكايات "لا تخبر زوجتي" مقلدا تيمة اختلاق شخصية ما يحاكيها ويتحدث معها مباشرة ويبثها همومه وأطروحاته، متبعا في ذلك أسلوب الأقدمين في خلق كائن ما يتحدث إليه ويفضي له بالأسرار "وقد لا أجد حرجا أن أسر إليك ببعض أسراري" ص20، بل يأخذ رأيه في بعض المواقف ويتشاجر معه، ويستند على كتفه في بعض الأحايين لخلق مساحة من الود والإيثار لجذب مستمعه أو هذا الصديق المتخيل، في لازمة متكررة على طول الحدث الدرامي من البداية والنهاية ووسط الحكاية، وهي لفتة ذكية. لكنها لا تخلو من بعض المباشرة التي جاءت في غير محلها في إقحام هذا الصديق والإصرار علي مشاركته في التنقل بين بعض الفقرات بشكل قد يبدو فجا.

وفي نفس السياق وقع سيف ضحية عنونة الحكايات الداخلية التي حملت سلاحا ذا حدين، واحد يحسب له لشد الانتباه؛ حيث يفاجئ القاريء بعنوان غريب مغري، ثم يقدم له حكايات متداخلة لا تمت بصلة لهذا العنوان، والثاني يحسب ضده حيث لا يعبر العنوان في الأصل عن متن الحكاية وثرائها، وهذه السقطة المعنونة في الأغلب جاءت نتيجة التسرع وعدم تحري الدقة والمراجعة في تزيين العمل الختامي قبل الزج به إلى المطبعة. فضلا على ثمة غرابة غير حميدة في عنونة بعض الحكايات، مثل "لن آخذك لهذا الرجل الذي يحمل الجاكوش/ ومن الماعز ما يحدث الناس"، فطول العنوان إن لم يكن له رمزية ما فيكون مرده سلبيا وعائقا لسردية الحكاية، ثم لا يصلح بأية حال أن يكون مثل هذا عنوانا لحكاية داخلية.

وعلى أية حال هي نوعية جديدة ومبتكرة من الكتابات أجاد فيها محمد سيف، وفرض موهبته الذكية في الاسترسال والحكي مقلدا أجداده من عظماء الأدب العربي في عصره الذهبي، فنجح الكاتب في حكايته وأسلوبه وسقط الناشر في تصنيف هذه الحكايات.